قال الغزالي: وَلَهَا أَحْوَالٌ: الأُولَى الَّتِي نَسِيَتِ العَادَةَ قَدْرًا وَوَقْتًا وَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ إِلَى المُبْتَدَأَةِ فِي قَدْرِ الحَيْضِ، وَاِلَى أَوَّلِ الأَهِلَّةِ فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ وَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يُعَيَّنُ أَوَّل الأَهِلَّةِ فَإِنَّهُ تَحَكُّمْ بَلْ تُؤمَرُ بِالاحْتِيَاطِ أخْذًا بِأشَقِّ الاحْتِمَالاَتِ فِي أُمُورٍ سِتَّةٍ.
قال الرافعي: النَّاسية لعادتها إما أن تكون مميزة بشرط التمييز، وإما ألا تكون كذلك، فإن كان الأول فهي مردودة إلى التمييز؛ لأن الرجوع إلى العادة فقد تعذر، فنأخذ بدلالة التمييز كيف [اتفق] ولو أمكن الرجوع إلى العادة أيضًا، لكنا نأخذ بالتَّمييز على الأصح، وفي هذه الحالة لا تحير، ولا إشكال، وعن الإِصْطَخْرِيِّ وابن خيران أَنَّهَا لا ترد إلى التَّمييز، ولا فرق بين أن تكون مميزة أو لا تكون، وهذا لائق بمصيرهما إلى تقديم العادة عند اجتماع المعنيين، لكن المشهور الأصح [هو] الأول، وإن لم تكن مميزة بشرطه، وهذه الحالة هي المقصود بهذا الباب، فلها ثلاثة أحوال؛ لأنها: إما أن تكون ناسية لقدر الحيض ووقته جميعًا، وإما أن تكون ناسية لقدر [الحيض] دون الوقت وإما أن تكون بالعكس من ذلك الحالة الأولى: أن تكون ناسية لهما جميعًا وتعرف بالمتحيرة لتحيرها في شأنها، وقد تسمى محيرة أيضًا، لأنها تحير الفقيه في أمرها، وبعضهم يضع اسم المتحيرة موضع الناسية فتسمى ناسية الوقت وناسية القدر أيضًا متحيرة، وكذلك فعل صاحب الكتاب في "الوسيط" والأول أحسن والنسيان المطلق قد يعرض لغفلة وعلة عارضة، وقد [تُجَنّ] صغيرة وتستمر لها عادة في الحيض ثم تفيق وهي مستحاضة فلا تعرف مما سبق شيئًا، وفي حكمها في هذه الحالة قولان:
أحدهما: أنها مردودة إلى المبتدأة؛ لأن العادة المنسية لا يمكن استفادة الحكم منها فيكون كالمعدومة ألا ترى أن التَّمييز لما لم يمكن استفادة الحكم منه لفوات بعض الشروط الحق بالعدم؛ ولأن المصير إلى القول الثَّاني يلزمها حرجًا عظيمًا على ما سيأتي، ولا حرج في الدّين.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأصحهما: أنها مأمورة بالاحتياط، غير مردودة إلى المبتدأة إذ ما من زمان يمرّ عليها إلا ويحتمل الحيض والطهر والانقطاع، فيجب الأخذ بالاحتياط وقد (نقل) أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي -ﷺ- فَأمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (١).
فحمله حاملون على أنها كانت ناسية فأمرها به احتياطًا، ومنهم من يثبت سوى القول الثَّاني، لكن طريقة إثبات القولين أظهر، وهي التي ذكرها في الكتاب. فإن قلنا بالرّد إلى المبتدأة، فقد اختلفوا، منهم من طرد فيها القولين في الرد إلى الأقل والغالب، ومنهم من اقتصر على الرّد إلى الأقل.
والأول أظهر وهو قضية إطلاقه في الكتاب، حيث قال: "فهي مردودة إلى المبتدأة في قدر الحيض" ويجوز أن يعلم بالواو، إشارة إلى الوجه الثاني، وأما وقت ابتداء حيضها فلا يمكن أخذه من المبتدأة، لأن ابتداء دورها معلوم بظهور الدم بخلاف الناسية، والمشهور تفريعًا على هذا القول -أن ابتداء حيضها أول الهلال حتى لو أفاقت المجنونة في أثناء الشهر الهلالي- عدت باقي الشهر استحاضة واحتجوا له بأنَّ الغالب أن الحيض يبتدأ مع استهلال الشَّهر، وهذه دعوى يخالفها الحس والوجود.
وعن القَفَّال: أنها إذا إفاقت، فابتداء حيضها من وقت الإفاقة؛ لأن التكليف حينئذ يتوجه عليها.
قال الأئمة: وهذا بعيد أيضًا، فإنها قد تفيق في أثناء الحيض، وأقوى ما زيفوا به أصل القول الذي يفرع عليه ما في ابتداء الحيض من الإشكال، أما الرد إلى الأقل أو الغالب كما في المبتدأة فغير بعيد، ولهذا قال صاحب الكتاب: والصحيح أنه لا يتعين أول الأهلّة، فإنه تحكم محض التحكُّم، بتعيين أوّل الأهلّة دون تعيين القدر، وإن كان ذلك متروكًا على قول الاحتياط أيضًا، ومتى أطلقنا الشهر في مسائل المستحاضات عنينا به ثلاثين يومًا، سواء كان ابتداؤه من أول الهلال أم لا، ولا نعني به الشهر الهلالي، إلا في هذا الموضع على هذا القول. وليكن قوله: "إلى أول الأهلة في وقته" معلّمًا بالواو لما حكيناه عن القَفَّال، ثم على هذا القول، هل تؤمر بالاحتياط من انقضاء وقت الرد إلى آخر الخمسة عشر؟ فيه القولان المذكوران في المبتدأة، وأما التَّفريع على قول الاحتياط فقد حصره في ستة أمور ونحن نشرحها على النسق.
قال الغزالي: (الأوَّلُ) أَنْ لاَ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا أَصْلًا لاِحتِمَالِ الحَيْضِ.
قال الرافعي: ليس لزوج المتحيرة وسيدها أن يجامعها أصلًا إذ ما من زمان
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٥) وفيه عنعنة ابن إسحاق.
[ ١ / ٣٢٥ ]
يفرض إلاّ وهو محتمل للحيض فلا بد من الاحتياط، وعن أقضى القضاة الماوردي، وجه آخر: أنه لا بأس بوطئها ورأيته لبعض المتأخرين أيضًا، ووجهه أن الاستحاضة علة مزمنة فالتَّحريم توريط لها في الفساد، وإذا قلنا بالصحيح، فلو فعل عصى ولزمها الغسل من الجنابة، ولا يعود هاهنا، فالقول المذكور في وجوب الكَفَّارة بوطء الحائض؛ لأنَّا لا نتيقن وقوعه في الحيض، فتسقط الكفّارة بالشُّبهة كما يثبت التَّحريم بالشُّبهة، وهل يجوز الاسْتِمْتَاع بما تحت الإِزار منها؟ فيه الخلاف الذي سبق في الحائض.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ تَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَلاَ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ.
قال الرافعي: المتحيرة لا تقرأ القرآن لاحتمال الحيض في كل زمان، وقد ذكرنا في الحائض قولًا: إنها تقرأ، فهذه أولى، إذ لا نهاية لعذرها، هذا في القراءة خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهل تزيد على الفاتحة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ولا حجر وحكمها في دخول المسجد حكم الحائض، فلا تمكث بحال ولا تعبر عند خوف التلويث وعند الأمن وجهان، ولا يخفى بعد هذا أنه ينبغي أن يعلّم قوله: "ولا تقرأ القرآن ولا تدخل المسجد" كلاهما بالواو.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) أَنَّهَا تُصَلِّي وَظَائِفَ الأَوْقَاتِ لاحتِمَالِ الطُّهْرِ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ لاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ الدَّمِ.
قال الرافعي: يجب على المتحيّرة أن تصلّي الخمس أبدًا؛ لأن كل وقت أفرد بالنظر فمن الجائز كونها طاهرة فيه فنأخذ بالاحتياط، وهل لها أن تتنفّل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرورة في التَّنَفُّل مع احتمال الحيض فصار كقراءة القرآن في غير الصَّلاة، وحمل المصحف.
وأصحهما: نعم، كالمتيمم يتنفل مع بقاء حدثه، ولأن النوافل من مهمات الدين فلا وجه لحرمانها عنها.
ومنهم من جوز السنن الراتبة دون غيرها وهذا الخلاف يجري في نوافل الصوم والطواف ثم يلزمها أن تغتسل لكل فريضة لاحتمال الانقطاع قبلها ويجب أن يقع غسلها في الوقت؛ لأنه طهارة ضرورة فصار كالمتيمم وفي وجه: لو وقع غسلها قبل الوقت وانطبق أول الصلاة على أول الوقت وآخر الغسل جاز، وقد ذكرنا نظيره في طهارة المُسْتَحَاضَةِ، وهل تلزمها المبادرة إلى الصلاة عقيب الغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، أما ذكرنا في وضوء المستحاضة.
وأصحهما: عند إمام الحرمين وصاحب الكتاب: لا، لأنا إنما نوجب المبادرة
[ ١ / ٣٢٦ ]
إلى الصلاة بعد الوضوء؛ تقليلًا للحديث والغسل إنما تؤمر به لاحتمال الانقطاع ولا يمكن تكرر الانقطاع بين الغسل والصلاة، ولو بادرت أيضًا فمن المحتمل أن غسلها وقع في الحيض وانقطع بعده، فإذًا لا حيلة في دفع هذا الاحتمال، وإن قرب الزَّمان.
وللأول: أن يقول: نعم، دفع أصل الاحتمال لا يمكن، لكن الاحتمال في الزمان الطويل أظهر منه في الزمان القصير فبالمبادرة تقل الاحتمال.
فعلى الوجه الثاني إذا أخرت لزمها لتلك الصلاة وضوء آخر، إذا لم تجوز للمستحاضة تأخير الصلاة عن الطهارة.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) يَلْزَمُهَا أَنْ تَصُومَ جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ لاِحتِمَالِ دَوَامِ الطُّهر ثُمَّ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِي سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا لاحْتِمَالِ دَوَامِ الحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَومًا وَانْطِبَاقِهَا إِلَى سِتَّةَ عَشَرَ بِطَرَيَانِهَا فِي وَسَطِ النَّهَار، وَقَضَاءُ الصَّلَوَاتِ لاَ يَجِبُ (و) لِمَا فِيهِ مِنَ الحَرَجِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل مسألتان:
إحداهما: أن المتحيّرة تصوم على قول الاحتياط جميع شهر رمضان؛ لاحتمال أنها طاهرة في الكل ثم كم يجزئها؟ من ذلك المنقول عن الشافعي -﵁- أنه يجزئها خمسة عشر يومًا [إذ لا بد وأن يكون لها في الشهر طهر صحيح، وغاية ما يمكن امتداد الحيض إليه خمسة عشر يومًا] (١) فيقع صوم خمسة عشر يومًا في الطّهر، وهذا ما ذكره قوم من أصحابنا كصاحب "الإِفْصَاحِ" والشيخ أبي حامد.
وقال أبو زيد وأكثر الأصحاب على اختلاف الطبقات: لا يجزئها إلا أربعة عشر يومًا لاحتمال أن يبتدئَ حيضها في أثنائها، ويمتد خمسة عشر يومًا، فينقطع في أثنائها أيضًا، فتنبسط الخمسة عشر يومًا على ستة عشر، ويفسد صومها، وأثبت إمام الحرمين في المسألة طريقتين:
إحداهما: القطع بما ذكره الأكثرون وحمل كلام الشافعي -﵁- على ما إذا حفظت أن دمها كان ينقطع بالليل.
والثانية: جعل المنقول عن الشّافعي -﵁- من المذهب أيضًا، فليكن قوله: "ثم عليها أن تقضي ستة عشر يومًا معلّمًا بالواو لهذا المعنى، وهذا إذا كان الشَّهر كاملًا وهو المراد من مسألة الكتاب، فأما إذا كان ناقصًا فالمحسوب على قياس المنقول عن الشَّافعي -﵁- لا يختلف وتقضي هاهنا أربعة عشر يومًا، وعلى قول الأكثرين المقضي لا يختلف ويحسب لها ثلاثة عشر يومًا. وقال الشيخ أبو إسحاق
_________________
(١) في: يومين.
[ ١ / ٣٢٧ ]
الشيرازي في "المُهَذَّب": يحسب لها أربعة عشر يومًا، وهذا مع موافقته للأكثرين في صورة الكمال. واحتج له يحيى اليمني بأن قال: أجرى الله تعالى العادة بأن الشهر لا يخلو عن طهر صحيح كاملًا كان أو ناقصًا، وإذا كان كذلك فغاية الممكن أن يكون حيضها من الشَّهر الناقص أربعة عشر يومًا ثم يجوز أن يفسد به صوم خمسة عشر يومًا فيصح أربعة عشر يومًا. ولك أن تقول: لا نسلم أن الله تعالى أجرى العادة بما ادعيته ثم هب أنه كذلك لنا على قول الاحتياط لا نكتفى بالغالب، ولو اكتفينا به لجعلنا الفاسد صوم سبعة أيام أو ثمانية؛ لأن الغالب من الحيض ستة أو سبعة فإذًا ما ذكره الشيخ ساقط.
المسألة الثانية: إذا أدت الصلوات الخمس فهل يجزئها ذلك؟ أم يجب القضاء مع الأداء كما في الصوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجب، ولهذا سكت الشافعي -﵁- عن قضاء الصلاة مع حكمه بوجوب قضاء الصوم، والمعنى فيه أن قضاء صلوات أيام الحيض لا يجب، فإن كانت طاهرة وقت الصلاة المؤداة أجزأها ما فعلت وإلا فلا صلاة عليها وأيضًا فإن قضاء الصلاة يفضي إلى حرج شديد.
والثاني: أنه يجب القضاء لجواز أن ينقطع الحيض في خلال الصلاة، أو في آخر الوقت، ويجوز أن ينقطع قبل غروب الشمس فيلزمها الظهر والعصر، أو قبل طلوع الفجر فيلزمها المغرب والعشاء، وإذا سلكنا طريق الاحتياط وجب سلوكه في جميع جهات الاحتمال. ويحكى هذا عن ابن سريج ويشهر بأبي زيد، وهو ظاهر المذهب عند الجمهور، ولم يورد صاحبا "التَّهْذِيب" و"التَّتمَّة" سوى ذلك ومنهم من قطع به، وقال الشافعي -﵁- كما لم يذكر وجوب القضاء لم ينفه أيضًا.
وقضية مذهبه الوجوب فعلى هذا تغتسل في أول وقت الصبح وتصليها، ثم إذا طلعت الشمس اغتسلت مرة أخرى، وأعادتها لاحتمال أن المرة الأولى [وقعت في الحيض وانقطع بعده؛ فلزمها الصبح، وبالمرتين تخرج عن العهدة يقينًا: لأنها إذا كانت طاهرًا في المرة الأولى] (١) فهي صحيحة وإلا فإن انقطع في الوقت أجزأتها المرَّة الثَّانية [وإن لم ينقطع فلا شيء عليها، ولا يشترط البدار إلى المرة الثانية] (٢) بعد خروج الوقت بل متى قضتها قبل انقضاء خمسة عشر يومًا [من أول وقت الصبح خرجت من العهدة أيضًا؛ لأن الحيض لو انقطع في الوقت لم يعد إلى خمسة عشر يومًا] (٣). قال إمام الحرمين ولا يشترط تأخر جميع الصلاة المرة الثّانية عن الوقت، بل لو وقع بعضها في
_________________
(١) و(٢) و(٣) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٢٨ ]
آخر الوقت جاز بشرط أن يكون دون تكبيرة إذا قلنا: تلزم الصلاة بإدراك تكبيرة، أو دون ركعة فإذا قلنا: لا تلزم إلا بادراك ركعة، وفيه قولان مذكوران في كتاب الصَّلاة وإنما يجوز ذلك؛ لأنه (إذا) فرض الانقطاع قبل المرة الثَّانية فقد اغتسلت وصلت، والانقطاع لا يتكرر، وإن فرض في أثنائها فلا شيء عليه في التَّصوير المذكور، ولك أن تقول إشكالًا المرة الثانية يتقدمها الغسل، فإذا وقع بعضها في الوقت والغسل سابق جاز أن يقع الانقطاع في أثناء الغسل، ويكون الباقي من وقت الصلاة [من] حينئذ قدر ركعة أو تكبيرة، فيجب أن ننظر إلى زمان الغسل سوى الجزء الأول منه، وإلى الجزء الواقع من الصَّلاة في الوقت فيقال: إن كان ذلك دون ما يلزم به الصلاة جاز وإلا فلا، ولا نقصر النظر على جزء الصلاة، ثم من المعلوم أنه لا يمكن أن يكون ذلك دون التَّكبيرة، ويبعد أن يكون دون الرَّكْعَةِ فهذا في الصبح، وأمّا في العصر والعشاء فيصليهما مرتين كذلك، وأما الظهر فلا يكفي وقوعها المرة الثانية في أول وقت العصر، ولا وقوع المغرب في أول وقت العشاء؛ لأنها لو أدركت قدر ركعة أو خمس ركعات على اختلاف القولين نذكرهما من وقت العصر يلزمها الظهر والعصر، وكذلك لو أدركته في وقت العشاء يلزمها المغرب [والعشاء] ومن الجائز انقطاع حيضها في الوقت المفروض؛ فيجب أن تعيد الظهر في الوقت الذي يجوز إعادة العصر فيه، وذلك بعد] (١) وقت العصر وتعيد المغرب في الوقت الذي يجوز إعادة العشاء فيه، وذلك بعد وقت العشاء ثم إذا أعادت الظُّهر والعصر بعد الغروب فينظر إن قدمتها على أداء المغرب فعليها أن تغتسل للظهر وتتوضَّأ للعصر وتغتسل للمغرب، وإنما كفى لهما غسل واحد؛ لأن دمها إن انقطع قبل الغروب فقد اغتسلت بعده، وإن انقطع بعد الغروب فليس عليها ظهر ولا عصر، وإنما لزم إعادة الغسل للمغرب، لاحتمال الانقطاع في خلال الظهر أو العصر أو عقيبهما، وهكذا الحكم فيما إذا قضت المغرب والعشاء قبل أداء الصبح بعد طلوع الفجر، وحينئذ تكون مصلية الوظائف الخمس مرتين بثمانية أغسال ووضوءين، وإن أخرت الظهر والعصر عن أداء المغرب اغتسلت للمغرب، وكفاها ذلك عن الظهر والعصر أيضًا؛ لأنه إن انقطع حيضها قبل الغروب فلا تعود إلى تمام مدة الظهر، وإن انقطع بعده لم يكن عليها ظهر ولا عصر، ولكن تتوضأ لكل واحدة من الظُّهر والعصر كما هو شأن المستحاضات، وهكذا القول في المغرب والعشاء إذا أخرتهما عن الصُّبح، وحينئذ تكون مصلية الوظائف الخمس مرتين بالغسل ست مرات وبالوضوء أربعًا.
وبالطريق الثاني تخرج عن عهدة الصلوات الخمس، وأما بالطريق الأول فقد أخرت المغرب والصبح عن أول وقتهما؛ لتقديمها القضاء عليهما فتخرج عن عهدة ما
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٢٩ ]
عداهما، وأمّا هما فقد قال في "النِّهَاية": إذا أخرت الصلاة عن أول الوقت حتى مضى ما يسع الغسل، وتلك الصلاة فلا يكفي فعلها مرة أخرى في آخر الوقت أو بعده على التَّصوير الذي سبق لجواز أن تكون طاهرًا في أول الوقت، ثم يطرأ الحيض فتلزمها الصلاة وتكون المرّتان واقعتين في الحيض بل يحتاج إلى فعلهما مرتين أخريين بغسلين، ويشترط أن تكون إحداهما بعد انقضاء وقت الرفاهية والضرورة، وقبل تمام خمسة عشر يومًا من افتتاح الصلاة المرة الأولى. والثانية في أول السادس عشر من آخر الصلاة الأولى، فحينئذ تخرج عن العهدة بيقين؛ لأن الخمسة عشر المتخللة إما أن تكون كلها طهرًا؛ فتصح المرة الثانية، أو كلها حيضًا فتصح المرة [الأولى أو الثالثة أو] يكون آخرها طهرًا؛ فيكون قدر ما بعدها طهرًا أيضًا فإن انتهى إلى آخر المرة الثالثة فهي واقعة في الطهر وإلا فالثانية واقعة فيه أو يكون أولها طهرًا؛ فيكون شيء مما قبلها طهرًا أيضًا؛ وإن كان افتتاحه قبل المرة الأولى فهي في الطّهر، وإن كان في أثناء الأولى كانت الثّانية في الطّهر، ومع هذا كله فلو اقتصرت على أداء الصَّلوات في أوائل أوقاتها، ولم تقض شيئًا حتى مضت خمسة عشر يومًا أو مضى شهر، فلا يجب عليها لكل خمسة عشر يومًا إلا قضاء صلوات يوم وليلة؛ لأن القضاء إنما يجب لاحتمال الانقطاع، ولا يتصور الانقطاع في الخمسة عشر إلا مرة ويجوز أن يجب به تدارك صلاتي جمع، وهما الظهر والعصر المغرب والعشاء، فإذا أشكل الحال أوجبنا قضاء صلوات يوم وليلة كمن نسي صلاة أو صلاتين من خمس ولو كانت تصلي في أوساط الأوقات لزمها أن تقضي للخمسة عشر صلوات يومين وليلتين لجواز أن يطرأ الحيض في وسط صلاة فتبطل، وتنقطع في وسطه أخرى فيجب، ويجوز أن يكونا مثلين ومن فاته صلاتان مُتَمَاثلتان ولم يعرف عينهما فعليه صلوات يومين وليلتين، بخلاف ما إذا كانت تصلي في أول الوقت فإنه لو فرض ابتداء الحيض في أثناء الصلاة لما وجبت؛ لأنها لم تدرك من الوقت ما يسعها -والله أعلم-.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) إِذَا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهَا إِلاَّ بِقَضَاءِ ثَلاَثةِ أَيَّام، وَسَبِيلُهُ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَتُفْطِرَ يَوْمًا ثُمَّ تَصُومَ يَوْمًا ثُمَّ تَصُومَ السَّابعَ عَشَرَ مِنْ صَوْمِهَا الأَوَّلِ فَتَخْرُج مِمَّا عَلَيْهَا بِيَقِين؛ لِأَنَّ الحَيْضَ كيْفَمَا قُدِّرَ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا فَيَخْرُجُ يَوْمٌ عَنْ الحَيْض، وَعِلَّةُ هَذَا التَّقْدِيرِ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ البَسِيطِ.
قال الرافعي: تكلم في أن المتحيرة إذا أرادت قضاء صوم يوم لم تبرأ ذمتها، ولم يذكر ما إذا أرادت أن تقضي أكثر من يوم، ولا قضاء الصلوات الفائتة والمنذورة ونحن نذكرها على الاختصار، فأما صوم يوم واحد فإنما تخرج من عهدته بصوم ثلاثة أيام بأن تصوم يومًا متى شاءت وتفطر يومًا وتصوم اليوم الثالث ثم اليوم السابع عشر، وإنما
[ ١ / ٣٣٠ ]
خرجت عن العهدة بذلك؛ لأنها إما طاهرة في اليوم الأول فتحصل به الفرض أو غير طاهر، وحيئنذ إما أن تكون حائضًا في جميعه فينقطع حيضها قبل السابع عشر لا محالة، ويقع الثالث أو السابع عشر في الطهر، وإما أن تكون حائضًا في بعضه، فإن كانت حائضًا في أوله وانقطع فيه، فهي طاهر في اليوم الثالث، وإن كانت حائضًا في آخره وابتدأ فيه فغاية الانتهاء إلى السادس عشر، ويقع السابع عشر في الطهر، فعلى أي تقدير قدر يقع يوم في الطهر، واعلم أن ذكر اليوم الثالث والسابع عشر للصوم الثاني والثالث إنما جرى كلام الأئمة لبيان أن السَّبعة عشر أقل مدة، ويمكن فيها قضاء اليوم الواحد، وإلاَّ فلا يتعين اليوم الثَّالث للصَّوم الثَّاني، ولا السابع عشر [للصوم الثالث، بل لها أن تصوم بدل الثالث يومًا بعده إلى آخر الخامس عشر وبدل السابع عشر] (١) يومًا بعده إلى آخر تسعة وعشرين يومًا، ولكن الشرط أن يكون المخلف من أول السادس عشر، مثل ما بين صومها الأول والثاني، أو أقل منه. فلو صامت الأول والثالث والثامن عشر، لم يجز؛ لأن المخلف من أول السادس عشر يومان، وليس بين الصومين الأولين، إلاَّ يوم وإنما امتنع ذلك، لجواز أن ينقطع الحيض في اليوم الثالث، ويعود في الثامن عشر، فيكون الكل في الحيض.
ولو صامت الأول والرابع والثامن عشر جاز؛ لأن المخلف مثل ما بين الصَّومين.
ولو صامت السابع عشر والحالة هذه جاز؛ لأن المخلف أقل مما بين الصومين، ولو صامت الأول والخامس عشر فقد تخلل بين الصومين ثلاثة عشر يومًا، فلها أن تصوم التاسع والعشرين؛ لأن المخلف حينئذ مثل ما بين الصومين، ولها أن تصوم يومًا قبله؛ لأن المخلف يكون أقل. نعم، لا يجوز أن تصوم السادس عشر، فإنها لو فعلت ذلك لم تخلف شيئًا، ولا بد من تخليف. ثم بشرط ما ذكرنا فهذا شرح ما أورده.
ثم لك أن تعلّم قوله: "فلا تبرأ ذمتها إلا بقضاء ثلاثة أيام" بالواو؛ لأن من الأصحاب من قال: يكفيها يومان بينهما أربعة عشر يومًا.
وحكى ذلك عن نص الشافعي -﵁- وهذا قول من قال نحسب لها من رمضان خمسة عشر يومًا، والأكثرون قطعوا بأنه لا يكفي اليومان لجواز أن يبتدئ الحيض في اليوم الأوّل، وينقطع في السادس عشر (٢) وأولوا كلام الشافعي -﵁-، على ما إذا عرفت، أن دمها كان يبتدئ وينقطع ليلًا، وربما قالوا: إنه مهد القاعدة ولم يخطر له حينئذ تقدير ببعض اليوم، فما يقتضيه الاحتياط عين مذهبه ولو قال
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) الخامس عشر.
[ ١ / ٣٣١ ]
صاحب الكتاب: "إلا بصوم ثلاثة أيام" [بدل قوله: بقضاء ثلاثة أيام" (١) لكان أحسن؛ لأن الأيام الثلاثة لا تقع قضاء فائتتها يوم، وإنما الواقع قضاء واحد من الثلاثة، وأما إذا قضت أكثر من يوم فتضعف ما عليها وتزيد يومين ثم تصوم نصف المجموع ولاءً متى شاءت، وتصوم مثل ذلك من أول السادس عشر [فتخرج عن العهدة، مثاله: إذا أرادت أن تقضي يومين تضعف وتزيد يومين تكون ستة، تصوم ثلاثة متى شاءت ثم ثلاثة من أول السادس عشر] (٢) فيكفيها لأن الثَّلاثة الأولى إما أن تكون في الطّهر فذاك أو لا تكون، فان كان كلها في الحيض، فغايته الانتهاء إلى السادس عشر بتقدير أن يكون الابتداء من اليوم الأول فيقع اليومان الأخيران في الطهر، وإن كان بعضها في الحيض دون البعض، فإن كان اليوم الأول في الطهر صح من الثامن عشر، وإن كان اليومان الأولان في الطهر صحّا وإن كان اليوم الأخير في [الطهر صح] (٣) السادس عشر، وإذا كانت تقضي ثلاثة أيام صامت أربعة وَلاَءً ثم أربعة من أول السادس عشر، وعلى هذا القياس حتى إذا كانت تقضي أربعة عشر يومًا تضعف وتزيد يومين فتستوعب الشهر، وهو غاية ما يمكن قضاؤه في الشهر الواحد، ولذلك لم يحسب من رمضان إلاَّ هذا القدر، ولو أنها صامت ما عليها على الولاء متى شاءت من غير زيادة -وأعادته من أوَّل السَّابع عشر وصامت بينهما يومين، إما مجتمعين أو غير مجتمعين متصلين بالصوم الأول أو الثاني أو غير متصلين- لخرجت عن العهدة أيضًا، وكل واحد من هذين الطريقين يطرد في قضاء اليوم الواحد، لكن الطريق المذكور فيه أخف، للقناعة بصوم ثلاثة أيام، وعلى هذين الطريقين تصير أربعة، وهذا كله في قضاء الصوم الذي لا تتابع فيه. أما إذا قضت صومًا متتابعًا بنذر أو غيره، فإن كان قدر ما يقع في شهر - صامته على الولاء ثم مرة أخرى قبل السابع عشر ثم مرة أخرى من السابع عشر.
مثاله: عليها يومان متتابعان، تصوم يومين وتصوم السابع عشر والثامن عشر، وتصوم بينهما يومين متتابعين، وإذا كان عليها شهران متتابعان صامت مائة وأربعين يومًا على التَّوالي أربعة أشهر لستة وخمسين يومًا وعشرين يومًا لأربعة أيام فإن دام طهرها شهرين فذاك وإلاَّ فقدر شهرين من هذه المدة صحيح لا محالة، وتخلل الحيض لا يقطع التَّتابع، وأما إذا كانت تقضي فائتة صلاة أو تريد الخروج عن عهدة منذورة نظر إن كانت واحدة صلَّتها بغسل متى شاءت، ثم تمهل زمانًا يسع الغسل. وتلك الصلاة وتعيدها بغسل آخر بحيث يقع في خمسة عشر يومًا من أول الصَّلاة المرة الأولى وتمهل من أول السادس عشر قدر الإمهال الأول، ثم تعيدها بغسل آخر قبل تمام الشهر من المرة الأولى، ويشترط أن لا تؤخر الثّالثة من أول السّادس عشر أكثر من الزمان المتخلل
_________________
(١) و(٢) و(٣) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٣٢ ]
بين آخر المرة الأولى، وأول الثانية. وهذا كله كما ذكرنا في الصوم والإمهال الأول كإفطار اليوم الثاني، والإمهال الثاني كالإفطار السادس عشر، وإن كانت الصلوات التي تريدها أكثر من واحدة، فلها طريقان:
أحدهما: أن ننزلها منزلة الصلاة الواحدة، فتصليها على الولاء ثلاث مرات، كما ذكرنا في الواحدة، وتغتسل في كل مرة للصلاة الأولى، وتتوضَّأ لكل واحدة بعدها. ولا فرق على هذا بين أن تكون الصلوات متفقة أو مختلفة، والثاني أن تنظر فيما عليها من العدد إن لم يكن فيه اختلاف فتضعفه وتزيد عليه صلاتين أبدًا، وتصلِّي نصف الجملة ولاء ثم النِّصف الآخر في أول السادس عشر من أول الشروع في النصف الأول. مثاله: عليها خمس صلوات صبح تضعفها وتزيد صلاتين (١) تكون اثنتي عشرة، تصلّي نصفها، وستة متى شاءت ثم ستة في أول السادس عشر، وإن كان في العدد الذي عليها اختلاف فتصلي ما عليها بأنواعه على الولاء متى شاءت، ثم تصلي صلاتين من كل نوع مما عليها بشرط أن يقعا في خمسة عشر يومًا من أول الشروع، وتمهل من أول السادس عشر زمانًا يسع الصلاة المفتتح بها، ثم تعيد ما عليها على ترتيب فعلها في المرة الأولى.
مثاله: عليها ثلاث صلوات صبح وظهران، تصلي الخمس متى شاءت ثم تصلي بعدها في الخمسة عشر صبحين وظهرين وتمهل من السادس عشر ما يسع لصبح، وتعيد الخمس كما فعلت أولًا، وفي هذا الطريق تفتقر لكل صلاة إلى غسل بخلاف ما ذكرنا في الطَّريق الأول، والطواف بمثابة الصلاة واحدًا كان أو عددًا، وتصلي مع كل طواف ركعتيه، ويكفي غسل واحد للطواف مع الركعتين [إن لم توجب الركعتين] (٢) وإن أوجبناهما فثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يجب وضوء للركعتين بعد الطواف.
والثاني: يجب غسل آخر لهما.
والثالث: لا يجب لا هذا ولا ذاك، ولو بسطنا القول في جميع ذلك لطال، وقد فعلته في غير هذا الكتاب.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِذَا طُلِّقَتِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِثَلاَثةِ أَشْهُرِ، وَلاَ تُقَدِّرُ تَبَاعُدَ حَيْضِهَا إِلَى سِنِّ اليَأْسِ لِأَنَّهُ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قال الرافعي: المتحيرة إذا طلقها زوجها بماذا تعتد؟ نقلوا عن صاحب "التقريب"
_________________
(١) (٢) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٣٣ ]
وجهًا، أنها تصبر إلى سن اليأس ثم تعتد بالأشهر؛ لأن من المحتمل تباعد الحيض ونحن نفرع عى قول الاحتياط فنأخذ في كل حكم بالأسوأ، والذي صار إليه المعظم ورواه صاحب الكتاب أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر؛ لأن الغالب أن يكون للمرأة في كل شهر حيضة، وحمل أمرها على تباعد الحيض وتكليفها الصَّبر إلى سن اليأس فيه مشقة عظيمة وضرر بين، فلا وجه لاحتماله بتجويز مجرد على خلاف الغالب بخلاف العبادات فإن المشقة فيها أهون، ثم في كيفية اعتدادها بالأشهر كلام ذكره في كتاب "العِدَّة". واعلم أن إمام الحرمين -قدّس الله روحه- مال إلى رد المتحيرة إلى المبتدأة في قدر الحيض، وإن لم يجعل أول الهلال ابتداء دورها، ومما استشهد به هذه المسألة. فقال: اتفاق معظم الأصحاب على أنها تعتد بثلاثة أشهر يدل على تقريب أمرها من المبتدأة في عدد الحيض والطهر، والمعنى القاضي برد المبتدأة إلى الأقل، والغالب يقضي بمثل ذلك في المتحيرة، فوجب القول به وهذا توسط بين القول الضّعيف، وبين الاحتياط التام، وفيه تخفيف الأمر عليها في المحسوب من رمضان، فإن غاية حيضها على هذا التقدير يكون سبعة، وأقصى ما يفرض انبساطه على ثمانية أيام، فيصبح لها من الشهر الكامل اثنان وعشرون يومًا، وكذلك في قضاء الصوم والصلاة فيكفيها على هذا التقدير إذا كانت تقضي صوم يوم أن تصوم يومين بينهما سبعة أيام، لكن الذي عليه جمهور الأصحاب ما تقدم، وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَحْفَظَ شَيْئًا كَمَا لَوْ حَفِظَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الدَّمِ كَانَ أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ، فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضٌ بِيَقِينِ، وَبَعْدَهُ يَحْتَمِلُ الانْقِطَاعَ إِلَى انْقِضَاءِ الخَامِسَ عَشَرَ وَتَغْتَسِل لِكُلِّ صَلاَةٍ، وَبَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ طُهْرٌ بِيَقِينٍ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ، وَلَو حَفِظَتْ أَنَّ الدَّمَ كَانَ يَنْقَطِعُ عِنْدَ آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ، فَأوَّلُ الشَّهْرِ إِلَى النِّصْفِ طُهْرٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَتَعَارَضُ الاحْتِمَالُ وَلاَ يَحْتَمِلُ الانْقِطَاعَ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِهِ حَيْضًا بِيَقِينِ فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي إِلَى انْقِضَاءِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ، وَالْيَومُ الأَخِيرُ بِلَيْلَتِهِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: إذا حفظت الناسية من عادتها شيئًا ونسيت شيئًا، فالقول الجملي فيها أن الزمان الذي تتيقن فيه الحيض تثبت فيه أحكام الحيض، وكل زمان، تتيقن فيه الطهر تثبت فيه أحكام الطهر، نعم، لها حدث دائم، وكل زمان يحتمل الحيض والطهر فهي في الاستمتاع كالحائض، وفي لزوم العبادات كالطاهر، ثم إن كان ذلك الزمان محتملًا للانقطاع أيضًا فعليها أن تغتسل لكل فريضة، ويجب الاحتياط على ما يقتضيه الحال. وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذكرنا أن الناسية إذا لم تنس القدر والوقت جميعًا وحفظت شيئًا، فمحفوظها إما أن يكون الوقت، وإما أن يكون القدر. أو شيء منه فجعل الحالة الأولى من الحالتين الأخريين في القسم الأول، والثانية منهما في القسم الثاني.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقوله: "أن تحفظ شيئًا" أي: من الوقت وإلا دخل فيه الحالة الأخيرة، واقتصر هاهنا على ذكر مثالين:
أحدهما: لو عينت ثلاثين يومًا، وذكرت أنها كانت يبتدئ بها الدّم لأول هذه المدّة، وكذلك في كل ثلاثين بعدها ولم تعرف شيئًا غير ذلك فيوم وليلة من أوّل الثلاثين حيض بيقين؛ فإنه أقل الحيض وبعده يحتمل الحيض والطهر والانقطاع إلى آخر الخامس عشر، وبعده إلى آخر الشّهر طهر بيقين، وكذلك الحكم في كل ثلاثين بعدها، والمراد من الشّهر في هذه المسائل الأيام التي تعينها هي لا الشهر الهلالي.
والثاني: إذا عينت ثلاثين يومًا بلياليها، وقالت: أحفظ أن الدم كان ينقطع آخر كل شهر، فالأول إلى انقضاء النِّصف طهر بيقين؛ لأن غاية الممكن افتتاح الحيض من (أَوَّل) ليلة السادس عشر وبعده يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع واليوم الثلاثون والليلة قبله حيض بيقين، ويتعلق بهذه الحالة مسائل تشتهر بمسائل الخلط، نذكر منها صورتين.
إحداهما: الخلط المطلق، وهو أن تقول (كنت) أخلط شهرًا بشهر حيضًا، أي: كنت في آخر كل شهر وأول ما بعده حائضًا، فلحظة من أول كل شهر ولحظة من آخره حيض بيقين ولحظة من آخر الخامس عشر ولحظة من ليلة السادس عشر طهر بيقين، وما بين اللحظة من أول الشهر واللحظة من آخر الخامس عشر يحتمل الحيض والطّهر والانقطاع، وما بين اللّحظة من أول ليلة السادس عشر واللحظة من آخر الشهر يحتملهما ولا يحتمل الانقطاع، ولو قالت: كنت أخلط شهرًا بشهر طهرًا فليس لها حيض بيقين، لكن لها ساعتان، طهر بيقين، ساعة من آخر كل شهر وساعة من أوله، ثم قدر أقل الحيض بعد مضي اللَّحظتين لا يمكن فيه الانقطاع وبعده يمكن:
الثانية: لو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر وكنت اليوم الخامس حائضًا، فلحظة من آخر الشهر إلى آخر خمسة أيام من الشهر الثاني حيض بيقين، ولحظة من آخر الخامس عشر إلى آخر العشرين طهر بيقين، وما بينهما كما سبق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا قَالَتْ: أضللتُ عَشْرَةً فِي عِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَالْعَشْرُ الأَخِيرُ طُهْرٌ بِيَقِينٍ، وَجَمِيعُ العِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ يَحْتَمِلُ الحَيْضَ وَالطُّهرَ، نَعَمْ لاَ يَحْتَمِلُ الانقِطَاعَ فِي الْعَشْرِ الأُوَلِ فَتَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلاَةٍ وَيُحْتَمَلُ فِي العَشْرِ الثَّانِي فَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاَةٍ، وَلَوْ قَالَتْ: أضللت خَمْسَةَ عَشَرَ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَالْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَة مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ حَيْضٌ بيَقِين؛ لِأَنَّهَا تَنْدَرجُ تَحْتَ تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ جَمِيعًا.
قال الرافعي: الحافظة لقدر الحيض إنما تخرج عن التحير المطلق، إذا حفظت مع
[ ١ / ٣٣٥ ]
ذلك قدر الدور وابتداءه؛ إذ لو قالت: كان حيضي خمسة وأضللته في دوري ولا أعرف سوى ذلك، فلا فائدة فيما ذكرت لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في كل زمان، وكذا لو قالت: حيضي خمسة، ودوري ثلاثون ولا أعرف [ابتداءه وكذلك لو قالت: حيضي خمسة وابتداء دوري يوم كذا، ولا أعرف قدره] (١) وإذا حفظتهما جميعًا مع قدر الحيض فإشكال الحال بعد ذلك إنما يكون لإضلال الحيض والإضلال قد يكون في جميع الدّور وقد يكون في بعضه، فإن كان الإضلال في كله يحتمل الحيض والطّهر، وقدر الحيض من أول الدور لا يحتمل الانقطاع وبعده يحتمل الانقطاع أيضًا.
مثاله: قالت دوري ثلاثون ابتداؤه كذا، وحيضي عشرة أضللتها في الثلاثين، فعشرة من أولها لا تحتمل الانقطاع، والباقي يحتمله والكل يحتمل الحيض والطهر.
هذا إذا لم تعرف مع ذلك شيئًا آخر فإن عرفت شيئًا آخر فعليها الاحتياط كما يقتضيه الحال:
مثاله: قالت: حيضي إحدى عشرات الشهر وقد نسيت عينها، فهذا يفارق الصّورة السابقة في احتمال الانقطاع بعد العشرة الأولى قائم إلى آخر الشهر، وهاهنا لا يحتمل الانقطاع إلا في آخر كل عشرة من العشرات، وإن كان الإضلال في بعض الدور فقد ذكر في الكتاب منه صورتين:
إحداهما: إذا قالت: أضللت عشرة في عشرين من أول الشهر، فالعشرة الأخيرة طهر بيقين، والعشرون من أوله يحتمل الحيض والطهر، ولا يمكن الانقطاع في العشرة الأولى ويمكن في الثانية.
والثانية: قالت: أضللت خمسة عشرة في عشرين من أوّل الشهر، فالعشرة الأخيرة طهر بيقين، والخمسة الثانية والثالثة حيض بيقين، لاندراجهما تحت تقدير تقديم الحيض وتأخيره جميعًا، والخمسة الأولى تحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع، والرابعة تحتملها جميعًا، والطهر المستيقن في هاتين الصورتين وقع في الطرف الآخر من الدور وقد يقع في الطرف الأول كما إذا قالت: أضللت العشرة أو الخمسة عشر في العشرين من آخر الشّهر، وقد يقع في الوَسَطِ كما إذا قالت: كان حيضي خمسة والدور ثلاثون، وكنت اليوم الثالث عشر طاهرًا فخمسة من أول الدور تحتمل الحيض، والطهر دون الانقطاع، وما بعدها يحتملهما جميعًا إلى آخر الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر طهر بيقين، ومن أول السادس عشر إلى آخر العشرين يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع، ومنهم إلى آخر الشهر يحتملهما جميعًا، ومتى كان القدر
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٣٦ ]
الذي أضلته زائدًا على نصف محل الضلال كان لها حيض بيقين من وسطه، وقدره ضعف القدر الزائد من الحيض على نصف محل الضلال، وإن شئت قلت ما يزيد من ضعف قدر الحيض من كل محل الضّلال، ففي الأولى من صورتي الكتاب لم يكن قدر الحيض زائدًا على نصف محل الضّلال، فلم يكن لها حيض بيقين، وفي الثانية كان زائدًا فلا جرم لها حيض بيقين، ومقداره عشرة لأن الزائد من قدر الحيض على نصف محل الضلال خمسة وضعف الخمسة عشرة، وبالعبارة الثانية نقول: ضعف قدر الحيض ثلاثون ومحل الضلال عشرون، والثلاثون تزيد على العشرين بعشرة.
قال الغزالي: فَرْعٌ إِذَا اتَّسَقَتْ عَادَتُهَا وَكانَتْ تَحِيضُ فِي شَهْرٍ ثَلاَثًا ثُمَّ فِي شَهْرٍ خَمسًا ثُمَّ فِي شَهْرٍ سَبْعًا ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الثَّلاَثِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فَفِي رَدِّهَا إِلَى هَدِهِ العَادَةِ الدَّائِرَةِ وَجْهَانِ: فَإِنْ قُلْنَا: لاَ تُرَدُّ إِلَيْهَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى القَدْرِ الأَخِيرِ قَبْلَ الاَسْتِحَاضَةِ، وَقِيلَ: تُرَدُّ إِلَى الثَّلاثَةِ إِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ الخَمْسَةِ لِأَنَّهَا متَكَرِّرَة فِي الخَمْسَةِ، وَلَو كَانَتِ الأَقْدَار مَا سَبَقَ مِنْ ثَلاَثٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعٍ وَلَكِنْ لاَ عَلَى سَبِيلِ الاتِّسَاقِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُرَدُّ إِلَى العَادَةِ الدَّائِرَةِ فَهَذِهِ كَالَّتِي نَسِيَتِ النَّوْبَةَ المُتَقَدِّمَةَ فِي العَادَةِ الدَّائِرَةِ بَعْدَ الاسْتِحَاضَةِ، وَحُكْمُهَا الاحْتِيَاطُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ بَعْدَ الثَّلاَثِ لِأنَّ الثَّلاَثَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ ثُمَّ تَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلاَةٍ إِلَى انْقِضَاءِ الخَامِسِ. ثُمَّ تَغْتَسِلَ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ إِلَى انْقِضَاءِ السَّابعِ، ثُمَّ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ هِيَ طَاهِرٌ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ.
قال الرافعي: إذا استمرت للمرأة عادات حيض مختلفة المقادير، ثم استحيضت فلا تخلو إما أن تكون مُتَّسقة منتظمة أو لا تكون كذلك، فهما حالتان:
إحداهما: أن تكون منتظمة لا تختلف كما إذا كانت تحيض في شهر ثلاثة ثم في شهر خمسة ثم في شهر سبعة ثم في الشهر الرابع ثلاثة ثم خمسة ثم سبعة وهكذا فهل ترد بعد الاستحاضة إلى هذه العادة؟ وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأن تعاقب الأقدار المختلفة قد صار عادة لها فصار كالوقت والقدر المعتادين.
والثاني: لا ترد إلى العادة الدائرة؛ لأن كل واحد من المقادير ينسخ ما قبله ويخرجه عن الاعتبار، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون نظم عاداتها، على ترتيب العدد على ما ذكرنا، أو لا يكون كما إذا كانت ترى في شهر خمسة ثم ثلاثة ثم سبعة ثم تعود إلى الخمسة ولا فرق أيضًا بين أن ترى كل واحدة من العادات مرة، كما ذكرنا أو مرتين كما إذا كانت ترى في شهرين ثلاثة ثلاثة، وفي شهرين بعدهما خمسة خمسة،
[ ١ / ٣٣٧ ]
وفي شهرين بعدهما سبعة سبعة، وقوله في صورة المسألة: ثم تعود إلى الثلاث على هذا الترتيب إنما ذكر ذلك؛ لأنه لو ابتدئ الحيض بها ورأت الأقدار الثلاثة في ثلاثة أدوار واستحيضت في الرابع فلا خلاف في أنها لا ترد إلى تلك الأقدار في أْدوارها، أما إذا أثبتنا العادة بمرة فلأن القدر الأخير ينسخ ما قبله وأما إذا لم نثبت، فلأنه لم يثبت كون العادات المختلفة عادة لها هكذا قاله في "النهاية".
ولهذا قال الأئمة: أقل ما تستقيم فيه العادة في المثال المذكور في الكتاب ستة أشهر، فإن كانت ترى هذه الأقدار مرتين مرتين فسنة فإذًا محل الوجهين ما إذا تكررت العادة الدائرة.
فإن قلنا: ترد إليها فاستحيضت عقيب شهر الثلاثة ردت في أول شهر الاستحاضة إلى الخمسة وفي الثَّاني إلى السبعة وفي الثالث إلى الثلاثة، وإن استحيضت عقيب شهر الخمسة ردت إلى السبعة، ثم إلى الثلاثة ثم إلى الخمسة وإن استحيضت عقيب شهر السبعة ردت إلى الثَّلاَثَةِ ثم إلى الخمسة ثم إلى السبعة.
وإن قلنا: لا ترد إليها فقد نقل صاحب الكتاب ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها ترد إلى القدر الأخير قبل الاستحاضة أبدًا، وهذا مبني على أن العادة تثبت بمرة وتنتقل بمرة.
والثاني: ترد إلى القدر المشترك بين الحيضتين المتقدمتين على الاستحاضة [فإن استحيضت] (١) بعد شهر الخمسة ردت إلى الثلاثة، وكذا لو استحيضت بعد شهر الثلاثة، وإن استحيضت بعد شهر السّبعة ردت إلى الخمسة، وهذا والذي بعده خارجان على قولنا: إن العادة لا تثبت بمرة.
والثالث: أنها كالمبتدأة؛ لأن شيئًا من الأقدار لم يصر عادة لها أما إذا لم يتكرر على حياله، ولا عبرة بالتّكرار في ضمن عدد أكثر منه، فإنه حينئذ ليس بحيضة لها، ولم أر بعد البحث نقل هذه الوجوه متفرعة على الوجه الثاني لغير صاحب الكتاب، حتى لشيخه إمام الحرمين -﵀- فإنه وإن ذكر هذه الوجوه فإنما ذكرها فيما إذا لم تكرر العادة الدّائرة.
وقد حكينا أن محل الوجهين ما إذا تكررت فإذًا صاحب الكتاب متفرد [بنقل] (٢) هذه الوجوه تفريعًا على أحد الوجهين، والذي ذكره غيره تفريعًا عليه الرّد إلى القدر المتقدم على الاسْتِحَاضَةِ لا غير ثم إذا رددناها إلى القدر المتقدم على الاستحاضة فهل يجب عليها الاحتياط فيما بين أقل العادات وأكثرها؟ فيه وجهان:
_________________
(١) ، (٢) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٣٨ ]
أصحهما: لا، كذات العادة الواحدة لا تحتاط بعد الرد.
والثاني: نعم، لجواز امتداد الحيض إليه فعلى هذا يجتنبها الزوج في المثال المذكور إلى آخر السَّبعة، ثم إن استحيضت عقيب شهر الثلاثة تحيضت، من كل شهر ثلاثة، ثم تغتسل وتصوم وتصلي [وتغتسل] (١) مرة أخرى لآخر الخامس، ومرة أخرى لآخر السابع، وتقضي صوم السبعة جميعًا؛ لأنها لم تصم الثلاثة، وفيما وراءهما احتمال الحيض قائم وإن صامت ولا تقضي الصلاة أيضًا؛ لأنها حائض في الثلاثة وليس على الحائض قضاء الصلاة، وفيما وراءها إن كانت حائضًا فلا شيء عليها؛ وإن كانت طاهرًا فقد صلت وإن استحيضت عقيب شهر الخمسة تحضيت من كل شهر خمسة ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتغتسل مرة أخرى لآخر السابع وتقضي صوم الكل وصلوات اليوم [الرابع] (٢) والخامس لاحتمال أنها كانت طاهرًا فيهما، ولم تصل وإن استحيضت عقيب شهر السَّبعة تحيضت من كل شهر سبعة واغتسلت عند إنقضاء السابع وتقضي يوم السَّبعة وصلوات ما وراء الثلاثة المستيقنة من السّبعة، -والله أعلم-.
هذا كله إذا ذكرت العادة المتقدمة على الاستحاضة، فإن نسيتها تحيضت من كل شهر ثلاثة، فإنها أقل المقادير التي عهدتها وهي تحيض بيقين، ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتغستل أيضًا آخر الخامس والسابع وتتوضأ فيما بينهما لكل فريضة كما تفعل المستحاضات ثم هي طاهر بيقين إلى آخر الشهر وهل يختص هذا الجواب بقولنا: إنها ترد إلى العادة الدائرة أو هو مستمر على الوجهين جميعًا قضية كلام الأكثرين أنه مستمر على الوجهين جميعًا وكثيرًا ما يستوي التفريع على وجهين مختلفين، وإطلاق صاحب الكتاب يوافق كلامهم، وقال إمام الحرمين، هو مخصوص بقولنا: ترد إلى العادة الدائرة، أما إذا قلنا: ترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة فمنهم من قال هاهنا: ترد إلى أقل العادات ومنهم من قال: هي كالمبتدأة وقد ذكرنا قولين في المبتدأة أنها هل تؤمر بالاحتياط إلى آخر الخمسة عشر فهما جاريان هاهنا فيحصل من هذا خلاف في أنها هل تحتاط؟ وإذا احتاطت فلا يختص الاحتياط على هذا بآخر أكثر الأعداد.
الحالة الثانية: (٣) أن لا تكون تلك العادات منتظمة بل كانت تأتيها مختلفة مرة تتقدم هذه وأخرى هذه.
ذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب: أن حكم هذه الحالة يبنى على حالة الانتظام إن قلنا: ثم لا ترد إلى العادة الدائرة فهاهنا أولى، وترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة على هذا.
_________________
(١) ، (٢) سقط في (ب).
(٢) في (ط): الثالثة.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وإن قلنا: ترد إلى العادة الدائرة فعدم الانتظام بمثابة نسيان النوبة المتقدمة على الاستحاضة، فتحتاط كما سبق، وقد ذكر غيرهما طرقًا في هذه الحالة (محصول الخارج) منها ثلاثة أوجه:
أصحها: الرّد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة، وهذا مبني على أن العادة تثبت بمرة.
والثاني: أن القدر المتقدم عليها إن تكرر مرتين، أو ثلاثًا ردت إليها، وإلا فترد إلى الأقل من عادتها لأنه متكرر ومستيقن.
والثالث: أنها كالمبتدأة ولا نظر إلى شيء من تلك العادات.
ثم قالوا: [إن قلنا: ترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة أو إلى أقل العادات، فتحتاط إلى آخر أكثر العادات] (١) وإن قلنا: هي كالمبتدأة ففي الاحتياط إلى آخر الخمسة عشر الخلاف المذكور في المبتدأة، هذا إذا عرفت القدر المتقدم على الاستحاضة فإن نسيته، والعادات غير متسقة فهاهنا وجهان الذي ذكره الأكثرون الرد إلى أقل العادات. والثاني: أنها كالمبتدأة فعلى الثَّاني في الاحتياط الخلاف المذكور في المبتدأة، وعلى الأوّل يجب الاحتياط إلى آخر أكثر العادات.
وحكى بعضهم أنه يستحب، ولا يجب وإذا تأملت ما حكينا حصل عندك جوابان في أنها هل تحتاط في الحالة الثانية سواء عرفت القدر المتقدم على الاستحاضة أو نسيته، إن قلنا: تحتاط فذلك إلى آخر أكثر المقادير أو إلى الخمسة عشر، فيه جوابان، ويحصل مثل هذا الخلاف عند النسيان في الحالة الأولى، بل عند العلم أيضًا لأنا روينا فيه الوجهين في الاحتياط آخر أكثر المقادير، وذكر في الكتاب وجهًا: أنها كالمبتدأة فيجيء فيه الخلاف المذكور في احتياط المبتدأة أيضًا، وعند هذا لك أن تعلّم قوله: "وحكمها الاحتياط" بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا يلزمها الاحتياط، وقوله في آخر الباب: ثم هي طاهرة إلى آخر الشهر أيضًا للوجه الصائر إلى أنها تحتاط إلى آخر الخمسة عشر.
وقوله: "فعليها أن تغتسل بعد الثلاث"؛ لأن الثلاث حيض بيقين أيضًا؛ لأن من قال بأنها كالمبتدأة يحيضها يومًا وليلة، أو ستًا أو سبعًا ولا يعتبر الثلاث.
وقوله: "ثم تتوضأ إلى آخر الخامس، وإلى آخر السابع أيضًا" للوجه الذاهب إلى أنها تحتاط في جميع الخمسة عشر.
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٤٠ ]
واعلم أن الصحيح من هذا الخلاف عند العلم في حالة انتظام العادات أنها لا تحتاط، والصحيح عند النسيان وفي حالة عدم الانتظام أنها تحتاط لكن إلى آخر أكثر الأقدار، لا إلى تمام الخمسة عشر، ولهذا خلط في الكتاب الحالة الثانية بصورة النّسيان من حال الانتظام، والله أعلم.
قال الغزالي: