قال الغزالي: وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإنَّمَا تَتَمَيَّزُ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ: الأَوَّلُ الغُسْلُ وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ بَعْدَ (ح) الفَجْرِ، وَأَقْرَبُهُ إلَى الرَّوَاحِ أَحَبُّ، وَلاَ يُجزِئُ قَبْلَ الفَجْرِ بِخِلاَف غُسْلِ الْعِيدِ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ لِمَنْ حَضَرَ الصَّلاَة بِخِلاَفِ غُسْلِ العِيدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الزَّينَةِ عَلَى العُمُومِ. وَالأَوْلَى أَنْ لاَ يَتَيَمَّمَ بَدَلًا عَنِ الغُسْلِ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ، وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ.
قال الرافعي: قوله: (في كيفية الجمعة) أراد به كيفية إقامتها بعد اجتماع شَرَائطها، وأما الأركان التي يتركب عنها ذاتها فلا فرق فيها بينها وبين سائر الصَّلوات، والقصد بالباب التعرض لأمور مندوبة تمتاز بها الجمعة عن سَائِر الفرائض وجعلها أربعة:
أحدها: الغسل، قال -ﷺ-: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الجمعةَ فَلْيَغتَسِلْ" (٣).
_________________
(١) في "ب": وقالوا.
(٢) في "ط": يضطرد.
(٣) أخرجه البخاري (٨٧٧، ٨٩٤، ٩١٩) ومسلم (٨٤٤).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وروي أنه -ﷺ-: "قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ أغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ" (١).
وعن مالك غُسْلَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ لكن تَصِحّ الصلاة بدونه، والخبر الثاني حُجَّة عليه.
وثم فيه مسائل:
إحداها: وقت هذا الغسل ما بعد الفجر؛ لأن الأخبار علقته باليوم نحو قوله -ﷺ-: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" (٢).
وفي "النهاية" حكاية وجه بعيد أنه يجزئ قبل الفجر كما في غسل العيد، وظاهر المذهب الأول، والفرق بينه وبين غسل العيد، إن جوزناه قبل طلوع الفجر من وجهين:
أحدهما: أنه إذا اغتسل قبل طلوع الفجر يبقى أثره إلى أن يؤدي صلاة العيد لقربها من أول النَّهَار، وصلاة الجُمُعَة تُؤَدَّى بعد الزَّوال فلا يبقى أثره.
والثاني: أنه لو لم يجز غُسْل العِيد قبل الفَجْر لَشَقَّ لقرب صَلاَتِهِ من أول النهار، بخلاف غسل الجمعة فإن من طلوع الفجر إلى وقت الصَّلاة سعة، والأولى أن يقرب الغسل من الرواح إلى الجمعة؛ لأن الغرض التنزه وقطع الروايح الكريهة، فما كان أفضى إليه فهو أولى.
وقوله: (ويستحب ذلك بعد الفجر) ليس الغرض منه أن إيقاعه بعد الفجر مستحب فإن ذلك شرط الإجزاء على ما بينه بقوله: (ولا يجزئ قبل الفجر) وإنما المراد بيان استحباب أصل الغسل.
وقوله: (بعد الفجر) إشارة إلى وقت هذا المستحب.
وإذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (ويستحب ذلك) بالميم.
وقوله: (ولا يجزئ قبل الفجر) بالواو؛ لما سبق، وذلك أن تعلم قوله: "وأقربه إلى الرَّواح أحب" بالميم؛ لأن أصحابنا رووا عن مالك أنه يشترط اتصال الرَّوَاح بالْغُسْلِ، وأنه لا يجوز أن يشتغل بعده بشيء سِوَى الخروج، ومن يقول بذلك ينازع في قولنا: الأقرب إلى الرواح أْحَب.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١١٢٨، ١٥، ١٦، ٢٢) وأبو داود (٣٥٤) والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤) وابن خزيمة (١٧٥٧) والدارمي (١٥٤٨) والبيهقي (١/ ٢٩٥) وصححه أبو حاتم الرازي، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٢١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٩٢٩، ٣٢١١) ومسلم (٨٥٠).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقال القفال: رأيت في "الموطأ" عنه مثل مذهبنا -والله أعلم-.
وقوله: (بخلاف غُسْل العِيد) (١) فإن فيه وجهين وقد أعاد هذه المسألة وما فيها من الخلاف في صلاة العيدين، وكان الغرض هاهنا بيان افتراق الغُسْلَيْنِ في الوقت وإن لم يبين المعنى الفارق.
الثانية: هل يختص استحباب الغسل بمن يريد حضور الجمعة أن يستحب له ولغيره؟ فيه وجهان، حكى في "البيان" أنهما مبنيان على وجهين في أن غُسْل الجُمُعَة مَسْنُون لليوم أو للصَّلاة.
أحدهما: أنه لليوم؛ لأنه في الأخبار (٢) معلق باليوم، فعلى هذا يستحب للكل.
وأصحهما: أنه للصَّلاة فلا يستحب إلا لمن حَضَرَها، وهذا هو المذكور في الكتاب، ويدل عليه قوله -ﷺ-: "مَن جَاءَ مِنْكُمْ الجمعةَ فَلْيَغْتَسِلُ" (٣).
ويخالف غُسْل العيد يستحب للكل؛ لأنه للزينة وإظهار السرور، وهذا الغسل للتنظيف وقطع الروائح الكريهة، كيلا يتأذى من يقربه، فاختص بمن يريد الحضور، ولو نازع منازع في طرفي هذا الفرق لم يكن بعيدًا، ولا فرق في حق من يريد الحضور بين أن يكون من أهل العذر أو لا يكون؟ وعن أحمد أنه لا يستحب الغُسْل للنِّساء، ولا يقدح الحدث بعد الغسل فيه (٤) وبه قال مالك في "الموطأ".
الثالثة: قال الصَّيدلاني وغيره من الأصحاب: إن لم يجد الماء لغسل الجمعة فتيمم حاز الفضيلة، ويتصوَّر ذلك في موضوعين:
أحدهما: الذي به قروح على غير موضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
والثاني: قَوْمٌ في بَلَدٍ توضأوا ثم نفذ ماؤهم فتيممووا بدلًا عن الغُسْل.
قال إمام الحرمين: والظَّاهر ما ذكره الصَّيدلاني، وفيه احتمال من جهة، أن هذا الغسل منوط بقطع الروائح الكريهة والتنظيف، والتيمم لا يفيد هذا الغرض، ورجح حجة الإسلام هذا الاحتمال حيث قال: والأولى أن لا يتيمم أي من الوجهين.
وقوله: (وقيل يتيمم) هو الوجه الذي ذكره عامة الأصحاب.
_________________
(١) في "ط": اليد.
(٢) في "ط": أخبار.
(٣) تقدم.
(٤) وكذا لو أجنب بجماع أو غيره، لا يبطل كسله، فيغتسل للجنابة، قاله في زياداته. الروضة (١/ ٥٤٧).
[ ٢ / ٣١٠ ]
قال الغزالي: وَمِنَ الأَغْسَالِ المُسْتَحَبةِ غُسْلُ العِيدَيْنِ، وَالغُسْلُ مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، وَالإِحْرَامِ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِمُزْدَلِفَةَ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَثَلاَثةُ أَغْسَالِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلِطَوَافِ الوَدَاعِ عَلَى القَدِيمِ وَللْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ غَيرَ جُنُبِ بَعْدَ الإسْلاَمِ عَلَى وَجْهٍ، وَقَبْلَهُ عَلَى وَجْهٍ، وَالغُسْلُ مِنَ الإقَامَةِ مِنْ زَوَالِ العَقْلِ، وَأَمَّا الغُسْلُ عَنِ الحِجَامَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الحَمَّامِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: عد جملة من الأغسال المستحبة في هذا الموضع.
منها: اغتسال الحاج في مواطن معروفة، وقد أعاد ذكر ما سِوَى طواف الوداع منها في كتاب الحَجِّ، وذلك الموضع أحق بها، فتؤخر الشرح إليه.
ومنها: غسل العيدين، وهو مذكور في باب صَلاَةِ العِيدَيْنِ.
ومنها: الغسل من غُسْلِ الميت، وفيه قولان: نقل عن القديم أنه واجب، وكذا الوُضوء من مَسِّهِ؛ لما روى أنه -ﷺ- قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" (١).
والجديد أنه مُسْتَحَب وهو المذكور في الكتاب والخبر أن صَحَّ محمول على الاستحباب؛ لما روى أنه -ﷺ- قال: "لاَ غُسْلَ عَلَيْكُمْ مِنْ غُسْلِ مَيِّتِكُمْ" (٢).
وليكن قوله: (والغسل من غسل الميت) معلمًا بالواو؛ ولأنه على القديم غير معدود من الاغسال المستحبة، بل هو من الأغسال الواجبة، وأيضًا بالحاء والزاي؛ لأن الصَّيدلاني وغيره حكوا أن أبا حنيفة والمزني لا يريان استحباب هذا الغسل، فضلًا عن الإيجاب، وإذا قلنا بالجديد الصَّحيح فهذا الغسل غسل الجمعة اكد الأغسال المسنونة، وما الآكد منهما قولان:
الجديد: أن هذا الغسل آكد؛ لأنه متردد بين الوُجوب والاستحباب، وغُسْلُ الجمعة قد ثبت استحبابه.
والقديم: أن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أصَحّ، وأَثْبَت، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب" والروياني والأكثرين على خلاف قياس القديم والجديد، ورجح
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٣٨٦) والبيهقي (٣/ ٣٩٨).
[ ٢ / ٣١١ ]
صاحب "المهذب" وآخرون الجديد على القياس، وحكى الحناطي وغيره وجهًا أنهما سواء (١).
واعلم أن ما نقلناه يقتضي تردد قوله في وجوب هذا الغسل في القديم؛ لأنه لو جزم بوجوبه في القديم لما انتظم منه القول بأن غسل الجمعة آكد منه.
ومنها: غسل الكافر إذا أسلم، ولا يخلو إما أن يعرض له في الكفر ما يجب الغسل، من حيض أو جنابة، أو لا يعرض، فإن عرض ذلك فيلزمه الغسل بعد الإسلام، ولا عبره باغتساله في الكفر على الأصح كما سبق في موضعه، وإن لم يعرض له ذلك فيستحب له الغسل ولا يجب خلافًا لأحمد حيث أوجبه، وبه قال ابن المنذر.
لنا: "أنه أسلم خلق كثيرٌ ولم يأمرهم النبي -ﷺ- بالاغتسال وَأَمَرَ بِهِ ثُمَامَةَ الْحَنَفِيِّ، وَقَيْسَ بنَ عَاصِم لَمَّا أَسْلَمَا" (٢) فدل أنه مستحب لا واجب، ثم يغتسل بعد الإسلام أم قبله؟ فيه وجهان:
أحدهما: قبله تنظيفًا للإسلام وتعظيمًا له (٣).
وأصحهما: بعه؛ لأن النبي -ﷺ- أمرهما بالغُسْلِ بعد الإسلام، ولا سبيل إلى تأخير الإسْلاَم بحال.
ومنها: الغسل للإفاقة من زوال العقل، ظاهر المذهب أنه مستحب؛ لأنه قد قيل: إن من زال عقله أنزل فإذا أفاق اغتسل احتياطًا، ولا يجب، لأن الأصل استصحاب الطهارة السَّابقة، والناقض غير معلوم، ونقل القاضي ابْنِ كجٍّ عن ابن أبي هريرة أنه يجب الغسل على من أفاق من المجنون دون الإغماء، وحَكَى الحناطي في وجوب الغسل على من أفاق منهما جميعًا وجهين، ووجه الوجوب التشبيه بالنَّوم من جهة أن (٤) النائم قد يخرج منه حدث وهو لا يدري، فجعل النَّوم حدثًا، كذلك من زَالَ عقله قد
_________________
(١) قال في زياداته: الصواب الجزم بترجيح غسل الجمعة لكثرة الأخبار الصحيحة فيه، وفيها الحث العظيم عليه كقوله -ﷺ-: غسل الجمعة واجب، وقوله -ﷺ-: مَنْ جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل، ثم من فوائد الخلاف لو حضر إنسان معه ماء، يدفعه لأحوج الناس، وهناك رجلان أحدهما يريده لغسل الجمعة، والآخر للغسل من غسل الميت (بتصرف) الروضة (١/ ٥٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٥) والترمذي وحسنه (٦٠٥) والنسائي (١/ ١٠٩) وابن خزيمة (٢٥٤، ٢٥٥) وأحمد في المسند (٥/ ٦١) وابن حبان (١٢٢٨) وحديث تمامه البخاري (٤٦٢) (٤٦٩) ومسلم (١٧٦) وأبو داود (٢٦٧٩) وابن خزيمة (٢٥٢).
(٣) قال النووي: هذا الوجه غلط صريح، والعجب ممن حكاه، فكيف بمن قاله، فكيف يؤمر بالبقاء على الكفر، ليفعل غسلًا لا يصح منه. الروضة (١/ ٥٤٩).
(٤) سقط في "ط".
[ ٢ / ٣١٢ ]
ينزل ولا يدري، وليكن قوله: (والغسل من الإفاقة من زوال العقل) مرقومًا بالواو؛ لهذا الوجه؛ فإنه غير معدود على هذا الوجه من الأغسال المستحبة.
ومنها: الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام، ذكر صاحب "التلخيص" عن القديم أنه مندوب إليه، وذكر الصيمري في "الكفاية" أن الغسل عن الحجامة حسن، والأكثرون أهملوا ذكرهما، فإن قلنا: بالقديم، فقد قال في "التهذيب" قيل: إن المراد من غسل الحمام ما إذا تنور، قال: وعندي أن المراد منه أن يدخل الحمام فيعرق فيستحب أن لا يخرج من غير غسل (١) وذكر أن في غسل الحجامة أثرًا -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي البُكُورُ إِلَى الجَامِعِ.
قال الرافعي: عن أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَربَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً؛ فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتمِعُونَ الذِّكْرَ" (٢) قال المفسرون للخبر قوله: (غسل الجنابة) أي كغسلهما.
وقيل: أي جامع واغتسل، وَمِن مَتَى تعتبر السّاعات المذكورة؟ حكى أصحابنا العراقيون فيه وجهين:
أحدهما: أنها تعتبر من أول طلوع الشَّمس؛ لأن أهل الحساب منهم يحسبون اليوم، ويعدون السَّاعات.
وأصحهما: من أول طلوع الفجر الثاني؛ لأنه أول اليوم شرعًا، وبه يتعلق جواز الغسل للجمعة، ونقل صاحب "التهذيب" والرّوَيانِي وجهًا ثالثًا وهو الاعتبار من وقت الزَّوال؛ لأن الأمر بالحضور حينئذ يتوجه عليه، ويبعد أن يكون الثواب في وقت لم يتوجه عليه الأمر فيه أعظم، وأيضًا فإن الرَّواح اسم للخروج بعد الزوال، ومن قال بأحد
_________________
(١) قال في زياداته: وقيل: الغسل من الحمام: هو أن يصب عليه ماء عند إرادته الخروج تنظفًا، كما اعتاده الخارجون منه، والمختار: الجزم باستحباب الغسل من الحجامة والحمام، ففد نقل صاحب جمع الجوامع في منصوصات الشافعي أنه قال: أحب الغسل من الحجامة والحمام وكل أمر غير الجسد، وأشار الشافعي إلى أن حكمته، أن ذلك يغير الجسد ويضعفه، والغسل يشده وينعشه. قال أصحابنا يستحب الغسل لكل اجتماع، وفي كل حال تغير رائحة البدن. الروضة (١/ ٥٥٠).
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٣١٣ ]
الوجهين الأولين؛ قال: إنما ذكر لفظ الرواح لأنه خروج لأمر يؤتى به بعد الزوال، ثم ليس المراد من السَّاعات عى اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها، وإنما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه.
واحتج القَفَّالُ عليه بوجهين:
أحدهما: أنه له لو كان المراد بالساعات المذكورة لاستوى الجانبان في الفضيلة في ساعة واحدة مع تعاقبهما في المجئ.
والثاني: أنه لو كان كذلك لاختلف الأمر باليوم الشَّاتِي (١) والصَّائف، ولفاتت الجمعة في اليوم لمن جاء في السَّاعة الخامسة.
قال الغزالي: الثَّالِثُ لُبْسُ الثِّيَابِ البِيضِ وَاسْتِعْمَالُ الطِّيبِ، وَالترَجُّلُ فِي المَشْي مَعَ الهَيْنَةِ وَالتُّؤَدَةِ، وَلاَ بَأْسَ بحُضُورِ العَجَائِزِ مِنْ غيْرَ زِينَةٍ وَتَطَيُّبٍ.
قال الرافعي: روي أنه -ﷺ- قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيب إِنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثم صلَّى مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامَهُ حَتَّى يفرغ مِنْ صَلاَتِهِ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا، وَجُمُعَته الَّتِي قَبْلَهَا" (٢).
يستحب التزين للجمعة يأخذ الشعر والظِّفر والسِّواك، وقطع الروائح الكريهة، ولبس أحسن الثياب، وأولاها البياض، لما روى أنه -ﷺ- قال: "الْبِسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهُ خَيْرَ ثيِابِكُمْ" (٣) وإن لبس مصبوغًا لبس ما صبغ غزله ثم نسج كالبرود، ولا يلبس ما صبغ لونه (٤).
قال أصحابنا العراقيون: لأن النبي -ﷺ-: "لَمْ يَلْبَسْ ذَلِكَ".
ويستحب أيضًا أن يتطيب بأطيب ما عنده، ويزيد الإمام في حسن الهيئة ويتعمم، ويرتدي: "كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ- كَذَلِكَ يَفْعَلُ" (٥).
ويستحب أن يأتي الجمعة ماشيًا، ولا يركب إلا لعذر، وكذلك في إتيان العيد
_________________
(١) في "ط": الثاني.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٨١) وأبو داود (٣٤٣) والحاكم (١/ ٢٨٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٣) أخرجه أحمد (٣٤٢٦) وأبو داود (٣٨٧٨) وابن ماجة (٣٥٦٦) والترمذي (٩٩٤) وقال: حسن صحيح، والحاكم (١/ ٣٥٤) والبيهقي (٣/ ٢٤٥).
(٤) انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٢٢١).
(٥) مسلم (١٣٥٨) وانظر التلخيص (٢/ ٧٠ - ٧١).
[ ٢ / ٣١٤ ]
والجنازة وعيادة المريض، روى: "أنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلاَ جَنَازَةٍ" (١).
قال الأئمة ولم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد، وينبغي أن يمشي في سكون وتؤدة ما لم يضق الوقت، ولا يسعى وليس هذا من خاصية الجمعة، قال -ﷺ-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأتُوهَا تَمْشُونَ، وَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَونَ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ" (٢). ولو ركب لعذر فينبغي أن يسيرها على هينة أيضًا، والهينة السكون، ولا بأس للعجائز بحضور الجمعة، إذا أذن أزواجهن، ويحترزون عن التطيب والتزين، فذلك أستر لهن.
قال الغزالي: الرَّابعُ يُسْتَحِبُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ، فَلَو نَسِيَ الجُمُعَةِ فِي الأُولَى قَرَأَهَا مَعَ سُورَةِ المُنَافِقونَ فِي الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجُمُعَةِ بعد الفاتحة سورة الجُمُعَة، وفي الثانية سورة المنافقين؛ لأنه روى عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يَقْرَأُهُمَا فِيهِمَا" (٣).
وروى ذلك من فعل علي -﵁- وأبي هريرة (٤)، وعلى هذا فلو نسي سورة الجمعة في الأولى قرأها في الثانية مع المنافقون، ولو قرأ سورة المنافقون في الأولى قرأ الجمعة في الثانية كيلا تخلو صلاته عن هاتين السورتين كذلك ذكره في "البيان" (٥) وينبغي أن يعلم قوله: (ويستحب سورة الجمعة) بالحاء؛ لأن عنده يكره تعيين سورة في الصلاة.
وبالواو لأن الصَّيْدَلاَنِيُّ نقل عن القديم أنه يقرأ في الأولى: "سَبِّح" وفي الثانية: "هل أتاك حديث الغاشية" (٦).
وقال: رواه النعمان بن بَشِير (٧) -﵁-.
_________________
(١) قال ابن الملقن (١/ ٢٢١) في الخلاصة رواه الشافعي في الأم منقطعًا مرسلًا.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه مسلم (٨٨٠).
(٤) أخرجه أبو داود (١١٢٤) والترمذي (٥١٩).
(٥) قال النووي: ولا يعيد (المنافقين) في الثانية، وقوله: لو نسي (الجمعة) في الأولى معناه تركها، سواء كان ناسيًا، أو عامدًا، أو جاهلًا. الروضة (١/ ٥٥١).
(٦) قال النووي: عجب من الإمام الرافعي -﵀- كيف جعل المسألة ذات قولين قديم وجديد، والصواب: أنهما سنتان فقد ثبت، وكل ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله -ﷺ- فكان يقرأ هاتين في وقت، وهاتين في وقت، ومما يؤيد ما ذكرته، أن الربيع -﵀- وهو راوي الكتب الجديدة قال: سألت الشافعي -﵀- عن ذلك فذكر أنه يختار (الجمعة) (والمنافقون) ولو قرأ (سبح) و(هل أتاك). الروضة (١/ ٥٥١).
(٧) أخرجه مسلم (٨٧٨).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وقوله: (في الثانية: إذا جاءك المنافقون) معلم بهما، وبالميم؛ لأن عند مالك، يقرأ في الثَّانية: "هل أتاك"، وفي الأولى "الجمعة"، ويتعلق بالجمعة مندوبات أخرى.
منها: أن يحترز عن تخطي رقاب الناس إذا حضر المسجد، ورد الخبر بذلك، ويستثنى عنه ما إذا كان إمامًا، وما إذا كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يَتَخَطَّى الرِّقَاب، ولا يجوز أن يقيم أحدًا من مجلسه ليجلس فيه، ويجوز أن يبعث من يأخذ له موضعًا، فإذا جاء تَنَحَّى المبعوث، وإن فرش لرجل ثوبًا فجاء أخر لم يجز له أن يجلس عليه، وله أن ينحيه، ويجلس مكانه، قال في "البيان": ولا يرفعه حتى لا يدخل في ضمانه.
ومنها: إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والصَّلاة على النبي -ﷺ- ويستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة وقراءة "سورة الكهف" ويكثر من الدعاء يوم الجمعة، رجاءَ أن يصادف ساعة الإجابة.
ومنها: الاحتراز عن البيع قبل الصلاة وبعد الزَّوال، فهو مكروه إن لم يظهر الإمام على المنبر، وحرام إن ظهر وأذن المؤذن بين يديه، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) الآية، ولو تبايع اَثنان أحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر، أثمًا جميعًا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلإعانته على الحرام، ولا يكره البيع قبل الزَّوال بحالٍ، وحيث حكمنا بِحُرْمَة البيع، فلو خالف وباع صح (٢)، خلافًا لمالك وأحمد.
ومنها: أن لا يَصِلْ صلاة الجمعة بنافلة بعدها، لا الراتبة ولا غيرها، ويفصل بينها
_________________
(١) سورة الجمعة، الآية ٩.
(٢) قال النووي: غير البيع من الضائع، والعقود، وغيرها في معنى البيع، ولو أذن قبل جلوس الإمام على المنبر، لم يحرم البيع، وحيث حرمنا البيع فهو في حق من جلس له في غير المسجد، أما إذا سمع النداء فقام يقصد الجمعة، فبايع في طريقه وهو يمشي، أو قعد في الجامع وباع فلا يرحم، صرح به صاحب "التتمة" وهو ظاهر؛ لأن المقصود أن لا يتأخر عن السعي إلى الجمعة لكن البيع في المسجد مكروه يوم الجمعة، وغيره على الأظهر. الروضة (١/ ٥٥٣).
[ ٢ / ٣١٦ ]
وبين الراتبة بالرجوع إى منزله، أو التحول إلى موضع آخر، أو بكلام ونحوه، ذكره في
"التتمة"، وثبت في الخبر عن رسول الله -ﷺ- (١) (٢).
_________________
(١) ويكره أن يشبك بين أصابعه أو يعبث حال ذهابه إلى الجمعة وانتظاره لها، وكذلك سائر الصلوات، قال الشافعي في "الأم" والأصحاب: إذا قعد إنسان في الجامع في موضع الإمام، أو في طريق الناس، أمر بالقيام، وكذلك لو قعد ووجهه إلى الناس والمكان ضيق، أمر بالتحويل إلا فلا. قال في "البيان": وإذا قرأ الإمام في الخطبة ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ (سورة الأحزاب، الآية ٥٦) جاز للمستمع أن يصلي على النبي -ﷺ- ويرفع بها صوته. قاله في زياداته. الروضة (١/ ٥٥٣). والحديث أخرجه مسلم (٨٨٣) وأبو داود (١١٢٩) وأحمد (٤/ ٥٩) وعبد الرزاق (٥٥٣٤).
(٢) ثبت في (ز): تم الجزء الثاني من شرح الوجيز بحمد الله ومنه، يتلوه ولله المشيئة في الذي يليه كتاب صلاة الخوف.
[ ٢ / ٣١٧ ]
كِتَابُ صلاة الخوف
[الحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأطهر المطهرين وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل] (١).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين سقط في ط.
[ ٢ / ٣١٨ ]