فِي المْيَاهِ النَّجِسَةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ
قال الغزالي: الفَصْلُ الأَوَّلِ فِي النَّجَاسَاتِ وَالجَمَادَاتُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَ الخَمْرَ وَكُلَّ نَبِيذٍ (ح) مُسْكِرٍ، وَالحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَّ الكَلْبَ وَالخِتزِيرَ وَفُروعَهمَا.
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) قال النووي في نهاية هذا الفصل المتغير بالمني ليس بطهور على الاصح، ولو تطهر بالماء الذي ينعقد منه الملح قبل أن يجمد جاز على المذهب، ولا فرق في جميع مسائل الفصل بين القلتين وفوقهما ودونهما، ولو أغلي الماء فارتفع من غليانه بخار وتولد منه رشح فوجهان. المختار منهما عند صاحب "البحر" أنه طهور. والثاني طاهر ليس بطهور. ولو رشح من مانع آخر فليس بطهور بلا خلاف كالعرق. والله أعلم. الروضة ١/ ١٢٢.
[ ١ / ٢٧ ]
قال الرافعي: لما كان أصل الماء الطهارة ونجاسته عارضة، تطرأ بملاقاة شيء نجس، حسن القول في أن النجس ماذا أولًا، فعقد الفصل الأول في النجاسات، وأداها في تقسيم اقتدى في معظمه بِإمَامِ الحَرَمَيْنِ -﵀- وهو أن الأعيان تنقسم إلى جَمَادٍ، وَحَيَوانٍ، والأصل في الجميع الطَّهَارَةُ؛ لأنها مخلوقة لمنافع العباد، وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة، ولا يستثنى عن هذا الأصل من الجمادات إلا الخمر، وما يسكر من الأنبذة، أما الخمر فلوجهين:
أحدهما: أنها مُحَرَّمَةُ التَّنَاوَلِ، لا لاحترام وضرر ظاهر، والناس مَشْغُوفُونَ بِهَا، فينبغي أن يكون محكومًا بنجاستها تأكيدًا للزجر، ألا ترى أن الشرع حكم بنجاسة الكِلاَبِ، لما نهى عن مخالطتها مبالغة في المنع.
الثاني: أن الله -تعالى- سماها رِجْسًا وَالرِّجْسُ وَالنَّجَسُ عبارتان عن معنى واحد، وأما الأَنِبذَةُ المُسْكِرَةُ فلأنها ملحقة بها في التحريم، فكذلك في النجاسة، وينبغي أن يكون النبيذ مُعْلَمًا بعلامة أبي حنيفة -رحمة الله عليه- فإنه يقول بالطهارة، حيث يقول بِالحِلِّ:
وبالواو أيضًا، لأن يحيى اليمني (١) حكى في البيان وجهًا ضعيفًا: أن النَّبِيذَ طاهر لاختلاف الناس فيه بخلاف الخمر؛ بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلمًا بالواو أيضًا، لأمور ثلاثة:
أحدهما: أن الشيخ أبا علي حكى خلافًا في نَجَاسَةِ المُثَلَّثِ المُسْكِرِ الذي يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتَّحرِيمِ قَطْعًا.
والثاني: أنه حكى وجهًا في طهارة الخمر المحترمة.
والثالث: أنهم ذكروا وجهًا في أن يواطن حَبّضاتِ العُنْقُودِ مع استحالتها خمرًا لا يحكم بنجاستها، تشبيهًا بما في باطن الحيوان، وكل ذلك ينافي إطلاق القول بالنجاسة.
واعلم أنه لا يريد بالجماد في هذا التقسيم مطلق ما لا حياة فيه؛ بل وما لم يكن حيوانًا من قبل، ولا جزءًا من الحيوان، ولا خارجًا منه، وإلا لدخل في الجَمَادَاتِ
_________________
(١) يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن يحيى أبو الخير العمراني اليماني ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة كان شيخ الشافعية ببلاد اليمن وكان إمامًا زاهدًا ورعًا عالمًا خيرًا مشهور الاسم، بعيد الصيت عارفًا بالفقه وأصوله، والكلام والنحو توفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. والبيان يقع في عشر مجلدات واصطلاحه فيه أن يعبر بالمسألة عما في المهذب، وبالفرع عما زاد عليه. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨، وانظر مرآة الجنان ٣/ ٣١٨، ابن السبكي ٤/ ٣٢٤، شذرات الذهب ٤/ ١٨٥، ابن هداية الله ٧٩، هدية العارفين ٢/ ٢٥٠.
[ ١ / ٢٨ ]
المَيْتَاتُ، وأجزاء الحيوانات، وما ينفصل من باطن الحيوان، وحينئذ لا ينتظم قصر الاستثناء على الخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، وأما الحيوانات فهي طاهرة، ويستثنى منها ثلاثة:
أحدهما: الكلب لقوله -ﷺ- في الحديث المشهور: "إِنَّهَا لَيسَت بِنَجِسَةٍ" (١) يعني: الهرَّةَ ووجه الاستدلال منه مشهور، ولأن سؤره نجس بدليل ورود الأمر بالإراقة في خبر الولوغ، ونجاسة السُّؤرِ تدل على نَجَاسَةِ الفَم، وإذا كان فمه نجسًا كانت سائر أعضائه نجسة، لأن فمة أطيب من غيره، ويقال: إنه أطيب الحيوان نَكْهَةَ لكثرة ما يلهث.
والثاني: الخِنزِيرُ وهو أسوأ حالًا من الكلب، فهو أولى بان يكون نجسًا.
والثالث: المتولد من أحدهما نجس لتولده من أصل نجس. وعن مالك: أن الكَلْبَ، وَالخِنْزِيرَ طاهران ويغسل من وُلُوغِهِمَا تَعَبُّدًا.
ولك أن تعلم قوله: "والحيوانات على الطهارة" بالواو، لأن أبا العباس الجرجاني (٢) وآخرين نقلوا وجهًا أن الدُّودَ المتولد من نفس المَيْتَةِ نجس العَيْنِ كولد الكلب، فعلى ذلك الوجه لا ينحصر الاستثناء فيما ذكره، لكن هذا الوجه ساقط، ولو صح ذلك لَلَزَمَ أن يحكم بنجاسة الحَيَوانِ من حكم بنجاسة، العَلَقَةِ، وَالمُضْغَةِ، وَمَنيِّ غَيرِ المَأْكُولِ.
_________________
(١) والحديث: أنه ﵊ دعى إلى دار فأجاب، ودعى إلى دار أخرى فلم يجب. فقيل له في ذلك. فقال: (إن في دار فلان كلبًا) فقيل وفي دار فلان هرة فقال: (الهرة ليست بنجسة). رواه أحمد والدراقطني والبيهقي والحاكم من رواية أبي هريرة وصححه. وفيه نظر. لكن لفظهم: السنور سبع بدل الهرة إلى آخره. انظر خلاصة البدر ١/ ١١. وقال الحافظ قال ابن أبي حاتم في العلل سألت أبا زرعة عنه فقال: لم يرفعه أبو نعيم وهو أصح، وعيسى ليس بالقوي قال العقيلي: لا يتابعه على هذا الحديث إلا من هو مثله أو دونه، وقال ابن حبان: خرج عن حد الاحتجاج به، وقال ابن عدي: هذا لا يرويه غير عيسى، وهو صالح فيما يرويه، ولما ذكره الحاكم قال: هذا الحديث صحيح، تفرد به عيسى عن أبي زرعة، وهو صدوق لم يجرح قط كذا قال، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وأبو داود وغيرهما، وقال ابن الجوزي: لا يصح، وقال ابن العربي: ليس معناه أن الكلب نجس، بل معناه أن الهر سبع فينتفع به بخلاف الكلب، فلا منفعة فيه كذا قال، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل. انظر التلخيص ١/ ٢٥.
(٢) أبو العباس أحمد بن محمد الجرجاني. كان قاضي البصرة، وشيخ الشافعية بها، ومن أعيان الأدباء في وقته، سمع من جماعات كثيرة، وحدث وتفقه على الشيخ أبي إسحاق وصنف في الفقه: (التحرير والمعاملة) و(البُلْغة) (والشافعي) وهو كبير في أربع مجلدات. مات راجعًا من أصبهان إلى البصرة سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. قال ابن الصلاح في (طبقاته). انظر ترجمته في الأسنوي ٣٠٦، ابن السبكي ٣/ ٣١، ابن هداية الله ٦٣.
[ ١ / ٢٩ ]
قال الغزالي: وَالمَيْتَات كُلُّهَا عَلَى النَّجَاسَةِ اِلاَّ السَّمَكَ وَالجَرَادَ، وَكَذَا الآدَمِيُّ عَلَى الصَّحِيح، وَكَذَا دُودُ الطَّعَامِ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَحْرُمُ أكَلُهُ مَعَ الطَّعَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا لَيسَ لَه نَفسٌ سَائِلَةٌ لاَ يَنْجُسُ المَاءُ إذَا مَاتَ فِيهِ عَلَى الجَدِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا نَجُسَتْ (ح م) بِالمَوْتِ، وَهَذَا عَفْوٌ لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا لاَ تَنْجُسُ بِالمَوتِ إِذ لَيْسَ فِيهَا دَمٌ مُعْفّنٌ فَأَشْبَهَتِ النَّبَاتَ.
قال الرافعي: الأصل في الميتات النجاسة، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وتحريم ما ليس بمحترم، ولا فيه ضرر كَالسُّمِّ يدل على نجاسته.
ويستثنى منها أنواع:
أحدها: السمك والجراد قال -ﷺ-: "أُحِلت لَنَا مَيتَتَانِ" (٢). الخبر ولو كانا نجسين لكان مُحَرَّمين.
الثاني: الآدمي، وفي نجاسته بالموت قولان:
أحدهما: ينجس بالموت؛ لأنه حَيَوانٌ طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجسًا كغيره.
والثاني: وهو الأصح: لا ينجس لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٣) وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته؛ ولأنه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات، ولو كان كذلك لما أمر بغسله كَسَائِرِ الأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، روى هذا الاستدلال عن ابنِ سُرَيج قال أبو إسحاق (٤) عليه) لو كان طاهرًا لما أمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة.
_________________
(١) سورة المائدة (٣).
(٢) رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا به. ولابن ماجة منه اللفظة الأولى. قال أحمد: هذا حديث منكر. قلت: سببه أن عبد الرحمن هذا ضعفه الجمهور، قال الدارقطني والبيهقي. روي موقوفًا على عبد الله ابن عمر وهو أصح. قال البيهقي. وهو في معنى المسند. انظر الخلاصة البدر ١/ ١١.
(٣) سورة الإسراء (٧٠).
(٤) إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المروزي أحد أئمة المذهب أخذ الفقه عن عبدان المروزي، ثم عن ابن سريج والإصطخري وانتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وصنف كتبًا كثيرة، وأقام ببغداد مدة طويلة يفتي ويدرس وانتفع به أهلها وصاروا أئمة كابن أبي هريرة، وأبي زيد المروزي وأبي حامد المروزي قال العبادي: وهو الذي قعد في مجلس الشافعي بمصر سنة القرامطة، واجتمع الناس عليه، وضربوا إليه أكباد الإبل، وسار في الآفاق من مجلسه سبعون إمامًا من أصحاب الشافعي. وقال الشيخ أبو إسحاق: انتهت إليه الرئاسة في العلم ببغداد، =
[ ١ / ٣٠ ]
أجابوا عنه بان غسل نجس العين غير معهود، أما غسل الطاهر مَعْهُودٌ فِي حَقِّ الجُنُبِ، والمحدث، على أن الغرض منه تكريمه وإزالة الأَوْسَاخِ عنه.
وقال أبو حنيفة: يُنَجَّسُ بِالمَوْتِ ويطهر بالغسل، وهو خلاف القولين جميعًا.
الثالث: الحيواناتُ التي ليست لها نفس سائلة هل تنجس الماء إذا ماتت فيه؟ اختلف فيه قول الشافعي -﵁- على قولين:
أحدهما: نعم، لأنها ميتة فتكون نجسة كسائر الميتات وإذا كانت نجسة نجس الماء بها كسائر النجاسات.
الثاني: وهو الأصح: لا، لقوله -ﷺ-: "إذَا سَقَطَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً، وإنَّهُ يُقَدِّمُ الدَّاءَ" (١) وقد يفضي المقل (٢) إلى الموت سيما إذا كان الطعام حارًا، فلو نجس الماءُ لما أمر به.
وعن سلمان -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "كُلُّ طَعَامِ وَشَرَاب وَقَعَتْ
_________________
(١) = وشرح المختصر وصنف الأصول وأخذ عنه الأئمة وانتشر الفقه عن أصحابه في البلاد، وخرج إلى مصر ومات بها في رجب سنة أربعين وثلاثمائة، ودفن عند الشافعي. انظر ط. الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ١٠٥ - ١٠٦، تاريخ بغداد ٦/ ١١ والشيرازي ٩٢ والعبادي ٦٨ ووفيات الأعيان ١/ ٧ وابن هداية الله ١٩، ومعجم المؤلفين ١/ ٣.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحية داء والآخر شفاء، ورواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان بلفظه بزيادة (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله، ثم لينزعه. ورواه ابن ماجة والدارمي أيضًا، ورواه ابن السكن بلفظ (إذا وقع الذاب في إناء أحدكم فليمقله فإن في أحد جناحيه دواء وفي الآخر داء، أو قال سمًا، ورواه ابن ماجة وأحمد من حديث سعيد بن خالد عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري بلفظ (في أحد جناحي الذباب سم، وفي الآخر شفاء)، فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء، ورواه النسائي وابن حبان، والبيهقي أيضًا بنحوه، وروي عن ثمامة عن أنس والصحيح عن ثمامة عن أبي هريرة قاله ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة، وقال الدارقطني: رواه عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، ورواه حماد بن سلمة عن ثمامة عن أبي هريرة، والقولان محتملان قلت: وروي عن قتادة عن أنس عن كعب الأحبار، أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير في باب من حدث من الصحابة عن التابعين، وإسناده صحيح، ورواه الدارمي من طريق ثمامة عن أبي هريرة. وقال: الصواب طريق عبيد بن حنين عن أبي هريرة، قلت: وحديث عبد الله بن المثنى رواه البزار والطبراني في الأوسط. انظر التلخيص (١/ ٢٧ - ٢٨).
(٣) المقل الغمس المصباح المنير ٢/ ٧٩٢.
[ ١ / ٣١ ]
فِيهِ دَابَّةٌ لَيسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ [فِيهِ] فَهُوَ حَلاَلُ أَكْلُه وَشُرْبُهُ وَالوُضُوءُ مِنْهُ" (١) ولأن الاحتراز عنها مما يعسر، وهذا الخلاف في غير ما نشؤه في الماء، وأما ما نشؤه فيه وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف، فلو طرح فيه من خارج عاد الخلاف.
فإن قلنا: إنها تنجس الماء فلا شك في نجاستها. وإن قلنا: لا تنجس، فَهَلْ هِيَ نَجِسَةُ في نفسها؟ قال الأكثرون: نعم، كسائر الميتات، وهو ظاهر المذهب.
وقال القَفَّالُ: لا؛ لأن هذه الحيوانات لا تَسْتحِيلُ بالموت؛ لأن الاستِحَالَةَ إنما تأتي من قبل انحصار الدَّم وَاحتِبَاسِهِ بالموت في العروق واستحالته وتغيره، وهذه الحيوانات لاَ دَمَ لها، وما فيَها من الرُّطُوبَةِ كَرُطُوبَةِ النبات.
وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أنه لم يرتب الخلاف في النجاسة على الجديد، فقال: قيل: إنها نجست بالموت وعرفت أن هذه الحيوانات على ظاهر المذهب غير مستثناة عن الميتات، وإنما الاستثناء على قول القَفَّالِ (٢)، وأما جعله (٣) القول بعدم نجاسة الماء قوله الجديد: فإنما أخذه من إمام الحرمين وروى القاضي أبو المحاسن الروياني خلاف ذلك فسمى هذا القول القديم، والأكثرون أرسلوا ذكر القولين من غير تعيين جديد وقديم.
وأما ما ذكره في دود الطعام فإيراده يشعر بمغايرة حكمه لحكم ما ليس له نفس سائلة إشعارًا بينًا، وليس كذلك؛ بل من قال: بنجاسة ما ليس له نفس سائلة، صرح بأنه لا فرق بين ما يتولد من الطعام، كَدُودِ الخَلِّ وَالتُفَّاح وغيرهما، وبين ما لا يتولد منه كالذُّبَابِ، وَالخُنْفُسَاءِ وقالوا: ينجس الكل بالموت لكن لا ينجس الطعام الذي يموت فيه، كما ذكرنا في نجاسة ما نشؤه في الماء.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان به، وفيه بقية بن الوليد، وقد تفرد به، وحاله معروف، وشيخه سعيد بن أبي سعيد الزبيدي مجهول، وقد ضعف أيضًا، واتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين واهية وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف أيضًا، وقال الحاكم أبو أحمد: هذا الحديث غير محفوظ، وفي "الطهور" لأبي عبيد عن ابن عيينة عن منبوذ عن أمه عن ميمونة زوج النبي -ﷺ- أنها كانت تمر بالغدير فيه الجعلان وفيه فيستقي لها فتشرب وتتوضأ. انظر التخليص ١/ ٢٨.
(٢) قال النووي: ولو كثرت الميتة التي لا نفس لها سائلة فغيرت الماء، أو المائع وقلنا: لا تنجسه من غير تغير فوجهان مشهوران. الأصح تنجسه لأنه متغير بالنجاسة. والثاني: لا تنجسه ويكون الماء طاهرًا غير مطهر كالمتغير بالزعفران، وقال إمام الحرمين: وهو كالمتغير بورق الشجر. والله أعلم. الروضة ١/ ١٢٤.
(٣) في ب: وقوله.
[ ١ / ٣٢ ]
ومن قال: لا ينجس ما ليس له نفس سائلة بالموت، فلا شك أن يقول به في دود الطعام بطريق الأولى، فإذًا قوله: "وكذا دود الطعام طاهر على الصحيح" اختيار لطريقة القَفَّالِ، والمعنى على الصحيح من القولين ذهابًا إلى أن القول بعدم نجاسة الماء بموت ما ليس له نفس سائلة فيه مَبنِيٌّ على أنه ليس بنجس.
وأما قوله: "ولا يحرم أكله مع الطعام على الصحيح" (١) فاعلم أن التقييد بكونه مع الطعام غير محتاج إليه، لثبوت أصل الخلاف: ويجوز أن يكون محتاجًا إليه: لكن القول بالحل أصح؛ أما الأول؛ فلأنه ذكر في النِّهاية (٢): أنه لو جمع جامع من دُودِ الطَّعَامِ شيئًا واعتمد أكله فهل يَحِلُّ؛ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه كَالجُزْءِ مِنَ الطَّعَام طَعْمًا وَطَبْعًا؛ وأصحهما: التحريم فنقل الوجهين في أكله منفردًا، وقد أطلق في الوَسِيطِ الوجهين في الحل من غير تخصيص بالأكل مع الطعام أو منفردًا.
وأما الثاني: فلأن إفراده بالأكل مُسْتَغْنًى عنه، وهو مُستَقذَرٌ مندرج تحت عموم تحريم الميتة، أما التمييز بينه وبين الطعام عند الأكل فعسير جاز أنه يعفى عنه، وبهذا المعنى قلنا: لا ينجس الطعام بلا خلاف، وإن حكمنا بنجاسته، وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الأكل مبني على الخلاف في الطهارة والنجاسة، إن قلنا: بالنجاسة يحرم وإلا فيحل، وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق، بل الخلاف منتظم مع حكمنا بالطهارة فوجه التحريم الاسْتِقْذارُ، وشمول اسمَ الميتة، وصار كما لا نفس له سائلة مما لا يكون نشؤه في الطعام، فإنه يحرم، وإن حكم بطهارته، ووجه الحل أنه كالجزء من الطعام طَبْعًا وَطَعْمًا، وأما إذا حكمنا بالنجاسة فوجه التحريم بَيِّنٌ، ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز، وعن الانفراد لا ينقدح شيء -والله أعلم- واعرف بعد هذا شيئين:
أحدهما: قوله: والميتات على النجاسة، لا يعني الميتة بجميع أجزائها بل ما سوى الشعر وما في معناه، وفيها من الخلاف والتفصيل ما ذكره في باب الأواني.
والثاني: ظاهر كلامه، حصر المستثنى من الميتات في الأنواع المذكورة، وليس كذلك بل الجنين الذي يوجد ميتًا عند ذَبْح الأم حلال طاهر أيضًا، وكذا الصَّيْد إذا مات بالضغط على أحد القولين.
قال الغزالي: أَمَّا الأَجْزَاءُ المُنْفَصِلَةُ عَنْ ظَاهِرِ الحَيَوَانِ فَكُلُّ مَا أبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ
_________________
(١) في ط: الأصح.
(٢) نهاية المطلب لإمام الحرمين ولديه منه نسخة.
[ ١ / ٣٣ ]
مَيِّتٌ إِلاَّ الشُّعُورَ المُنْتَفِعَ بِهَا فِي المَفَارِشِ وِالمَلاَبِسِ فَأَنَّهَا طَاهِرَةٌ بَعْدَ الجَزِّ لِلحَاجَةِ.
قال الرافعي: عن رسول الله -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ" (١).
فالأصل فيما بان من الحي النجاسة، ويستثنى منه شعر المأكول المَجْزُوز في حياته، فهو طاهر للحاجة إليه في الملابس ولو قدر قصر الانتفاع على ما يكون على المُذَكَّى، لضاع معظم الشعور.
وفي معنى الشعور الرِّيشُ، وَلصُّوفُ وَالوَبَرُ، وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٢): إن المراد إلى حين فَنَائِهَا هذا فيما يبان بطريق الجَزِّ، وفي النَتْفِ وَالتَّاثُرِ وجهان: والأصح: إلحاقها بالجز.
وعلى هذا فقوله في الكتاب: "فإنها طاهرة بعد الجز" ليس مذكورًا ليكون قيدًا في الطهارة، وعلى الوجه الآخر يمكن جعله قيدًا.
واعلم أن ظاهر قوله فكل ما أبين من حي فهو ميت، إلا الشعور المنتفع بها، لا يمكن العمل به لا في طرف المستثنى، (ولا في طرف المستثنى منه؛ أما المستثنى فلأنه يتناول جملة الشعور المَجزُوزَةِ، والطهارة مخصوصة بشعر المأكول، وأيضًا) (٣) فلأنه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان، وأنه نجس في أصح الوجهين.
_________________
(١) أخرجه الحاكم من حديث سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -ﷺ- سئل عن جباب: أسنمة الإبل وأليات الغنم فقال: (ما قطع من حي فهو ميت) ذكر الدارقطني علته، ثم قال والمرسل أصح، ورواه الدارمي وأحمد والترمذي وأبو داود والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن أبي واقد الليثي. قال: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل فقال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) لفظ أحمد ولفظ أبي داود مثله، ولم يذكر القصة، ورواه ابن ماجه والبزار والطبراني في الأوسط من حديث ثام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر فاختلف فيه على زيد بن أسلم قال البزار بعد أن أخرجه من طريق المسورين الصلت عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد: تفرد به الصلت، وخالفه سليمان بن بلال فقال: عن زيد عن عطاء مرسلًا كذا قال، وكذا قال الدارقطني، وقد وصله الحاكم كما تقدم، وروى معمر عن زيد بن أسلم عن النبي -ﷺ- مرسلًا لم يذكر عطاء ولا غيره، وتابع المسور وغيره عليه خارجة بن مصعب، أخرجه ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية. وقال الدارقطني: المرسل أشبه بالصواب وله طريق أخرى عن ابن عمر أخرجها الطبراني في الأوسط وفيه عاصم ابن عمر وهو ضعيف، ورواه ابن ماجة والطبراني، وابن عدي من طريق تميم الداري، وإسناده ضعيف، ولفظه قيل: يا رسول الله إن ناسًا يجبون أليات الغنم وهي أحياء فقال: (ما أخذ من البهيمة وهي حية فهو ميتة). انظر التلخيص ١/ ٢٨، ٢٩.
(٢) سورة النحل (٨٠).
(٣) سقط في ب.
[ ١ / ٣٤ ]
أما المستثنى منه فلأنه يدخل فيه العضو المبان من الآدمي، ومن السَّمَكِ وَالجَرَادِ، وَمَشِيمَةِ الآدمي، وهذه الأشياء طاهرة على المذهب الصحيح، وكذلك يدخل فيها شعر الآدمي، لأنه غير منتفع به حتى يدخل في المستثنى، وإذا لم يتناوله الاستثناء بقي داخلًا في المستثنى منه ومع ذلك فهو طاهر فظهر تعذر العمل بالظاهر ووقوع الحاجة بالتأويل، ومما ينبغي أن يتنبه له معرفة أن تفصيل الشعور المبانة وتقسيمها إلى طاهر ونجس مبني على ظاهر المذهب في نجاسة الشعور بالموت، فإن قلنا: لا ينجس بالموت فلا ينجس بالإبَانَةِ أيضًا بحال.
قال الغزالي: وَأَمّا الأجزَاءُ المُنْفَصِلَةِ عَنْ بَاطِنِ الحَيَوانِ فَكُلُّ مُتَرَشِّح لَيْسَ لَهُ مَقَرٌّ يَسْتَحِيلُ فِيهِ كَالدَّمْعِ وَاللُّعَابِ وَالعَرَقِ فَهُوَ طَاهِرٌ مِنْ كُل حَيَوَانٍ طَاهِر، وَمَا اسْتَحَالَ فِي البَاطِنِ فَأصْلُة عَلَى النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَالبَولِ وَالعَذِرَةِ إِلاَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا فِي خُرءِ الجَرَادِ وَالسَّمَكِ وَمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَجْهَانِ لِشَبَهِهَا بِالنَّبَاتِ.
قال الرافعي: المنفصل عن باطن الحيوان قسمان:
أحدهما: ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن، وإنما يرشح رشحًا.
والثاني: ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج، والأول كاللُّعَاب، وَالدَّمْعِ، وَالعَرَقِ فحكمه حكم الحيوان المترشح منه، إن كان نجسًا فهم نجس وإنَ كان طاهر فهو طاهر.
سئل رسول الله -ﷺ-: "أَنتَوضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ فَقَالَ: نَعَم وَبِمَا أَفضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا" (١) حكم بطهارة السُّؤْر وذلك يدل على طهارة اللُّعَاب، "وركب رسول الله -ﷺ- فرسًا مَعْرُوريًا لأبي طلحة وركضه ولم يحترز عن العرق" (٢).
والقسم الثاني: كالدَّمِ، وَالبَوْلِ، وَالعُذْرَةِ وهذه الأشياءِ: نجسة من الآدمي، ومن
_________________
(١) أخرجه الشافعي وعبد الرزاق عن إبراهيم بن يحيى عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر ورواه الشافعي أيضًا من حديث ابن أبي ذئب عن داود بن الحصين عن جابر من غير ذكر أبيه، ورواه أيضًا عن سعيد بن سالم عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر، أخرجه البيهقي في المعرفة من طريقه قال البيهقي: وفي معناه حديث أبي قتادة والاعتماد عليه، وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، وابن عمر وهي ضعيفة في الدارقطني، وحديث أبي سعيد في ابن ماجة وحديث ابن عمر رواه مالك موقوفًا عن ابن عمر. انظر التلخيص ١/ ٢٩.
(٢) متفق عليه من حديث أنس وليس فيه لفظ معرورًا ولا معروريًا وفي رواية لهما: عريًا أي ليس عليه أداة ولا سرج، وقد وقعت لفظة معرورًا في حديث غير هذا في قصة رجوعه من جنازة أبي الدحداح. انظر التلخيص ١/ ٢٩.
[ ١ / ٣٥ ]
سائر الحيوانات المأكول منها وغير المأكول، أما في غير المأكول فبالإجماع.
أما في المأكول فبالقياس (١) عليه، لأنها متغيرة مستحيلة، وذهب مالك وأحمد -رحمهما الله- إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه وبه قال أبو سعيد الإصْطَخرِيُّ (٢) من أصحابنا واختاره القاضي الروياني وتمسكوا بأحاديث مشهورة في الباب مع تأويلاتها ومعارضاتها. وهل نحكم بنجاسة هذه الفضلات من رسول الله -ﷺ- فيه وجهان:
قال أبو جعفر التِّزمِذِيِّ (٣) لا، لأَنَّ أَبَا طَيبَةَ الحَاجِمَ شَرِبَ دَمَهُ فلَم يُنكِرْ عَلَيهِ (٤).
_________________
(١) القياس في اللغة: التسوية والتقدير. وفي الشرع: حمل معلوم على معلوم، أي: إلحاقه به في حكمه لمساواة بينهما في علة الحكم، أو هو: حمل مجهول الحكم على معلومه لمساواة بينهما في علة الحكم. وانظر تعريفات القياس في: القاموس ٢/ ٢٤٤، أصول الشاشي ٣٢٥، المعتمد ٢/ ٦٩٧، ١٠٣١، العدة ١/ ١٧٤، البرهان ٢/ ٧٤٥، أصول السرخسي ٢/ ١٤٣، المستصفى ٢/ ٥، المحصول ٢/ ٢/ ١٨، الإحكام للآمدي ٣/ ٢٦١، المنتهى لابن الحاجب ١٢٢، الابهاج ٣/ ٥، شرح التنقيح ٣٨٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٦٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٦، نبراس العقول ٩، ١٣.
(٢) الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى أبو سعيد الإصطخري شيخ الافعية ببغداد ومحتسبها، ومن أكابر أصحاب الوجره في المذهب، وكان ورعًا زاهدًا أخذ عن أبي القاسم الأنماطي كما تقدم، قال أبو إسحاق المروزي: لما دخلت بغداد لم يكن لها من يستحق أن يدرس عليه إلا ابن سريج، وأبو سعيد الإصطخري. توفي في ربغ الآخر وقيل في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين مولده سنة أربع وأربعين قبل ابن سريج. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ١٠٩، انظر تاريخ بغداد ٧/ ٢٦٨، والشيرازي ٩١، وابن السبكي ٣/ ١٩٣، وفيات الأعيان ١/ ٣٧٥، والمنتظم ٦/ ٣٠٢.
(٣) محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الإمام الزاهد الورع سكن بغداد وكان شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن سريج، وتفقه على الربيع وغيره من أصحاب الشافعي، وكان حنفيًا ثم صار شافعيًا لمنام رأه، قال الدارقطني ثقة مأمون ناسك. وقال الشيخ أبو إسحاق: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس منه، ولا أورع ولا أكثر تقللًا. وله في المقالات كتاب سماه (اختلاف أهل الصلاة). مولده في ذي الحجة سنة مائتين، وتوفي في المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين. انظر قاضي شهبة ١/ ٨٢ - ٨٣. وانظر ط. العبادي ٥٦، ط. والشيرازي ٨٦، وابن السبكي ١/ ٢٨٨، المنتظم ٦/ ٨، والشذرات ٢/ ٢٢٠.
(٤) قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية أنه قال له بعد ما شرب الدم لا تعد الدم حرام كله، أما الرواية الأولى. فلم أر فيها ذكرًا لأبي طيبة، بل الظاهر أن صاحبها غيره، لأن أبا طيبة مولى بني بياصة من الأنصار، والذي وقع لي فيه أن صدر من مولى لبعض قريش، ولا يصح أيضًا فروى ابن حبان في الضعفاء من حديث نافع أبي هرمز عن عطاء عن ابن عباس قال: حجم النبي -ﷺ- غلام لبعض قريش فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط فنظر يمينًا وشمالًا فلما لم ير أحدًا تحسى دمه حتى فرغ، ثم أقبل فنظر النبي -ﷺ- في وجهه فقال: (ويحك ما صنعت بالدم؟) قلت: غيبته من وراء الحائط قال: أين غيبته؟ قلت: يا رسول الله =
[ ١ / ٣٦ ]
وَرَوِيَ "أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ: إِذًا لاَ تَلِجُ النَّارَ بَطْنُكِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهَا" (١). وَيُرْوَى شُرْبُ دَمِهِ عَنْ عَلِيٍّ (٢)، وَابْنِ الزُّبَيْرِ (٣) أَيْضًا -﵄- وقال
_________________
(١) = نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني قال: (اذهب فقد أحرزت نفسك من النار) ونافع قال ابن حبان: روي عن عطاء نسخة موضوعة، وذكر منها هذا الحديث، وقال يحيى بن معين: كذاب وأما الرواية الثانية فلم أر فيها ذكرًا لأبي طيبة أيضًا، بل ورد في حق أبي هند رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث سالم أبي هند الحجام، قال: حجمت رسول الله -ﷺ- فلما فرغت شربته فقلت: يا رسول الله شربته فقال: (ويحك يا سالم أما علمت أن الدم حرام لا تعد) وفي إسناده أبو الحجاف، وفيه مقال، وروى البزار وابن أبي خيثمة والبيهقي في الشعب والسنن من طريق بريه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده أن رسول الله -ﷺ- احتجم ثم قال له: خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس قال فتغيبت به فشربته، ثم سألني أو قال فأخبرته فضحك. انظر التخليص ١/ ٣٠.
(٢) أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: قام رسول الله -ﷺ- من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها فقمت من الليل وأنا عطشانه فشربت ما فيها وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي -ﷺ- قال: يا أم أيمن قومي فاهريقي تلك الفخارة قلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك النبي -ﷺ- حتى بدت نواجذه، ثم قال: أما والله إنه لا تبجعن بطنك أبدًا، ورواه أبو أحمد العسكري بلفظ (لن تشتكي بطنك)، وأبو مالك ضعيف، ونبيح لم يلحق أم أيمن، وله طريق أخرى رواها عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرت أن النبي -ﷺ- وكان يبول في قدح من عيدان، ثم يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها بركة، كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح؟ قالت: شربته قال: صحة يا أم يوسف، وكانت تكنى أم يوسف، فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه، وروى أبو داود عن محمد بن عيسى بن الطباع وتابعه يحيى بن معين كلاهما عن حجاج عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة: أنها قالت: (كان لرسرل الله -ﷺ- قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)، وهكذا رواه ابن حبان والحاكم، ورواه أبو ذر الهروي في مستدركه الذي خرجه على إلزامات الدارقطني للشيخين، وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين وهو واضح من اختلاف السياق، ووضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته والله أعلم. انظر التخليص ١/ ٣١/ ٣٢.
(٣) وقال الحافظ ابن حجر في التخليص ١/ ٣١ لم أجده.
(٤) قال الحافظ البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية من حديث عامر بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه قال: احتجم النبي -ﷺ- فأعطاني الدم، فقال: (اذهب فغيبه) فذهبت فشربته فأتيت النبي -ﷺ- فقال: ما صنعت؟ قلت: غيبته قال: لعلك شربته؟ قلت: شربته، زاد الطبراني فقال: من أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس، وويل للناس منك، ورواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الخصائص من السنن وفي إسناده الهنيد بن القاسم، ولا بأس به، لكنه ليس بالمشهور بالعلم، ورواه الطبراني والدارقطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحره، وفيه (لا تمسك النار) وفيه علي بن مجاهد وهو ضعيف، وروينا في جزء الغطريف ثنا أبو خليفة ثنا عبد =
[ ١ / ٣٧ ]
معظم الأصحاب حكمها كحِكمها من غيره قياسًا، وحملوا الأخبار على التداوي. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لأيِي طَيبَةَ: لاَ تَعُدْ، الدَّمُ كُلُّهُ حَرَامٌ" (١).
وفي خَرءِ السَّمَكِ وَالجَرَادِ وبولهما وجهان:
أظهرهما: النجاسة قياسًا على غيرها لوجود الاستحالة والتغير، وبه قال أبو حنيفة، وكذا في زرق الطيور الدَّجَاجَة.
والثاني: الطهارة لجَوَازِ ابْتِلاعَ السُّمُوكِ حَيَّةً، وميته وإطباق الناس على أكل المملحة منها على ما في بطونها، وكذلك في خرء ما ليس له نفس سائلة وجهان:
أظهرهما: النجاسة.
والثاني: لا؛ لأن الرُّطُوبَةَ المنفصلة منه كالرطوبة المنفصلة من النبات لمشابهة صورته بعد الموت صورته في الحياة، ولهذا لم يحكم بنجاسته بالموت على رأي، ولهذا بني بعضهم الخلاف في طهارة روثه على الخلاف في نجاسته بالموت.
ونعود بعد هذا إلى ألفاظ الكتاب.
أما قوله: "كل مُتَرَشِّحٌ ليس له مَقَرٌّ يستحيل فيه" فالمراد منه القسم الأول. وقوله: "ما استحال في الباطن" فالمراد منه القسم الثاني، والتعرض للترشح في الأول إنما وقع، لأن الغالب فيه الخروج على هيئة الترشح، لا أنه من خواصه، أو أن الطهارة منوطة به ألا ترى أن الدَّمَ وَالصَّدِيدَ قد يترشحان من القُرُوحِ والنّفَاطَاتِ، وهما نجسان.
وقوله: ليس له مقر يستحيل فيه لا يلزم من ظاهره ألا يكون مستحيلًا أصلًا لجواز أن يكون مستحيلًا لا في مقر فإن الدمع وسائر ما يقع في هذا القسم لا يستحيل أصلًا فالتعرض لنفي المقر ضرب من التأكيد والبيان، وإن كان يستحيل لا في المقر فالحكم منوط بنفي الاستحالة في المقر لا بمطلق نفي الاستحالة، وحينئذ يكون قوله "وما استحال في الباطن" منصرفًا إليه.
_________________
(١) = الرحمن بن المبارك ثنا سعد أبو عاصم مولى سليمان بن علي عن كيسان مولى عبد الله بن الزبير أخبرني سلمان الفارسي أنه دخل على رسول الله -ﷺ- فإذا عبد الله بن الزبير معه طشت يشرب ما فيه، فقال له رسول الله -ﷺ- (ما شأنك يا ابن أخي؟ قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول الله -ﷺ- في جرفي) فقال: (ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا قسم اليمين) ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث سعد أبي عاصم به (تنبيه) قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: لم نجد لهذا الحديث أصلًا بالكلية كذا قال وهو متعقب. انظر التلخيص ١/ ٣٠/ ٣١.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٨ ]
والمعنى وما استحال في مقر في الباطن، وقوله: "كالدَّم وَالبَوْلِ وَالعَذْرَةِ" ينبغي أن يعلم البول والعذرة بالميم والألف والواو إشارة إلى ما حكينا من مذهب مالك وأحمد والإصطخري، بل لا بأس بإعلام الدم أيضًا بالواو؛ لأن في المتحلب مِن الكَبدِ وَالطّحَالِ وجهًا أنه طاهر، وكذلك فِي دَمِ المسْكِ، والله أعلم.
قال الغزالي: وَالألْبَانُ طَاهِرَةٌ مِنَ الآدَمِيِّينَ (ح) وَمِنْ كُلِّ حَيَوَانِ مَأْكُولِ، وَإِلا نَفْحَةُ مَعَ اسْتِحَالَتِهَا فِي البَاطِنِ قِيلَ بِطَهَارَتهَا لِحَاجَةِ الجُبْنِ إلَيْها.
قال الرافعي: اللبن من جملة المستحيلات في الباطن إلا أن الله تعالى منَّ علينا بألبان الحيوانات المأكولة، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ (١) الآية، وجعل ذلك رِفْقًا عظيمًا بالعباد.
وأما غير المأكولَ، فإن كان نجسًا فلا تخفى نجاسته منه، وإن كان طاهرًا فهو إِمَّا آدمي، أو غيره أما الآدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نَشؤُهُ على الشيء النَّجِسِ، ولأنه لم ينقل أن النسوة أمرن في عصره بغسل الثياب والأبدان مما يصيبهن من اللبن، وحكى وجه أنه نجس كسائر ما لا يؤكل، وإنما يربى الصبي به للضرورة، وأما غير الآدمي فالمذهب نَجَاسَةُ لبنه على قياس المستحيلات، وإنما خالفنا في المأكول تبعًا للحم وفي الآدمي.
لكرامته: وعن أبي سعيد الأصْطَخِريُّ أنه طاهر كالسُّؤْر والعَرَق. وإذا عرفت ذلك فالمعتبر عنده في طهارة اللبن الحيوان، لا كونه مأكولًا فلا بأس لو أعلمت المأكول في قوله: "ومن كل حيوان مأكول" بالواو. لأنه مذكور قيدًا في الطهارة، وكذلك قوله: "من الآدمي" للوجه الذي رويناه.
ومما يستثنى من المستحيلات إلا نَفْحَهُ في أصح الوجهين. ولم يذكر كثيرون سوى أنها طاهرة لإطباق الناس على أكل الجبن من غير إنكار.
والثاني: أنها نجسة على قياس الاستحالة فإن الإِنْفَحَةَ لبن مستحيل في جوف السَّخْلَةِ، وإنما يجري الوجهان بشرطين أحدهما أن يؤخذ مِنَ السَّخلَةِ المَذْبُوحَةِ، فإن ماتت فهي نجسة بلا خلاف، والثاني: إلا تطعم إلا اللبن وإلا فهي نجسة بلا خلاف.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَنيُّ فَطَاهِرٌ مِنَ الآدَمِيِّ (م)، وَفِي سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ يُخَصَّصُ الطَّهَارَةَ في الثَّالِث بِالمَأْكِولِ اللَّحْمُ مِنْهَا، لأَنَّهُ يِشِبهُ بَيْضَ الطَّيْر، وَفِي بَذْرِ
_________________
(١) سورة المؤمنون (٢١).
[ ١ / ٣٩ ]
القَزِّ وَبَيْضِ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمَهُ وَجْهَانِ، أَمَّا دُودُ القَزِّ فَطَاهِرٌ، وَالمِسْكُ طَاهِرٌ، وَفَأَرَتُهُ كَذَلِكَ عَلى الأَظهَرِ.
قال الرافعي: المنيُّ قسمان: مني الآدمي، ومني غيره، فأما مني الآدمي فهو طاهر لما روي عَن عَائِشَةَ -﵂- أنَّها قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- ثُمَّ يُصَلِّي فيْهِ". وفي رِوَايْةٍ "وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ" (١) والاستدلال بها أقوى، ولأنه مبدأ خلق الآدمي، فأشبه التراب. فإن قيل: هذا مَنْقُوض بِالعَلَقَةِ وَالمُضْغةِ. قلنا: أصح الوجهين فيهما الطهارة أيضًا.
وحكى بعضهم عن صاحب التلخيص (٢) قولين في مني المرأة.
وحكى آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان، وهذا أقوى النقلين عنه، ويوجه القول بنجاسة المني وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك بما روى أنَّه -ﷺ- قَالَ: "يُغْسَلُ الثَّوبُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمَذي وَالمَنِيِّ" (٣).
_________________
(١) متفق عليه من حديثها، واللفظ لمسلم، ولم يخرج البخاري مقصود الباب ولأبي داود ثم يصلي فيه، وللترمذي ربما فركته من ثوب رسول الله -ﷺ- بأصابعي وفي رواية لمسلم: وإني لأحكه من ثوب رسول الله -ﷺ- يابسًا بظفري (قوله) وروى (أنها كانت تفركه وهو في الصلاة) ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي من حديث محارب بن دثار عن عائشة قالت: (ربما حتته من ثوب رسول الله -ﷺ- وهو يصلي) لفظ الدارقطني، ولفظ ابن خزيمة أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله -ﷺ- وهو يصلي) ولابن حبان أيضًا من حديث الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: (لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول الله -ﷺ- وهو يصلي)، (تنبيه) استغرب النووي هذه الرواية، ولم يعزها لأحد في شرح المهذب. انظر التلخيص ١/ ٣٢.
(٢) لابن إلقاس -﵀-.
(٣) قال الحافظ رواه البزار وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة من حديث عمار بن ياسر: أن النبي -ﷺ- مر بعمار فذكر قصة، وفيها إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول والمني والدم والقيء يا عمار ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء، وفيه ثابت بن حماد عن علي بن زيد بن جدعان وضعفه الجماعة المذكورن كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد واتهمه بعضهم بالوضع وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث، وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا نروي عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع قلت رواه البزار والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه إنما يرويه ثابت بن حماد. (فائدة) روى الدارقطني والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس قال سئل النبي -ﷺ- عن المني يصيب الثوب قال: (إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق)، =
[ ١ / ٤٠ ]
وبما روى أنه -﵇- قال لعائشة -﵂-: "اغْسِلِيهِ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ يَابِسًا" (١) واذا نصرنا ظاهر المذهب حملناهما على الاسْتِحِبَابِ، جَمعًا بَينَ الأَخْبَارِ.
والمذهب الأول وهو طهارة المني من الرجل والمرأة نعم قال الأئمة: إن قلنا: رُطُوبَةُ فَرْج المرأة نجسة نُجِّس المني بملاقاتها، ومجاورتها، وليس ذلك لنجاسة المني في أصله؛ بَل هُوَ كما لو بال الرجل ولم يَغسِل ذَكَرَهُ، فإن منيه ينجس بملاقاة المحل النجس. وأما مني غير الآدمي فينظر إن كان ذلك الغير نجسًا فهو نجس، وإن كان طاهرًا فَفِيه ثَلاَثةُ أوجه:
أظهرها: أنه نجس؛ لأنه مستحيل في الباطن كالدم وإنما حُكِمَ بطهارته من الآدمي تكريمًا له.
والثاني: أنه طاهر؛ لأنه أصل حيوان طاهر، فأشبه مني الآدمى.
والثالث: أنه طاهر من المأكول نجس من غيره كاللبن (٢).
وبيض الطائر المأكول طاهر كلبن الأنعام، وفي بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان كما في منيه والأظهر: النجاسة. ويجري الوجهان في بَزْرِ القَزِّ فإنه أصل الدُّودِ كالبَيْضِ فإنه أصل الطير. وفيه؛ معنى آخر وهو: أن الدود من جملة ما ليس له نفس سائلة وقد ذكرنا في رَوْثِ ما ليس له نفس سائلة وجهين فإن كان البَزْرُ رَوْثًا عاد فيه ذلك الخلاف،
_________________
(١) = وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة، أو إذخرة، ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي عن طريق عطاء عن ابن عباس موقوفًا. قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح. انظر التلخيص ١/ ٣٢ - ٣٣.
(٢) قال ابن الجوزي في التحقيق: هذا الحديث لا يعرف بهذا السياق، وإنما نقل أنها هي كانت تفعل ذلك رواه الدارقطني وأبو عوانة في صحيحه، وأبو بكر البزار كلهم من طريق الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله إذا كان يابسًا واغسله إذا كان رطبًا) وأعله البزار بالإرسال عن عمرة، قلت: وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحه، رواه ابن الجارود في المنتقى عن محمد بن يحيى عن أبي حذيفة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: كان عند عائشة ضيف فأجنب فجعل يغسل ما أصابه فقالت عائشة: (كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا بحته) وهذا الحديث قد رواه مسلم من هذا الوجه بلفظ: (لقد رأيتني أحكه من ثوب رسول الله -ﷺ- يابسًا بظفري، ولم يذكر الأمر وأما الأمر بغسله فلا أصل له، وقد روى البخاري من حديث سليمان بن يسار عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل فيه، لكن قال البزار: إنما روي غسل المني عن عائشة من وجه واحد رواه عمرو بن ميمون عن سليمان ابن يسار عنها: ولم يسمع من عائشة كذا قال وفي البخاري التصريح بسماعه له منها.
(٣) قال النووي: الأصح عند المحققين والأكثرين الوجه الثاني والله أعلم.
[ ١ / ٤١ ]
وإن لم يكن روثًا بل كان بيضًا له، فإذا كان روثه على الخلاف فَبَيْضُهُ أولى أن يكون كذلك. وأما دود القَزِّ فلا خلاف في طهارته، كسائر الحيوانات. وليس المسك من جملة النجاسات. وإن قيل: إنه دم "لأَنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَسْتَعْمِلُهُ وَكَانَ أحَبَّ الطِّيبِ إِلَيْهِ" (١). وفي فَأرَتِهِ وجهان:
أحدهما: النجاسة؛ لأنها جزء انفصل من حي.
وأظهرهما: الطهارة؛ لأنه منفصل بالطبع كَالجَنِيْنِ؛ لأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة لكان المظروف نجسًا، وموضع الوجهين ما إذا انفصلت في حياة الظَّبْيَةِ، أما لو انفصلت منها بعد موتها فهي نجسة، كالجنين، واللَّبَنِ [وَحُكِيَ] (٢) وَجهٌ آخر: أنها طاهرة كالبيض المتصلب (٣).
وألفاظ الكتاب في هذه المسائل بَيِّنَةٌ، نعم قوله: "في مني غير الآدمي" يخصص الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منه؛ لأنه يشبه بيض الطير يقتضي ظاهره أن تكون الطهارة في البَيْضِ مَخْصُوصَةٌ ببيض المأكول وفاقًا، وليس كذلك؛ بل في بيض غير المأكول وجهان، كما في مني غير المأكول، فالمراد تشبيه مني المأكول ببيض المأكول لإِثْبَاتِ الطهارة فيه، من جهة أن كل واحد منهما أصل الحيوان المأكول لا لتخصيص الَطهارة، به، ولا خلاف في طهارة بيض المأكول وصاحب الوجه الثالث يقول: ينبغي أن يكون المني كذلك، وأما من غير المكول فيبقى على قِيَاسِ المُسْتَحِيلاَتِ.
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ١/ ٣٤ لم أره صريحًا بل روى مسلم والترمذي وابن حبان وأبو داود من طرق عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا (أطيب الطيب المسك).
(٢) سقط في ب.
(٣) قال النووي: القيح نجس وكذا ماء القروح إن كان متغيرًا، وإلا فلا على المذهب، ودخان النجاسة نجس في الأصح، وهو مذكور في باب: ما يكره لبسه. وليست رطوبة فرج المرأة والعلقة بنجس في الأصح، ولا المضغة على الصحيح، والمرة نجسة وكذا جِرَّة البعير. وأما الماء الذي يسيل من فم النائم فقال المتولي: إن كان متغيرًا فنجس. وإلا فطاهر. وقال غيره: إن كان من اللهوات فطاهر أو من المعدة فنجس. ويعرف كونه من اللهوات بان ينقطع إذا طال نومه، وإذا شك فالأصل عدم النجاسة والاحتياط غسله وإذا حكم بنجاسته، وعمت بلوى شخص به لكثرته منه، فالظاهر أنه يلتحق بدم البراغيث، وسلس البول ونظائره. قال القاضي حسين والمتولي والبغوي وآخرون: لو أكلت بهيمة حبًا ثم ألقته صحيحًا فإن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع نبت فعينه طاهرة، ويجب غسل ظاهره، لأنه وإن صار غذاء لها فما تغير إلى فساد، فصار كما لو ابتلع نواة. وإن زالت صلابته بحيث لا ينبت فنجس العين. قال المتولي: والوسخ المنفصل من الآدمي في حمام وغيره له حكم ميتته، وكذا الوسخ المنفصل عن سائر الحيوان له حكم ميتته، وفيما قال نظر. وينبغي أن يكون طاهرًا قطعًا كالعرق والله أعلم. ينظر الروضة ١/ ١٢٨.
[ ١ / ٤٢ ]