وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ سُنَّةٌ عَلَى أَظْهَرِ الرَّأْيَيْنِ فِي الجَمَاعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَوَاتِ الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَفْرُوضَةِ مُؤَدَّاةٍ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي المَسْجِدِ المَطْرُوقِ قَوْلاَنِ، وَفِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ أَنَّهَا تُقِيمُ وَلاَ تُؤَذِّنُ وَلاَ تَرْفَعُ الصَّوْتَ بِحَالٍ، وَفِي المُنْفَرِدِ فِي بَيْتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ إِذَا انْتَظَرَ حُضُورَ جَمْعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُؤَذِّنُ فَفِي إِقَامَتِهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَذِّنُ فَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلاَ أَذَانَ فِي غَيْرِ مَفرُوضَةٍ كَصَلاَةِ الخُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ وَصَلاَةِ الجَنَازَةِ وَالعِيدَينِ، بَل يُنَادِي لَهَا الصَّلاة جَامِعَةً، وَفِي الصَّلاَةِ الفَائِتَةِ المَفْرُوضَةِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُقِيمُ وَلاَ يُؤَذِّنُ (ح) وَلَو قَدَّمَ العَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ أَخَّرَ الظُّهْرِ إلَى العَصْرِ يُؤَدِّيهِمَا بِإقَامَتَيْنِ (ح) بِلاَ أَذَانٍ (و) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظُّهْرَ كَالفَائِتَةِ فَلاَ يُؤَذَّنُ لَهَا.
قال الرافعي: لا شك أن الأذان دعاء إلى الصلاة إعلام للوقت، ولكن لا يدعى به
_________________
(١) = الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس وفيه: ثم لم يعد لهما، وهو من رواية جرير عن عطاء بن السائب، وإنما سمع منه بعد الاختلاط، نعم في البخاري ومسلم من حديث عائشة "ما تركهما قط عندها" وفي رواية "ما تركهما حتى لقي الله".
(٢) أخرجه البخاري ومسلم، وقال الحافظ روى أحمد عن أم سلمة قالت: صلى رسول الله -ﷺ- العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، الحديث وفيه قلت: يا رسول الله أفنقضيها إذا فاتتنا قال: لا انظر التلخيص (١/ ١٩١).
(٣) أخرجه أبو داود من حديث ابن إسحاق، وفيه عنعنة ابن إسحاق، انظر التلخيص (١/ ١٩٢).
[ ١ / ٤٠٣ ]
إلى كل صلاة، بل إلى بعض الصلوات، وليس دعاء على أي وجه اتفق بل له كيفية مخصوصة، ولا يدعو به كل أحد بل بعض الناس، فتمس الحاجة إلى بيان الصلاة التي هي محل الأذان، وبيان كيفية الأذان وصفات المؤذن؛ فتكلم في هذه الأمور في ثلاثة فصولها وافتتح القول في الأول يذكر الخلاف في أنه سنة أم فرض كفاية؟ ولو قدم هذه المسألة على الفصول أجمع، وقصر كلام الفصل الأول على بيان الصلوات التي تشرع فيها الأذان سُّنة كان أم فرضا كان أليق بترجمة الفصل، وكذلك فعل في "الوسيط"؛ واختلفوا في الأذان والإقامة أهما سنتان أم فرضًا كفاية؟ على ثلاثة أوجه:
أصحهما: أنهما سنتان لأنهما للإعلام، والدعاء إلى الصلاة، فصار كقوله: "الصلاة جامعة" في العيدين ونحوهما، ولأَنَّهُ -ﷺ-: "جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَأَسْقَطَ الأَذَانَ مِنَ الثَّانِيَةِ" (١). والجمع سنة، فلو كان الأذان واجبًا لما تركه لسنة.
والوجه الثاني: أنهما فرضا كفاية لما روي أنه -ﷺ- قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإذَا حَضُرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ" (٢).
وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه من شعائر الإسلام فليؤكد بالفرضية، وهذان الوجهان هما اللذان أرادهما المصنف بالرأيين.
والثالث: أنهما مسنونتان في غير الجمعة، وفرضا كفاية في الجمعة؛ لأنها اختصت بوجوب الجماعة فيها فاختصت بوجوب الدعاء إليها، وبالوجه الثالث قال ابن خيران، ونسبه القاضي ابن كج والشيخ أبو حامد إلى أبي سعيد الإصطخري، ونسب آخرون إلى أبي سعيد الوجه الثاني دون الثالث، فإن قلنا: هما سُّنة فلو اتفق أهل بلدٍ على تركها، هل يقاتلون عليه فيه وجهان:
أصحهما: لا، كسائر السنن.
والثاني: نعم ينسب إلى أبي إسحاق المروزي، لأنه من شعائر الإسلام فلا يمكن من تركه، وإن قلنا: هما فرضا كفاية فإنما يسقط الحرج بإظهارهما في البلدة أو القرية بحيث يعلم جميع أهلها أنه قد أذن فيها لو أصغوا؛ ففي القرية الصغيرة يؤذن في موضع واحد، والبلدة الكبيرة لا بد منه في مواضع ومحال، فلو امتنع قوم منها قوتلوا، ومن قال: بافتراضهما في صلاة بالجمعة خاصة فقد اختلفوا؛ منهم من قال: الأذان الواجب هو الذي يقام بين يدي الخطيب فإنه الذي يختص الجمعة فلا يبعد إيجابه كالجماعة والخطبة وغيرهما، وهذا ما حكاه الشيخ أبو محمد عن أحمد بن سيار من
_________________
(١) أخرجه مسلم من رواية جابر، انظر الخلاصة (١/ ٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣١ - ٦٢٨ - ٦٣٠) ومسلم (٦٧٤).
[ ١ / ٤٠٤ ]
أصحابنا (١)؛ قال الشيخ: ووجدت لفظ الوجوب في هذا الأذان لفظا للشافعي -﵁- فلعله أراد توكيد أمره. ومنهم من قال: يسقط الوجوب بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يدي الخطيب. ولك أن تعلم قوله: "مشروع سنة" بالألف؛ لأن بعض أصحاب أحمد ذكر: أن الأذان والإقامة فرضان على الكفاية عندهم وبالميم؛ لأن في تعاليق الشيخ أبي حامد أن مالكًا يقول بوجوب الأذان، ويلزم الإعادة ما بقي من الوقت، فإن ذهب الوقت وصلى من غير أذان جاز.
ونعود بعد هذا إلى بيان محل الأذان وقد ضبطه المصنف فقال: "محله الجماعة الأولى من صلاة الرجال في كل مفروضة مؤداة" وفيه خمسة قيود: أولها الجماعة فالمنفرد في الصحراء أو في العصر هل يؤذن؟ الجديد: أنه يؤذن لما روي أن رسول الله -ﷺ- قال لأبي سعيد الخدري -﵁-: "إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَأذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَكَ حَجَرٌ وَلاَ شَجَرٌ وَلاَ مَدَرٌ إِلاَّ شَهِدَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
وحكى عن القديم: أنه لا يؤذن، لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد، وقال بعض أصحابنا: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان ينتظر حضور غلمانه ومن معه في البادية.
هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذنين، فأما إذا بلغه بالخلاف فيه مرتب على هذا فالخلاف، وأولى بأن لا يؤذن كآحاد الجمع، فإن قلنا: لا يؤذن المنفرد فهل يقيم فيه وجهان:
أحدهما: لا كالأذان، وأصحهما نعم؛ لأنها للحاضرين فيقيم لنفسه، وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع الصوت؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لحديث أبي سعيد.
والثاني: إن انتظر حضور جمع رَفَع، وإلا فلا، ولا شك في أنه إذا أذن يقيم.
واعلم أن هذا الترتيب يشتمل عليه كلام إمام الحرمين وهذا الذي اقتبسه منه
_________________
(١) أبو الحسن أحمد بن سيار، بسين مهملة مفتوحة وياء مشددة بنقطتين من تحت، ابن أيوب السياري المروزي الحافظ الأديب، الزاهد، كان يقاس بابن المبارك في زمانه. رحل إلى العراق والشام ومصر، وسمع إسحاق بن راهوية، وروى عن النسائي وابن خزيمة. توفي سنة ثمان وستين ومائتين، نقله النووي في تهذيبه وطبقاته. راجع ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٦)، تاريخ بغداد (٤/ ١٨٧)، طبقات الأسنوي رقم (٥٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٩).
[ ١ / ٤٠٥ ]
المصنف إلا أنه جعل الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظر قولًا، وأْطلق في المسألة ثلاثة أقوال، والإمام لم يروه إلا عن بعض الأصحاب، والجمهور اقتصروا على ذكر المذهب المنسوب إلى الجديد ولم يتعرضوا لخلاف، نعم حكى القول القديم في "التتمة" ولكن إذا كان المنفرد يصلي في العصر خاصة ولم يطرده في المنفرد في الصحراء. وقوله في الكتاب: (وفي المنفرد في بيته) تخصيص البيت بالذكر يمكن أن يحمل على موافقة ما رواه في "التتمة" ولكنه لم يرد ذلك بل طرد الخلاف في السفر والحضر، وفي "الوسيط". وأما الفرق بين أن يرجو حضور جمع أو لا يرجو فسنبيّن في الأذان للفائتة أنه من أين أخذ، وليكن قوله: (وإن قلنا: يؤذن فيستحب رفع الصوت) مَرْ قُومًا بالواو لما قدمناه.
ويدل على استحباب الأذان للمنفرد وعلى أن الإقامة أولى بالرعاية ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ بأَرْضٍ فَلاَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ صَلَّى وَحْدَهُ فَإِنْ صَلَّى بِإِقَامَةٍ صَلَّى بِصَلاَتِهِ مَلَكَاهُ وإنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وإقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ صَفٌّ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ أَوَّلُهُمْ بِالْمَشْرِقِ وَآخِرُهُمْ بِالْمَغْرِبِ" (١).
ويستثنى مما ذكرنا من أن المنفرد يرفع صوته بالأذان صورة وهي: ما إذا صلى في مسجد أقيمت الجماعة فيه وانصرفوا، فهاهنا لا يرفع الصوت لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى سيما في يوم الغيم.
وثانيهما: كونها جماعة أولى ومهما أقيمت الجماعة في مسجد ثم حضر قوم فإن لم يكن له إمام راتب لم يكره لهم إقامة الجماعة فيه، وإن كان ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يكره، وبه قال أبو حنيفة.
وإذا أقاموا جماعة ثانية مكروهة كانت أو غير مكروهة فهل يُسن لهم الأذان؟ حكى إمام الحرمين عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولين:
أحدهما: لا؛ لأن كل واحد منهم مدعوّ بالأذان الأول وقد أجاب بالحضور، فصاروا كالحاضرين في الجماعة الأولى بعد الأذان.
والثاني: نعم؛ لأن الأذان الأول قد انتهى حكمه بإقامة الجماعة الأولى، لكن الأذان الثاني لا يرفع فيه الصوت كيلا يلتبس الأمر على الناس، وهذا أظهر، والأول مذهب أبي حنيفة. قال الكرخي في "مختصره"، ولا يؤذن في مسجد له إمام معروف
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ٧٢) من مرسي سعيد بن المسيب، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢١٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٤٠٥) وعبد الرزاق (١٩٥٥) والطبراني في الكبير (٦١٢٠) من حديث سلمان مرفوعًا.
[ ١ / ٤٠٦ ]
مرتين. وأما ذكر المصنف للمطروق في صورة المسألة فليس للتقييد؛ لأن رواية صاحب "التقريب" مطلقة ولعله إنما ذكره؛ لأن إقامة الجماعة بعد الجماعة إنما تتفق غالبًا في المساجد المطروقة -والله أعلم-.
وثالثهما: صلاة الرجال، ففي جماعة النساء ثلاثة أقوال حكاها في النهاية.
أصحها: وهو نصه في "الأم" و"المختصر": أنه يستحب لهن الإقامة دون الأذان، أما أن الأذان لا يستحب، فلأن الأذان للإبلاغ والاعلام، ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت، وفي رفع النساء الصوت خوف الافتتان، وقد روى عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: "لَيْس عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ" (١) وأما أن الإقامة تستحب فلأنها لاستفتاح الصلاة واستنهاض الحاضرين فيستوي فيها الرجال والنساء، فلو أذنت على هذا القول من غير رفع الصوت لم يكره، وكان ذكرًا لله تعالى.
والثاني: أنه لا أذان ولا إقامة، أما الأذان، فلما سبق، وأما الإقامة فلأنها تبع الأذان.
والثالث: أنه يستحب الأذان والإقامة؛ لما روى عن عائشة -﵂-: "أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ" (٢).
ثم لا يختص هذا الخلاف بما إذا صَلَّيْنَ جماعة بل هو جار في المرأة المنفردة، ولكن بالترتيب على الرجل، إن قلنا: لا يؤذن الرجل المنفرد فالمرأة أولى، وإن قلنا يؤذن ففي المرأة هذا الخلاف.
وقوله: "ولا يرفع الصوت بحال" أي: لا ترفع المؤَذِّنَةُ صوتها فوق ما تسمع صواحبها، ويحرم عليها أن تزيد على ذلك.
قال: "في النهاية" وحيث قلنا: في أذان الجماعة الثانية في المسجد الدم أقيم فيه الجماعة الأولى والأذان الراتب: إنه لا يرفع الصوت فلا يعني به [أنه يحرم الرفع، بل يعني به الأولى أن لا يرفع، وإذا قلنا إن المنفرد لا يرفع صوته به ولا يعني به] (٣) أن الأولى أن لا يرفع فإن الرفع أولى في حقه، ولكن يعني به أنه يعتد بأذانه دون الرافع.
ورابعهما: المفروضة، فليس في غير المفروضة أذان ولا إقامة، سواء فيه الصلاة
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١/ ٤٠٨) بإسناد صحيح، ورواه مرفوعًا بإسناد ضعيف.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٠٨) وابن المنذر، والحاكم في المستدرك، انظر الخلاصة (١/ ١٠٦).
(٣) سقط في أ.
[ ١ / ٤٠٧ ]
التي يسن له الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء، والتي لا يسن كصلاة الضحى، لأنه لم ينقل الأمر به عن الرسول -ﷺ- ولا عن خلفائه الراشدين -﵃- ولكن ينادي لصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء "الصَّلاةَ جَامِعَةٌ" (١) وكذلك لصلاة التراويح إذا أقيمت جماعة، واختلف الناقلون في صلاة الجنازة فعدها المصنف من جملة ما يستحب فيه هذا النداء، وكذلك نقله القاضي ابن كج وآخرون.
وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وطبقته: لا يستحب لها الأذان والإقامة ولا هذا النداء، ووافقهم صاحب "التهذيب" فلا بأس لإعلام قوله: "بل ينادي لها "الصلاة جامعة"" لهذا السبب.
وخامسها: المؤداة، ففي الفائتة ثلاثة أقوال:
الجديد: أنه لا يؤذن لها؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: "حُبِسْنَا عَنْ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِب هَوَيَا مِنَ اللَّيْلِ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِلاَلًا فَأَقَامَ لِلْظُّهْرِ فَصَلاَّهَا ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَاَ ثُمَّ أَقَامَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَشَاءِ فَصَلاَّهَا وَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا مَعَ الإقَامَةِ" (٢).
والقديم: أنه يؤذن لها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة وأحمد لما روي أنه -ﷺ- كان في سفر فقال: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا" (٣) يعني ركعتي الفجر فضرب على أذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هيبة، ثم نزلوا فتوضأوا، وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر، وركبوا. وقال في "الإملاء": إن أمل اجتماع قوم يصلون معه أذن، وإلا فلا.
قال الأئمة: الأذان في "الجديد" حق الوقت، وفي "القديم" حق الفريضة، وفي "الإملاء" حق الجماعة. وهذا الخلاف في الأذان.
أما الإقامة فنأتي بها على الأقوال كلها، ثم استفيد من هذا الخلاف شيئان:
أحدهما: أن الفرق في المنفرديين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظر مخرج من قول "الإملاء" مصيرًا إلى أن الأذان حق الجماعة، حكى تخريجه منه عن أبي إسحاق المرْوزي.
والثاني: ظهور القول بأن المنفرد في المؤداة [يؤذن، ولولاه لما خض الفائتة في هذه الأقوال بالتنصيص عليها، ومتى استثنى الخلاف في المنفرد بالمؤداة هل] (٤) يؤذن
_________________
(١) أخرجه الشافعي (١٥٤) والنسائي (٢/ ١٧) وأحمد في المسند (٣/ ٢٥) وأبو يعلى (١٢٩٦) والبيهقي في السنن (٣/ ٢٥١) وقال البيهقي في خلافياته: رواته كلهم ثقات انظر الخلاصة (١/ ١٠٠).
(٢) قال الحافظ أخرجه الشافعي، التلخيص (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٥) ومسلم (٦٨١) من رواية أبي قتادة.
(٤) سقط في ط.
[ ١ / ٤٠٨ ]
لها؟ وجب أن يرتب فنقول: إن قلنا: المؤداة لا يؤذن لها فالفائتة أولى، وإن قلنا: يؤذن ففي الفائتة خلاف. ولو أقيمت الفائتة جماعة فلا جريان للقول الثالث.
واعلم بعد هذا أن قول المصنف: (في صلاة الفائتة المفروضة ثلاثة أقوال) لفظ (المفروضة) مستغني عنها فإنا عرفنا بالتقييد سابقًا أن غير المفروضة لا أذان لها إذا كانت مؤداة فكيف يتوهم لها الأذان إذا كانت مؤداة فائتة ثم قوله: (فيه ثلاثة أقوال: في الثالث يقيم ولا يؤذن) يقتضي أن يكون أحد الأقوال أنه يؤذن لها.
والثاني: أنه لا يؤذن لها ولا يقيم.
والثالث: ما ذكره، وتكون هذه الأقوال حينئذ على مثال ما قدمته في جماعة النِّسَاء لكنه سهو هاهنا بلا شك، فقد أطبقت النقلة على أن الفائتة يقيم لها وإنما الأقوال في الأذان، وأن ثالثها الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظره، وقد نقلها المصنف على الصحة في "الوسيط" فقال في "الجديد": يقيم ولا يؤذن، وفي "القديم": يقيم ويؤذن، وفي "الإملاء" إن انتظر حضور جمع أذن، إلا اقتصر على الإقامة، وهي متفقة على أنه يقيم لها، وهذا كله في الفائتة الواحدة، فإن كانت عليه فوائت وقضاها على التوالي ففي الأذان للأولى هذه الأقوال، ولا يؤذن لما عداها بلا خلاف، ويقيم لكل واحدة منها الأولى وغيرها. وعند أبي حنيفة: يتخير فيما بعد الأولى إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة. ولو وإلى بين فريضة وقت وفائتة فإن قدم فريضة الوقت أذن وأقام لها واقتصر على الإقامة للفائتة، وإن قدم الفائتة أقام لها، وفي الأذان الأقوال. وأما فريضة الوقت فقد قال في "النهاية": إن قلنا: يؤذن للفائتة فلا يؤذن للمؤداة بعدها كيلا يتوالى الأذانان، وإن قلنا: يقتصر للفائتة على الإقامة فيؤذن للأداء بعدها ويقيم.
والأظهر: أنه يقتصر لصلاة الوقت بعد الفائتة على الإقامة بكل حال؛ لحديث أبي سعيد الخدري، فإنه لم يأمر للعشاء بالأذان، وإن جمع بين صلاتي جمع لِسَفَرٍ أو مطر فإن قدم الأخيرة إلى وقت الأولى كتقديم العصر إلى الظهر فيؤذن ويقيم للأولى، ويقتصر للثانية على الإقامة، لما روى أنَّه -ﷺ-: "جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَذَانٍ وَإقَامَتَيْنِ" (١)، وأيضًا فإنه لو أذن للثانية (٢) لأخلَّ بالموالاة وهي مرعية عند التقديم لا محالة، وإن أخر الأولى إلى وقت الثانية كتأخير الظهر إلى العصر أقام لكل واحدة منهما، ولم يؤذن للعصر محافظة على الموالاة.
_________________
(١) قال في الخلاصة (١/ ١٠٠) أخرجه مسلم من رواية جابر -﵁- في حديثه الطويل.
(٢) في ط للفائتة.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وأما الظهر فتجري فيه أقوال الفائتة؛ لأنها تشبهها من جهة أنها خارجة عن وقتها الأصلي، والأصح: أنه لا يؤذن لها أيضًا؛ لأن النبي -ﷺ-: "جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِإِقَامَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ".
قال إمام الحرمين -قدس الله روحه- وينقدح أن يقول: يؤذن قبل الظهر (١)، وإن قلنا الفائتة لا يؤذن لها إما لأنها مؤداة ووقت الثانية وقت الأولى عند العذر، وإما لأن إخلاء صلاة العصر عن (الأذان وهي واقعة في وقتها فيعيد) (٢) الأذان الواقع قبل صلاة الظهر للعصر، وقد يؤذن الإنسان لصلاة ويأتي بعده بتطوع وغيرها إلى أن تتفق الإقامة وتخلله لا يقدح في كون الأذان لتلك الصلاة.
وعند أبي حنيفة يصلي للمغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة، ولا يقيم للعشاء ويجوز أن يعلم بالواو قوله: "بلا أذان" وكذا قوله في حالة التقديم: "فيؤذن للظهر" لأنه لتخصيص الأذان بالظهر، وقد حكى القاضي أبو القاسم بن كج أن أبا الحسن بن القطان خرج وجهًا أنه يؤذن لكل واحدة من صلاتي الجمعة قدم أو أخر وقوله: (بناء على أن الظهر كالفائتة فلا يؤذن لها) هذا وحده لا يوجب نفي الأذان فيهما لكنه يفيد نفي الأذان للظهر، وأما العصر فإنما لا يؤذن لها لمعنى الموالاة، ويلزم من مجموع الأمرين أن يكون أداؤهما بلا أذان، وقد نجد في بعض النسخ التعرض بسبب نفي الأذان للعصر أيضًا -والله أعلم-.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن القيود الخمسة مختلف فيها كلها سوى القيد الرابع؛ فإن الظاهر عدم اعتبار الأول والثاني واعتبار الثالث والخامس.
فرع: لا يشرع الأذان في الصلاة المنذورة كذلك رواه صاحبُ التهذيب وغيره، ويخرج عن الضابط بقيد الجماعة فإن الجماعة لا يشرع فيها.