قال الغزالي: [المُسْتَحَاضَةُ الأُولَى] مُبْتَدَأَة مُمَيِّزَةٌ تَرَى الدَّمَ القَوِيَّ (ح) أَوَّلًا فَتَحِيضُ فِي الدَّمِ القَوِيِّ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلاَ يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتَسْتَحِيضُ فَي الضَّعِيفِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَنْقُصَ عَنْ خَمْسَةَ عَشرَ يَومًا، وَالقَوِيُّ هُوَ الأَسْوَدُ أَوِ الأحْمَرُ بِالاِضَافَةِ إِلَى لَوْنٍ ضَعِيفٍ بَعْدَهُ، وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أطْبَقَتِ الصُّفرَةُ فَالْحُمرَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَفِي وَجْهٍ: تُلْحَقُ بالسَّوَادِ إِذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ إِلاَّ أَنْ تَصِيرَ الْحُمْرَةُ أَحَدَ عَشَرَ، وَفِي وَجْهٍ: تُلْحَقُ الحُمْرَةُ أَبَدًا بِالصُّفْرَةِ.
قال الرافعي: المُسْتَحَاضَاتُ أربع؛ لأن التي جاوز دمها أكثر الحيض، إما أن تكون مبتدأة، وهي التي لم يسبق لها حَيْضٌ وطهر، أو معتادة وهي التي سبق لها ذلك، وعلى التَّقْدِيرين فإما أن تكون مميزة أو لا تكون، فالأصناف إذًا أربعة مبتدأة مميزة، ومبتدأة غير مميزة، معتادة مميزة، معتادة غير مميزة، وهذه أصناف اللواتي يتميز وقت حيضهن عن استحاضتهن. أما الناسية فلا يمكن التمييز في حَقِّها بين الحَيْضِ والاستحاضة، وتختص لذلك بأحكام، فأفرد لها بابًا بعد هذا. (المُسْتَحَاضَةُ الأولى) المبتدأة المميزة هي التي ترى الدم على نَوْعَيْنَ، أحدهما أقوى أو على ثلاثة أنواع، أحدها أقوى، فترد إلى التَّميز على معنى أنها تكون حائضًا في أَيَّام القَوِيّ، مستحاضة في أيَّام الضَّعيف، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: ترد إلى أكثر الحيض وهو عشرة أيام (عنده) وتطهر باقي الشَّهر، لنا ما روي في الصحيحين عن عائشة -﵂- قالت: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أمْرَأَةٌ أسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: لاَ؛ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي" (١).
وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: "دَمُ الْحَيض أَسْوَدُ وَأَنَّ لَهُ رَائِحَةً، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٨) ومسلم (٦٢ - ٣٣٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٦) والنسائي (١/ ١٨٥) والدارقطني (١/ ٢٠٧) والحاكم (١/ ١٧٤) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وورد في صفته: "أَنَّهُ أَسْوَدُ مُحتَدِمٌ بَحْرَانِيُّ ذُو دَفَعَاتٍ، وَفِي دَمِ الاسْتِحَاضَةِ أَنَّهُ أَحْمَرُ رَقِيقٌ مُشْرِقٌ" (١).
والأسود هو الذي تعلوه حمرة متراكمة، فيضرب من ذلك إلى السَّواد، والمُحْتَدِمُ هو الجَاري الذي يَلْذَع البَشْرَةَ ويحرقها بحدَّتِهِ ويختَصُّ برائحة كريهة.
ودم الاستِحَاضَةِ رقيق لا احتِدَامَ فيه يضرب إلى الشُّقرة أو الصفرة، ولذلك يسمى مشرقًا. وقيل: المحتدم هو الضَّارب إلى السواد، والبحراني هو الشديد الحمرة.
قال صاحب "الغريبين": "يقال أحمر بَاحِرٌ وبَحْرَانِي، أي: شديد الحُمْرة، ثم إنما يحكم بالتمييز بثلاثة شروط، شرطان منها في القوى وهما: ألا يزيد على خمسة عشر يومًا، ولا ينقص عن يوم وليلة، وإلا كان زائدًا على أكثر الحيض أو ناقصًا عن أقله فلا يمكن تحيضها فيه.
والثالث: في الضعيف: وهو ألا ينقص عن خمسة عشر يومًا، وذلك لأنا نريد أن نجعل الضَّعيف طهرًا، والقويّ بعده حَيْضَة أخرى، وإنما يمكن جعله طهرًا إذا بلغ أقل الطّهر، فلو رأت ستة عشر دمًا أسود ثم أحمر -فقد فقد الشرط الأول ولو رأت يومًا أو نصف يوم أسود ثم أحمر- فقد الشرط الثَّاني، ولو رأت يومًا وليلة دمًا أسود وأربعة عشر أحمر، ثم عاد الأسود -فقد فقد الشرط الثالث- وهو أْلا ينقص الضَّعيف عن خمسة عشر. وقول الأصحاب ينبغي ألا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يومًا أرادوا خمسة عشر على الاتِّصال، وإلا فلو رأت يومًا أسود ويومين أحمر وهكذا أبدًا فجملة الضَّعيف في الشهر لم ينقص عن خمسة عشر يومًا لكن لما لم يكن على الاتِّصَال، لم يكن ذلك تمييزًا معتبرًا. ثم بماذا نعتبر القوة والضعف؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أن الاعتبار في القوة والضعف بمجرد اللون فالأسود قوي بالإضافة إلى الأحمر، والأحمر قوي بالإضافة إلى الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر والأكدر إذا جعلناهما حيضًا.
وادعى إمام الحرمين -قدس الله روحه- كون هذا الوجه متفقًا عليه، وقال: لو رأت خمسة سوادًا مع الرائحة المنعوتة في الخبر حيث قال: "لَهُ رَائِحَةٌ تُعْرَفُ" (٢) وخمسة سوادًا بلا رائحة فهما دم واحد وفاقًا.
_________________
(١) قال الحافظ: تبع في ذلك الغزالي وهو تبع للإمام، وفي تاريخ العقيلي عن عائشة نحوه، قالت: دم الحيض أحمر بحراني، ودم الاستحاضة كغسالة اللحم وضعفه، والصفة الذكورة وقعت في كلام الشافعي في "الأم" انظر التلخيص (١/ ١٦٩).
(٢) انظر الخلاصة (١/ ٨١) وسيأتي.
[ ١ / ٣٠٥ ]
والوجه الثاني: وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم: أن القوة تحصل بإحدى خصال ثلاث اللون، أما ذكرنا في الوجه الأول والرّائحة، فالذي له رائحة كريهة أقوى مما [لا] (١) له رائحة والثَّخن، فالثَّخِينُ أقوى من الرقيق فيجب أن يكون قوله: "والقوي هو الأسود أو الأحمر بالاضافة إلى لون ضعيف بعده" معلمًا بالواو، لهذا الوجه، على أن الأصحَّ هذا الوجه، على خلاف ما ذكره صاحب الكتاب، ألا ترى أن الشافعي -﵁- ذكر في صفة الحيض أنه مُحْتَدِمٌ ثَخِينٌ له رائحة، وورد في الخبر التَّعرض لغير اللون، كما ورد التَّعرض للون، وعلى هذا، فلا يشترط اجتماع الصفات كلها، بل كل واحدة منها تقتضي القوة وحدها، ولو كان بعض دمها موصوفًا بصفة من الصِّفات الثلاث والبعض خاليًا عن جميعها - فالقوي هو الموصوف بها، وإن كان للبعض صفة وللبعض صفتان فالقوي الثَّاني، وإن كان للبعض صفتان وللبعض الصفات الثلاث فالقوي الثاني، وإن وجد في البعض صفة وفي البعض أخرى، فالحكم للسابق منهما، كذلك ذكره في "التَّتمة"، وهو موضوع التأمُّل. ثم إذا وجدت الشرائط الثلاث -للتمييز- فلا يخلو إما أن يتقدم القوي أو يتقدم الضعيف، فإن تقدم القوي نظر إن استمر بعده ضعيف واحد، كما إذا رأت خمسة سوادًا ثم خمسة حمرة مستمرة، فأيام القوي حيض وأيام الضعيف اسْتِحَاضة، لما سبق من الخبر، ولا فرق بين أن يَتَمَادَى زمان الضَّعيف ويين أن يقصر على ظاهر المذهب، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أن الضَّعيف إن كان مع القوي قبل تسعين يومًا فما دون ذلك، عملنا بالتَّمييز، وقلنا: هي مستحاضة في أيام الضَّعيف، وإن جاوز ابتدأت بعد التِّسعين حيضة أخرى، وجعلنا كل دور تسعين. ذكره إمام الحرمين، بناء على ما قاله القَفَّال في حَدِّ العادة المردود إليها، وسنذكر ذلك في باب النِّفَاس.
والوجه الثاني: ذكر في "التَّتمة" أن من شرط اعتبار التَّمييز ألا يزيد مجموع القوي والضعيف على ثلاثين يومًا فإن زاد سقط حكم التّمييز، لأن الثلاثين لا تخلو عن حَيْضَةٍ وطهر في الغالب. وليس بعض المقادير بعد مجاوزة الثلاثين أولى بأن يجعل دورًا من بعض، فعلى هذا ينضم شرط رابع إلى الشروط الثلاثة المشهورة.
والأصح الأول؛ لأن إخبار التمييز مطلقة، وهو الذي يوافق كلام الشَّافعي -﵁- فإنه قال: فإذا ذهب ذلك الدّم يعني القوي، وجاءها الدم الأحمر الرقيق المشرق، فهو عِرْقٌ وليست بالحَيْضَة، فعليها أن تَغْتَسِلَ أطلق الكلام إطلاقًا هذا إذا استمر بعد القوي ضعيف واحد. أما إذا وجد بعده ضعيفان، كما إذا رأت خمسة
_________________
(١) سقط في (ط).
[ ١ / ٣٠٦ ]
سوادًا، ثم خمسة حمرة، ثم صفرة مطبقة، فالحمرة المتوسطة تلحق بالقوي قبلها أم بالضعيف بعدها؟ حكى صاحب الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: أنها تلحق بالسَّواد إن أمكن وذلك بأن لا يزيد المجموع على خمسة عشر؛ لأنهما قويان بالإضافة إلى ما بعدهما، وقد أمكن جعلهما حيضًا فصار كما لو كان كل ذلك سوادًا أو حمرة، فإن لم يمكن الجَمْع حينئذ تلحق الحمرة بالصّفرة.
والثاني: اْنها تُلْحَقُ بالصُّفْرة بكل حال؛ لأنها إذا دارت بين أن تلحق بالقوي قبلها، وبين أن تلحق بالضَّعيف بعدها، والاحتياط هو الثاني، فيصار إليه ويحصل من هذا السِّياق إثبات وجهين في حالة إمكان الجمع والجَزْم بالإلحاق بالصُّفْرة في حالة عدم الإمكان، وفي كل واحدة من الحالتين طريقة أخرى سوى ذلك.
أما في حالة إمكان الجمع فقد قطع بعضهم بضم الحُمْرة إلى السَّواد ونفي الخلاف فيه. وأما في حالة عدم الإمكان فقد أثبت بعضهم وجهين:
أحدهما: أن حكم الحمرة حكم السَّواد لقوتها، ولو زاد السواد على خمسة عشر، لكانت فاقدة للتمييز. فكذلك إذا زادت مجموعهما.
وأظهرهما: أن حيضها أيام السَّوَاد لا غير لاختصاصها بزيادة القوي بالأولية أيضًا.
فإن قلت: إنما يكون ما ذكره جزمًا بالإلحاق بالصُّفْرَة عند عدم الإمكان إذا كان حكم المستثنى في قوله: "إلا أن تكون الحُمْرة أحد عشر" الإلحاق بالصُّفرة ويحتمل أنه أراد إلا أن تكون الحُمْرَة أحد عشر فتكون فاقدة للتَّمْيِيزِ وهو أْحد الوَجْهَيْنِ المحكيين في الحالة الثانية، وعلى هذا التَّقْدير فيكون ما ذكره إثباتًا للخلاف في الحالتين، فنقول: نعم هذا محتمل لكن إيراده في "الوسيط" يبين أنه أراد ما ذكرناه.
ثم اعلم أن قوله: "إذا أمكن الجمع إلا أن تصير الحمرة [أحد عشر" ليس بجيد من جهة اللفظ؛ لأنه يستحيل أن يكون ذلك استثناء من قوله: "إذا أمكن الجمع"] (١) فإن حالة عدم الإمكان لا تستثنى من الإمكان وإنما هو استثناء من قوله: "يلحق بالسَّواد" وحينئذ في قوله: "إذا أمكن الجمع" ما يغني عن هذا الاستثناء وفي الاستثناء ما يفهم المقصود ويغني عن قوله: "إذا أمكن الجمع" فأحدهما غير محتاج إليه فإن أراد التَّمثيل فالسَّبيل أن نقول، إذا أمكن الجمع بأن لا تزيد الحمرة على أحد عشر، ولو تقدم الأضعف من الضعيفين، وتأخَّر الأقوى منهما كما إذا رأت سوادًا، ثم صفرة، ثم حمرة فهذه الصُّورة تترتب على ما إذا كانت الحمرة متوسطة، فإن ألحقناها بالسَّواد، فالحكم
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٠٧ ]
كما إذا رأت سوادًا ثم حمرة ثم عاد السواد، ولا يخفى مما ذكرنا من شرائط التمييز، وإن ألحقناها عند الوسط بالصفرة، فالصفرة المتوسطة هاهنا أولى إن تلحق بما بعدها -والله أعلم-.
قال الغزالي: هَذَا إِذَا تَقَدَّمَ القَوِيُّ، فَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الحُمْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّظَرَ اِلَى لَوْنِ الدَّمِ لاَ إِلَى الأَوَّليَّةِ، وَقِيلَ يُجْمَعَانِ إِذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ بِأَنْ لَمْ يَزِدِ الْمَجْمُوعُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ.
قال الرافعي: ذكرنا أن بعد شرائط التَّمييز لا يخلو الحال إما أن يتقدم الدَّم القوي، وقد بيناه أو يتقدم الضَّعيف كما إذا رأت خمسة حمرة ثم سوادًا ثم عادت الحمرة واستمرت فإن أمكن الجمع بين الحمرة والسواد مثل أن ترى خمسة حمرة وخمسة سوادًا ففيه ثلاثة أوجه محكية عن ابن سريج:
أظهرها: أن النظر إلى لون الدم دون الأَوَّلية، فتكون حَائضًا في خمسة السواد ومُسْتَحَاضَة قبلها وبعدها، ووجهه ظاهر قوله -ﷺ-: "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أسْوَدُ يُعْرَفُ" (١) وأيضًا فإن ما سوى السَّوَاد ضعيف فلا يجعل حَيْضًا، كما لو كان متأخرًا عن السَّوَاد.
والثاني: أنه يجمع بين السَّواد الحمرة قبله، فتحيض فيهما؛ لأن للحمرة قوة السَّبق، وللسَّواد قوة اللون وقد أمكن الجمع.
والثالث: أنه يسقط التَّمييز؛ لأن العدول عن أول الدَّم مع حدوثه في زمان الإمكان بعيد، والجمع بين السَّواد والحمرة يخالف عادة التَّمييز، فلا يبقى إلا أن يحكم بسقوط التَّمييز، وإن لم يكن الجمع بين الحمرة والسَّوَاد، كما إذا كانت الحُمْرَة السابقة خمسة والسواد أحد عشر ترتب على الحالة الأولى إن قلنا: ثم حيضها الدم القوي، فكذلك هاهنا. وإن قلنا: هي فاقدة للتَّمييز فهاهنا أولى.
فإن قلنا: يجمع بينهما فقد تعذر الجمع هاهنا. فهي فاقدة للتَّمييز وسنبيَّنُ حكم المبتدأة التي لا تمييز لها. وفيه وجه آخر أن حَيْضَها هاهنا الدّم المتقدّم على السَّواد نظرًا إلى الأوَّلية فلو صار السَّواد ستة عشر فَقَدْ فَقَدَ أحد شروط التمييز فهي كمبتدأة لا تمييز لها ويعود الوجه الصَّائر إلى رعاية الأولية الذي ذكرناه الآن وهو ضعيف. وسنعيد هذه الصُّورة لغرض آخر إن شاء الله تعالى وإذا فَرَّعْنَا على الأصَحِّ وهو أن حيضها السَّواد فلو رأت المبتدأة خمس عشرة حمرة أولًا ثم خمسة عشر سوادًا تركت الصَّوم والصَّلاة في جميع هذه المدة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٦) وابن حبان (١٣٣٨) قال ابن الملقن: ما ذكره الرافعي فيه بعد أسود يعرف، وأن له رائحة فغريب، انظر الخلاصة (١/ ٨١).
[ ١ / ٣٠٨ ]
أما في الخمسة عشر الأولى؛ فلأنها ترجو الانقطاع وأما في الثانية فلأن السَّواد بين ان ما قبله استحاضة وأنه هو الحيض أن اجتمع شرائط التَّمييز ويجوز أن يكون كذلك. قال الأئمة -﵏- ولا يتصوَّر مستحاضة تَدَعَ الصَّلاة شهرًا كاملًا إلا هذه على هذا الوجه، وزاد أبو سعيد المتولّي نقال: ولو زاد السَّواد على الخمسة عشر والصورة هذه فقد فات شرط التمييز وحكمها أن ترد من أول الأحمر إلى يوم وليلة أو إلى ست أو سبع على اختلاف قولين نذكرهما من بعد فيكون ابتداء دورها الثَّاني الحادي والثلاثون فإن حيضناها فيه يومًا وليلة فهذه امرأة تُؤْمَرُ بترك الصَّلاة أحدًا وثلاثين يومًا وإن حيضناها ستًا أو سبعًا فهذه امرأة تؤمر بتركها ستًّا وثلاثين أو سبعًا وثلاثين.
قال الغزالي: ثُمَّ المُبْتَدَأَةُ إِذَا انْقَلَبَ دَمُهَا إِلَى الضَّعِيفِ فِي الدَّورِ الأوَّلِ فَلاَ تُصَلِّي فَلَعَلَّ الضَّعِيفَ يَنْقَطِعُ دُونَ الخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيَكُونَ الكُلُّ حَيْضًا، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ نَأْمُرُهَا بِتَدَارُكِ مَا فَاتَ فِي أَيَّامِ الضَّعِيفِ نَعَمْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي كَمَا ضَعُفَ (م) الدَّمُ فَتَغْتَسِلُ إِذْ بَانَ اسْتِحَاضَتُهَا، وَمَهْمَا شُفِيَتْ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَالضَّعِيفُ حَيْضٌ مَعَ القَوِيِّ.
قال الرافعي: إذا بلغت الأنثى سنَّ الحيض فبدأ بها الدم لزمها أن تترك الصَّلاة والصوم كما ظهر الدم ولا يأتيها الزَّوج ثم لو انقطعت لما دون أقل الحيض بأن أنه لم يكن حيضًا، فتقضي الصلاة والصوم هذا هو المذهب.
وفيه وجه آخر أنها لا تترك الصّوم والصلاة حتى تمضي مدّة أقل الحَيْض من أوَّل ظهور الدم؛ لأن وجوبها مستيقن وكونه حيضًا مشكوك فيه فلا يترك اليقين بالشك وهذا ما ذكره الشيخ أبو علي في شرح الفروع حيث قال: "إذا ابتدأ الدم بها في رمضان وهي بنت خمس عشرة سنة فليس لها أن تفطر، حتى يدوم قدر أقل الحَيْض، فإنها حينئذ تعلم أنه حيض. والظّاهر من المذهب الأول؛ لأن الدَّمَ الخارج من مخرج الحيض في وقت الحيض يكون حيضًا غالبًا وظاهرًا.
وإذا عرف ذلك فنقول: إذا كانت المبتدأة مميَّزة، فلا تشتغل بالصَّوم والصَّلاة بانقلاب دمها من القوي إلى الضَّعيف، فإنها لا تدري أنه تجاوز الخمسة عشر أم لا، وبتقدير ألا يجاوز يكون الضَّعيف حيضًا مع القوي فلا بد لها من التَّربُّص لتتبين الحال، فإذا تربَّصت وجاوز الخمسة عشر عرفت أنها مُسْتَحاضة وإن حيضها منحصر في أيام القوي على ما سبق فتتدارك ما فات من الصَّوم والصَّلاة في أيام الضعيف هذا حكم الشهر الأول، وأما في الشهر الثاني وما بعده فإذا انقلب الدم إلى الضَّعيف اغتسلت وصامت، وصلت ولم تتربّص ولا مخرج ذلك على أن العادة هل ثبتت بمرة أم لا؟ لأن الاستحاضة علة مُزْمِنَة، والظاهر دوامها ثم لو اتفق الانْقِطَاع قبل الخمسة عشر، وشفيت
[ ١ / ٣٠٩ ]
في بعض الأدوار فالضَّعيف حيض مع القوي كما في الشهر الأول.
واعلم أنه لا فرق في كون الكل حيضًا مهمًّا انقطع الدم قبل مجاوزة الخمسة عشر بين أن يتقدم القوي على الضعيف أو يتقدم الضَّعيف، هذا هو المشهور المقطوع به.
وحكى في "التَّهذيب" وجهين:
فيما إذا تقدم الضَّعيف على القوي ولم يزد على الخمسة عشر، كما إذا رأت خمسة حمرة وخمسة سوادًا وانقطع دمها، أحد الوجهين ما ذكرنا.
والآخر أن حيضها أيام السواد؛ لأنه أقوى وما قبله لا يتقوّى به، بخلاف ما بعده فإنه يتبعه وحكى وجهين أيضًا فيما إذا رأت خمسة حمرة وخمسة سوادًا وخمسة حمرة.
أصحهما: أنَّ الكل حيض (١).
والثاني: حيضها السّواد وما بعده لا، ثم المفهوم من إطلاقهم انقلاب الدَّم إلى الضَّعيف أن يتمحَضَّ ضعيفًا حتى لو بقيت خطوط من السواد وظهرت خطوط من الحمرة لا ينقطع حكم الحيض، وإنما ينقطع إذا لم يبق السَّواد أصلًا. وصرح إمام الحرمين بهذا المفهوم. وقوله في الكتاب: "كما ضعف الدم" معلم بالميم؛ لأن مالكًا قال المُميّزة بعد الدم القوي تتحيض ثلاثة أيام من الدم الضَّعيف أيضًا احتياطًا.
لنا قوله -ﷺ-: "وإذَا أَدْبَرَتِ الحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" (٢).
وأيضًا فإنا لا نجعل شيئًا من الدم القوي طهرًا إحتياطًا فكذلك لا نجعل شيئًا من الدَّم الضعيف (٣) حيضًا.
ولك أن تعلم قوله في آخر الفصل: "فالضَّعيف حيض مع القوي" بالواو؛ لأنه يشمل ما إذا تقدَّم الضَّعيف وما إذا تقدَّم القوي، وفي حالة تقدم الضَّعيف الوجه الذي حكيناه عن "التَّهْذِيب" -والله أعلم-.
قال الغزالي: المُسْتَحَاضَةُ الثَّانِيَةُ مُبْتَدَأَةٌ لاَ تَمْيِيزَ لَهَا أو فَقَدَتْ شَرْطَ التَّمْيِيزِ فِيهَا قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرَدَّ إِلَى عَادَةِ نِسَاءِ بَلَدْتِهَا عَلَى وَجه، أَوْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا عَلَى وَجْهِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَنْقُصَ عَنْ سِتٍّ وَلاَ يَزِيدَ علَى سَبْعٍ لِقَولِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: "تَحيِّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحيضُ النِّسَاءُ وَيطْهُرْنَ"، وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَقَلِّ مُدَّة الحَيْضِ احْتيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَأَمَّا فِي الطُّهْرِ فَتُرَدُّ إِلَى أَغْلَبِ العَادَاتِ وَهِيَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٦) وتقدم.
(٣) سقط في (ط).
[ ١ / ٣١٠ ]
أَغْلَبُ فِي الاحْتِيَاطِ وَقيلَ: إِلَى تِسْعِ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ تتمَّةُ الدَّوْرِ.
قال الرافعي: [المبتدأة] التي لا تَمْيِيزَ لها وهي التي يكون جميع دَمِهَا من نوع واحد ينظر في حالها إن لم تعرف وقت ابتداء دمها فحكمها حكم المتحيَّرة؛ لأن مردَّها على ما سيأتي يترتب في كل شهر على أول مُفَاتَحَة الدم، فإذا كان ذلك مجهولًا لزم التحَيُّر، وإن عرفت وقت الابتداء وهي الحالة المرادة في الكتاب، ففي القدر الذي تحيض فيه قولان:
أصحهما: أنها تحيض أقل الحيض وهو يوم وليلة؛ لأن سقوط الصلاة عنها في هذا القدر مستيقن، وفيما عداه مشكوك فيه، فلا تترك اليقين، إلا بيقين أو أمارة ظاهرة كالتَّمميز والعادة.
والثاني: ترد إلى غالب عادات النساء، وهو ست أو سبع، لأن الظاهر اندراجها في جملة الغالب.
وقد روى أن حمنة بنت جحش قالت: "كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: تَحَيَّضِي فِي عِلْم اللهِ سِتَّةِ أيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّام ثُمَّ اغْتَسِلِي فَإذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ تَطَّهَّرتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِين لَيْلَةً أَوْ ثَلاَثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ".
وروى أنَّهُ -ﷺ- قَالَ: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيطْهُرُنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ".
فقال جماعة من الأصحاب: منشأ القولين الذين ذكرناهما تردُّد الشّافعي -﵁- في أن حمنة كانت مبتدأة أو معتادة، إن قلنا: كانتَ معتادة رددنا المبتدأة إلى الأقل أخذًا باليقين، ومن قال بهذا قال: لعلّه عرف من عادتها أنها أحد العددين الغالبين، إما السّت أو السّبع، لكن لم يعرف عينه فلذلك قال: تحيضي ستًّا أو سبعًا.
وإن قلنا: كانت مبتدأة رددنا المبتدأة إلى الغالب.
وقوله: "في علم الله" أي: فيما علمك الله من عادتك، إن قلنا: كانت معتادة ومن غالب عادات النّساء، إن قلنا: كانت مبتدأ فإن فرعنا على القول الثاني فهل الرَّد إلى السّت أو السّبع على سبيل التَّخيير بينهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه على التَّخيير لظاهر الخبر فتحيض إن شاءت ستًّا، وإن شاءت سبعًا، ويحكى هذا عن شرح أبي إسحاق المَرُوزِيّ. وزعم الحناطيُّ أنه أصح الوجهين:
والثاني: وهو الصحيح عند الجمهور، أنه ليس على التَّخيير ولكن تنظر في عادات النّساء أهن يحضن ستًا أو سبعًا، ومن النسوة المنظور إليهن فيه ثلاثة أوجه:
[ ١ / ٣١١ ]
أظهرها: أن الاعتبار بنسوة عشيرتها من الأبوين جميعًا؛ لأن طبعها إلى طباعهن أقرب، فإن لم يكن لها عشيرة فاعتبار بنساء بلدها.
والثاني: أن الاعتبار بنساء العصبات خاصة.
والثالث: يعتبر نساء بلدها وناحيتها ولا تخصص بنساء العصبة ولا نساء العشيرة.
وإذا عرفت ذلك فعليها أن تجتهد وتنظر في أمر النسوة المعتبر بهن، فإن كنّ يحضن جميعًا ستًّا أو سبعًا، أخذت بذلك، وعلى هذا حملوا على قوله -ﷺ-: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَو سَبْعًا".
وقالوا: إنه على التَّنويع أي إن كنّ يحضن ستًّا فتحيضي ستًّا، وإن كنّ يحضن سبعًا فتحيضي سبعًا، وإن كانت عادتهن جميعًا أقل من ستّ أو أكثر من سبع ففيه وجهان:
أظهرهما: أنها ترد إلى الستّ في الصورة الأولى وإلى السَّبع في الأخرى أخذًا بالأقرب إلى عادتهن والخبر عين العددين وغالب عادات النِّساء لا تجاوزهما، فلا عدول عنهما.
والثَّاني: أنها ترد إلى عادتهن إلحاقًا لها بالنِّسوة والمعتبر بهن.
والوجه الأول هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: "بشرط إلاَّ ينقص عن ست ولا يزيد عن سبع" وإن اختلفت عادتهن فحاضت بعضهن ستًّا وبعضهن سبعًا، ردت إلى الأغلب فإن استوى البعضان ردّت إلى السِّت احتياطًا للعبادة، وكذلك الحكم لو حاضت بعضهن دون السِّتِّ وبعضهن فوق السَّبع، هذا بيان مردها في الحَيض.
وأما في الطُّهر فإن قلنا: إنها مردودة في الحيض إلى الغالب، فكذلك في الطّهر فترد إلى ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين كما نطق به الخبر.
وإن قلنا: أنها مردودة إلى الأقل ففي طهرها قولان:
أحدهما: أنها ترد إلى أقل الطهر أيضًا فيكون دورها ستة عشر يومًا وإذا جاء السابع عشر استأنفت حيضة أخرى.
وأصحهما: أنها لا ترد في الطّهر إلى الأقل؛ لأن الرد في الحيض إلى الأقل إنما كان للاحتياط، ولو رددنا في الطّهر إلى الأقل لكثر حيضها لعوده على قرب، وذلك نقيض قضية الاحتياط، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنها ترد إلى الغالب، وهو ثلاث وعشرون أو أربع وعشرون.
وأظهرهما: أنها تردّ إلى تسع وعشرين ليتمّ الدور ثلاثين مراعاة لغالب الدور، وإنما لم نحمل الحيض على الغالب احتياطًا للعبادة.
[ ١ / ٣١٢ ]
ثم نعودُ إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب، وخاصة أما قوله: مبتدأة لا تمييز لها أو فقدت شرط التَّمييز فاعلم أنَّ التي لا تَمْيِيزَ لَهَا هي التي ترى الدّم كلها نوعًا واحدًا، والتي فقدت شرط التَّميِيز أن ترى الدَّم على نوعين لكن القوي يكون دون يوم وليلة أو أكثر من خمسة عشر يومًا، أو يكون الضَّعيف دون الخمسة عشر وحكمهما واحد في جريان القولين.
أحدهما: الرد إلى الأقل.
والثَّاني: إلى الغالب وابتداؤه على القولين من أوَّل ظهور الدَّم، وعن ابن سريج: "أنه لو ابتدأ الدَّم الضَّعيف وجاوز القوي بعده أكثر الحيض، فالضَّعيف استحاضة وابتداء حيضها على اختلاف القولين من أول القوي والمعنى العمل بالتَّمييز بقدر الإمكان" ونظيره ما إذا رأت خمسة حمرة ثم اسودّ دمها وعبر الخمسة عشر، وهذه هي الصورة التي وعدنا من قبل أن نعيدها.
ولك أن تعلم قوله: "إلى عادة نساء بلدها على وجه أو نساء عشيرتها على وجه" بالحاء والميم والألف، لأن أبا حنيفة لا يردها إلى هذا ولا إلى ذاك، إنما يردها إلى أكثر الحَيْضِ وهو عشرة عنده، وبه قال مالك وأحمد في إحدى الرِّوَايات عنهما إلا أن أكثر الحَيْضِ عندهما خمسة عشر يومًا، وعن مالك روايتان أخريان (١):
إحداهما: أنها ترد إلى عادة لدَاتِهَا (٢)، وتستظهر بعد ذلك بثلاثة أيّام، بشرط أَلاَّ تجاوز خمسة عشر يومًا.
والثَّانبة: أنها ترد إلى عادة نسائها [والاستظهار] (٣) كما ذكرنا، وعن أحمد روايتان أخريان مثل قولينا.
وقوله: "وأما في الطّهر فترد إلى أغلب العادات إلى آخره" يجوز أن يكون مبنيًا على قول الرّد إلى الأقل فإنَّ في طهرها على هذا القول اختلافًا كما بيّنّاه، وهذا قضية إيراده في "الوَسِيطِ"، ويجوز أن يجعل كلامًا مبتدأ غير مبني على أحد القولين، فإن قدر الطّهر إذا أفردناه بالنّظر مختلف فيه ثم الرد على الغالب يخرج على القولين جميعًا، وما عداه يختصُّ بقول الرد إلى الأقلّ، وليكن قوله: "إلى أغلب العادات" معلمًا مما ذكرنا من العلامات، فإن من رد إلى أكثر الحيض لا يرد في الطّهر إلى أغلب العادات، وإنما يرد إلى الباقي من الثَّلاثين.
_________________
(١) سقط من (ط).
(٢) اللّدة: من وُلدَ مَعَكَ في وَقْتٍ واحد، جمعها لدات، انظر المعجم الوسيط (٢/ ٨٢٨).
(٣) في ط: والاتظهار.
[ ١ / ٣١٣ ]
وقوله: "وهي أربع وعشرون" يقتضي كون الأربع والعشرين أغلب من ثلاث وعشرين وهو ممنوع، ومن قال بهذا الوجه لا يرد لعين الأربع والعشرين، بل يقول بردها إلى الطُّهر الغالب وهو بين ثلاث وعشرين وبين أربع وعشرين حكاه إمام الحرمين هكذا، ثم قال: "وكان شيخي يرى على هذا الوجه أن ترد إلى أربع وعشرين فإن الاحتياط فيه أبلغ منه في ثلاث وعشرين، فإذا ذكره صاحب الكتاب مصير إلى كلام الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ، وقضية خبر حمنةَ أن نعتبر طهرها بعادة النِّساء المنظور إليهنّ كما في الحيض، فليكن قوله: "وهو أربع وعشرون" معلمًا بالواو لما رويناه ثم إيراده يقتضي الميل إلى الرَّدِّ إلى غالب الطّهر، وتصحيح هذا الوجه، وعلى هذا التقدير يكون دورها خمسة وعشرين إذا ردت إلى أربع وعشرين في الطّهر وإلى الأقل في الحيض، لكن ما اتفقت طرق الأصحاب عليه أن ظاهر المذهب اشتمال كل شهر على حيض وطهر لها، سواء ردت إلى الأقل أو الغالب وذلك يقتضي ترجيح الوجه الصائر إلى تسع وعشرين وبالله التَّوفيق.
قال الغزالي: ثُمَّ فِي مُدَّةِ الطُّهْرِ تَحْتَاطُ كَالْمُتَحَيِّرَةِ أَوْ هِيَ كَالْمُسْتَحَاضَاتِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: في ترك الصَّوم والصلاة في الشهر الأول إلى تمام الخمسة عشر، فإذا جاوز الدم الخمسة عشر تبيّنت الاسْتِحَاضَة وعرفنا أن مردها الأقل، والغالب على اختلاف القولين فإن رددناها إلى الأقل قضت صلوات أربعة عشر يومًا، وإن رددناها إلى السِّتِّ أو السَّبع، قضت صلوات تسعة أيام أو ثمانية وأما في الشهر الثاني وما بعده، فينظر إن وجدت تمييزًا بالشّروط السابقة قبل تمام المرد أو بعده، فلا نظر إلى ما تقدم وهي في ذلك الدور كمبتدأة مميزة.
مثاله: مبتدأة رأت أولًا دمًا أحمر، ثم في الشّهر الثاني رأت خمسًا دمًا أسود والباقي أحمر فحيضها في الشهر الأول الأقل أو الغالب، وفي الشَّهر الثاني خمسة السّواد أخذًا بالتّمييز فإنه شاهد في صفة الدّم فالنظر إليه أولى، وإن استمر فقد التمييز فيما بعد الشهر الأول، وهذا مقصود الفصل، ومحل القولين فكما جاوز دمها المرد وهو الأقل أو الغالب فتغتسل وتصوم وتصلّي؛ لأن الظَّاهر دوام الاسْتِحَاضَةِ، ثم لو شفيت في بعض الشُّهور قبل الخمسة عشر بأن أنها غير مستحاضة فيه، وأن جميع الدم حيض فتقضي ما تركته من الَّصوم في المرد، وما صامته فيما وراءه أيضًا لتبيّن الحيض فيه، وتبين أن غسلها لم يصح عقب انقضاء المرد، ولا تأثم بفعل الصوم والصلاة والوطء فيما وراء المردَّ، لأنها معذورة في بناء الأمر على الظَّاهر، وهل يلزمها الاحتياط فيما وراء المرد إلى تمام الخمسة عشر؟ فيه قولان:
[ ١ / ٣١٤ ]
أحدهما: أنها تحتاط كالمتحيِّر، لأن احتمال الحيض والطهر والانقطاع قائم إلى تمام الخمسة عشر وإنما تحتاط المتحيِّرة لقيام هذه الاحتمالات، فكذلك هذه.
وأصحهما: أنها لا تحتاط كسائر المُسْتَحَاضَاتِ، لأَنَّا قد جعلنا لها مردًّا في الحيض فلا عبرة بما بعده، كما في المعتادة والمميزة فإن قلنا: تحتاط فلا تحل للزوج إلى تمام الخمسة عشر ولا تقضي في هذه المدة فوائت الصوم والصلاة والطواف؛ لاحتمال أنها حائض ويلزمها الصَّوم والصَّلاة؛ لاحتمال أنَّها طاهر، وتغتسل لكل صلاة لاحتمال الانْقِطَاع، وتقضي صوم جميع الخمسة عشر، أما في المرد فلأنها لم تصم، وأما فيما وراءه فَلِاحْتِمَال الحيض.
وإن قلنا: لا تحتاط فتصوم وتصلي ولا تقضي شيئًا، ويأتيها زوجها، ولا غسل عليها، وتقضي الفوائت، وعلى القولين لا تقضي الصَّلوات المأتي بها بين المرد والخمسة عشر؛ لأنَّها إن كانت طاهرة فقد صلَّت وإن كانت حائضًا فليس عليها قضاء الصلوات، وحكى في "المُهَذَّبِ" هذا الخلاف وجهين، والأشهر الأثبت القولان ولا يخفى عليك بعد ما ذكرناه شيئان:
أحدهما: أن قوله: "ثم في مدة الطّهر" يعني به مدة الطُّهر إلى تمام الخَمْسة عشر لا إلى آخر الشهر فإن ما بعد الخمسة عشر طهر بيقين.
والثاني: أن في وجوب قضاء الصَّلاة على المتحيرّة خلافًا نذكره في موضعه وهاهنا لا يجب قضاء الصَّلاة بحال، وإن أمرنا بالاحتياط فإذا قلنا: إنَّها تحتاط كالمتحيرة في قول وجب أن يستثنى قضاء الصلاة، وصاحب الكتاب لا يحتاج إلى هذا الاستثناء؛ لأنه نفى وجوب القضاء على المتحيّرة على ما سيأتي.
قال الغزالي: المُسْتَحَاضَةُ الثَّالِثَةُ المُعْتَادَةُ وَهِيَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهَا عَادَةٌ فَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فِي وَقْتِ الحَيْضِ وَقَدْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسًا وَتَطْهُرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَجَاءَهَا دَوْرٌ فَحَاضَتْ سِتًّا ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ رَدَدْنَاهَا إِلَى السِّتِّ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ ثُبُوتُ العَادَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
قال الرافعي: المعتادة تنقسم إلى ذاكرة لعادتها وإلى ناسية، والذي بقي من هذا الباب يشتمل على قسم الذَّاكرة، وأما النَّاسية فقد أفرد لها الباب التَّالي لهذا الباب والذَّاكرة تنقسم إلى فاقدة لِلتَّمْيِيزِ وإلى واجدة، أما الفاقدة وهي المقصود بهذا الفصل فهي مردودة إلى عادتها القديمة خلافًا لمالك حيث قال: لا اعتبار بالعَادَةِ.
لنا ما روى عن أم سلمة أن امرأة كانت تهريق الدِّمَاءَ على عهد رسول الله -ﷺ- فاستفتيت لها فقال: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ الأيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ
[ ١ / ٣١٥ ]
يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِل ثُمَّ لْتَسْتثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ" (١).
وتفصيل القول فيها أن يقال: عادتها السابقة إِمَّا أَلاَّ يَكُونَ فِيهَا اختلاف لا في القدر ولا في الوقت أو يكون فيها اختلاف فهما حالتان، فأما في الحالة الأولى فننظر إن تكررت عادة حيضها وطهرها مرارًا، ردّت إلى عادتها في قدر الحيض ووقته، وفي الطُّهر أيضًا. وظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن تكون عادتها أن تحيض أيَّامًا من كل شهر أو من كل شهرين أو من كل سنة. وقيل: بخلاف ذلك وهو الذي حكاه صاحب الكتاب في باب "النِّفَاسِ" ونذكره ثم إن شاء الله تعالى، وإن لم يتكرر ما سبق من عادة الحَيْضِ والطُّهر ففيه خلاف مبني على أن العادة بماذا تثبت؟ وفيه وجهان مشهوران:
أصحهما: وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: إنها تثبت بمرَّة واحدة واحتجوا عليه بقوله -ﷺ- في حديث أم سلمة: فَلْتَنْظُرْ عَدَدَ الأَيَّام وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا" (٢). اعتبر الشَّهر الذي قبل الاستحاضة.
والثاني: ويحكى عن ابْنِ خَيْرَانَ أنه لا تثبت العادة إلا بمرتين؛ لأن العادة مشتَّقة من العود، وإذا لم يوجد إلا مرَّة واحدة فلا عود.
وَحَكَى أبو الحسن العبادي وجهًا ثالثًا أنها لا تثبت إلاَّ بثلاث مرَّات لقوله -ﷺ-: "دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" (٣).
وأقل الجمع ثلاثة، وضرب في الكتاب مثالًا لهذه القاعدة، فقال: لو كانت تحيض خمسًا وتطهر خمسًا وعشرين، فجاءها دور فحاضت فيه ستًّا، ثم استحيضت بعد ذلك فإن قلنا: العادة لا تثبت إلا بمرّة واحدة رددناها إلى الخمس، وإن قلنا: أنها تثبت بمرة رددناها إلى السِّت، وقلنا: ردها إلى ما قرب ونسخ ما قبله أولى ثم المعتادة في الشهر الأَوَّل من شهور الاسْتِحَاضة تتربَّص كالمبتدأة لجواز أن ينقطع دون الخمسة عشر، وإن جاوز عادتها فإن عبر الخمسة عشر قضت صلوات ما وراء أيَّام العادة ثم في الدُّور الثَّاني وما بعده إذا مضت أيام العادة اغتسلت وَصَامَتْ وَصَلَّتْ، لطهور الاستحاضة، ولا يتأتى هاهنا قول الاحتياط الذي ذكرناه في المبتدأة لقول العادة.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٦١ - ٦٢) والشافعي (١١٤) وأبو داود (٢٧٤) وابن ماجة (٦٢٣) والنسائي (١/ ١٨٢) والبيهقي (١/ ٣٣٢) والدارقطني (١/ ٢٠٧) بأسانيد صحيحة على شرط الصحيح، وأعله البيهقي وغيره بلا انقطاع وظهر اتصاله، قاله ابن الملقن. انظر الخلاصة (١/ ٨١).
(٢) أخرجه مالك (١/ ٦٢) والشافعي في الأم (١/ ٦٠) وأبو داود (٢٧٤) والنسائي (١/ ١١٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) وابن ماجة (٦٢٥).
[ ١ / ٣١٦ ]
الحالة الثانية: أن يكون في عادتها السَّابقة اختلاف فمن صورها: أن يكون لها عادة دائرة وقد ذكره في آخر الباب الثَّالث في فروع وكان ذكره في هذا الموضع أليق؛ لأنها نوع من العادات. ومنها: أن يكون في عاداتها المتقدِّمة على الاسْتِحَاضَةِ اختلاف في القدر، أَوْ في الوقت وسمى متقدمو الأصحاب الَّتي انتقلت عادتها وتغيَّرت عما كانت ثم استحيضت منتقلة ونحن نذكر من مسائلها صورًا ترشد إلى غيرها.
منها: لو كانت تحيض خمسًا من أَوَّلِ كل شهر، وتطهر باقيه فحاضت في دور أربعًا من الخمس المعتادة، ثم استحيضت بعد ذلك فهذه قد انتقل حيضها من الكثرة إلى القلة، ولو حاضت في دور ستًا، ثم استحيضت فقد انتقل من القلّة إلى الكثرة، والحكم في الصورتين مبني على الخلاف الذي سبق في العادة، إن اثبتناها بمرة رددناها إلى ما قبل الاستحاضة، وإلا فالعادة القديمة، ولو كانت المسألة بحالها فرأت في دور ستّة أيام دمًا، وفي دور عُقَيْبه سبعة، ثم استحيضت فإن أثبتنا العادة بمرة رددناها إلى السّبعة، وإلا فوجهان:
أحدهما: أنها ترد إلى الخمسة ويتساقط العددان في الدّورين الأخيرين، لأن واحدًا منهما لم يتكرر على حياله.
وأظهرهما: أنها ترد إلى السِّتّة، لأن التِّكرر قد حصل فيها فإنها وجدت مرة وحدها ومرة مندرجة في السَّبعة، وإذا فرعنا على الوجه الثالث فلا شك في ردها إلى الخمسة ولو كانت المسألة بحالها فحاضت في دور الخمسة الثانية من الشهر فهذه قد تغير وقت حيضها، وصار دورها المتقدم على هذه الخمسة بتأخر الحيض خمسة وثلاثين، خمسة منها حيض والباقي طهر، فينظر إن تكرر هذا الدّور عليها بأن رأت الخمسة الثّانية دمًا، وطهرت ثلاثين، ثم عاد الدم في الخمسة الثالثة من الشهر الآخر وعلى هذا مرارًا ثم استحيضت - فهي مردودة إليه فتحيض من أوَّل الدم الدائم خمسة، وتطهر ثلاثين وعلى هذا أبدًا، وان لم يتكرّر هذا الدور كما إذا استمرّ الدم المتأخر المبتدأ من الخمسة الثانية، وصارت مُسْتَحَاضَة فهل تحيضه من أوله؟ أم لا؟ فيه وجهان عن أبي إسحاق: أنه لا حيض لها في هذا الشّهر والذي بدأ استحاضة كله إلى آخر الشَّهر فإذا جاء أول الشَّهر ابتدأت منه دورها القديم حيضًا وطهرًا.
وقال الجمهور: حَيْضُهَا خمسة من الدم الذي ابتدأ من الخمسة الثانية، ثم إن قلنا: بثبوت العادة بمرة حكمنا لها بالطُّهر ثلاثين يومًا، وأقمنا عليها الدَّور الأخير أبدًا، وإن لم نقل بذلك فوجهان:
أظهرهما: أن خمسة وعشرين بعدها طهر، لأنه المتكرر من إطهارها.
والثاني: أن باقي الشهر طهر لا غير، وتحيض الخمسة الأولى من الشَّهر الآخر،
[ ١ / ٣١٧ ]
وتراعي عادتها القديمة قدرًا ووقتًا، وإن رأت الخمسة الثانية دمًا، وانقطع وطهرت بقية الشهر، ثم عاد الدّم، فقد صار دورها خمسة وعشرين فإن تكرر ذلك بأن رأت الخمسة الأولى من الشَّهر بعده دمًا وطهرت عشرين وهكذا مرارًا، ثم استحيضت فترد إليه، وإن لم يتكرر كما إذا عاد في الخمسة الأولى واستمر، فلا خلاف في أن الخمسة الأولى حيض، ويبنى حكم الطهر على الخلاف في العادة إن أثبتناها بمرَّة فطهرها عشرون، وإلا فخمسة وعشرون، ولو كانت المسألة بحالها فَطَهُرَتْ بعد خمستها المعهودة عشرين، وعاد الدَّم في الخمسة الأخيرة فهذه قد تغيَّر وقت حيضها بالتقدّم، وصار دورها خمسة وعشرين، فإن تكرر هذا الدور بأن رأت الخمسة الأخيرة دمًا، وانقطع وطهرت عشرين، وهكذا مرارًا، ثم استحيضت فترد إليه، ولو لم يتكرَّر كما إذا استمر الدّم العائد، فمحصول ما تخرج من طرق الأصحاب في هذه المسألة ونظائرها أربعة أوجه:
أظهرها: أنها تحيض خمسة من أوله وتطهر عشرين وهكذا أبدًا.
والثاني: تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين.
والثالث: تحيض عشرة منه وتطهر خمسة وعشرين، ثم تحافظ على الدّور القديم.
والرابع: أن الخمسة الأخيرة استحاضة وتحيض من أول الدور خمسة وتطهر خمسة وعشرين على عادتها القديمة، وقد ذكرنا في صورة التأخر ما حكى عن أبي إسحاق من المحافظة على أول الدور، والحكم بالاستحاضة فيما قبله، واختلفوا في قياس مذهبه هاهنا منهم من قال: قياسه الوجه الثالث، ومنهم من قال: لا بل هو الرابع، ولو كانت المسألة بحالها حاضت خمستها وطهرت أربعة عشر يومًا ثم عاد الدَّم استمر، فالمتخلل بين خمستها وبين الدم العائد هاهنا ناقص عن أقل الطهر، فحاصل ما قيل فيه أربعة أوجه أيضًا:
أظهرها: أن يومًا من الدم العائد استحاضة تكميلًا للطّهر، وخمسة بعده حيض وخمسة عشر طهر ودورها بما اتفق عشرين.
والثاني: أن اليوم الأول استحاضة، والباقي من الشهر وخمسة من الشهر الذي بعده حيض، ومجموع ذلك خمسة عشر، ثم تطهر خمسة وعشرين، وتحافظ على دورها القديم.
والثالث: أن اليوم الأول استحاضة وبعده خمسة حيضًا وخمسة وعشرون طهرًا وهكذا أبدًا.
والرابع: أن جميع الدم العائد إلى أوّل الشهر استحاضة وتفتتح منه دورها القديم،
[ ١ / ٣١٨ ]
وقد ذكرت كيفية هذه الوجوه ومأخذها في غير هذا الموضع فلا أطول هاهنا، ولك أن تُعَلِّم قوله في آخر هذا الفصل "ثُبُوت العادة بمرة واحدة" بالحاء والألف، إشارةً إلى أنهما يقولان: لا تثبت العادة بأقل من مرتين.
قال الغزالي: المُسْتَحَاضَةُ الرَّابِعَةُ المُعْتَادَةُ المُمَيِّزَةُ فَإِنْ رَأتِ السَّوَادَ مُطَابِقًا لأيَّامِ العَادَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ، وإن اختَلَفَت بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَرَأَتْ عَشَرَةً سَوَادًا ثُمَّ أطْبَقَتِ الحُمْرَةُ، فَهَلْ الحُكْمِ لِلْعَادَةِ أَمْ لِلْتَّمْيِيزِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَعَلَى هَذَا إنْ رَأَتْ فِي أَيَّامِ العَادَةِ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ عَشَرَةً سوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الحُمْرَةُ فَفِي وَجْهٍ: الحُكْمُ لِلْعَادَةِ (م) وَفِي وَجْهٍ لِلتَّميِيزِ فَتَحِيضُ فِي العَشْرِ السَّوَادِ، وَفِي وَجْهٍ (ح م) يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلاَّ أَنْ يَزِيدَ المَجْمُوعُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَتَعَيَّنَ الاقْتِصَارُ عَلَى العَادَةِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ.
قال الرافعي: المعتادة الذَّاكرة لعادتها إذا كانت واجدة للتمييز نظر إن توافق مقتضى العادة والتمييز كما إذا كانت تحيض خمسة من أول كل شهر، وتطهر الباقي فاستحيضت، ورأت خمستها سوادًا وباقي الشهر حمرة فحيضتها تلك الخمسة واعتضدت كل واحدة من الدِّلالتين بصاحبتها، وإن لم يتوافق مقتضاهما نظر إن لم يتخلَّل بين العادة والتمييز قدر أقل الطهر كما إذا كانت تَحِيضُ خمسة كما ذكرنا فرأت في دور عشرة سوادًا، ثم حمرة واستحيضت ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وبه قال ابْن سريج [وأبو إسحاق] (١) أنها ترد إلى التمييز فتحيض في العشرة كلها لقوله -ﷺ-: "دَمُ الحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ".
ظاهره ينفي كون غيره حيضًا؛ لأنَّ التَّمييز صفة موجودة، والعادة دلالة قد مضت، والرد إلى الدِّلالة الموجودة أولى.
والثاني: وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ والإِصْطَخْري: إنها ترد إلى العادة فترد إلى الخمسة القديمة -ﷺ-: "فَلْتَنْظُرْ عَدَدَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ" ولم يفصل؛ ولأن العادة قد ثبتت واستقرت وصفة الدم بعرض البطلان ألا ترى أنه لو زاد الدّم القوي على خمسة عشر يومًا بطلت دلالة قوته.
والثالث: إن أمكن الجمع بينهما يجمع عملًا بالدلالتين، وإلا فيتساقطان؛ فتكون كمبتدأة لا تمييز لها، وفيها ما قدمناه من القولين:
مثال: إمكان الجمع أن ترى عشرة سوادًا كما ذكرناه، ومثال عدم الإمكان أن ترى
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣١٩ ]
خمستها المعهودة حمرة وأحد عشر عقيبها سوادًا، وأن يتخلَّل بينهما أقل الطهر، كما إذا رأت عشرين فصاعدًا دمًا ضعيفًا ثم خمسة قويًّا ثم ضعيفًا وعادتها القديمة خمسة من أوّل الشهر، كما سبق فقدر العادة حيض بحكم العادة، والقوي حيض آخر، لأنه تخلّل بينهما زمان طهر كامل. ومنهم من قال: تبنى هذه الحالة على الحالة الأولى إن قلنا: يقدم التَّمييز فحيضها خمسة السّواد، وطهرها المتقدم عليه خمسة وأربعون، وقد صار دورها خمسين. وإن قلنا: تقدم العادة فحيضها خمسة من أول الشهر وخمسة وعشرون من بعدها طهر. وإن قلنا: يجمع بينهما حيضت الخمسة الأولى بالعادة، وخمسة السواد بالتَّمييز؛ لإمكان الجمع يتخلُّل طهر كامل بينهما. هذا فقه الفصل، ولك أن تُعَلِّمَ قوله: "الحكم للعادة" بالميم؛ لما ذكرنا أنه لا اعتبار للعادة عنده، فضلًا عن أن تقدم على التَّمييز. وقوله: "الحكم للتمييز" بالألف؛ لأن عند أحمد تقدم العادة عند اجتماع المعنيين وبالحاء أيضًا؛ لأن عند أبي حنيفة لا اعتبار للتمييز. واعلم أنه تحصل مما حكيناه في كل واحدة من حالتي إمكان الجمع بين العادة والتَّمييز وعدم الإمكان، ثلاثة أوجه:
أحدها: الحكم بالعادة.
والثاني: الحكم بالتمييز، وهما يشملان الحالتين والثالث في إحدى الحالتين الجمع، وفي الثانية: التَّساقط ولفظ الكتاب يفيد الوجوه الثلاثة عند إمكان الجمع، والوجهين الشاملين عند عدم الإمكان دون الثالث، وقوله: "فيتعين الاقتصار على العادة أو على التمييز" أي: على العادة في وجه وعلى التمييِز في وجه.
قال الغزالي: فَرْعَانِ الأَوَّلُ مُبْتَدَأةٌ رَأَتْ خَمْسَةً سوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ، فَفِي الشَّهرِ الثَّاني نُحَيِّضُهَا خَمْسًا لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَثْبَتُ (ح م) لَهَا عَادَةً.
قال الرافعي: العادة التي ترد إليها المستحاضة المعتادة ليس من شرطها أن تكون عادة حيض وطهر صحيحين بلا استحاضة بل قد تكون كذلك وقد تكون تلك العادة هي التي استفادتها من التمييز، وهي مستحاضة، كما إذا رأت المبتدأة خمسة سوادًا، وخمسة وعشرين حمرة، وهكذا مرارًا، ثم استمر السواد، أو الحمرة في بعض الشهر، فقد عرفنا بما سبق من التَّمييز أن حيضها خمسة من أول كل شهر، وصار ذلك عادة لها فتحيضها، الآن خمسة من أول كل شهر، ونحكم بالاستحاضة في الباقي.
هذا هو الصحيح، وحكى إمام الحرمين وجهًا آخر، أنه إذا انحرم التَّمييز فلا نظر إلى ما سبق، وهي كمبتدأة غير مميزة، ولو كانت المسألة بحالها فرأت في بعض الأدوار عشرة سوادًا، وباقي الشهر حمرة، ثم استمر السواد في الدور الذي بعده.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فقد قال الأئمة: حَيْضُها عشرة السواد في ذلك الدور؛ لأن الاعتماد على صفة الدم ثم مردها بعد ذلك العشرة، ولو كانت المسألة بحالها وعاد السواد خمسة ثم استمر الدم ثم رأت في بعض الأدوار عشرة، فترد في ذلك الدور إلى العشرة؛ [وفي هاتين الصورتين إشكالان:
أحدهما: ردها إلى العشرة] (١) في الصورة الأولى ظاهر إذا قلنا: العَادَةُ تَثْبُتُ بمرة واحدة، أما إذا قلنا: لا تثبت، فينبغي أَلا نكتفي بسبق العشرة مرة.
قال صاحب الكتاب في "الوسيط": هذه عادة تمييزية فمنسخها واحدة، ولا يجري فيها ذلك الخلاف كغير المستحاضة إذا تغيرت عادتها القديمة مرة فإنا نحكم بالحالة المتأخرة ولا يشفى الغليل، وللمعترض أن يقول: لم يختص الخلاف بغير التمييزية تشتبه العادة التَّمييزية بالصورة الذكورة دون غير التمييزية وأما الفارق.
الثاني: إذا أفاد التَّمييز عادة للمستحاضة ثم تغير مقدار القوى بعد إنخرام التَّمييز أو قبله وجب أن يخرم بالرد إليه، بل ينبغي أن يخرج على الخلاف فيما إذا اجتمع العادة والتمييز كما تقدم ولم يزد إمام الحرمين في هذا الموضع على دعوى اختصاص ذلك الخلاف بالعادات الجارية من غير استحاضة، ولم يبد معنى فارقًا ولمقرر الإشكال أن يمنع اختصاص الخلاف بتلك العادات ألا ترى أنها لو كانت ترى خمسة سوادًا من أول كل شهر، وباقيه حمرةً ثم جاءها شهر رأت فيه الخمسة الأولى حمرة، والخمسة الثانية سوادًا، ثم عادت الحمرة واستمرت يجري فيها ذلك الخلاف مع أن هذه عادة مستفادة من التَّمييز، أورد هذه الصور صاحب "التَّهْذِيبِ" وغيره فعلى الوجه المغلِّب للتمييز حيضها الخمسة الثانية وعلى الوجه المغلب للعادة حَيضها الخمسة الأولى، وعلى وجه الجمع تحيض فيهما، -والله أعلم-.
جئنا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب قوله: "مبتدأة رأت خمسة سوادًا ثم أطبق الدم على لون واحد". المفهوم من ظاهرة إطباق غير لون السواد، من انقضاء خمسة السواد، واستمراره على الإطلاق، لكن بتقدير أن يكون كذلك، فالضعيف على امتداده استحاضة، وليس لها شهر ثانٍ حتى نحكم بأنها تحيض خمسة من أوله، فإذا المعنى رأت خمسة سوادًا وخمسة وعشرين حمرة، أو نحوها ثم أطبق السواد في الشهر الثاني، ثم قوله: "ففي الشهر الثاني تحيضها خمسًا بناء على عدم اشتراط في العادة التمييزية، واكتفاء بوقوعها مرة واحدة" وقد ذكرنا ما فيه من الإشكال، ويؤيده أنَّ ما عدا الخمسة لو كان طهرًا محسوساَ، واستحيضت في الشهر الثَّاني لم نردها إلى الخمسة على قولنا:
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٢١ ]
"العادة لا تثبت بمرة" ومعلوم أن التمييز لا يزيد عليه، وليكن قوله: "حيضها خمسًا" معلَّمًا بالواو؛ إشارة إلى الوجه الذي تقدم.
قال الغزالي: الثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ (م) في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ (ح) وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَهَا إِلَى تَمَامِ الْخَمْسَةِ عَشَرَ ثَلاَثةُ أَوْجَهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَيْضٌ كَأيَّامِ العَادَةِ، وَالثَّانِى: لاَ لِضَعْفِ اللَّوْنِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِدَمٍ قَوِيٍّ وَلَوْ لَطْخَةً فيَكُونَ حَيْضًا وَإِلاَّ فَلاَ، وَمَرَدُّ المُبْتَدَأَةِ كَأيَّامِ العَادَةِ أَوْ كَمَا وَرَاءَهَا فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: هذا الفرع لا اختصاص له بل معظم فائدته فيما إذا لم يعبر الدم الأكثر كما سيأتي، والصفرة: شيء كالصديد يعلوه اصفرار، والكدرة: شيء كدر [وليسا] على ألوان الدماء، ولا خلاف في كونهما حيضاَ في أيام العادة؛ لأن الوقوع في أيام العادة يغلب على الظن يكون الأذى الموجود فيه الحيض المعهود، وفيما وراء أيام العادة أربعة أوجه:
أظهرها: أنَّ لهما حكم الحيض أيضًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١). والصفرة والكدرة أذى، ولما روي عن عائشة -[﵂]- قالت: "كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضًا" (٢). وهذا إخبار عما عهدته في زمان الرسول -ﷺ-.
والثاني: ليس لهما حكم الحيض لقوله -ﷺ-: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" (٣).
وعن أم عطية، وكانت قد بايعت النبي -ﷺ- قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا" (٤).
وبهذا الوجه قال الإصطخري، وينسب إلى صاحب "التَّلْخِيصِ" أيضًا، وبالأول قال ابن سريج وأبو إسحاق.
والوجه الثالث: وبه قال أبو علي الطَّبَرِيُّ: إن سبق دم قوي من سواد أو حمرة، فالصُّفرة والكدرة بعده حيض، وإلاَّ فلا.
والفرق أن الدم يبدو قويًا ثم يرق ويضعف على التدريج. ألا ترى أن الجراحة تصب دمًا قويًا، ثم يرق ويختلط بالرّطوبات، فإذا سبق دم قوي استتبع ما بعده.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
(٢) أخرجه البيهقي (١/ ٣٣٦) بنحوه، وقال: غريبًا.
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٦) وأبو داود (٣٠٧) وابن ماجة (٦٤٧) والنسائي (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٣٢٢ ]
والرابع: حكاه القاضي ابن كج: أنه إنما يحكم بكون الصُّفرة والكدرة حيضًا، بشرط أن يسبقها دم قوي، ويلحقها دم قوي لينسحب الحكم على المتخلل [وإلا كما ليس على هيئة الدِّماء لا يعطي له حكمها]، وأما المبتدأ، فقد حكى إمام الحرمين عن بعض الأصحاب: أنها إذا رأت صفرة أو كدرة ثم طهرت، فحكم مردها على اختلاف القولين وهما الأقل، والغالب كأيام العادة في حق المعتادة.
قال أبو الصحيح أنه كما وراء أيام العادة فحصل وجهان، كما روى صاحب الكتاب إن قلنا: إنه كأيام العادة فالصفرة والكدرة فيها حيض بلا خلاف، وإن قلنا: كما وراء أيام العادة عاد فيه الأوجه وهذا هو الذي ذكره الجمهور. ولنوضح هذه المسألة بالأمثلة: امرأة عادتها أن تحيض من كل شهر خمسة وتطهر الباقي، فرأت خمستها صفرة، أو كدرة، وطهرت فهي حائض في تلك الخمسة بلا خلاف.
ولو رأت خمستها سوادًا ثم خمسة صفرة أو كدرة وانقطع ما بها، فعلى الوجه الأول: الكل حيض وعلى الثَّاني حيضها بالسَّواد وعلى الثالث: الكل حيض لتقدم السّواد وعلى الرَّابع: حيضها السواد؛ لعدم لحوق القوي.
ولو رأت مبتدأة خمسة عشر فما دونها صفرة أو كدرة فالَّذي رأته حيض على الوجه الأول دون الثَّاني؛ لخروجه عن أيام العادة وكذلك على الوجه الثَّالث؛ لأنَّه لم يتقدمه سواد ولا حمرة وكذا على الرَّابع، لعدم المتقدم والتأخر، هذا على طريقة طرد الخلاف، وفي مردها الوجه الذي سبق. وإذا اعتبرنا تقدم [الدَّم] القوي أو تأخره ففي المقدار المشروط وجهان:
أصحهما: أنه لا يشترط له قدر معين، لأن المعنى فيه ما ذكرنا من هيئة التَّدريج وإذا سبق الدم القوي، وقد يتسارع إليه الضّعف، وقد لا يتسارع، ولا ينضبط وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: "ولو لحظة".
والثاني: أنه يشترط أن يكون قدر يوم وليلة ليكون حيضًا بنفسه، حتى يقوي على امتناع غيره، وأما ما حكاه من لفظ الشّافعي -﵁- في أول الفرع فقد نص عليه في "المختصر"، واختلفوا في المراد بأيام الحيض بحسب ما حكيناه من الخلاف.
فمن قال: الصّفرة والكدرة في أيام العادة حيض لا غير قال: المراد بأيام الحيض أيام العادة ومن قال: حيض فيما وراء أيام العادة وفي المبتدأة، قال: أراد بأيام الحيض زمان إمكان الحيض.
ولفظ الكتاب بعد رواية هذا النص يختلف في النسخ، فقد تجد في بعض النسخ: "وذلك في أيام العادة" وهذا لفظه في "الوسيط"، وقد تجد: "وهو كذلك في أيام العادة"
[ ١ / ٣٢٣ ]
وهما صحيحان وقد تجد: "وكذلك في أيام العادة" وهو فاسد، ولا يخفى عليك ذلك إذا عرفت ما قدمناه، وليكن قوله: "إنه حيض كأيام العادة" مُعَلَّمًا بالألف؛ لأن الحكاية عن أحمد، أنه ليس بحيض قوله: "لا لضعف اللون" معلمًا بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة هو حيض كما هو الأصحّ عندنا، -والله أعلم-.