وَلَهُ سَبعَةُ أَركَان: (الرُّكْنُ الأَوَّلُ) نَقْلُ التُّرَابِ إِلَى الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ فَلاَ يَكْفِي ضَرْبُ (ح) اليَدِ عَلَى حَجَرٍ صَلْدٍ، ثُمَّ لْيَكُن المَنْقُولُ تُرَابًا طَاهِرًا خَالِصًا مُطْلَقًا فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ
_________________
(١) سقط في ط.
[ ١ / ٢٢٩ ]
بالأَعْفَرِ وَالأَسْوَدِ وَالأَصْفَرِ وَالأَحْمَرِ وَالأَبْيَضِ وَهُوَ المَأْكُولُ وَالسَّبخ والبَطْحَاءِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ تُرَابٌ، وَلاَ يَجُوز الزَّرْنيخُ (ح) وَالِجَصُّ (ح) وَالنُّورَةُ (ح) والمَعَادنُ إذْ لاَ يُسَمَّي تُرَابًا وَلاَ يَجْوزُ التُّرَابُ النَّجِسُ وَالمَشُوبُ بِالزَّعْفَرَانِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلاَ التُّرَابُ المُسْتَعْمَلُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ سُحَاقَةُ الخَزَفِ، وَفِي الطِّينِ المَشْوِيِّ المَأكُولِ تَرَدُّدٌ، وَيَجُوزُ بِالرَّمْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ غُبَارٌ.
قال الرافعي: جعل للتيمم سبعة أركان:
أحدها: نقل التراب إلى الوجه واليدين، وغرضه في هذا الفصل الكلام في التراب وما يعتبر فيه من الأوصاف، فأما الكلام في النقل وفي الوجه، واليدين، فهو مذكور فيما بعد من الأركان، وجملة ما اعتبره فيما يتيمم به أربعة أمور أن يكون ترابًا طاهرًا خالصًا مطلقًا، أما كونه ترابًا فلا بد منه، وبه قال أبو يوسف وأحمد؛ فلا يكفي ضرب اليد على حجر صَلْدٍ، لا غبار عليه، خلافًا لأبي حنيفة، ومحمد، حيث قالا: يجوز بكل ما هو من جنس الأرض، كالتراب، والرمل، والحجر، والزَّرْنيخِ، والكُحْلِ، ولا يشترط أن يكون على الحجر المضروب عليه غبار، ولمالك حيث قال: بمثل قولهما، وزاد يجوز بكل متصل بالأرض أيضًا، كالأشجار والزروع لنا قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)، عن ابن عمر، وابن عباس (٢) -﵄-:"أي ترابًا طاهرًا" وعن حذيفة -﵁- أن النَّبي -ﷺ- قال: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ، جعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرَابُهَا طَهُورًا" (٣) عدل إلى ذكر التراب بعد ذكر الأرض، ولولا اخْتِصَاص الطَّهورية بالتراب لقال: جعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا، ثم اسم التراب لا يختص ببعض الألوان، والأنواع، ويدخل فيه الأصفر وهو ما لا يخلص بياضه، والأصفر والأسود، ومنه طِيْنُ الدّواة والأحمر، ومنه طين الأرْمني الذي يؤكل تَدَاوِيًا، والأبيض ومنه الذي يؤكل سَفَهًا، ويقال: إنه الخراساني، وَالسَّبخ وهو الذي لا ينبت دون الذي يعلوه مِلْحٌ، فإن الملح ليس بتراب، والبَطْحَاءُ وهو التُّراب الليل في سيل الماء، وكل ذلك يقع عليه اسم التراب كما يقع اسم الماء على المِلْحِ،
_________________
(١) سورة النساء، الآية ٤٣.
(٢) قال الحافظ في التلخيص: لم أجدهما فأما تفسير ابن عمر: فلم أر عنه في ذلك شيئًا: وأما تفسير ابن عباس: فروى البيهقي من طريق قابوس ابن أبي ظبيان، عن أبيه عن ابن عباس قال: أطيب الصعيد حرث الأرض، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره بلفظ: أطيب الصعيد تراب الحرث، وأورده ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عباس، وليس مطابقًا لما ذكره الرافعي، بل قال ابن عبدا البر في "الاستذكار": إنه يدل على أن الصعيد يكون غير أرض الحرث. انظر التلخيص (١/ ١٤٨).
(٣) قال الحافظ: أخرجه مسلم (٥٢٢) من حديث أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بلفظ (فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى كذا لفظ مسلم، والخصلة التي أبهمها قد أخرجها أبو بكر بن أبي شيبة وهو شيخه في مسنده، ورواها ابن خزيمة. وابن حبان في صحيحيهما من هذا الوجه، وفيه وأعطيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعطه أحد قبلي ولا يعطى أحد بعدي، فهذه هي الخصلة التي لم يذكرها مسلم، ولم أره في شيء من طرق حديث حذيفة بلفظ: جعل ترابها، وإنما عند جميع من أخرجه: تربتها قلت: كذا في الأصل، وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أبي عوانة عن أبي مالك بلفظ: وترابها طهورًا، وكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحة، والدارقطني من طريق سيد بن مسلمة عن أبي مالك والبيهقي من طريق عفان، وأبي كامل كلاهما عن أبي عوانة كذلك، وهذا اللفظ ثابت أيضًا من رواية علي، أخرجه أحمد والبيهقي، ولفظه عندهما: أعطيت ما لم يعط أحدًا من الأنبياء، فقلنا ما هو يا رسول الله؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم، وأصل حديث الباب في الصحيحين من حديث جابر. انظر التلخيص (١/ ١٤٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]
والعَذْب، والكَدَرِ، والصَفِيِّ، وسائر الأنواع، "وَقَد تَيَمَّمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِتُرَابِ الْمَدِينَةِ، وَأَرضُها سَبْخَة" (١).
وقد روي أن الشَّافعي -﵁- قال في بعض المواضع في بيان ما لا يتيمم به: "ولا السَّبخُ ولا البَطْحَاءُ"، وليس ذلك باختلاف قول منه باتفاق الأصحاب، وإنما أراد به ما إذا كانا صَلْبَيْنِ لا غُبَار عليهما، فهما إذًا كالحجر الصّلب، ولو ضرب اليد على ثوب أو جدار، ونحوهما وارتفع غبار كفى فإنَّه تيمّم بالتراب.
وسئل القَاضِي الحُسَيْن (٢) عن تراب الأرضة (٣)، فقال: "ما أخرجته من الخَشَبِ لم يَجُزِ التيمم به، فإنه ليس بتراب، وإن أشبهه، وإن أخرجته من مَدَر جاز، ولا بأس باختلاطه بلعابها كالتُّراب المَعْجُونِ بالخَلِّ إذا جَفَّ يتيمَّم به، ولا يدخل تحت اسم التراب الزَّرْنيخِ، والنّورة، والجصّ، وسائر المعادن، فلا يجوز التَّيمُّم بها، وأغرب أبو
_________________
(١) سبخة الأرض سبخًا كانت ذات نزّ وملح، فهي سبخة، انظر المعجم الوسيط (١/ ٤١٤).
(٢) القاضي الحسين، وهو الإمام المحقق المدقق أبو علي بن محمد بن أحمد المروروزي، من أكبر أصحاب القفال. قال عبد الغافر: كان فقيه خراسان، وكان عصره تاريخًا به، وقال الرافعي في التدوين: إنه كان كبيرًا غواصًا في الدقائق من الأصحاب الغر الميامين، وكان يلقب بحبر الأمة انتهى. وذكره النووي في (تهذيبه) فقال: وله (التعليق الكبير) وما أجزل فوائده وأكثر فروعه المستفادة، ولكن يقع في نسخه اختلاف، وكذلك في تعليق الشيخ أبي حامد توفي -﵀- بعد صلاة العشاء ليلة الاربعاء، الثالث والعشرين من شهر الله المحرم، سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وسمع وحدث، راجع ترجمته في طبقات العبادي ص (١١٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٤) طبقات الأسنوي (٣٦٦).
(٣) الأرضه: دودة بيضاء تشبه النملة تظهر في أيام الربيع، انظر لسان العرب (١/ ٦٢) (أرض).
[ ١ / ٢٣١ ]
عبد الله الحناطي من أصحابنا، فحكى في جواز التيمم بالذّريرةِ، والنُّورَةِ، والزَّرْنِيخِ، قولين: وكذا في الأَحْجَارِ المدفوقة، والقوارير المَسْحُوقَةِ، وأشباهها، وأما الرَّمْل، فقد حكى عن نصه في "القديم" و"الإملاء" جواز التيمم به، وعن "الأم"، المنع واختلفوا فيه على طريقين:
أحدهما: قال صاحب "التلخيص"، أنه على قولين:
أحدهما: المنع كالحِجَارَةِ المدفوقة (١).
والثَّاني: الجواز، لأنه من جِنْسِ التراب، وعلى طبعه.
والثانية: هي الصحيحة، أنه ليس فيه اختلاف قول، والنَّصَّان محمولان على حالتين إن كان خَشِنًا لا يرتفع منه غبار، لم يكف ضرب اليد عليه، وهو المراد بالمنع، وإن كان يرتفع منه غبار يَعْلَقُ باليد، يجوز التيمم به، فإن ذلك المرتفع غبار، وهو المراد بالجواز، وأما كون المتيمم به طاهرًا، فلا بد منه فلا يجوز التَّيمم بالتراب النجس، كما لا يجوز الوضوء بالماء النَّجس، والتُّراب النجس هو الذي أصابه مائع نجس، أما إذا اختلط به جامد نجس كأجْزَاء الرَّوْثِ، فلا مؤثر في أجزائه بالنَّجَاسة، لكن لا يجوز التَّيمم به أيضًا، لأنه إذا استعمله كان الواصل إلى بعض أجزائه تُرابًا، وإلى بعضها رَوْثًا، والنجس لا يطهر، ولو تيمَّم بتراب المقابر التي عم فيها النَّبش، وغلب اختلاطُ صَدِيدِ المَوْتَى به، ففي جوازه قولًا (٢) تقابل الأصل، والغالب والظاهر (٣) كما تقدم.
وإن ضرب يده على ظهر كلب عليه تراب، فإن عرف إلتصاقه به في حالة الجَفَافِ جاز، وإن عرف إلتصاقه به في حال الرُّطُوبَةِ، أو علم أنه أصابه عرق (٤)، فلا، وإن تردد فيه فعلى القولين (٥)، وأما كونه خالصًا، فيخرج عن المَشُوب بالزَّعْفَران، والدَّقيق، ونحوهما، فإن كان الخَلِيطُ كَثيرًا، لم يَجُزِ التيمم به، بلا خلاف، فإن الخليط الكثير يسلب طهورية الماء، مع قوته، فأولى أن يسلب هاهنا، وإن كان قليلًا فوجهان عن أبي إسحاق، وصاحب "التقريب" أنه لا يضرّ، كما في الماء، إلحاقًا (٦) بالمعدوم، وقال الأكثرون أنه يسلب طهوريته كالكثير بخلاف الماء، فإنه لطيف (٧) لا يمنعه الخليط عن السَّيلاَنَ، فيزيل جزء الدقيق في صَوْبِ جريانه، ويجري على مَوْضِعِهِ، وليس للتّرَاب
_________________
(١) في المدفونة.
(٢) في ز: قولان.
(٣) في ز: والطاهر.
(٤) في ز: عرقه.
(٥) في اجتماع الأصل والظاهر، قال النووي: كذا قاله جماعة من أصحابنا، فيما إذا لم يعلم أنه على القولين وهو مشكل، وينبغي أن يقطع بجواز التيمم به عملًا بالأصل، وليس هنا ظاهر بعارضة -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٢٣).
(٦) في ز: للمعمور.
(٧) سقط في "ز".
[ ١ / ٢٣٢ ]
هذه القوة لكثافتِهِ، فالموضع الذي علق به الدقيق لا يصل إليه التراب، ثم بماذا نعتبر القلة والكثرة [ذكر إمام الحرمين أن المرعى أن يطهر الشيء الخليط ويرى فإن طهر لم يجز التيمم به، وإلا فيه الوجهان، ولم أر لغيره تعرضًا لذلك، بل اقتصروا على ذكر القلة والكثرة] (١) ولو اعتبرت الأوصاف الثلاثة كما في الماء لكان مسلكًا وأما كونه مطلقًا فقد قال إمام الحرمين: يتعلق به شيئان.
أحدهما: الكلام في التراب المستعمل، ونحن نذكر حكم المستعمل، ثم تعود إلى ما ذكر من التَّعلق بوصف الأطلاق واختلفوا في أن التراب المستعمل في التيمم، هل يجوز استعماله فيه ثانيًا وثالثًا؟ على وجهين:
أصحهما: لا كما في الماء؛ لأنه تأدت به العبادة، واستبيح به الصلاة.
والثاني: نعم بخلاف الماء؛ لأنه يرفع الحدث، والتّراب لا يرفع، فلا يتأثر بالأستعمال، ثم الكلام في أن الملتصق من التراب بالوجه واليدين مستعمل حتى لا يجوز على الأصح أن يضرب الإنسان يده على وجه المتيمم ويده ليتيمّم بالغبار المأخوذ منه، وأما المتناثر فهل هو مستعمل حتى يعود فيه الخلاف المذكور؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن التراب كَثِيفٌ إذا علقت منه صفحة بالمَحلِّ، منعت التصاق غيرها به، وإذا لم يلتصق بالمحل فلا يؤثر، ولا يتأثر، بخلاف الماء، فإن صفحاته رقيقة لطيفة، فيلاقى المحل بجميعها.
وأصحهما: أنه مستعمل، كالمُتَقَاطر من الماء، لأن الملتصق والسَّاتر (٢) ما دام يمسح بتردّد من الموضع إلى الموضع، وَالفرض يسقط بالجميع، فهذا هو حكم المستعمل، والذي ذكره الإمام من تعلقة بوصف الإطلاق، فليس له وجه بين، لأن التّراب المستعمل موصوف بوصف الإطلاق، كما أنه موصوف بوصف الخَلُوص، وسائر الأوصاف التي هي معتبرة في المتيمم به، ألا ترى أن الإمام الغزالي -قدَّس الله روحه- استثنى الماء المستعمل من الماء المطلق في أول الكتاب، ولولا كون المستعمل مطلقًا لما انتظم الاستثناء، نعم من قال: لا يجوز التيمم بالمستعمل، اعتبر سوى الأوصاف الأربعة شرطًا آخر، وهو أَلاَّ يكون مستعملًا، ومن جوز التيمم به اكتفى بالأوصاف الأربعة، ومعلوم أن هذا الكلام لا اختصاص له بقيد الإطلاق.
الثاني: قال: إن سحَاقَةِ الخَزَفِ أصلها تراب، ولكنها لا تسمى ترابًا مطلقًا، فلا يجوز التيمم بها، وتابعه صاحب الكتاب، فجعل وصف الإطلاق احترازًا عن السّحَاقَةِ، وذكره في "الوسيط" ولك أن تقول التراب المطلق وغير المطلق يشتركان في مسمَّى
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) في ز: والمتناثر.
[ ١ / ٢٣٣ ]
التّراب، وسحَاقَة الخَزَفِ لا تسمى ترابًا أصلًا، لا مطلقًا، ولا غير مطلق، فهي خارجة عن اسم التراب، ولا حاجة إلى هذا القيد، يوضح ذلك أنه حكى عن نص الشافعي -﵁- في الأم أنه قال: إن دق الخزف ناعمًا، لم يَجُزِ التَّيمم به، لأن الطَّبخ أحاله عن أن يقع عليه اسم التراب، ولو أحرق التراب حتى صار رمادًا، فكذلك لا يجوز التَّيمم ولو شوى الطّين المأكول، وسحقه، ففي جواز التيمم به وجهان:
أحدهما: لا يجوز كالخزف والآجِرِ المَسْحُوقَيْنِ.
والثاني: يجوز [وهو الأظهر] (١) لأن اسم التراب لا يبطل بمجرد الشيء، بخلاف طبخ الخَزَفِ والآجر، فإنه يسلب اسم التراب، ويجعله جنسًا آخر، ولو أصاب التراب نارًا، فاسود ولم يحرق، بحيث يسمى رَمَادًا، فعلى هذين الوجهين.
ونختم الفصل بالتَّنْصِيصِ على المواضع المستحقّة من لفظ الكتاب المرقوم المشيرة إلى ما حكينا من الاختلافات.
فنقول ينبغي أن يعلم قوله: "فلا يكفي ضرب اليدين على حجر صَلْدٍ" بالحاء والميم، وكذا لفظ: "التراب" في قوله: "ليكن المنقول ترابًا طاهرًا" أو قوله: "ولا يجوز الزرنيخ" إلى آخره بهما بالواو، لما رواه الحناطي، وقوله: "وإن كان قليلًا" بالواو [وكذا "سحَاقَةُ الخزف" لما رواه الحناطي، وقوله: "ويجوز بالرَّمل" بالواو.
قال الغزالي: (الثَّاني) القَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ فَلَوْ تَعَرَّضَ لِمَهَابَّ الرِّيَاحِ لَمْ يَكْفِ، وَلَوْ يَمَمَّهُ غَيْرُه بِإِذْنِهِ وَهوَ عَاجِزٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: القصد إلى التراب معتبر، واحتجوا عليه بقّوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا﴾ (٢) أمرنا بالتيمم، والمَسْح، والتيمم هو القصد، فلو وقف في مَهَبِّ الريح فسفت عليه التراب فأمر اليد عليه، نظر إن وقف غيرنا، وثم لما حصل التراب عليه نوى التيمم لم يصح تيممه، وإن وقف قاصدًا بوقوفه التيمم حتى أصابه التراب فمسحه بيده، فظاهر نص الشّافعي -﵁-، وقول أكثر الأصحاب أنه لا يصح تيممه؛ لأنه لم يقصد التراب، وإنما التراب أتاه.
وعن أبي حامد المروروذي (٣) -قدس الله روحه- أنه لا يصح، كما لو جلس في
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) سورة المائدة، الآية ٦.
(٣) أحمد بن بشر بن عامر العامري، المروروذي، أبو حامد، أخذ عن أبي إسحاق المروزي، ونزل بالبصرة وأخذ عن فقهائها، وكان إمامًا لا يشق له غبارة، شرح (مختصر) المزني، وصنف (الجامع) في المذهب وهو كتاب جليل، وصنف في أصول الفقه، ومات سنة اثنتين وستين =
[ ١ / ٢٣٤ ]
الوضوء تحت المِيْزَابِ، أو برز لِلْمَطَرِ، وذكره صاحب "التقريب"، وبه قال الحليمي، والقاضي أبو الطيب، وحكاه القاضي أبو القاسم بن كج، عن نص الشافعي -﵁-، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن لفظ الكتاب في المسألة يجوز أن يراد به الصورة الأولى ويجوز أن يراد به الثانية، أو المشترك بينهما، وعلى هذا يكون نفي الجواز جوابًا على أظهر الوجهين، والظاهر الاحتمال الثاني؛ لأنه حكى الخلاف في "الوسيط"، ولا خلاف في الصورة الأولى، وإذا كان كذلك فليكن قوله: "لم يكف" مُعْلَمًا بالواو.
ولو يممه (١) غيره نظر إن كان بغير إذنه فهو كالتَّعرض لمهب الريح، وإن كان بإذنه نظر إن كان عاجزًا عن المُبَاشَرَةِ بنفسه لقطع أو مرض جاز، بل يجب عليه ذلك، إذا وجد غيره، وإن كان قادرًا فوجهان:
قال صاحب "التلخيص": لا يجوز كما في مسألة الريح؛ لأنه مأمور بقصد التراب، ولم يقصد.
والأظهر الجواز إقامة لفعل نائبه مقام فعله، ويحكى ذلك عن نصه في الأم.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) النَّقْلُ فَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ ترَابٌ فَرَدَّدَهُ بِالْمَسْحِ لَمْ يَجُزْ إِذْ لاَ نَقْلَ فَإِنْ نَقَلَ مِنْ سَائِرِ أَعْضَائِهِ إِلَى وَجْهِهِ جَازَ، وَإِنْ نَقَلَ مِنْ يَدِهِ إِلَى وَجْهِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ مَعَكَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: نقل التراب الممسوح به إلى العضو ركن في التَّيمم، واحتجوا عليه بأن الله تعالى أمر بالتَّيمم، وهو القصد، وإنَّما يكون قاصدًا إذا نقل التراب إلى المحلّ الممسوح، وغير هذا الاستدلال أوضح منه، وجملة المذهب في النقل أن التراب المسوح به (٢) إما أن [يكون على العضو] (٣) الممسوح، أو يُنْقَل إليه من غيره، فإن كان عليه بأن كانت الريح قد سَفَتْه عليه من غير قصد منه إلى التيمم، أو بسبب آخر فردده عليه من جانب إلى جانب، ومسحه لم يَجُزْ؛ لأنه لم ينقل، ولو أخذ (٤) منه ورده إليه ومسحه به جاز على أصح الوجهين؛ لأنه بالانفصال انقطع حكم ذلك العضو عنه، وإن
_________________
(١) = وثلثمائة. ذكره الشيخ في طبقاته، والنووي في (تهذيبه) وكذلك ابن الصلاح، إلا أنه لم يؤرخ وفاته، ونبه على أن الشيخ أبا إسحاق جعل عامرًا أباه وبشرًا جده، قال: والصواب العكس، راجع ترجمته في: طبقات العبادي (٧٦) طبقات الشيرازي (١١٤) العبر (٢/ ٣٢٦) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢١١) طبقات الأسنوي (٨/ ١٠).
(٢) في ز: ولو يممه.
(٣) في ط يكون على العضو الممسوح به.
(٤) في ط أما أن التراب.
(٥) في ب: أخذه.
[ ١ / ٢٣٥ ]
نقله إلى العضو الممسوح من غيره، نظر إن نقله من عضو ليس هو محل التّيمم (١)، فيجوز، كما لو نقله من الأرض، أو من بدن غيره، وهذا ما أراد بقوله: "وإن نقله من سائر أعضائه" وإن نقله من يده إلى وجهه أو بالعكس، فوجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه منقول من محل الفرض فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، أو من الساعد إلى الكتف.
وأظهرهما: يجوز (٢)، لأنه منقول من غير العضو الممسوح به فصار كالمنقول من الرَّأسِ والظَّهر، وهذا في غير تُرَاب التَّيمم، فأما لو مسح وجهه بتُرَاب كثير، ثم أخذه ليمسح به اليد زاد النَّظر في استعمال المستعمل وقد سبق ذلك، وَلو تمعَّك في التراب، فوصل إلى وجهه ويديه بهذا الطريق، نظر إن كان معذورًا جاز نص عليه، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التّيمم إنما نقل العضو إليه، وادعى المسعودي أن هذا ظاهر المذهب.
وأصحهما: عند الأكثرين الجواز، لأن القَصْدَ إلى التراب قد تحقق بهذا الطريق، وهو المطلوب، ولو سَفَتِ الريح ترابًا على كمه، فمسح به وجهه جاز على أصح الوجهين، وكذا لو أخذ التّراب من الهواء للمسح (٣) حالة إثارة الرِّيح إياه.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ فَلَوْ نُوَي رَفْعَ الحَدَثِ لَمْ يَجُزْ، وَأَكْمَلُهُ أنْ يَنْوِيَ استِبَاحَةَ الفَرْضِ وَالنَّفْلِ جَمِيعًا أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مُطْلقًا فَتَكْفِيهِ (و) فَلَوْ نَويَ اسْتِبَاحَةَ الفَرْضِ جَازَ النَّقْلَ أَيضًا بالتَّبَعَيِة عَلىَ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ فِي جَوَازِهِ عدَ وَقْتِ تِلْكَ الفَرِيضَةِ أَوْ قَبْلَ فِعْلِهَا خِلاَفٌ مَشْهُورٌ، وَلَوْ نَوَى النَّفْلَ فَفِي جَوَازِ الفَرْضِ بِهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ مُنِعَ فَفِي جَوَازِ النَّفْلِ وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلِ كَالتَّابعِ فَلاَ يُفْرَدُ، وَلَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لِفَرْضِ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: النِّيَّةُ واجبة في التيمُّمِ، قال -ﷺ-: "لَيْسَ لِلمَرْءِ مِنْ عَمَلِهِ إِلاَّ مَا نَوَاهُ" (٤)، وقد ذكرناه في صحَّة الوضوء إذا نوى أحد أمور ثلاثة، فبين في التيمُّم حكمها الأول رفع الحدث، وهل يجوز التيمم بهذه النية؟ فيه وجهان:
_________________
(١) في ب: محلًا للتيمم.
(٢) في ب: وأظهرهما الجواز.
(٣) في ب: للمسح به.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٤١) من رواية أنس، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٦٨).
[ ١ / ٢٣٦ ]
أحدهما: نعم؛ لأن التَّيمم يرفع الحدث في حقِّ الفريضة الواحدة، والنوافل؛ لأنها مستباحة به، وقد قال -ﷺ-: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" (١) ولأن رفع الحدث يتضمن اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةَ، فقصد رفع الحدث يتضمن قصد الاستباحة، ويحكى هذا الوجه عن ابن سريح، وجعله ابن خيران قولًا للشافعي -﵁-، وأصحهما وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يجوز؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنه -ﷺ- قال لعمرو بن العاص وقد تيمم للجنابة من شدة البرد: "يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحَابِكَ، وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقَالَ عَمرُو: إِنِّي سَمِعْتُ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (٢)﴾ ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ شَيْئًا" (٤) سمَّاه جنبًا بعد التَّيمُّم؛ ولأنه لو رفع الحدث (٥) لما بطل، إلا بعروض الحدث، ولما تأثر برؤية الماء، وإذا لم يرفع الحدث لم يجز التّيمم بصحة بنية رفعه، كما لو قصد شيئًا آخر لا يفيده التّيمم، ولو تيمم الجنب بنية رفع الجنابة، فهو على هذا الخلاف.
الثاني: استباحة الصلاة وغيرها مما لا يباح إلا بالطَّهارة، وإذا تيمم بنية استباحة الصلاة مثلًا، فله أربعة أحوال:
أحدها: أن يقصد استباحة نوعيها الفرض والنفل، وأخطرهما بالبال فيصح تيممه، لأنه قد تعرض لمقصود التّيمم، وتباح له الفريضة بهذا التّيمم، وكذلك النافلة قبل الفريضة وبعدها، حكى عن نصه في رواية البويطي، وفي وجه ليس له التنفل بعد خروج وقت الفريضة، وإنما يخرج هذا الوجه إذا كانت الفريضة المَنْوِيِّة معينة، وهل يشترط تعينها بصفاتها أم يكفي نية مطلق الفريضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط، ويروى ذلك عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة (٦)، وبه قال أبو القاسم الصيمري، واختاره الشيخ أبو علي؛ لأنه لا بد من نية الفريضة ليستبيحها، فلا بد من تعيُّنِهَا، ألا ترى أن في نيَّةِ الصلاة لما وجب التَّعرض للفريضة وجب تعينها.
_________________
(١) تقدم.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٩٥.
(٣) سورة النساء، الآية ٢٩.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٣٥) وابن حبان (١٣٠٥) والحاكم (١/ ١٧٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٥) في ط سقط: ولو أنه لو رفع الحدث.
(٦) القاضي أبو علي، الحسن بن الحسين البغدادي، المعروف بابن أبي هريرة، أحد أئمة الشافعية. تفقه بابن سريج، ثم بأبي إسحاق المروزي، وصحبه إلى مصر، ثم عاد إلى بغداد ومات بها سنة خمس وأربعين وثلثمائة، قاله الشيخ أبو إسحاق، زاد ابن خلكان في رجب وكان معظمًا عند السلاطين فمن دونها، راجع ترجمته في طبقات الشيرازي (١١٢) طبقات العبادي (٧٧) وفيات الأعيان (٢/ ٧٥) طبقات الأسنوي رقم (١٢١٤).
[ ١ / ٢٣٧ ]
وأصحهما: عند الأكثرين أنه لا يشترط؛ لأنه لا يحتاج (في الطهارة) إلى تعيين الحدث الذي ينوي رفعه فكذلك لا يحتاج إلى تعين ما ينوى استباحته، وعلى هذا إذا أطلق صلّى أية فريضة شاء، ولو عين واحدة جاز له أن يصلِّي غيرها.
الحالة الثانية: أن ينوي الفريضة، ولا تخطر له النَّافلة فتباح الفريضة له بشرط التعيين، أو دونه كما سبق، لأنه نَوَاها، وللمرء من عمله ما نواه، وحكم المَنْذُورَةِ حكم المكتوبات الخمس، وإذا استباح الفريضة بهذا التّيمم فهل له أن يتنفَّلَ به قبل فعل الفريضة، فيه قولان:
أصحهما: نعم؛ لأن النَّوافل تبع الفرائض، فإذا صلحت طهارته للفريضة التي هي الأصل فللنوافل أولى.
والثاني: لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النوافل تؤدي بالتيمم تبعًا للفرائض، فإنها طهارة ضرورة، ولا ضرورة في الإتيان بالنَّوافل، والتابع لا يتقدم على المتبوع، وهل ينتفل بعد الفريضة؟ فيه طريقان:
أصحهما: القطع أنه ينتفل، لأنه إذا قدم الفريضة فقد حافظ على قضيَّة التَّبعية، وهي تقديم المتبوع وتأخير التَّابع.
والثاني: وهو اختيار القفال، وفيما حكاه الشَّيخ أبو محمد طرد القولين، ووجه المنع أنه لم يَنْوِ غير الفريضة، فلا يباح له غيرها، فإن جوَّزنا له التَّنَفُّلَ بعد الفريضة بذلك ما دام وقت الفريضة باقيًا إن عينها، فإذا خرج فهل يَجُوزُ له أن يَتَنَفَّلَ بذلك التيمّم، فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لأنه إذا جاز له التنفل وجب ألا يفترق الحال فيه بين ما قبل انقضاء الوقت، وما بعده، كما في الوضوء.
والثاني: لأنقطاع التَّبعية بانقضاء الوقت ومن قال بالطريقة الثانية في أنه هل يتنفل بعد الفريضة وطرد القولين انتظم منه أن يقول إذا تيمم للفرض، فهل له أن يتنفل؟ فيه قولان، إن قلنا: نعم، فذلك بعد فعل الفريضة، وقبل خروج وقته، أما قبل فعله، فهل له ذلك؟ قولان وبعد خروج الوقت وجهان، وكلام صاحب الكتاب إلى هذا الإيراد أقرب، فقوله: "جاز النفل أيضًا بالتبعية على الصحيح" أي من القولين وقوله: "خلاف مشهور" يعني به قولين فيما قبل فعل الفريضة، ووجهين فيما بعد وقتها، وهذا كله فيما إذا لم يقصد عددًا من الفرض، بل قصد نوع الفرض أو فريضة واحدة، أما إذا تيمم لفائتتين، أو منذورتين، فهل يصح تيممه، فيه وجهان:
أصحهما: نعم، لأنه نوى للواحدة وزاد فلغت الزيادة وعمل الأصل.
[ ١ / ٢٣٨ ]
والثاني: لا، لأنه نوى ما لا يباح بالتيمم الواحد ففسدت نيته، وصار كما لو لم ينو أصلًا، وقرب إمام الحرمين الوجهين ههنا من الوجهين فيما إذا نوى المتوضئ استباحة صلاة دون غيرها، لأنه يقتصر النية على الصلاة الواحدة مخالف حكم الوضوء، كما أن المتيمم بنية الزيادة مخالف حكمه، وإذا عين فريضة فيشترط أن تكون عليه حتى لو تيمم لفائته ظنها عليه، ولم تكن عليه فائتة أصلًا، أو تيمم لفائتة ظهر ثم بان أن التي عليه عصر، لم يصح تيممه، لأن استباحة الفريضة لازمة، وإن لم يجب التعيين وإن عين وأخطأ لم يصح كما إذا عين الإمام في الصلاة وأخطأ بخلاف مثله في الوضوء، لأن نية الاستباحة غير لازمة في الوضوء من أصلها، فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلى اليوم وأخطأ (١).
الحالة الثالثة: أن ينوي النفل، ولم يخطر له الفرض، فهل يباح له الفرض بهذا التيمم؟ فيه قولان:
أصحهما: لا، لأن الفرض هو الأصل، والنفل تبع فلا يجعل المتبوع تابعًا.
والثاني: نعم، لأنه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة، فأشبه ما لو توضأ للنافلة، وعن أبي الحسين بن القطان أنه لا يختلف القول في أنه لا يباح الفرض به، فهذا طريق آخر جازم، فإن قلنا: يباح له الفريضة فالنافلة أولى، وإن قلنا: لا تباح الفريضة ففي النافلة وجهان:
أصحهما: أنها تباح، لأنه نواها بطهارته، والتيمم صالح للفرض إذا نواه فللنفل أولى.
والثاني: لا يباح، لأن النفل تابع، والتيمم طهارة ضرورة، فلا يجعل مقصدًا به، ومن قال بهذا الوجه فقد قال بأن هذا التّيمم لا يصح أصلًا، ولو نوى بتيممه حمل المصحف، أو سجود التلاوة، أو الشكر، أو نوى الجنب الاعتكاف، وقراءة القرآن، فهو كما لو نوى بتيممه صلاة النفل، ففي جواز الفريضة له قولان، وإذا منعنا ففي جواز ما نواه وجهان، ولو تيمم لصلاة الجنازة فهو كما لو تيمم للنافلة على أظهر الوجهين؛ لأنها وإن تعيَّنت عليه فهي كالنَّافلة (٢) من حيث إنها لا تنحصر، وهي غير متوجّهة نحوه على التَّعيين، ويتصور سُقُوطها بفعل الغير بخلاف المكتوبات، ولو نوت الحائض استباحة الوطء، صح تيممها على أصح الوجهين؛ لأنه مما يفتقر إلى الطَّهَارة لكنه يكون كالتَّيمم للنَّافلة.
_________________
(١) قال النووي: فلو ظن عليه فائته، ولم يجزم بها فتيمم لها ثم ذكرها، قال المتولي والبغوي والروياني: لا يصح، وصححه الشاشي، وهو ضعيف -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٢٤).
(٢) في ب: كالنوافل.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الحالة الرابعة: أن يقصد نفس الصلاة من غير تعرض للفرض والنفل، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كما لو نوى الفرض، والنَّفل جميعًا، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: أو استباحة الصَّلاَة مطلقًا فيكفيه، وهو قياس قول الحليمي فيما حكاه أبو الحسن العبادي، وقطع به إمام الحرمين -﵏-؛ لأن الصَّلاةَ اسم جنس يتناول الفرض والنَّفل جميعًا، فأشبه ما لو تعرَّض لهما في نِيَّتهِ.
والثاني: أنه كما لو نوى النفل وحده؛ لأن مطلق اسم الصَّلاة محمول عليه، والفرض يحتاج إلى تخصيصه بالنية، ألا ترى أنه لو لم تحرم الصلاة مطلقًا انعقدت صلاته نفلًا، وهذا الوجه أظهر، ولم يذكر أصحابنا العراقيون غيره، وهو المنقول عن القَفَّال، فهذا تمام الأحوال الأربع، وهي بأسرها مذكورة في الكتاب (١).
الأمر الثالث: لو نوى فريضة التَّيمم، أو إقامة التَّيمم المفروض، ففيه وجهان:
أحدهما: يصح تيمّمه كما يصح الوضوء بهذه النّية.
وأصحهما: أنه لا يصح؛ لأن التَّيمم ليس مقصودًا في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يصلح مقصدًا بخلاف الوضوء، ولهذا يستحب تجديد الوضوء دون التّيمم.
واعلم أنه كما لا يجوز أن تتأخر النية في الوضوء عن أول فعل مفروض كذلك لا يجوز في التّيمم (٢). وأوّل أفعاله المفروضة نقل التراب، ولو قارنته النّية، وعزبت قبل مسح شيء من الوجه، فهل يجوز؟ وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء، وعزبت بعده.
وأظهرهما: وهو الَّذِي ذكره في التَّهذيب، أنه لا يجوز، لأن النَّفل وإن كان واجبًا إلا أنه ليس بِرُكْنٍ مقصود في نفسه، بخلاف غسل الوجه في الوضوء، ولو تقدمت النّية على أول فعل مفروض فهو كمثله في الوضوء.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) أَنْ يَسْتَوعِبَ (ح) وَجْهَهُ بَالْمَسْحِ وَلاَ يَلْزَمُهُ إِيصالُ التُّرَابِ اِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ خَفَّتْ.
قال الرافعي: [قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣) (٤)] يجب استيعاب الوجه بالمسح بالتراب خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز أن يترك من ظاهر الوجه دون الرُّبع، حكاه الصَّيدلاني من أصحابنا وعن أبي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه إذا مسح أكثر وجهه أَجْزَأَهُ.
_________________
(١) في ط سقط "كتاب الأم".
(٢) سقط في ب.
(٣) سورة المائدة، الآية ٦.
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٢٤٠ ]
لنا ما روي أنه -ﷺ-: "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ" (١)، ومن لم يستوعب صح أن يقال ما مسح وجهه، إنما مسح بعض الوجه، وأيضًا فإنه عضو وهو محل الفرض في الطَّهَارتين يجب استيعابه في الوضوء، فيجب في التَّيمم، ولا يجب إيصال التراب إلى مَنَابتِ الشُّعور خفيفة كانت، أو كثيفة، عامة كانت أو نادرة، كِلِحْيَةِ المرأة؛ لأن النَّبِيَّ -ﷺ-: "تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ" (٢)، وَبالضَّربة الواحدة لا يصل التراب إلى مَنَابِتِ الشّعور.
وفيه وجه أنه يجب إيصال التُّراب إلى ما تحت الشعور [التي يجب إيصال الماء إليها، إعطاء للبدل حكم الأصل، والفرق ظاهر لِعُسْرِ إيصال التراب إلى منابت الشعور] (٣) وهل يجب مسح ظاهر المسترسل من اللّحية الخارج عن حد الوجه؟ فيه قولان، كما في الوضوء.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) مَسْحُ اليَدَيْنِ اِلَى المِرْفَقَيْنِ (م) فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِوَجْهِهِ وَلاَ يَنْزعُ خَاتَمَهُ وَلاَ يُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَنْزغُ وَيُفَرِّجُ فِي الضَّرَبةِ الثَّانِيَةِ وَيمْسَحَ اِلَى المِرْفَقَيْنِ وَلاَ يُغْفِلُ شَيْئًا.
قال الرافعي: يجب استيعاب اليدين إلى المِرْفَقَيْنِ وبالمسح في التَّيمم، كما يجب الاستيعاب بالغسل في الوضوء لما روى أنه -ﷺ-: "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ" (٤) والذِّراع اسم لِلسَّاعد إلى المرفق وروى أنه -ﷺ- قال: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَربَةٌ لِلْوَجْهِ،
_________________
(١) تقدم.
(٢) هذا والحديث الآتي من حديث ابن عمر، رواه أبو داود بسند ضعيف، ولفظه: مر رجل على النبي -ﷺ- في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى في السكك، فضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، الحديث. زاد أحمد بن عبيد الصفار في مسنده من هذا الوجه، فمسح ذراعيه إلى المرفقين، ومداره على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد، وقال أحمد والبخاري: ينكر عليه حديث التيمم، يعني هذا، زاد البخاري: خالفه أيوب وعبيد الله والناس، فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله. وقال أبو داود: لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن رسول الله -ﷺ- وروه عن فعل ابن عمر، وقال الخطابي: لا يصح لأن محمد بن ثابت ضعيف جدًا، قلت: لو كان محمد بن ثابت حافظًا ما ضره وقف من وقفه على طريقة أهل الفقه -والله أعلم-. وقد قال البيهقي: رفع هذا الحديث غير منكر؛ لأنه رواه الضحاك بن عثمان، عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا إلا أنه لم يذكر التّيمم، ورواه ابن الهاد عن نافع فذكره بتمامه، إلا أنه قال: مسح وجهه ويديه، والذي تفرد به محمد بن ثابت في هذا، ذكر الذراعين. انظر التلخيص (١/ ١٥١).
(٣) سقط في ب.
(٤) انظر التخريج السابق.
[ ١ / ٢٤١ ]
وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" (١).
وقال مالك وأحمد: يمسح يده إلى الكُوَعَيْنِ، لما روى أنه -ﷺ- قال لعمار: "يَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ" (٢). ونقل مثل هذا عن "القديم" للشافعي -﵁- وأنكر الشيخ أبو حامد (٣) وطائفة، ذلك، وسواء ثبت أم لا، فالمذهب الأول، واعلم أنه قد تكرر لفظ الضَّرْبَتَيْنِ في الأخبار، فجرى طائفة من الأصحاب على الظاهر وقالوا: لا يجوز أن ينقص منهما، ويجوز أن يزيد فقد لا يتأتى له الاستيعاب بالضربتين.
وقال آخرون: الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، سواء كان بضربة، أو أكثر، وهذا أصح، نعم يستحب ألاَّ يزيد، ولا ينقص، وحكى القاضي ابن كج عن بعض أصحابنا أنه يستحب أن يضرب ضربة للوجه، وأخرى لليد اليمنى، وأخرى لليسرى، والمشهور الأول (٤) وصورة الضرب غير معيَّنة، بل لو كان التراب ناعمًا فوضع اليد عليه وعلق الغُبَار بيده كفى، ثم إذا أخذ التراب بدأ في مسح الوجه بأعلاه، ومسح اليدين بأن يضع أصابع يده اليسرى سوى الإبهام على ظهور الأصابع (٥) اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أَنَامِلُ اليُمْنَى عَنْ مسْبَحَةِ اليُسْرَى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغت الكُوعَ ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بَطْنِ الذِّراع، فيمرها عليه، وإبهامه منصوبة، فإذا بلغ الكوع مسح إبهامه ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع أصابع اليمنى على اليسرى، فيمسحها كذلك، وهذه الكيفية محبوبة على المشهور، وقد زعم بعضهم أنها منقولة من فعل رسول الله -ﷺ-، وقال الصيدلاني: إنها غير واجبة، ولا سنة، وهو قضية كلام أكثر الشَّارحين للمختصر. قالوا: إنما ذكر الشّافعي -﵁- هذه الكيفية ردًا على مالك -﵁-، حيث قال: بالضَّرْبة الواحدة لا يتأتى المسح إلى المرفقين، وهذا يشعر بأنها غير محبوبة، ولا مقصودة في نفسها، وهل يفرق أصابعه في الضربتين؟.
أما في الثَّانية فنعم، وأما في الأولى فقد روى المازني التَّفريق أيضًا، واختلف
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٠ - ١٨١) من رواية ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا، وقال: الموقوف هو الصواب، وأثنى الحاكم على رواية الرفع.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، قال ابن الملقن، انظر الخلاصة (١/ ٧٠).
(٣) في أمحمد.
(٤) قال النووي: الأصح: وجوب الضربتين: نص عليه وقطع به العراقيون، وجماعة من الخراسانيين، وصورة الاقتصار على ضربة بخرقة ونحوها -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٢٦).
(٥) في ب: على ظهور كفه.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الأصحاب فيه، فغلطه قوم، منهم القفال. وقالوا: لا يفرق في الضربة الأولى؛ لأنها لمسح الوجه، ولا يمسح الوجه بما بين الأصابع، وما لم يمسح الوجه لا يدخل وقت مسح اليدين، حتى يقدر الاحْتِسَاب به على اليدين، فلا فائدة في التفريق.
وأما في الضربة الثانية دخل وقت مسح اليدين فيفرق حتى يستغنى عن إيصال التُّراب إليها مما على الكَفِّ، وصوّبه آخرون، وقالوا: فائدته زيادة تأثير الضرب في إثارة الغُبَارِ لاختلاف موضع الأصابع إذا كانت مفرقة، وهذا أصح، أما القائلون بالأول اختلفوا في أنه هل يجوز أن يفرق في الضربة الأولى؟.
فقال الأكثرون: نعم إذ ليس فيه إلا حُصُول تراب غير مستعمل بين أصابِعِهِ فإن لم يفرق في الضَّرْبة الثَّانية كفاه هذا التُّراب لها، وإن فرق حصل فوقه تراب آخر غير مستعمل بين أصابعه فيقع المجموع عن الفرض، وقال الأقلون، ومنهم القَفَّال: لا يجوز ذلك، ولا يصح تيمُّمه لو فعل؛ لأن فرض ما بين الأصابع لا يتأتى بالضَّربة الأولى، لوجوب التَّرتيب، وحصول ذلك الغُبَار، ولمنع وصول الثاني ولصوقه بالمحل.
ومن قال بالأول قال: الغبار الأول لا يمنع وصول الثاني، أو لا يمنع الوصول المعتبر، ولهذا لو غشيه غبار في تَقَلُّبهِ في السَّفَرِ، ثم تيمَّم، يصح تيممه، ولا يكلف نفض التراب أولًا، ثم إذا فرق في الضَّربتين وجوزنا ذلك، أو فرق في الضَّربة الثَّانية وحدها، فيستحب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين على الهيئة المذكورة احتياطًا، ولو لم يفرق فيهما، أو فرق في الأولى وحدها، وجب التخليل [آخرًا؛ لأن] (١) ما وصل إليه قبل مسح الوجه غير معتد به، ثم يمسح بعد ذلك إحدى الرَّاحلتين بالأخرى، وهو واجب، أو مُسْتَحَبٌّ فيه خلاف مبني على أن فرض الكفين هل يتأتَّى بضربهما على التُّراب، أم لا؟ وفيه وجهان:
منهم من قال لا؛ لأنه لو تأدَّى فرضهما حينئذ لما صلح الغبار الحاصل عليهما لموضع آخر؛ لأنه يصير بالانفصال عنه مستعملًا، ومنهم من قال وهو الأصح: نعم؛ لأنه وصل الطّهور إلى محل الطَّهَارة بعد النِّيّة، ودخول وقت طهارة ذلك المحلّ، فعلى هذا المسح آخرًا مستحب وعلى الأول (٢) هو واجب، هذا ما يتعلّق بهذه الهيئة.
والقدر الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، كيف ما كان، ولا يشترط أن يكون المسح باليد؛ بل لو مسح وجهه بِخِرْقَةٍ أو خشبة عليها تراب جاز، ولا يشترط الإمرار على أصح الوجهين كما ذكرنا في مسح الرأس، ولا يشترط أيضًا أَلاَّ يرفع عن العضو الممسوح حتى يستوعبه في أصح الوجهين:
_________________
(١) في ب: إلا أن ما وصل إليه.
(٢) في ب: الثاني.
[ ١ / ٢٤٣ ]
والثَّاني: يشترط؛ لأن التراب الباقي بالفصل يصير مستعملًا، فلا يصح تيمُّمه بالمردود حتى يأخذ ترابًا جديدًا، ومن قال بالأول أجاب بأنا إذا قلنا: إن المستعمل هو اللاَّصق بالعضو، والباقي غير مستعمل بحال.
وإن قلنا: إن المتنافر مستعمل قائمًا يثبت حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية، وأعرض المتيمم عنه؛ لأن في إيصال التراب إلى الأعضاء عسرًا سِيَّمًا مع رعاية الاقْتِصَارِ على الضَّرْبَتَيْنِ، فيعذر في رفع اليد وردها، كما يعذر في التَّقَاذُفِ الَّذي يغلب في الماء، ولا يحكم باستعمال المتقاذف -والله أعلم-.
ونعود إلى لفظ الكتاب في نَزْعِ الخَاتِمِ، وَتَفْرِيجِ الأصَابع.
قال: "فيضرب ضربة واحدة لوجهه، ولا ينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، وقد يوجد في بعض النسخ: "وينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، فعلى الأول المراد أنه لا يجب نَزْعُ الخاتم؛ لأن المقصود من الضربة الأولى مسح الوجه دون اليدين، وقد ذكرنا أن المَسْحَ لو كان بخرقة، ونحوها، جاز فعليه مَسْحُ بعض الوجه بما على الخاتم، وليس المراد أنه لا يجوز النَّزْع (١)، فإنه لا صائر إليه ولا وجه له بل يستحبُّ النزع ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعًا للسّنة.
وقوله: "ولا يفرج أصابعه"، يمكن أن يراد به أنه لا يجوز التَّفرِيجُ ذهابًا إلى ما صار إليه القَفَّال، ومن وافقه، لكنه لم يرد ذلك، لأنه نقل كلام القَفَّال في "الوسيط" واستبعده، وإنما أراد أنه لا يجب التَّفريج، وأنه لا يستحب، أو أنه يستحب ألا يفرج، فإن أراد الاحتمال الأول فلا كلام فيه، وإن أراد غيره فليكن مُعْلَمًا بالواو لما ذكرنا من رواية المازني، وتصحيح الأصحاب لها، وبينا أنه ظاهر المذهب، وأما من روى في الكتاب "وينزع خاتمه"، فذلك ظاهر، والمراد الاستحباب على ما سبق.
قال الغزالي: (السَّابعُ) التَّرْتِيبُ كَمَا فِي الوُضُوءِ.
قال الرافعي: التَّرتِيبُ مُعْتَبَرٌ بين الوجه واليدين، كما في الوضوء، وتركه ناسيًا حكمه على ما سبق في الوضوء، ولا يشترط الترتيب في أخذ التُّرَاب للعضوين على أصح الوجهين، حتى لو ضرب يديه على الأرض معًا وتمكن من مسح الوجه بيمينه، ومن مسح يمينه بيساره جاز؛ لأن الركن الأصلي هو المسح، وأخذ التراب ونقله وسيلة إليه، فلا يعتبر فيه ترتيب.
"خاتمتان":
_________________
(١) في ب: نزع الخاتم.
[ ١ / ٢٤٤ ]
إحداهما: قال جماعة من الأصحاب: أركان التَّيمم وفروضه خمسة، وحذفوا الركن الأول والثاني من السَّبعة التي عدها في الكتاب، والذي فعلوه أولى.
أما الركن الأول، فلأنه ما ساقه إلا للكلام في التراب المتيمم به، ولو حسن عد التُراب ركناَ في التَّيمم؛ لحسن عد الماء ركنًا في الوضوء، والغسل.
وأما الركن الثاني، فلأن القصد داخل في النفل، فإنه إذا نقل التراب على الوجه الذي سبق، وقد نوى التيمم كان قاصدًا إلى التُّراب لا محالة، وحذف بعضهم النفل أيضًا فاقتصر على أربعة والأكثرون عدوه ركنًا، وبنوا عليه أنه لو أحدث بعد أخذ التُّرَاب، وقبل أن يمسح به الوجه يبطل ما فعله، وعليه الأخذ ثانيًا، كما لو غسل في الوضوء وجهه، ثم أحدث، بخلاف ما إذا أخذ كفًا من الماء، ليغسل بها وجهه، فأحدث، ثم غسل الوجه، جاز؛ لأن القصد إلى الماء، ونقله لا يجب، وقياس ذلك أنه لا يضر عذوب النيّة بعد اقترانها بأخذ التراب، وهو وجه قدمناه.
لكن الأصح أنه لا بد من الاستصحاب إلى مسح بعض الوجه لما سبق، وإذا يممه غيره بإذنه، وهو عاجز أو قادر، وجوزناه، وأحدث أحدهما بعد الضرب، وأْخذ التراب، وقبل المسح، فقد ذكر القاضي في فتاويه أنه لا يضر ذلك؛ لأن الأذن لا يأخذ (١) حتى يبطل بحدثه، وحدث المأذون لا يؤثر في طهارة غيره، وهذا مشكل، بل ينبغي أن يبطل الأخذ بحدث الإذن، كما لو كان يتيمَّم بنفسه، ولهذا لو أحدث بعد مسح الوجه يبطل، ولا نقول إنه لم يمسح حتى يبطل بحدثه، ولو ضرب يده على بَشْرَةِ امرأة أجنبية عليها تراب، فإن كان كثيرًا يمنع تلاقي البشرتين فلا بأس، وإن كان قليلًا لا يجوز، لأن اللمس حدث، والحدث إذا قارن فعل الطهارة منع الاعتداد به، وفرق في التَّتمة بين أن يضرب اليد عليها في الضَّرْبَةِ الأولى، أو في الثانية، وقال: الأخذ للوجه صحيح، فإذا ضرب اليد عليها في المرّة الثانية بطل مسح الوجه، لأنه حدث طرأ في أثناء التَّيمم، والأول هو الوجه، فإن النفل من الأركان، فمقارنة الحدث له، كمقارنته لغسل الوجه في الوضوء، وهكذا أطلق القاضي في الفتاوى، وزاد بعضهم في الأركان طلب الماء وليس ذلك من نفس التيمم، فان المريض يتيمم كالمسافر، والطلب مخصوص بالمسافر، وما يختص به بعض المتيممين لا يكون من نفس مطلق التَّيمم.
الثانية: لم يفرد في الكتاب السُّنن بالذكر كما فعل في الوضوء وللتيمم سنن منها ما صار مذكورًا في كيفية مسح الوجه واليدين، ومنها التَّسْمِية، وتقديم اليمنى على اليسرى، ومنها إمرار التُّرَابِ على العضد، ذكره في التَّهذيب وغيره أنه مستحب، ونازع
_________________
(١) في ب: لم يؤخذ.
[ ١ / ٢٤٥ ]
بعضهم فيه، ومنها المُوَالاَةَ، وفيها قولان، كما في الوضوء، ويعتبر هاهنا مدة الجَفَافِ لو كان المستعمل ماء، هذا إذا اعتبرنا، ثم الجفاف.
وحكى أبو عبد الله الحناطي هاهنا طريقة أخرى جازمة بأنها لا تشترط في التَّيمم.
وذكر القاضي ابن كج طريقة ثالثة جازمة بالاشتراط.
ومنها تخفيف التُّراب المأخوذ إذا كان كثيرًا بنفض اليدين.
ومنها أَلاَّ يرفع اليد عن العضو الممسوح حتى يتم مسحه، ومنها إلاَّ يُكَرِّرَ المسح، وفيه وجه ضعيف (١).
قال الغزالي: