قال الغزالي: وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ عَلَى مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ صَحِيحٍ فَالعَارِي عَنْ هذِهِ الصِّفَاتِ لاَ يُلْزَم فَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَتِمّ العَدَدُ بِهِ سِوَى المَرِيضِ لَكِن تَنْعَقِدْ لَهُ سِوَى المَجْنُونِ، وَلَهُمْ أَدَاءُ الظُّهْرِ مَعَ الحُضُورِ سِوَى المَرِيضِ فَإِنَّهُ إِذَا حَضَرَ لَزَمَهُ لِكَمَالِهِ.
قال الرافعي: مقصود الباب الكلام فيمن تلزمه الجمعة ومن لا تلزمه، وللزومها خمسة شروط:
أحدها: التكليف فلا جمعة على صبي ولا مجنون كسائر الصَّلوات، وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلاَّ أرْبَعَةً عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبيًّا أَوْ مَرِيضًا" (١) الثَّانِي الحرية [فلا تجب] (٢) على عبدٍ، خلافًا لأحمد في رواية، والأصح عنه أيضًا مثل مذهبنا لما ذكرنا من الخبر.
وأيضًا فقد روي عن جابر -رضي اِللهِ عنه- أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ عَلَى امْرَأْةٍ أو مُسَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَرِيضٍ" (٣)، ولا فرق في ذلك بين القِنّ والمدبّر والمكاتب.
الثالث: الذكورة؛ فلا جُمْعَة على امرأةِ، لما روينا من الخبرين، والخنثى المشكل كالمرأة، قاله صاحب "التهذيب" وغيره؛ لأنه يحتمل أن يكون أنثى فلا يلزمه بالشَّك.
الرابع: الإقامة فلا جمعة على مسافر؛ للخبر الثاني، فلو كان وقت الجمعة في بلد على طريقه استحب له حضورها، وكذلك القول في الصَّبِيِّ والعبد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٠٦٧) والدارقطني (٢/ ٣) ومن طريق آخر أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٨) وانظر خلاصة البدر المنير (١/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٢) في أ (فلا جمعة).
(٣) أخرجها الدارقطني (٣١٢) بإسناد ضعيف، ضعفه عبد الحق، وابن القطان، انظر خلاصة البدر (١/ ٢١٧).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الخامس: الصِّحة فلا جمعة على مريض للخبرين، ولا فرق بين أن تفوت الجمعة بتخلفه لنقصان العدد دونه وتمامه به، وبين أن لا تفوت ثم في الفصل صور:
إحداها: من فقد شرطًا من الشروط المذكورة كما لا تلزمه الجمعة لا يتم العدد به سوى المريض؛ لأنه متوطن ليس به نقيصة، وغيره إما ناقص أو غير متوطن، وفي معنى المرض أعذار نذكر في الفَصْل التالي لهذا الفَصْل فلا يجب على صاحبها الجمعة، وتَنْعقد به، وقوله: "فالعاري عن هذه الصفات" أي عن مجموعها، وقد يوجد فيه بعضها وقد لا يوجد شيء منها، وقوله: "لم يتم العدد به" معلم بالحاء، وقوله: "سوى المريض" بالواو، لما سبق في الشرط الرابع للجمعة.
الثانية: من لا تلزمه الجمعة، إذا حَضَر الجمعة وصلاها انعقدت له وأجزأته لأنها أكمل في المعنى، وإن كانت أقصر في الصورة، فإذا أجزأت الكاملين الدين لا عذر لهم، فلأن تجزي أصحاب العذر كان أولى، ويستثنى عن هذا المجنون، فإنه لا اعتداد لفعله.
الثالثة: الدين لا تلزمهم الجمعة إذا حضروا الجامع، هل لهم أن ينصرفوا ويصلؤا الظهر؟ أما الصبيان والنّسوان والعبيد والمسافرون فلهم ذلك؛ لأن المانع من وجوب الجمعة عليهم الصّفات القائمة بهم، وهي لا ترتفع بحضورهم، وأما المرضى فقد أطلق كثيرون في أنه ليس لهم بعدما حضروا الانصراف، وتلزمهم الجمعة؛ لأن المانع في حقهم المشقة فقد ارتفع هذا المانع وتعب العود، لا بد منه، سواء صلى الجمعة أو الظهر.
وفَصَّل إمام الحرمين فقال: إذا حَضَرَ المريض قبل دخول الوقت فالوجه القطع بأن له أن ينصرف، وإن دخل الوقت وقامت الصَّلاة لزمه الجمعة، وإن كان يَتَخَلَّل زمان بين دخول الوقت وبين الصلاة، فإن لم يلحقه مزيد مَشَقَّة في الانتظار حتى تقام الصَّلاة لزمه ذلك، وإن لَحِقَهُ لم يلزمه، وهذا تفصيل فقيه، ولا يبعد أن يكون كلام المطلقين منزلًا عليه، وألحقوا بالمرضى أصحاب المعاذير الملحقة بالمرض، وقالوا: إنهم إذا حضروا لزمهم الجمعة، ولا يبعد أن يكون هذا على التَّفْصِيل أيضًا؛ إن لم يزدد ضرر المعذور بالصَّبْرِ إلى إقامة الجمعة، فالأمر كذلك، وإن زاد فله الانصراف وإقامة الظهر في منزله، وذلك لكما في الخائف على ماله، ومهما كانت مدة غيبته أطول كان احتمال الضياع أقرب، وكذلك الممرض يزداد ضرره بالانتظار، والله أعلم. وهذا كله فيما قبل الشّروع في الجمعة، فأما إذا أحرم الدين لا تلزمهم الجمعة بالجمعة ثم أرادوا الانصراف قال في "البيان": لا يجوز ذلك للمسافر والمريض، وذكر في العبد والمرأة وجهين عن حكاية الصيمري (١) وقوله في الكتاب: "ولهم أداء الظهر مع الحضور" يجوز أن يعلم
_________________
(١) قال النووي: الأصح أنه لا يجوز لهما، لأن صلاتهما انعقدت عن فرضهما، فيتعين إتمامها، وقد =
[ ٢ / ٢٩٨ ]
بالواو؛ لأنه لم يستثن عنه إلا المريض، وقد خرج صاحب "التلخيص" في العبد أنه تلزمه الجمعة، إذا حضر كالمريض، قال، في "النهاية" وهذا غلط باتفاق الأصحاب، ولا يوجد في جميع نسخ كتابه، فلعله هفوة من ناقل.
قال الغزالي: وَيلْتَحِقُ بِعُذْرِ المَرَضِ المَطَرُ وَالوَحْلُ الشَّدِيدُ، وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنَ المُرَخَّصَاتِ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ، وَيتْرُكُ بِعُذْرِ التَّمْرِيضِ أَيْضًا إِذَا كَانَ المَرِيضُ قَرِيبًا مُشْرِفًا عَلَى الوَفَاةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الزَّوْجَةُ وَالمَمْلُوكُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِفًا وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِحُضُورِهِ ضَرَرٌ لَمْ يَجُزِ التَّرْكُ، وَإِنْ انْدَفَعَ بِهِ ضَرَرٌ جَازَ.
قال الرافعي: ما يمكن فرضه في صَلاة الجُمُعة من الأعذار المرَخَّصة في ترك الجماعة يرخص في ترك الجمعة أيضًا، وهذا القيد لا بد منه، وإن أطلق قوله: "وكل ما ذكر من المُرَخَّصَات في ترك الجماعة" لأن مما ذكر من المرخصات الريح العاصفة، وهي مرخصة بِشَرْط كونها في اللَّيْلِ، وهذا الشَّرْط لا يتصور هَاهُنَا، وقد سبق شرح تلك الأعذار، وكنا أخرنا عنها الكلام في شيئين فنذكرهما.
أحدهما: الوحل الشديد، وفيه وجهان:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه عذر لقوله -ﷺ-: "إِذَا ابْتُلَّتِ النّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ" (١).
والثاني: ليس بعذر؛ لأن له عدة دافعة، وهي الخفاف والصَّنَادل، وهذا يشكل بالمطر، وذكر في "العدة" وجهًا فارقًا، وهو أن الوحل ليس بعذر في صلاة الجُمُعَة، وهو عذر في ترك الجماعة في سائر الصَّلَواتِ، لأنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مَرَّات، قال: وبهذا أفتى أئمة طبرستان.
والثاني: التمريض والمريض، لا يخلو إما أن يكون له من يتعهده [أو لا يكون.
القسم الأول: أن يكون له من يتعهده] (٢) ويقوم بأمره فينظر: إن كان قريبًا وهو مشرف على الوفاة فله أن يتخلف عن الجمعة ويحضر عنده، روي أن ابن عمر -﵄- "تَطَيَّبَ لِلْجُمُعَةِ، فَأُخْبِرَ أَن سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ -﵁- مَنْزُولٌ بِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا لَهُ فَأَتَاهُ وَتَرَكَ الْجُمُعَةِ" (٣)، والمعنى فيه شغل القلب السالب للخشوع لو حضر،
_________________
(١) = قدمنا أن من دخل في فرض لأول الوقت، لزمه إتمامه على المذهب والمنصوص فهنا أولى. الروضة (١/ ٥٤٠).
(٢) تقدم.
(٣) سقط من "ب".
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٩٠).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فإن لم يكن مشرفًا على الوفاة لكن كان يستأنس به، فله أن يتخلف أيضًا ويمكث عنده ذكره في "التهذيب"، وإن لم يكن استئناس أيضًا فليس له التخلف، وحكى أصحابنا العراقيون عن ابن أبي هريرة وجهًا آخر، أن له [التخلف] (١) عند شِدَّة المرض لشغل القلب بشأنه، وإن كان المريض أجنبيًّا لم يجز التخلف للحضور عنده في هذا القسم بحال، وفي معنى القريب المملوك والزوجة وكل من بينه وبينه مصاهرة، وذكر المحاملي وغيره أن الصَّديق أيضًا كالقريب.
القسم الثاني: أن لا يكون للمريض متعهد، قال الإمام: إن كان يخاف عليه الهلاك، لو غاب عنه، فهو عذر في التخلف، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، فإن إنقاذ المسلم من الهلاك من فروض الكفايات، وإن كان يلحقه بغيبته ضرر ظاهر، لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفايات، ففيه وجوه:
أصحها: أنه عذر أيضًا، فإن دفع الضرر عن المسلم من المهمات.
والثاني: أنه ليس بعذر؛ لأن ذلك مما يكثر وتجويز التخلف له قد يتداعي إلى تعطيل الجمعة.
والثالث: الفرق بين القريب والأجنبي لزيادة الرّقة والشفقة على الغريب، ولو كان له متعهد، لكن لم يتفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية أو بشراء الكفن وحفر القبر، إذا كان منزولًا به فهو كما لو لم يكن متعهد.
وقوله في الكتاب: (وإن لم يكن مشرفًا) المراد منه، وإن لم يكن المريض مشرفًا، ولو قدر أن المراد وإن لم يكن القريب مشرفًا لزم أن يكون لفظ الكتاب ساكتًا عن حكم الأجنبي مع أن الحكم المرتب على قوله: "وإن لم يكن مشرفًا" يستوي فيه القريب والأجنبي.
وقوله: (ولم يندفع بحضوره ضرر) يدخل فيه ما إذا كان مستغنيًا في تلك الحالة عن خادم ومتعهد، وما إذا كان له متعهد يراعيه.
وقوله: (وإن اندفع به ضرر جاز) جواب (٢) على الوجه الأصح، وينبغي أن يكون معلمًا بالواو؛ لما ذكرنا.
ويجب على الزَّمن أن يحضر الجمعة، إذا وجد مركبًا ملكًا أو إجارة أو عارية، ولم يشق عليه الركوب، وكذا الشيخ الضعيف ويجب أيضًا على الأعمى إذا وجد قائدًا متبرعًا أو بأجرة، فله مال، فإن لم يجد قائدًا لم يلزمه الحضور، هكذا أطلق الأكثرون،
_________________
(١) في "ب": له أن يتخلف.
(٢) في "ب": الجواب.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وعن القاضي الحسين أنه إن كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمه ذلك، وعن أبي حنيفة أن الجمعة لا تجب على الأعمى بحال.
قال الغزالي: فُرُوعٌ، فِي صِفَاتِ النُّقْصَانِ: مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنصْفُهُ رَقِيقٌ كَالرَّقِيقِ، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ الوَاقعَةُ فِي نَوْبَتِهِ عِنْدَ المُهَايَأة.
قال الرافعي: المسائل المذكورة من هذا الموضع إلى آخر الباب متفرعة على صفات النقصان، ومتعلقة بها، وقد عدها في "الوسيط" ستة فروع:
وأحدها: ظاهر المذهب أن من بعضه حر وبعضه رقيق لا تلزمه الجمعة، كما لو كان كله رقيقًا؛ لأن رق البعض يمنع من الكمال والاستقلال، وذلك معتبر في لزوم الجمعة، ولهذا لا تجب على المكاتب، وفيه وجه أنه لو جرى بينه وبين السيد مهايأة تلزمه الجمعة الواقعة في نوبته؛ لاستقلاله في ذلك اليوم، وضعفه الإمام بأن قال: مثل هذا الشخص مدفوع في نوبة نفسه إلى الجد في الكسب لنصفه الحر، فهو في شُغْلٍ شَاغِلٍ لمكان الرق، قال: ولا شَكَّ في أن الجمعة لا تنعقد به والخلاف في الوجوب عليه.
قال الغزالي: وَالمُسَافِرُ إِذَا عَزَمَ عَلَى الإِقَامَةِ بِبَلْدَةٍ مُدَّةً لَزِمَتْهُ الجُمُعَةُ ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ العَدَدُ بِهِ.
قال الرافعي: الثاني: الغرباء إذا أقاموا ببلدة نظر إن اتخذوها وطنًا فحكمهم حكم أْهلها تلزمهم الجمعة ويتم العدد بهم، وإن لم يتخذوها وطنًا بل عزمهم الرجوع إلى بلادهم بعد مدة قصيرة أو طويلة، كالمتفقه والتجار فهؤلاء تلزمهم الجمعة إذا استجمعوا صفات الكمال؛ لأنهم ليسوا بمسافرين، فلا يترخصون بترك الجمعة، كما لا يترخصون بالقَصْرِ والفِطْر، وهل يتم عدد الجمعة بهم؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال ابن أبي هريرة-: نعم؛ لأن من وجبت عليه الجمعة انعقدت به كالمتوطن.
وأصحهما -وبه قال أبو إسحاق، وهو المذكور في الكتاب-: لا، واحتجوا له بأن النبي -ﷺ- لم يجمع في حجَّة الوداع وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة (١)، وإنما لم يجمع؛ لأنه وَمَنْ معه لم يكونوا متوطنين، وإن عزموا على الإقامة أيامًا، ولا يخفى مما ذكرنا أن قوله في الكتاب: "وإن عزموا على الإقامة مدة" المراد منه مدة ينقطع بعزم إقامتها حكم السفر لا كاليوم واليومين، وقوله: (لزمه الجمعة) قريب من التكرار؛ لأنه
_________________
(١) سيأتي في الحج.
[ ٢ / ٣٠١ ]
معلومٌ من قوله في أول الباب: "ذكر حر صحيح مقيم" فإنه يبين لزومها على المقيم عند اجتماع سائر الشرائط وهذا مقيم.
قال الغزالي: وَأَهْلُ القُرَى لاَ تَلْزَمُهُمُ الجُمُعَةُ إلاَّ إِذَا بَلَغُوا أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ أو بَلَغَهُمْ نِدَاءُ البَلَدِ مِنْ رَجُلٍ رَفِيعِ الصَّوْتِ وَاقِفٍ عَلَى طَرَفِ البَلَدِ في وَقتْ هُدُوِّ الأَصْوَاتِ وَرُكُودِ الرِّيَاحِ.
قال الرافعي: الثالث: القرية: إما أن يكون فيها أربعون من أهل الكمال أو لا يكون، فإن كان فيها أربعون من أهل الكمال لزمتهم الجمعة كأهل البلاد إذا أقاموا الجمعة في موضعهم فذاك، وإن دخلوا المصر وصلُّوها سقط الفرض عنهم ولو كانوا مسيئين؛ لتعطيلهم الجمعة في إحدى البقعتين، وحكى في "البيان" وجهًا، أنهم غير مسيئين؛ لأن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- لا يجوز إقامة الجمعة في القرى، ففيما فعلوه خروج عن الخلاف، وإن لم يكن فيها أربعون من أهل الكمال، فإما أن يبلغهم النِّدَاء من حيث تقام الجمعة فيه من بلد أو قرية، وإما أن لا يبلغهم، فإن بلغهم فعليهم الجمعة؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" (١) والمعتبر نداء مؤذن على الصَّوْت يقف على طرف البلد من الجانب الذي يلي تلك القرية ويؤذن على عادته، والأصوات هادئة والرياح ساكنة (٢)، فإذا سمع صوته بالقرية من أصغى إليه ولم يكن أصم ولا جاوز حدة سمعه العادة، وجبت الجمعة على أهلها، وإنما كان الاعتبار من الطَّرَف الذي يلي تلك القريةِ، لأن البلدة قد تكون كبيرةً لا يبلغ النداء من وسطها إلى أْطرافها، فاعتبر آخر موضع يصلح لإقامة الجمعة فيه احتياطًا للعبادة، وفيه وجه آخر أنه يعتبر من وسط البلد، ووجه آخر أنه يعتبر من الموضع الذي تقام فيه الجمعة فليكن قوله: "على طرف البلد" معلمًا بالواو؛ لهذين الوجهين، وهل يعتبر أن يكون المنادي على موضعِ عال كمنارة وسور؟
قال الأكثرون: لا يعتبر ذلك؛ لأن حد الارتفاع لا ينضبط، وعن القاضي أبي الطيب أنه قال: سمعت شيوخنا يقولون: لا يعتبر إلا بطبرستان، فإنها بين رياض وأشجار تمنع من بلوغ الصوت، فينبغي أن يعلو عليها، ولو كانت القرية على قلة جبل سمع أهلها النِّداء لعلوها، ولو كان على استواء الأرض لما سمعوا، أو كانت في وهدة من الأرض لم يسمع أهلها النداء لانخفاضها، ولو كانت على استواء الأرض لسمعوا ففيه وجهان:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٠٥٦) من رواية عمرو بن العاص بإسناد ضعيف، ثم قال: وقفه هو الصحيح، قال ابن القطان: فيه مجاهيل.
(٢) في أ (راكدة).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
أظهرهما -وبه قال القاضي أبو الطَّيِّبَ-: لا تجب الجمعة في الصورة الأولى، وتجب في الثَّانِيَة اعتبارًا للسماع بتقدير الاستواء وإعراضًا عما يعرض بسبب الانخفاض والارتفاع كما يعتبر ركود الرياح، ولا ينظر إلى السَّمَاع العارض لشدتها.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: أن الحكم على العكس نظرًا إلى نفس السَّماع وعدمه، وإن لم يبلغ النداء أهل القرية فلا جمعة عليهم؛ لظاهر الخبر الذي سبق، وأهل الخيام إذا لزموا موضعًا (١) ولم يبرحوا عنه، وقلنا: إنهم لا يقيمون الجمعة في ذلك الموضع، فهم كأهل القرى إذا لم يبلغوا أربعين من أهل الكمال، إن سمعوا النِّدَاء لزمتهم الجمعة، وإلا فلا.
وقوله: "إلا إذا بلغوا" معلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا استثناء أصْلًا، ولا تلزم الجمعة أهل القرى بحال، سواء بلغهم النداء أو لم يبلغهم، بلغوا عدد الكمال أم لا، وإنما تلزم الجمعة أهل الأمصار الجامعة، والمصر الجامع عنده أن يكون فيه سلطان قَاهِر، وطبيب حَاذِقٌ، ونهرٌ جارٍ وسوقٌ قائمة.
وقوله: "أو بلغهم النداء" يجوز أن يعلم بالميم والألف، لأن مالكًا وأحمد لا يكتفيان بمجرد بلوغ النِّداء، ويعتبران كونه على ثلاثة أميال فما دونها.
وعن أحمد رواية أخرج أن المسافة لا تتقدر كما هو مذهب الشافعي -﵁- وقوله: (من البلد) ليس لتخصيص الحكم بالبلد، بل لو بلغهم من قرية تقام فيها الجمعة كان كذلك.
قال الغزالي: وَالعُذْرُ الطَّارِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ مُرَخِّصٌ إلاَّ السَّفَرَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِنْشَاؤُهُ، وَفِي جَوَازِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الفَجْرِ قَوْلاَنِ: أَقْيَسُهُمَا الجَوَازُ، ثُمَّ المَنْعُ في سَفَرٍ مُبَاحٍ، أَمَّا الوَاجِبُ وَالطَّاعَةُ فَلاَ مَنْعَ مِنْهُمَا.
قال الرافعي: الرابع: العذر المبيح لترك الجمعة يبيحه، وإن طرأ [العذر] (٢) بعد الزَّوال لكن السفر يحرم إنشاؤه بعد الزوال، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يجوز إلا أن يضيق الوقت بناءً على أن الصلاة تجب بآخر الوقت.
لنا أن الجمعة قد وجبت عليه، فلا يجوز الاشتغال بما يؤدي إلى تركها كالتجارة واللَّهْو، وهذا مبني على أن الوجوب بأول الوقت، وقد سبق في موضعه.
فإن قيل: الوجوب وإن ثبت في أول الوقت، لكن مُوَسَّعٌ فلم يمتنع السفر قبل التضيق.
_________________
(١) في "ط": موضعها.
(٢) سقط في "ط".
[ ٢ / ٣٠٣ ]
قلنا: الناس في هذه الصُّورة تَبَعُ الإمام، فلو عجلها (١) تَعَيَّنَت متابعته، وسقط خيرة الناس، وفيه وإذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة فيتعين عليه انتظار ما يكون، ذكر هذا الجواب إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وأما قبل الزوال وبعد طلوع الفجر الثاني هل يجوز إنشاء السَّفَر؟ فيه قولان:
قال في القديم وَحَرْمَلَة: يجوز، وبه قال مالك، وأبو حنيفة -رحمهما الله-، لأنه لم يدخل وقت وجوب الجمعة، فأشبه السَّفر قبل طلوع الفجر.
وقال في الجديد: لا يجوز، قال أصحابنا العراقيون: وهو الأصح؛ لأن الجمعة وإن كان يدخل (٢) وقتها بالزَّوال، فهي مضافة إلى اليوم، ولذلك يعتد بغسل الجمعة قبل الزَّوال، ويجب السَّعْي إليها لمن بعد داره قبل الزَّوَال، وعن أحمد روايتان كالقولين:
أظهرهما: المنع، وحكى في "النهاية" طريقة أخرى قاطعة بالجواز مؤولة قول المنع.
ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "قولان" بالواو، إشارة إليها، ويجوز أن يعلم لفظ "الجواز" (٣) من قوله: (أقيسهما الجواز) بالألف إشارةً إلى الظَّاهِرِ من مذهب أحمد، والحكم بأن الجواز أقيس لا ينافي كون المنع أظهر؛ لأنه قد يكون أحد طرفي الخلاف أقرب إلى القياس، وإن كان الثَّاني أظهر، فإذا ليس ما في الكتاب مخالفًا لما قاله العراقيون، وذكر في "العدة" أن ظاهر مذهب الشَّافعي -﵁- قوله الجديد، والفتوى على القديم وهو الجواز، ثم للقولين شروط (٤):
أحدها -وقد ذكره في الكتاب-: أن يكون السفر مباحًا كالزيارة والتجارة، أما لو كان واجبًا كالحَجِّ والجهاد في بعض الأحوال أو مندوبًا فلا منع منهما، وذلك ليس موضع القولين، هكذا قاله كثير من أئمتنا. واحتجوا عليه بما روي أن النبي -ﷺ- بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ -﵁- فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَغَدا أَصْحَابُهُ، وَتَخَلَّفَ هُوَ لِيصَلِّي، وَيَلْحَقَهُم فَلَمَّا صَلَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا خَلَّفَكَ، قالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ، ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَزْوَتهِمْ (٥).
وفي كلام العراقيين وإيرادهم ما يوجب طرد الخلاف في سفر الغزو والله أعلم.
_________________
(١) في "ط": عجلتها.
(٢) في "ط": يخل.
(٣) في أالكتاب.
(٤) في "ط": شرط.
(٥) أخرجه الترمذي ص (١٦٤٩) وأحمد (١٩٦٦) والطبراني (١٢٨١).
[ ٢ / ٣٠٤ ]
والمراد من الطَّاعة في لفظ الكتاب المندوب، وإلا فالواجب طاعة أيضًا، وهل كون السَّفَر طاعة عذر في إنْشَائه بعد الزوال؟ المفهوم من كلام الأصحاب أنه ليس بعذر، ورووا عن أحمد أنه عذر.
والثاني: أن لا ينقطع عن الرفقة، ولا يناله ضَرَرٌ لو تَخَلَّفَ إلى أن يصلّي الجمعة، فإما إذا انقطع وفات سفره بذلك أو ناله ضرر، فله الخروج بلا خلاف، وكذلك الحكم لو كان الخروج بعد الزَّوال، وقد عددنا ذلك من الأعذار في الصَّلاة بالجماعة، ورأيت في كشف "المختصر" للشيخ أبي حاتم القزويني، ذكر وجهين في جواز الخروج بعد الزوال لِخوف الانقطاع عن الرفقة.
والثالث: أن لا يمكنه حضور الجمعة في منزله وطريقه، فأما إذا أمكن ذلك فلا منع بحال (١).
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُرْجَى زَوَالُ عُذْرِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهرَ إِلَى اليَأْسِ عَنْ دَرْكِ الجُمُعَةِ، وَمَنْ لاَ يَرْجُو فَلْيُعَجِّلِ الظُّهْرَ كَالزَّمَنِ، فَإِنْ زَالَ العُذْرُ بَعْدَ الفَرَاغِ فَلاَ جُمُعَةَ (ح) عَلَيْهِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَزَوَالُ العُذْرِ فِي أَثْنَاءِ الظُّهرِ كَرُؤْيَةِ المُتَيَمِّمِ المَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: الخامس من الفروع: المعذرون، وهما ضربان: معذور يرجو زوال عذره، كالعبد يتوقع العتق، والمريض الذي يتوقع الخِفَّة، فالمستحب له تأخير الظُّهْر إلى اليأس من إدراك الجمعة، لأنه رُبَّمَا يزول العذر، وَيتَمَكَّن من فرض أهل الكمال، ومتى رفع الإمام رأسه من الرّكُوعِ الثَّانِي فقد حَصَل اليأس عن إدراك الجمعة، وعن بعض الأصحاب أنه يراعي تصور الإدراك في حق كل أحد، فإذا كان منزله بعيدًا وانتهى الوقت إلى حد لو أخذ في السَّعْيِ لم يُدْرِك الجمعة فقد حصل الفوات في حقه، هذا أحد الضربين.
والثاني: معذورٌ لا يرجي زوال عذره كالمرأة والزَّمِن، فالأولى له أن يُصَلِّي الظُّهْرَ في أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ لأنه آيس من درك الجمعة فيحافظ على فضيلة الأولية (٢)، وإذا اجتمع
_________________
(١) قال النووي: تحريم السفر المباح. والطاعة قبل الزوال، وحيث حرمناه بعد الزوال فسافر، كان عاصيًا، فلا يترخص ما لم تفت الجمعة، ثم حيث كان فواتها يكون ابتداء سفره، قاله القاضي حسين وصاحب "التهذيب" وهو ظاهر. الروضة (١/ ٥٤٤).
(٢) قال النووي: هذا اختيار أصحابنا الخراسانيين، وهو الأصح، وقاله العراقيون: هذا الضرب كالأول فيستحب لهم تأخير الظهر لأن الجمعة صلاة الكاملين فقدمت، والاختيار التوسط فيقال: إن كان هذا الشخص جازمًا بأنه لا يحضر الجمعة، وإن تمكن منها، استحب تقديم الظهر، وإن كان لو تمكن أو نشط حضرها، استحب التأخير كالضرب الأول. الروضة (١/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
معذورون فَهَلْ يستحب لهم الجماعة في الظُّهْرِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل الجماعة في هذا اليوم شِعَار الجُمُعَة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
وأصحهما: نعم؛ لعموم الترغيبات الواردة في الْجَماعة، وعلى هذا فَقَدْ نَصَّ الشَّافعي -﵁- على أن المستحب لَهُم الإخفاء حتى لا يتهموا، بالرَّغْبَة عن صَلاَة الإمام، وحمل الأصحاب ما ذكره على ما إذا كان العذر (١) خَفِيًّا، أما إذا كان ظاهرًا فلا تهمة، ومنهم من لم يفصل واستحب الإخفاء مطلقًا، ولو صلى المعذور الظُّهْرَ قبل فوات الجُمُعَة صَحَّت، فإنها فَرْضُه، ولو زال العُذْر وأمكنه حضور الجمعة لم يلزمه ذلك؛ لأنه أدَّى فرضه وقته.
ومثال ذلك المريض يبرأ والمسافر يقيم والعبد يعتق، ويستثنى عن هذا الأصل صورة ذكرها في البيان، وهي أن يصلي الخُنْثَى الظهر، ثم يتبين أنه رَجُل قبل فوات الجُمُعة، تلزمه الجمعة؛ لأنه تبين كونه رَجُلًا حين صَلَّى الظُّهر، ومثل هذا لا يفرض في سائر المعذورين، وأما الصبي إذا صَلَّى الظُّهر ثم بلغ لم تلزمه الجمعة على ظاهر المذهب كسائر المعذورين، والمسألة مكرَّرة في هذا الموضع، فذكرها والخلاف فيها في بابت المواقيت، ثم هي داخلة في مطلق قوله: (فإن زال العذر إلى آخره) فلو طَرَحها لما ضَرَّ من وجهين، وإذا لم يفعل فيجوز أن يكون قوله: (وكذا الصَّبِيُّ) مرقومًا بالحاء والواو لما بَيَّنَّاه، ثم هؤلاء يستحب لهم حضور الجمعة، وإن لم يلزم، وإذا صلوا الجمعة فالفرض هو الظهر السابقة، أو يحتسب الله تعالى بما شاء منهما؛ فيه قولان أصحهما أولهما.
قال أبو حنيفة: إذا سَعَى إلى الجمعة بعد الظُّهْرِ بطل ظهره، ولو زال العذر في أثناء الظُّهْرِ، فقد قال إمام الحرمين: أجرى القفال ذلك مجرى ما لو رأى المتيمم الماء في الصَّلاة، وهذا يقتضي إثبات الخلاف في البطلان، لما ذكرناه في رؤية المتيمم الماء في الصَّلاة، وقد صَرَّح الشيخ أبو محمد، فيما علق عنه حكاية وجهين في هذه المسألة، وظاهر المذهب استمرار الصَّلاة على الصِّحة، قال الإمام: وهذا الخلاف، مبني على قولنا: "إن غير المعذور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة" فإن صححنا فلا نحكم بالبُطْلاَن بِحَالٍ.
قال الغزالي: وَغَيْرُ المَعْذُورِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الجُمُعَةِ فَفَي صِحَّتِهِ قَوْلاَنِ فَإِنْ
_________________
(١) في "ب": عذرهم.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قُلْنَا: يَصِحُّ فَفِي سُقُوطِ الْخِطَابِ بِالجُمُعَةِ قَوْلاَن، وإنْ قُلْنَا: لاَ تَسْقُط فَصَلَّى الجُمُعَةَ فَالفَرْضُ هُوَ الأوَّلُ أَوِ الثَّاني أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا لاَ بعَيْنِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
قال الرافعي: السادس: من لا عُذْرَ بِهِ إذا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ فوات الجُمُعة، ففي صِحَّة ظهره قولان:
القديم -وبه قال أبو حنيفة-: أنها تَصِحّ
والجديد -وبه قال مالك وأحمد-: لا تصح.
وذكر الأصحاب أن القولين مبنيان على أن الفرض الأصلي يوم الجمعة ماذا؟ فعلى القديم الفرض الأصلي الظهر؛ لأنه إذا فاتت الجُمُعَة فعليه قضاء أربع ركعات، ولو كان فرض اليوم الجمعة لما زادت ركعات القضاء، وعلى الجديد الفرض الأصلي هو الجُمُعَة، للأخبار الواردة فيها، ولأنه لو كان الأصل الظُّهر، لكانت، الجمعة بدلًا، ولو كان كذلك، لجاز له ترك البدل، والاستقلال بالأصل كمن ترك الصَّوْمَ في الكَفَّارة، وأعتَق، ومعلومٌ أنه ممنوع من ذلك، وهل يجري القولان فيما إذا ترك أهل البلدة كلهم الجُمُعَة وصلُّوا [الظهر] (١) أم يختص بما إذا صَلَّى الآحاد الظهر مع إقامة الجمعة في البلدة؟ حكي في "المهذب" عن أبي إسحاق أن ظهر أهل البلدة مجزئة، وإن أثموا بترك الجمعةِ، لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة، قال: والصَّحيح أنه لا تجزئهم ظهرهم على الجديد؛ لأنهم صلوها وفريضة الجمعة متوجبة عليهم.
التفريع: إن قلنا بالجديد، فالأمر بحضور الجمعة قَائِم كما كان إن حضرها فذاك، وإن فاتت قَضَاها الآن أربعًا، وما فعله أولًا يبطل من أصله، أو يكون نَفْلًا؛ فيه القولان المشهوران في أمثاله وإن قلنا بالقديم، فهل يسقط الخطاب بالجمعة؟ قال في الكتاب: فيه قولان، وكذلك ذكره إمام الحرمين، جعل السقوط خارجًا على قولنا: إذا صلَّى الجُمَعة، بعد الظُّهْر أن فرضه الأول أو أحدهما، وعدم السقوط خارجٌ على قولنا: أن الفرض الثاني: أو أن كليهما فرض، والذي ذكره الأكثرون، تفريعًا على القديم أنه لا يسقط عنه الخطاب بالجُمُعة، ومعنى صحّة الظهر الاعتداد بها في الجملة، حتى لو فاتت الجمعة تجزئه الظُّهر السابقة، ثم إذا قلنا: لا يسقط عنه الخطاب بالجمعة، فَصَلَّى الجمعة، فقد قال الإمام: إن الشيخ أبا محمد ذكر فيه أربعة أقوال:
أحدها: أن المفروض هو الأول؛ لأنه لو اقتصر عليه لبرئت ذمته على القول الذي يتفرع عليه.
_________________
(١) سقط من "ط".
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والثاني: أن المفروض هو الثاني؛ لأنه به خرج عن الحرج.
والثالث: أنهما فرضان للمتعينين.
والرابع: أن الفرض أحدهما لا بعينه إذ المفروض في اليوم والليلة خمس صَلَوات، ونظير هذه الأقوال قد سبق فيمن صَلَّى منفردًا، ثم أدرك جماعة، ويشبه أن يكون بعضها منصوصًا، وبعضها غير منصوصًا، والذي نقله ابن الصباغ وغيره في المسألة تفريعًا على القديم إنما هو الرابع، وقال (١): يتحسب الله تعالى جدّه بما شاء منهما، وإذا أثبتنا الأقوال فينبغي أن لا نختص بقولنا: أن الخطاب بالجُمُعة لا يسقط عنه بل يطرد (٢) على قولنا بسقوط الخطاب بالجمعة أيضًا، كما إذا صَلَّى منفردًا وأعاد في جماعة فإنه غير مخاطب بالثَّاني، وهذا كله فيما إذا صلَّى الظُّهرَ قبل فَوَاتِ الجُمُعة، فإن صَلاَّهَا بعد الركوع الثَّاني للإمام وقبل فراغه، قال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي -﵁- يَدُلُّ عَلى الْمَنْع يعني في الجديد، ومن أصحابنا من يقول بالجواز، وفيما إذا امتنع أهل البلدة جميعًا من الجمعة وصلُّوا الظهر الفوات يكون بخروج الوقت أو ضيقه بحيث لا يسع الركعتين.