قال الغزالي: وَأكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَأَغْلَبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ (ز) وَالتَّعْوِيلُ فِيهِ عَلَى الوُجُودِ.
_________________
(١) النِفاس بكسر النون: الدم الخارج بعد الولد، مأخوذ من النَّفْس وهو الدم، وهو يخرج عقب النفس، يقال: نفست المرأة بضم النون وفتحها، والفاء مكسورة فيهما: إذا ولدت، انظر تحرير التنبيه (٥٢).
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال الرافعي: أكثر النِّفاس ستُّون يومًا، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، حيث قالا: أكثره أربعون يومًا، ورووا عن مالك فيه روايتين:
أحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى: أنه لا حد له، ويرجع إلى أهل الخبرة من النساء فتجلس أقصى ما يجلس النساء] (١).
لنا الرجوع إلى ما وُجدَ وَعُهِدَ كما ذكرنا في الحَيْض، وقد روى عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النِّفاس شهرين، وعن ربيعة: أدركت النساء يقلن أكثر ما تنفس المرأة ستُّون يومًا.
ولك أن تعلّم المسألة مع الحاء والألف والميم بالقاف؛ لأن أبا عيسى التِّرمذي روى في جامعه عن الشافعي -﵁- أن دم النِّفاس إذا جاوز الأربعين، لم تدع الصلاة بعد ذلك (٢)، فحصل قول على موافقتهم ووجهه ما روي عن أم سلمة -﵂- قالت: "كَانَتِ النَّفَسَاءَ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَرْبَعِينَ يَوْمًا" (٣).
وهذا على ظاهر المذهب محمول على الغالب ولا شك في أن غالب النّفاس أربعون يومًا.
وأما أقله فلا حد له. ويثبت حكم النّفاس لما وجدته قل أو أكثر، والمعنى فيه الرجوع إلى الوجود كما ذكرنا.
ولك أن تعلّم المسألة بالحاء، لأنه روى عن أبي حنيفة في أقل النّفاس ثلاث روايات:
إحداها: مثل مذهبنا وهي الأظهر.
والثانية: أنه أحد عشر يومًا.
والثالثة: خمسة وعشرون يومًا، وبالزاي لأن المُزْنِيَّ قال أقله أربعة أيام؛ لأن أكثر النّفاس، مثل أكثر الحيض أربع مرات فليكن أقله مع أقله كذلك.
واعلم أنه لا فرق في حكم النّفاس وبين أن يكون الولد حيًّا أو ميّتًا كامل الخِلْقَة أو ناقصها. ولو ألقت عَلَقَةَ أو مُضْغَةً، وقالت القوابل: إنه ابتداء خلق الآدمي، فالدم الذي تجده بعده نفاس ذكره في "التَّتمة".
_________________
(١) سقط في (ط).
(٢) انظر الجامع للترمذي (١/ ٢٥٨).
(٣) قال ابن الملقن: رواه أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وكذا صححه ابن السكن، وخالف ابن حزم، وابن القطان، وضعفاه والحق صحته، فقال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث. انظر الخلاصة (١/ ٨٣) التلخيص (١/ ١٧١).
[ ١ / ٣٥٦ ]
قال الغزالي: فَإنْ رَأَتْ قَبْلَ الوِلاَدَةَ دَمًا عَلَى أَدْوَارِ الحَيْضِ، فَلَهُ حُكْمُ الحَيْضِ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، إلاَّ فِي انْقِضَاءِ العِدَّةِ بِهِ، فَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسًا وَتَطْهُرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَحَاضَتْ خَمْسًا وَوَلَدَتْ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الطُّهْرِ فَمَا بَعْدَ الوَلَدِ نِفَاسٌ، وَنقْصَانُ الطُّهْرِ قَبْلَهُ لاَ يَقْدحُ فِي إفْسَادِهِ وَلاَ فِي إفْسَادِ الحَيْضِ المَاضِي؛ لِأَنَّ تَخَلُّلَ الوِلاَدَةِ أَعْظَمُ مِنْ طُولِ المُدَّةِ، وَلَوْ اتَّصَلَتِ الوِلاَدَةُ بِآخِرِ الخَمْسَةِ وَجَعَلْنَاهَا حَيْضًا فَلاَ نَعُدُّهَا مِنَ النِّفَاسِ، وَلاَ نَقُولُ: هُوَ نِفَاسٌ سَبَقَ، وَكَذَلِكَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الدَّمِ فِي حَالِ ظُهُورِ مَخَايِلِ الطَّلْقِ.
قال الرافعي: ما تراه الحامل من الدم على ترتيب أدوار الحيض هل هو حيض أم لا؟ قال في القديم: لا، بل هو دم فساد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لقوله -ﷺ-: "لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" (١).
جعل الحيض دليلًا على براءة الرحم، فلو قلنا: الحامل تحيض لبطلت دلالته، ولأن فم الرحم ينسد بالحمل فيمتنع خروج دم الحيض، فإن الحيض يخرج من أقصى الرحم.
وقال في الجديد: هو حيض، وبه قال مالك لقوله -ﷺ-: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" (٢).
أطلق ولم يفصل بين الحامل والحائل، ولأنه دم في أيَّام العادة بصفة الحيض على قدره فجاز أن يكون حيضًا كدم الحامل والمرضع ولا فرق على القولين بين ما تراه قبل حركة الحمل وما تراه بعدها، ومنهم من قال القولان فيما بعد حركة الحمل أما من وقت العلُوق إلى الحركة، فهو كحال الحيال.
فإن قلنا: إنه ليس بحيض فهو حدث دائم كسلس البول. وإن قلنا: إنه حيض حرم فيه الصّلاة والصّوم والوطء، ويثبت جميع أحكام الحيض، إلا أنه لا يحرم فيه الطلاق، ولا تنقضي به العدّة.
قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣).
ثم إن هذا القول في الدّم من التي ولدت بعد خمسة عشر فصاعدًا من وقت
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١٥٧) وأحمد في المسند (٣/ ٦٢) أعله عبد الحق، وابن القطان، انظر الخلاصة (١/ ٨٣).
(٢) تقدم.
(٣) سورة الطلاق، الآية ٤.
[ ١ / ٣٥٧ ]
انقطاعه، أما إذا ولدت قبل تمام خمسة عشر من انقطاعه، فهل يكون حيضًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يتخلّل بينه وبين النّفاس طهر كامل.
وأصحّهما: أنه حيض أيضًا على هذا القول؛ لأنه قد تقدمه طهر كامل ونقصان الطهر إنّما يؤثر فيما بعده لا فيما قبله وهاهنا لم يؤثر فيما بعده؛ لأن ما بعد الولد نفاس بلا خلاف، فأولى أن لا يؤثر فيما قبله، وعند هذا لا نسلم اشتراط تخلّل الطهر الكامل بين الدمين مطلقًا، وإنما يشترط ذلك إذا كان كل واحد منهما حيضًا وهاهنا أحدهما نفاس.
ولو رأت الحامل الدم على عادتها وولدت على الاتصال بآخره ولم يتخلل طهر أصلًا ففيه هذان الوجهان، ولا خلاف في أن ذلك الدم لا يعد من النفاس؛ لأن النفاس لا يسبق الولادة، بل هو عند الفقهاء عبارة عن الدم الذي يخرج عقب الولادة، ولهذا قطع معظم الأصحاب، بأن ما يبدو عند الطَّلق ليس بنفاس أيضًا، وقالوا: ابتداء النفاس يحسب من وقت انفصال الولد.
وحكى صاحب "الإفْصَاح" وجهًا فيما يبدو عند الطلق: أنه نفاس لأنه من آثار الولادة، ثم على طريقة المعظم، كما لا نجعل ذلك الدم نفاسًا لا نجعله حيضًا كذلك، ذكره القاضي أبو المكارم (١) في العدة، ورأيته لأبي عبد الله الحناطي أيضًا.
وحكى مع ذلك وجهًا آخر أنه حيض على قولنا: الحامل تحيض وإذا كان الظاهر في هذه الصورة أنه ليس بحيض أيضًا وجب أن يستثنى هذا الدم عن صورة القولين في دم الحامل، فإنها حامل بعد في تلك الحالة.
وأما الدم الخارج مع الولد فهل هو نفاس أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وبه قال ابن القاص وأبو إسحاق؛ لأنه خارج بسبب الولادة فصار كالخارج بعدها.
وأصحهما: لما ذكرنا أنه لم يخرج عقيب الولادة. وقول الأول يشكل بالبَادي عند الطّلق، فإن كلا من الأصحاب استبعد عده من النِّفاس. ثم على الوجه الثّاني ما حكم ذلك الدم.
_________________
(١) أبو المكارم الروياني، ابن أخت صاحب البحر، وصاحب "العدة"، وقف عليها الرافعي ولم يذكروا وقت وفاته، انظر طبقات الإسنوي (٥٢٠) طبقات الشافعي لابن هداية (٧٨) طبقات الشافعيِ لابن قاضي شهبة (١/ ٣١٥).
[ ١ / ٣٥٨ ]
حكى صاحب "التَّهْذِيب" فيه وجهين:
أشهرهما: أنه كالخارج قبل الولادة لأنها قبل انفصال كل الولد في حكم الحامل، ألا ترى أنه يجوز للزوج مراجعتها.
والثاني: أنه كالخارج بين الولدين لخروج بعض الحمل فإذا قلنا: إنه نفاس وجب به الغسل، وإن لم تر بعد الولادة دمًا، وقلنا: لا غسل على ذات الجفَاف وتبطل صومها.
وعلى الوجه الثاني: لا يجب الغسل به، ولا يبطل صومها إذا لم تر بعد الولادة دمًا، أو كان ما بعد الولادة بعد انقضاء النهار، ويحصل من الخلاف المذكور في هذه المسائل وجوه في أن ابتداء مدة النّفاس من أي وقت يحتسب:
أحدها: يحسب من وقت الدّم البادي عند الطّلق.
والثاني: من الدم الخارج مع ظهور الولد.
والثالث: وهو الأظهر من وقت انفصال الولد وحكى إمام الحرمين وجهًا: أنها لو ولدت ولم تر الدم أيامًا، ثم ظهر الدم فابتداء مدة النّفاس من وقت خروج الدم بحسب لا من وقت الولادة فهذا وجه رابع وموضعه ما إذا كانت الأيام المتخللة دون أقل الطهر، وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن قوله: "فلو كانت تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين" إلى آخر المسألة تفريع على قولنا: إن الحامل تحيض، ولذلك حسن في التّصوير تسمية ما رأته حيضًا، وَإِلاَّ فهو على القول الآخر ليس بحيض ثم جريان عادتها بما ذكرناه ليس بشرط بل مهما رأت دمًا في زمان الإمكان وولدت قبل مضي خمسة عشر من وقت انقطاعه فهو سورة المسألة سواء كان ذلك الدم معتادًا لها أم لا وليعلّم قوله: "ولا في إفساد الحيض" بالواو لما سبق.
وقوله: "لأن تخلّل الولادة أعظم من طول المدة" أي في التَّأثير وفصل أحد الدّمين عن الآخر ولقوة تأثيرها قامت في العدة مقام المدة الطويلة.
وقوله في الصورة الأخرى: "وجعلناها حيضًا" أي إذا فرعنا على أن ما تراه الحامل حيض، ولك أن تقول لا حاجة إلى هذا التّقييد في الحكم الذي رتبه عليه؛ لأن الَّذي على هذه الصّورة أنا لا نعدها من النّفاس ولا نقول هو نفاس سبق والأمر كذلك، وإن لم نجعل تلك الخمسة حيضًا على ما سبق بيانه.
وقوله: "ما يظهر من الدم في حال ظهور مخايل الطلق" ينبغي أن يعلّم أيضًا بالواو للوجه الذي رويناه.
قال الغزالي: فَأَمَّا الدَّمُ بَيْنَ التَّوْءَمَيْنِ فَنِفَاسٌ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَدَمِ
[ ١ / ٣٥٩ ]
الحَامِلِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نِفَاسٌ فَمَا بَعْدَ الثَّانِي مَعَهُ نِفَاسَانِ عَلَى وَجْهٍ، وَنفَاسٌ وَاحِدٌ عَلَى وَجْهٍ، وَقِيلَ: إِنْ تَمَادَى الأَوَّلُ سِتِّينَ يَوْمًا فَنِفَاسَانِ، وَإلاَّ فَنِفَاسٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: في الدم الذي تراه المرأة بين التَّوأمين وجهان:
أحدهما: أنه ليس بنفاس، لأنه دم خرج قبل فراغ الرحم، فأشبه دم الحامل.
والثاني: ويحكى عن صاحب "التَّلْخِيصِ" أنه نفاس، لأنه خرج عُقَيْبَ خروج نفس وجعل صاحب الكتاب هذا الوجه أصح اقتداء بإمام الحرمين، لكن الأصح عن الشيخ أبي حامد وأصحابنا العراقيين، إنما هو الأول، وتابعهم عليه صاحب "التَّهْذِيب"، فإن قلنا: ليس بنفاس، فقال الأكثرون: إنه ينبني على دم الحامل إن جعلناه حيضًا - فهو أولى، وإلاّ ففيه قولان، والفرق أنها إذا وضعت إحدى التَّوأمين كان استرخاء الدم قريبًا، بخلاف ما قبل الولادة، فإن فم الرحم منسدُّ حينئذ، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال "وقيل: إنه كدم الحامل" وهو الوجه الثاني من قوله: "على أصح الوجهين"، وليعلّم بالحاء والألفِ، لأن عندهما هو نفاس.
ويحكى مثل ذلك عن مالك وفي كلام بعض الأصحاب ما يقتضي كونه دم فساد. وإن قلنا: الحامل تحيض كالدَّم الذي يظهر عند الطَّلق، وأما إذا فرعنا على أنه نفاس، فهل بعد الثاني معه نفاس واحد أو نفاسان؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نفاسان لانفصال كل واحدة من الولادتين عن الأخرى، وعلى هذا لا يبالي بمُجَاوزة الدّم السّتين من الولادة الأولى.
والثاني: هما نفاس واحد؛ لأنهما في حكم الولد الواحد، ألا ترى أن العدّة لا تنقضي بوضع أحدهما فعلى هذا إذا زاد الدّم على ستين من الولادة الأولى فهي مستحاضة، واختلفوا في موضع هذين الوجهين.
قال الصيدلاني: موضعهما ما إذا كانت المدّة المتخلّلة بين الدّمين دون السّتين، أما لو بلغت السّتين، فهو نفاس آخر لا محالة، وهذا ما أشار إليه بقوله: "وقيل: إن تمادي الأول ستين يومًا" إلى آخره.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا فرق. وإذا ولدت الثاني بعد السّتين وفرعنا على اتّحاد النّفاس فما بعده استحاضة، ولو سقط عضو من الولد، والباقي مجبن (١) ورأت في تلك الحالة دمًا، فهل هو نفاس؟ ذكر في "التتمة" أنه على الوجهين في الدّم الخارج
_________________
(١) التجبن في اصطلاح الأطباء: تحول الأنسجة النخرة إلى كتلة متلبكة متعجنة، لونها أسمر أو أصفر صفرة خفيفة تشبه الجبن، انظر المعجم الوسيط (١/ ١٠٦).
[ ١ / ٣٦٠ ]
بين الولدين والله أعلم، هذا إذا لم يجاوز دم النّفساء الستين.
قال الغزالي: أَمَّا المُسْتَحَاضَاتُ فِي النِّفَاسِ فَهُنَّ أَرْبَعٌ: (الأُولَى) المُعْتَادَةُ فَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا مِنَ الأَرْبَعِينَ مَثَلًا ثُمَّ يُحْكَمُ بِالطُّهْرِ بَعْدَ الأرْبَعِينَ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا ثُمَّ تَبْتَدِئُ حَيْضَهَا، وَلَوْ وَلَدَتْ مِرَارًا وَهِيَ ذَاتُ جَفَافٍ ثُمَّ وَلَدَتْ وَاسْتُحِيضَتْ فَهِيَ كَالمُبْتَدَأَةِ، وَعَدَمُ النِّفَاسِ لاَ يُثْبِتُ لَهَا عَادَةً، كَمَا أَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ خَمْسَةَ وَطَهُرَتْ سِتَّةً وَهَكَذَا مِرَارًا ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فَلاَ تُقِيمُ الدَّوْرَ سَنَةً بَلْ أَقْصَى مَا يَرْتَقِي الدَّوْرُ إِلَيْهِ تِسْعُونَ يَوْمًا، وَهِيَ مَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الآيِسَةَ فَمَا فَوقَهُ لاَ تُؤَثِّرُ العَادَةُ فِيهِ.
قال الرافعي: إذا جاوز الستين فقد دخلت الاسْتِحَاضَة في النفاس، وطريق التمييز بينهما ما تقدم في الحيض، هذا ظاهر المذهب وعليه يبني تقسيم حالها إلى المعتادة والمبتدأة كما ذكر في الكتاب، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أن جميع السّتين نفاس، والزائد عليه استحاضة بخلاف ما في الحيض، لأن الحيض محكوم به ظاهرًا لا قطعًا، فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر والنِّفاس مقطوع به إذ الولادة معلومة والنفاس هو الخارج بعد الولادة، فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بيقين - وهو مجاوزة الأكثر وعلى هذا يجعل الزّائد اسْتِحاضة إلى تمام طهرها المعتاد أو المردود إليه في المبتدأة ثم ما بعده حيض.
والوجه الثاني: أن السّتين نفاس والذي بعده حيض على الاتِّصال به، لأنهما دمان مختلفان فيجوز أن يتعقب كل واحد منهما الآخر، وأطبق الجمهور على ضعف هذين الوجهين، وقالوا: ننظر إن كانت معتادة ذاكرة لعادتها مثل إن كانت تنفس فيما سبق أربعين، ثم ولدت مرة وجاوز دمها السّتين فترد إلى الأربعين، كما ترد في الحَيْضِ إلى عادتها، ثم لها في الحيض حالتان ذكر أولهما في الكتاب دون الثانية.
الأولى: أن تكون معتادة في الحيض أيضًا، فنحكم لها بالطهر بعد الأربعين على قدر عادتها في الطّهر، ثم تحيض قدر عادتها في الحيض.
والثانية: أن تكون مبتدأة في الحَيْض فنجعل القدر الذي إليه ترد المبتدأة في الطّهر استحاضة، والذي ترد إليه في الحيض حيضًا، والخلاف المذكور فيما تثبت به العادة وفي أنه إذا اجتمعت العادة والتَّمييز أيهما يقدم يجري هاهنا كما في الحيض، ولو ولدت المرأة مرارًا، وهي ذات جفاف، ثم ولدت مرة ونفست واستحيضت، فلا نقول عدم النّفاس عادة لها، وإنما هي مبتدأة في النفاس كالتي لم تلد أصلًا، وسنذكر حكم المبتدأة، وشبه صاحب الكتاب هذه المسألة بمسألة في الحَيْض، وهي أن المعتادة في الحيض لو كانت تحيض خمسة وتطهر سنة أو سنتين، واستمر بها ذلك - ثم إنها
[ ١ / ٣٦١ ]
استحيضت- فهل نجعل المدة الطويلة طهرًا لها؟ قال القفال: لا، إذ يبعد أن لا نحكم بحيضها سنة أو سنتين، والحد الفاصل بين ما يكون طهرًا بين حيضتين، ويثبت عادة وبين ما لا يكون كذلك تسعون يومًا، خمسة عشر فما دونها حيض والباقي طهر، لأن عدة الآيسة تنقضي بهذا القدر، والعدة وجبت لبراءة الرحم، والدور الواحد مظنّة البراءة بدليل الاسْتِبْرَاء، فلو تصور أن يزيد الدور على هذا القدر لما اكتفى به، وهذا هو الذي أورده في الكتاب -وعلى هذا لو زاد الطّهر المتقدم على الاسْتِحَاضَة على القدر المذكور نظر فيما قبل ذلك، إن كان لها طهر على الحد المعتبر- جعل طهرها بعد الاستحاضة ذلك القدر، وإلاَّ فحكمها في الطّهر حكم المبتدأة، ووجه تشبيه مسألة النّفاس بهذه المسألة أنّا لا نجعل عدم الحَيْض في المدّة الطويلة عادة لها، فكذلك عدم النّفاس لا يصير عادة، والذي يوافق إطلاق أكثر الأصحاب الرّد إلى عادتها في الطهر، طالت المدة أو قصرت، وقد نص عليه الشيخ أبو حامد والمقتدون به، ويدل عليه ظاهر خبر المعتادة التي استفتت لها أم سلمة كما سبق فإنه مطلق فوجب إعلام قوله: "فلا نقيم الدور سنة" بالواو لهذا المعنى.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ) المُبْتَدَأَةُ إِذَا اسْتُحِيضَتْ تُرَدُّ إلَى لَحْظَة عَلَى قَوْلٍ، وَإلَى أَرْبَعِينَ عَلَى قَوْلٍ، (الثَّالِثَةُ) المُمَيِّزَةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الحَائِضِ فِي شَرْطِ التَّمْيِيزِ إِلاَّ أَنَّ السِّتيِّنَ ههُنَا بِمَثَابَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ الدَّمُ القَوِيُّ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا استحيضت في النّفاس وهي مبتدأة، فننظر هل هي مميزة بشرط التمييز أم لا؛ فإن لم تكن، ففيها قولان:
أصحهما: الرد إلى الأقل، وهو لحظة.
والثاني: الرد إلى الغالب، وهو أربعون يومًا، وفي المسألة طريقة أخرى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبي إسحاق، وهي الجزم بالرد إلى الأقل، والمشهور إثبات القولين كما في الحَيْض، وهو الذي ذكره في الكتاب.
وحكى في "العدّة" قولًا ثالثًا، وهو الرّد إلى أكثر النّفاس، ونقله قولًا عن الشّافعي غريب نعم هو مشهور بالمزنِيّ وينبغي أن يعلّم قوله: "إلى لحظة" و"إلى الأربعين" كلاهما بالزاي، لذلك ثم منهم من خصص ذهابه إليه بالمبتدأة ومنهم من طرده في المعتادة أيضًا، وحينئذ يكون مذهبه مثل الوجه الأول من الوجهين اللّذين حكيناهما في المعتادة على خلاف ظاهر المذهب، ثم ننظر في حال هذه النفساء إن كانت معتادة في الحَيْضِ حيث تعد مرد النّفاس قدر طهرها استحاضة ثم تبتدئ الحيض على عادتها، وإن كانت مبتدأة في الحيض أيضًا أقمنا لها الطهر والحيض كما يقتضيه حال المبتدأة،
[ ١ / ٣٦٢ ]
وأما إذا كانت مميزة بشرط التمييز، فترد إلى التمييز كما في الحيض.
وقوله في الكتاب: "فحكمها حكلم الحائض في شرط التمييز" غير مجرى على إطلاقه، لأنّا نعتبر في الحيض ثلاثة أمور، ألا ينقص القوي عن يوم وليلة، وأن لا يزيد على خمسة عشر، وأن لا ينقص الضّعيف عن خمسة عشر، والذي يعتبر من ذلك هاهنا ألا يزيد القوي على أكثر النّفاس، وهو ستون يومًا، وهي بمثابة الخمسة عشر في الحيض، أما في طرف القلة، فلا ضبط، وكذلك لا يعتبر للضّعيف حدّ معين.
قال الغزالي: (الرَّابِعَةُ) المُتَحَيِّرَةُ إِذَا نَسِيَتْ عَادَتَهَا فِي النِّفَاسِ فَفِي قَوْلٍ تُرَدُّ إِلَى الاحْتِيَاطِ، وَعَلَى قَوْلٍ إِلَى المُبتَدَأَةِ، وَالرَّدُّ ههُنَا إِلَى المُبْتَدَأَةِ أَوْلَى، لِأنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مَعْلُومٌ بِالوِلاَدَةِ.
قال الرافعي: في النَّاسِيَة لعادة نفاسها قولان كما في النَّاسية لعادة الحيض.
فعلى قول: ترد إلى ما ترد إليه المبتدأة.
وعلى قول تؤمر بالاحتياط، وعلى هذا فلو كانت مبتدأة في الحيض، وجب الاحتياط أبدًا؛ لأن أول حيضها لا يعلم، وقد بيّنا أن المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء الدم كانت كالمتحيرة، وإن كانت معتادة في الحيض ناسية لعادتها، فكذلك تستمر على الاحتياط، وإن كانت ذاكرة لعادة الحيض، فهذه يلتبس عليها الدور لالتباس معترض النفاس، وهي بمثابة ناسية لوقت الحيض عارفة بقدره، وقد سبق القول فيها.
وقوله: "والرد هاهنا إلى المبتدأة أولى" لا يقتضي ترجيح هذا القول على قول الاحتياط، بل المراد أن هذا القول أظهر منه في الحيض؛ لأن وقت النّفاس معلوم بالولادة، وتعيين أول الهلال للحيض تَحكُّم على أن إمام الحرمين رجح قول الرد إلى المبتدأة هاهنا على قول الاحتياط، فيجوز أن يكون ما ذكره في الكتاب جريًا على موافقته.
وقوله: "المتحيرة إذا نسيت عادتها" في اللفظ زيادة مستغنى عنها، لأنها لا تكون متحيرة إلا إذا نسيت عادتها وقد تجعل المتحيّرة مع الناسية اسمين مترادفين -كما سبق- فلو اقتصر على قوله المتحيرة في النّفاس لما ضر.
قال الغزالي: (فَرْعٌ) إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى النفَسَاءِ عَادَ الخِلاَفُ فِي التَّلْفِيقِ، وَلَوْ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشرَ يَوْمًا ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فَالعَائِدُ نِفَاسٌ عَلَى وَجْهٍ لِوُقُوعِهِ فِي السِّتِينَ، وَهُوَ حَيْضٌ (ح) عَلَى وَجهٍ لِتَقَدُّمِ طُهْرِ كَامِلٍ عَلَيْهِ، فَإنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نِفَاسٌ فَعَلَى قَوْلِ السَّحْبِ مُدَّةُ النَّقَاءِ أَيْضًا نِفَاسٌ، وَقِيلَ: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ السَّحْبِ إِذْ يَبْعُدُ تَقْدِيرُ مُدَّةٍ
[ ١ / ٣٦٣ ]
كَامِلَةٍ فِي الطُّهْرِ حَيْضًا وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا إِذَا وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ الدَّمَ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فِي أَنَّ الدَّمَ الوَاقِعَ فِي السِّتِّينَ هَلْ هُوَ نِفَاسٌ أَمْ لاَ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: ما ذكرناه من أول الباب إلى هذا المَوْضِعِ فِيما إذا كان الدَّم مستمرًا لا ينقطع، أمَّا إذا انقطع دم النُّفَسَاء فله حالتان:
إحداهما: أنه لا يجاوز السّتين فننظر إن لم تبلغ مدة النّقاء بين الدّمين أقل الطّهر كما لو رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء فأزمنة الدّم نفاس لا محالة، وفي أزمنة النقاء القولان المذكوران في الحيض، وإن بلغ أقلّ الطّهر كما لو رأت الدم أيّامًا عُقَيْبَ الولادة ثم وطهرت خمسة عشر يومًا فصاعدًا ثم عاد الدم فالعائد حيض أم نفاس؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه حيض لأنه نقاء قبله، دمان تخللهما طهر صحيح فلا يضم أحدهما إلى الآخر كدمي الحيض ولأنّا لو جعلناه نفاسًا لجعلنا الطّهر الصحيح نفاسًا أيضًا تفريعًا على الصّحيح، وهو قول السحب ولا ضرورة بناء إلى ذلك.
والثاني: أنه نفاس لوقوعه في زمان إمكان النفاس كما لو كان المتخلّل دون أقل الطّهر، وعلى هذا الخلاف يخرج ما إذا ولدت ولم تر الدّم خمسة عشر فصاعدًا، ثم رأت الدم هل هو حيض أو نفاس؟ التفريع إن قلنا: العائد حيض فلا نفاس لها في هذه الصورة الأخيرة أصلًا ولو نقص العائد عن أقل الحيض، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه دم فساد؛ لأن الطهر الكامل قطع حكم النّفاس.
والثاني: أنه نفاس؛ لأنه تعذر جعله حيضًا وأمكن جعله نفاس فيصار إليه، وإن جاوز العائد أكثر الحيض فهي مُسْتَحَاضَةُ فننظر أهي معتادة أم مبتدأة؟ ونحكم بما يقتضيه الحال.
وإن قلنا: العائد نفاس فمدة النقاء على قولي التَّلْفِيق إن قلنا بالسحب فهو نفاس وإن قلنا باللّقط فهو طهر، كما لو كانت المدّة دون أقل الطهر هذا أشهر الطريقين، ومنهم من قال: هو طهر على القولين وتستثنى هذه الصّورة على قول السّحب، إذ يبعد أن تجعل المدّة الكاملة في الطهر نفاسًا، ولا نعطي لها حكم الطّهر بخلاف ما إذا كانت المدّة ناقصة فإنها لا تصلح طهرًا وحدها فيستعقبها الدم.
الحالة الثانية: أن يتجاوز السّتين فننظر إن بلغ زمان النّقاء في السّتين أقل الطهر، ثم جاوز العائد فالعائد حيض ولا يجيء فيه الخِلاَفُ المَذْكُور في الحالة الأولى، وبهذا تبين أن صاحب الكتاب أراد بكلامه المطلق الحالة الأولى وإن لم يبلغ زمان النّقاء أقل الطّهر فننظر إن كانت مبتدأة مميزة ردت إلى التّمييز، وإن لم تكن مميزة فعلى القولين السابقين في المبتدأة، وإن كانت معتادة ردت إلى عادتها وفي الأحوال تراعى قضية
[ ١ / ٣٦٤ ]
التّلفيق إن سحبنا فالدم في أيام المرد والنّقاء بينهما نفاس، وإن لفقنا فنلفق أيّام المرد أو من جميع السّتين فيه الخلاف المذكور في الحيض، والله أعلم (١).
ولك أن تعلّم قوله في الكتاب: "وهو حيض على وجه" بالحاء، لأن عند أبي حنيفة العائد نفاس وأن تعلّم قوله: "فالعائد نفاس" بالألف، وقوله أيضًا قبله: "وعاد الخلاف في التَّلفيق" بالألف، لأن عند أحمد الدم العائد مشكوك فيه تصوم وتصلّي فيه، وتقضي الصّوم ولا يأتيها الزوج؛ لأنه يحتمل أن يكون نفاسًا، ويحتمل أنه دم فساد ولا فرق عنده بين أن يبلغ مدة النقاء أقل الطهر وبين أن لا يبلغه، والله أعلم (٢).
_________________
(١) قال النووي: والصفرة، والكدرة، في النفاس كهي في الحيض، وفاقًا وخلافًا هذا هو المذهب، وبه صرح الفوراني، والبغوي، وصاحب "العدة"، وغيرهم، وقطع الماوردي: بأنها نفاس قطعًا؛ لأن الولادة شاهد للنفاس بخلاف الحيض، وإذاانقطع دم النفساء واغتسلت أو تيممت حيث يجوز، فللزوج وطؤها في الحال بلا كراهة، حتى قال صاحب "الشامل" و"البحر": لو رأت الدم بعد الولادة ساعة وانقطع، لزمها الغسل، وحل الوطء. فإن خافت عود الدم، استحب له التوقف احتياطًا. والله أعلم. ينظر الروضة (١/ ٢٨٧).
(٢) وقع في أقوله كمل من أول الكتاب إلى آخر الطهارة -بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه، وبمنه- ويتلوه في الثاني -إن شاء الله تعالى- كتاب الصلاة، ونسأل الله الإعانة على الكمال -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-.
[ ١ / ٣٦٥ ]