قال الغزالي: وَهِيَ سِتَّةٌ: الأوَّلُ الطَّهَارَةُ، عَنِ الحَدَثِ فَلَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَلَوْ سَبَقَهُ الحَدَثُ بَطُلَتْ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَعَلَى القَدِيمِ يتَوَضَّأُ وَيَبْنِي بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَكَّلَمَ وَلاَ يُحْدِثَ عَمْدًا.
قال الرافعي: ترجم الباب بشروط الصلاة، ولم يرد جميع شروطها؛ لأن منها (١) الاستقبال، وقد سبق له باب منفرد.
ومنها: إيقاع الصَّلاةِ بعد العِلْم بدخول وقتها، أو بعد غلبة الظن به، وقد صار ذلك مذكورًا في باب المواقيت، ولكن الغرض هاهنا الكلام في ستة شروط سوى ما سبق.
أحدها: طهارة الحدث، وقد تبين في كتاب الطهارة أنها كيف تحصل، فلو لم يكن عند الشروع في الصلاة متطهرًا لم تنعقد صلاته بحال، سواء كان عامدًا أو ساهيًا، ولو شرع فيها وهو متطهر، ثم أحدث، نظر إن أحدث باختياره بطلت صلاته، لأنه قد بطلت طهارته، وقد قال رسول الله -ﷺ-: "لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" (٢) ولا فرق بين أن يكون ذاكرًا للصلاة، أو ناسيًا لها، وهو المراد من قوله في الكتاب: (فلو أحدث عمدًا أو سهْوًا بَطُلَتْ صَلاتُه) وإن أحدث بغير اختياره؛ كما لو سبقه الحدث فلا خلاف في بطلان طهارته، وهل تبطل صلاته؟ فيه قولان:
الجديد: أنها تبطل؛ لأنه لا صلاة إلا يطهارةِ، ولما روي عن عليّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، قال: "قال رسول الله -ﷺ-: "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَنْصرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأ،
_________________
(١) في ب: فيها.
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٣ ]
وَلْيُعِد الصَّلاَةَ" (١) وبهذا قال أَحْمَدُ، ويروى عن مالك أيضًا.
والقديم: وبه قال أبو حنيفة، أنها لا تبطل؛ بل يتوضأ، ويبنى على صلاته، وهو أشهر الروايتين عن مالك، لِمَا رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فِي صَلاَتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوضَّأ، وَلَيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ" (٢)، وليس المراد ما إذا فعل ذلك باختياره بالإجماع، فيتعين السبق مرادًا [فإذا] (٣) فرعنا على القديم، فلا فرق بين الحدث الأصغر والأكبر، كما إذا غلب عليه النوم في صلاته فاحتلم، فإنه يغتسل ويبني.
وقال أبو جنيفة: تبطل صلاته هاهنا، وكيف يبني؟ أيعود إلى الركن الذي سبقه الحدث فيه أم يشتغل بما بعده؟ قال الصيدلاني: لو سبقه الحدث في الركوع فيعود إلى الركوع لا يجزئه غيره.
قال: ووافقنا أبو حنيفة فيه، وفصل إمام الحرمين فقال: إن سبقه الحدث قبل أن يطمئن في ركوعه فلا بد من العود إليه، وإن كان بعد أن يطمئن فالظاهر أنه لا يعود إليه؛ لأن ركوعه قد تم في الطهارة، وهذا التفصيل هو الذي أورده المصنف في "الوسيط"؛ فيجوز أن يجري كلام الصيدلاني على إطلاقه، ويقال: لا بد من العود إليه، وإن اطمأن قبل الحدث لينتقل منه إلى الركن الذي بعده فإن الانتقال من الركن إلى الركن واجب، وقد قدمنا له نظائر.
ويجب على المصلي إذا سبقه الحدث وأراد أن يتوضأ ويبني أن يسعى في تقريب الزمان، وتقليل الأفعال بحسب الإمكان، فليس له أن يعود إلى الموضع الذي كان يصلي فيه بعد ما تطهر إن كان يقدر على الصلاة في موضع أقرب منه إلا إذا كان إمامًا لم يستخلف، أو مأمومًا يبغي فضيلة الجماعة، فهما معذوران في العود إليه، ذكره في "التتمة" وما لا يستغنى عنه من السعي إلى الماء والاستسقاء وما أشبه ذلك، فلا بأس به، ولا يؤمر بالعود والبدار الخارج عن الاقتصاد، ويشترط أن لا يتكلم على ما ورد في الخبر إلا إذا احتاج إليه في تَحْصِيل الْمَاء، وهل يشترط أن يمتنع عن أسْبَابِ الحَدَثْ عَمْدًا إلى أن يتوضأ؟ حكى أصحابنا العراقيون وغيرهم عن نص الشافعي -﵁
_________________
(١) هكذا نسبه الرافعي لعلي بن أبي طالب وهو خطأ، والصواب على ابن طلق اليمامي، كذا رواه من طريقه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني فهو عند أبي داود (٢٠٥)، والترمذي (١١٦٤)، والنسائي في عشرة النساء من الكبرى، وذكره الهيثمي في الموارد (١٣٠١) وأخرجه ابن السكن، وقال روي من وجوه ينظر خلاصة البدر (١/ ١٤٩).
(٢) أخرجه ابن ماجة (١٢٢١)، والدارقطني بنحوه (١/ ١٥٣ - ١٥٥)، وهو من رواية السيدة عائشة -﵂-، وقال الصواب مرسل. انظر التلخيص (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
(٣) في ط (فإن).
[ ٢ / ٤ ]
- تفريعًا على القديم أنه لو سَبَقَهُ البَوْل فخرج واسْتَتَّم الباقي لم يضر ذلك: لأن طهارته [فيها] (١) قد بطلت بما سبق، ولم تتأثر الصَّلاة به، فالبول بعده يَطْرَأ على طهارةٍ باطلةٍ فلا يؤثر.
وقال إمام الحرمين: تبطل صلاته بما فعله إذا أمكنه التماسك؛ لأن الفعل الكثير يبطل صلاته إذا كان مستغنىً عنه، فكذلك الحدث إذا كان مختارًا فيه، وهذا هو الذي أورده في الكتاب، فقال: ولا يحدث عمدًا، والذي أورده الجمهور هو الأول، ونقل صاحب "البيان" هذه الصورة وحكمهما عن النص، قال: واختلفوا في المعنى، فمنهم من علل بحاجته إلى إخراج البقية، ومنهم من علل بأن الطهارة قد بطلت بالقدر الذي سبقه فلا أثر لما بعده، فعلى الأول لا يجوز أن يحدث حدثًا آخر مستأنفًا، وعلى الثاني يجوز، ولا يخفى أن جميع ما ذكرناه في "طهارة الرفاهية" فأما صاحب طهارة الضرورة كالمستحاضة فلا أثر لحدثه المتجدد، لا عند الشروع، ولا في أثناء الصلاة.
قال الغزالي: وَيَجْرِي هَذَا القَوْلُ في دَفْعِ كُلِّ مُنَاقِضٍ لاَ تَقْصِيرَ مِنْهُ فِيهِ كَمَا إِذَا انْحَلَّ إِزَارُهُ فَرَدَّهُ، وَكَمَا لَوْ وقع عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَدَفَعَهَا فِي الحَالِ، وَانْقِضَاءُ مُدَّةِ المَسْحِ مَنْسُوبٌ إلَى تَقْصِيرِهِ، وَفِي تَخَرُّقِ الخُفِّ تَرَدُّدٌ، لِتَقْصِيرِهِ بِالذُّهُولِ عَنْهُ.
قال الرافعي: ما سوى الحدث من الأسباب المناقضة للصلاة إذا طرأت في الصلاة باختياره بَطلت صلاتُه، كما لو أحدث باختياره، وكل ما يبطل الصَّلاة إذا طَرأ باختياره يبطلها أيضًا إذا طَرأ لا باختياره، لكن إذا كان منتسبًا فيه إلى تقصير؛ كما لو كان ماسحًا على الخف، فانقضت مدة مسحه في أثناء الصلاة، واحتاج في ذلك إلى غسل القدمين، أو استئناف الوضوء فتبطل صلاتُه، ولا يخرج على قول سبق الحدثِ، لأنه مُقَصِّرٌ بإيقاع الصَّلاة في الوقت الذي تنقضي مدّة المَسْح في أثنائها، فأشبه المختار في الحدث.
وقضية هذا أن يقال: لو شرع في الصَّلاَةِ على مُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ وهو يعلم أنه لا تبقى له قوة التماسك في أثنائها، ووقع ما علمه تبطل صَلاتُه لا محالة، ولا يخرج على القولين، ولو تَخَّرَق خُفَّ الماسِحِ في صلاته، وظهر شىِء من محل الفرض، فوجهان:
أحدهما: أنه تبطل الصَّلاة بلا خلافٍ، لأنه مقصر من حيث ذَهَل عن الخُفّ، ولم يتعهده ليعرف قوته وضعفه، فأشبه انقضاء المدة.
وأظهرهما: أنه على قَولَيْ سَبْقِ الحدث؛ لأن الإنسان لا يتعهد الخف كل ساعة،
_________________
(١) سقط في ط.
[ ٢ / ٥ ]
فلا يعد مقصرًا بترك البَحْثِ عنه، وقد يفجأ الخرق لبعض العوارض أيضًا؛ أما إذَا حدث مناقِضٌ في الصلاة لا باختياره ولا تقصير منه فإن أمكن إزالته على الاتصال بحدوثه؛ كما لو انكشفت عورتُه فرد الثوب في الحال، أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفض ثوبه وسقطت في الحال، فلا يقدح في صحة الصلاة، وكذا لو ألقى الثوب الذي وقعت عليه النجاسة في الحال صحت صَلاتُه، ولا يجوز أن ينحيها بيده أو كمه، هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، وإن احتاج في الدفع إلى زمان يتخلل بين عروضه واندفاعه، ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث.
وقوله: (يجري هذا القول في دفع كل مناقض لا تقصير منه فيه) -يعني- به هذه الحالة، وإن كان اللفظ مطلقًا، فأما إذا دفعه في الحال، فالصلاة صحيحة بلا خلاف.
ومثال ما يحتاج في دفعه إلى زمان: ما إذا تنجس ثوبه، أو بدنه واحتاج إلى الغسل، أو طيرت الريح ثوبه وأبعدته.
ولو أصاب المصلي جرح، وخرج منه دم على سبيل الدَّفْقِ، ولم يلوث البَشرة فقد قال في "التتمة": لا تبطل صلاته بحال، لأن المنفصل منه غير مضافٍ إليه، ولعل هذا فيما إذا لم يمكن غسل موضع الانفتاق، أو كان ما أصابه قليلًا، وقلنا: القليل من الدّم معفوٌّ عنه كما سيأتي، وإلا فقد صار ذلك من الطَّاهِرِ فيجب غسله.
قال الغزالي: الشّرْطُ الثَّانِي: طَهَارَةُ الخَبَثِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الثَّوْبَ وَالبدَنِ وَالمَكَانِ (وَأَمَّا الثَّوْبُ) فإِنْ أَصَابَ أَحَدَ كُمَّيهِ نَجَاسَةٌ فَأدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَحَدِهِمَا فَغَسَلَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ استَيقَنَ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ وَلَمْ يْسَتَيقِنْ طَهَارَتَهُ.
قال الرافعي: النجاسة قسمان:
أحدهما: النجاسة التي تقع في مظنة العذر والعفو.
والثاني: التي تقع فيها.
أما الأول: فيجب الاحتراز عنه في ثلاثة أشياء: في الثوب، والبدن، والمكان، ويجوز أن يعلم قوله: (فهي واجبة) بالميم؛ لأن أصحابنا نقلوا عن مالك أن إزالة النجاسة عنده لا تجب للصلاة، وإنما تستحب، ويدل على وجوب طهارة الثَّوْبِ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١). وقد قال النَّبِيُّ -ﷺ- لأسماء -﵂- "حِتِّيهِ، ثُمَّ [اقْرِضِيهِ] (٢) ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" (٣) فإن أصابه نجاسة، وعرف موضعها منه،
_________________
(١) سورة المدثر، الآية ٤.
(٢) في (أ) اقرصيه وهما بمعنى واحد.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٦ ]
فطريق إزالتها بالغسل كما سبق، ولو قطع موضع النجاسة حصل الغرض، ويلزمه ذلك إذا تعذر الغسل، وأمكن ستر العورة بالطاهر منه، ولم ينقص من قيمته بالقطع أكثر من أجرة مثل الثوب لو استأجره، وإن لم يعرف موضع النجاسة من الثوب، وكان يجوزه في كل جزء منه، وجب غسل جميعه وكذلك في البدن، ولا يجوز الاقتصار على غسل البعض لا بالتحري، ولا دونه، وإن أفاد ذلك الشك في نجاسة الباقي؛ لأن حصول النجاسة في هذا الثوب متيقن، واليقين لا يدفع بالشَّكِّ.
ولو شَقَّه نِصْفيْن لم يجز التَحَرِّي فيهما؛ لجواز أن يكون الشَّقُّ في موضع النجاسة فيكونا نَجِسَيْنِ، ولو أصاب شيء رطب طرفًا من هذا الثَّوب لا نحكم بنجاسته؛ لأنا لا نتيقن نجاسة موضع الإصابة، ولو غسل أحد نصفيه، ثم غسل النصف الثاني، فهو كما لو تيقن نجاسة الكُلِّ، وغسله هكذا، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة واحدة.
وأظهرهما: أنه إن غسل مع النصف الثاني القدر الذي يجاوره من الأول طهر الكل، وإن لم يغسل إلا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان، وبقي المنتصف نجسًا في صورة اليقين، ونجسًا في الصورة الأولى.
ولو نجس واحد من موضعين منحصرين، أو مواضع وأشكل عليه؛ كما لو تنجس أحد الكُمَّيْنِ فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله وصلّى فيه، فهذه مسألة الكتاب، وفي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: وينسب إلى ابن سريجَ؛ أنها تَصِحّ، لحصول غلبة الظَّنِّ بالطَّهَارة.
وأصحهما عند معظم الأصحاب: أنها لا تصح؛ لأن الثوب واحدٌ، وقد تيقن نجاسَتَه، ولم يتيقن الطَّهارة، فيستصحب اليقين، وصار كما لو خفي موضع النجاسة ولم تنحصر في بعض المواضع، فلو فصل أحد الكُمَّيْنِ عن الثوب واجتهد فيهما فهما كالثَّوْبين إن غسل ما ظنه نجسًا وصلى فيه جاز، وإن صلَّى فيما ظنه طاهرًا جاز أيضًا؛ لأنه لم يستيقن نجاسته أصلًا، فاجتهاده متأيد باستصحاب أصل الطهارة، بخلاف ما قبل الفصل.
ويجري الوجهان فيما إذا نجس إحدى يديه، أو إحدى أصابعه، وغسل النجس عنده وصلى؛ وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين، وغسل النجس عنده، وصلى فيهما معًا؛ لأنه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستيقن الطهارة، لكن الأظهر هاهنا الجواز، وفرقوا بأن محل الاجتهاد الاشتباه بين الشيئين، فأما إذا اشتبه عليه أجزاء الشيء الواحد، فلا يؤمر فيه بالاجتهادِ، ولهذا لا يجتهد إذا خفي عليه موضع النجاسة، ولم ينحصر في
[ ٢ / ٧ ]
موضعين، أو مواضع مخصوصة، وفإذا كان كذلك، فتأثير الاجتهاد فيه أضعف.
ولو غسل إحدى الكُمَّين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصَّلاة فيما لم يغسله وحده على الخلاف [وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد تجوز الصلاة في كُلِّ واحدٍ منهما وحده بلا خلاف] (١).
ولو اشتبه عليه ثوبان طاهر ونجس، أو أثواب بعضها طاهر وبعضها نَجِس، فيجتهد كما سبق في الأواني، فإن لم يغلب على ظنه شيء، وأمكنه غسل واحد ليستصحبه في صلاته لزمه ذلك، وإلا فهو كما لو لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، وسيأتي حكمه في الشَّرْطِ الثَّالِثِ (٢)، ولو غلب على ظنه طهارة أحد الثَّوْبَيْن، واستصحبه، ثم تغير اجتهاده عمل بمقتضى الاجتهاد الثاني في أظهر الوجهين، كما في القبلة (٣)، بخلاف الأواني، حيث لا يعمل فيها بالاجتهاد الثاني على النص لما سبق أنه يلزم منه نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال الغزالي: وَلَوْ أَلْقَى طَرَفَ عِمَامَتِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وَلَو قَبَضَ طَرَفَ حَبْلٍ مُلْقى عَلَى نَجَاسةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ إِنْ كَانَ المُلاَقِي يَتَحرَّكُ بِحَرَكَتِهِ وإلاَّ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى سَاجُورِ كَلْبٍ أَوْ عُنُقِ حِمَارٍ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ، وَلَوْ كَانَ رَأسُ الحَبْلِ تَحْتَ رِجْلِهِ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلًا.
قال الرافعي: ما لبسه المصلي يجب أن يكون طَاهِرًا، سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده، أو كان لا يتحرك بعض أطرافه كذنابة العَمَامَةِ، وكما لا يجوز أن يكون شيء من ملبوسه نجسًا لا يجوز أن يكون ملاقيًا للنجاسة، فلو ألقى طرف عمامته على أرض نجسة، أو عين نجسة بطلت صَلاتُهُ، وإن لم يتحرك بحركته؛ لأنها ملبوسة له أو معدودة من ثيابه، فصار كما لو لبس قميصًا طويلًا لا يرتفع زيله بارتفاعه، وكان نجسًا لا تصح صلاته، وذكر الصيدلاني وآخرون أن عند أبي حنيفة: إن لم يتحرك طرف العمامة الملقى على النجاسة بحركته جازت صلاته، فليكن قوله: (وإن كان لا يتحرك بحركته) معلمًا بالحاء لذلك، ولو قبض على طرف حبل، أو ثوب وطرفه الآخر
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) قال النووي: ولنا وجه، أن يصلي الصلاة تلك من كل ثوب مرة. والصحيح المعروف: أنه يترك الثياب، ويصلي عريانًا. وتجب الإعادة -والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٣٧٩).
(٣) قال النووي في زيادته: ولا يجب إعادة واحدة من الصلاتين، وكذا لو كثرت الثياب والصلوات بالاجتهاد المختلف كما قلنا في القبلة، ولو تلف أحد الثوبين المشتبهين قبل الاجتهاد لم يصل في الآخر على الأصح، -والله أعلم- الروضة (١/ ٣٧٩).
[ ٢ / ٨ ]
نجس، أو ملقى على نجاسة، فإن كان يتحرك ذلك الطرف بارتفاعه وانخفاضه بطلت صلاته؛ لأنه حامل للشيء النجس، أو لما هو متصل بالنجاسة [وإن كان لا يتحرك فوجهان:
أحدهما: تبطل صلاته كما في العَمَامة، لأنه حامل لشيء متصل بالنجاسة] (١).
والثاني: أنها لا تبطل، لأن الطَّرف الملاقي للنجاسة ليس محمولًا له، فإنه لا يرتفع بارتفاعه، بخلاف العمامة فإنها منسوبة إليه لبسًا، والمصلي مأخوذ بطهارة ثيابه، وكلام الأكثرين يدل على أن الوجه الأول أرجح عندهم، ولو كان طرف الحبل ملقى على ساجور (٢) كلب، أو مشدودًا به، فوجهان مرتبان على الصورة السابقة، وهذه الصورة أولى بصحة الصلاة، لأن بين الكلب وطرف الحبل واسطة، وهي الساجور، فيكون أبعد عن النجاسة.
ولو كان طرف الحبل على الكلب فهو والصورة السابقة سواء.
ولو كان طرف الحبل على موضع طاهر من حمار، وعليه نجاسة في موضع آخر، فالخلاف فيه مرتب، وهذه الصورة أولى بالصحة من سورة السَّاجُور؛ لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل وأجزائه، بخلاف الحمار، هكذا رتب السائل إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط" وأشار هاهنا إلى معظم الغرض وإذا تركت الترتيب، وقلت: أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس، أو متصل بنجاسة حصل في الجواب ثلاثة أوجه:
أحدها: تصح.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان الطرف الآخر نجسًا أو متصلًا بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا تصح، وإن كان متصلًا بشيء طاهر، وذلك الطاهر متصل بنجاسة، كما لو كان مشدودًا في ساجور، أو خرقة وهما في عنق كلب أو عنق حمار وعليه حِمْلٌ نَجِسٌ فلا بأس، وهكذا أورد الخلاف الصيدلاني، وتابعه صاحب "التهذيب".
ثم اعرف هاهنا أمورًا.
أحدها: أن فرض صاحب الكتاب الصورة فيما إذا قبض بيده على طرف الحبل، ليس لتخصيص الحكم بالقبض، بل لو شده في يده، أو رجله، أو في وسطه كان كما
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) القلادة التي توضع في عنق الكلب المعجم الوسط (١/ ٤١٨).
[ ٢ / ٩ ]
لو قبض عليه، على أن صاحب "التهذيب" جعل صورة الشد أولى بالمنع، حيث ألحقها بمسألة العمامة، ولم يحك فيها خلافًا، وفي القبض باليد روى الوجوه الثلاثة.
الثاني: الفرق بين أن يكون الطرف الملقى على النجاسة يتحرك بحركته، وبين أن لا يتحرك في الجزم بالمَنْعِ في الحالة الأولى، وتخصيص الخلاف بالحالة الثانية لم أره إلا للمصنف، وإمام الحرمَين، ومن تابعهما، وعامة الأصحاب أرسلوا الكلام إرسالًا، سواء منهم من جزم بالمنع، ومن أثبت الخلاف.
الثالث: أطلق الكلام في الكلب، وهكذا فعل الشيخ أبو محمد، والصيدلاني، وابن الصباغ، وفصل الأكثرون وقالوا: إن كان الكلب صغيرًا، أو ميتًا؛ وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف؛ لأنه حامل للنجاسة، ويعنون به أنه لو مشى لجره، وإن كان الكلب كبيرًا حيًا، فأصح الوجهين: أنها تبطل أيضًا؛ لأنه حامل لشيء متصل بالنجاسة.
والثاني: لا؛ لأنه يمشي باختياره، وله قوة الامتناع، وإذا كان مشدودًا في سفينة وموضع الشد طاهر، وفي السفينة نجاسة فإن كانت صغيرةً تنجر بالجر فهي كالكلب، وإن كانت كبيرةً فلا بأس، كما لو كان مشدودًا في باب دار فيها نجاسة، وحكوا وجهًا بعيدًا في السفينة الكبيرة أيضًا، ويعرف من هذا الفصل صحة قولنا من قبل. إن قضية كلام الأكثرين ترجيح وجه البطلان.
الرابع: قوله: (على ساجور كلب، أو عنق حمار عليه نجاسة) يفهم أن الشد ليس بشرط، بل يجري الخلاف عند حصول الاتصال والالتقاء والعراقيون من أصحابنا أطبقوا على التصوير في الشَّد، ولعل السبب فيه أنهم ينظرون إلى الانجرار عند الجر، ولا يكون ذلك إلا بتقدير الشد، ثم اتفقت الطوائف على أنه لو جعل رأس الحبل تحت رجله صحت صلاته في الصور جميعها؛ لأنه ليس حاملًا لنجاسة، ولا لما هو متصل بنجاسة، وما تحت قدمه طاهر، فأشبه ما لو صلى على بساط طرفه الآخر نجس.
قال الغزالي: وَأَما البَدَنُ: فَيَجِبُ تَطْهِيُرُه كَمَا سَبَقَ في الطَّهَارَةِ، وَفِيهِ مَسْألَتَان: إِحْدَاهُمَا: إِذَا وَصَلَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ وَجَبَ (ح و) نَزْعُهُ وإِنْ كَانَ يَخَافُ الهَلاَكَ عَلَى المَنْصُوصِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي الجَبْرِ بأن وَجَدَ عَظْمًا طَاهِرًا وَإِذَا لَمْ يَكْتِسِ العَظْمُ بِاللَّحْمِ فَإِنِ استَتَرَ سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ النَّزْعِ لَمْ يَنْزَع عَلَى النَّصِّ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ كُلُّهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لاَ يَنْزعُ عِنْدَ خَوْفِ الهَلاَكِ.
قال الرافعي: "فيجب تطهيره كما سبق في الطهارة" لا اختصاص له بالبدن، بل حكم إزالة النجاسة فيه، وفي الثوب والمكان واحد، فلو ذكر هذا الكلام عند قوله:
[ ٢ / ١٠ ]
(وهي واجبة في الثوب والبدن والمكان) لكان أحسن، إلا أن يريد به الإشارة إلى الاستنجاء أيضًا، فإن النجاسة التي تصيب البدن تنقسم إلى: ما يزال بالماء لا غير، وإلى ما يخفف بالحجر ونحوه، وهذا من خاصية البدن، ثم تكلم هاهنا في مسألتين:
إحداهما: وَصَل العَظم.
ومن انكسر عظم من عظامه فجبره بعظم طاهر (١) فلا بأس، إن جبره بعظم نجس ينبغي أن يتذكر أولًا: إن هذا يتفرع على ظاهر المذهب في نجاسة العظام، فينظر إن احتاج إلى الجبر ولم يجد عظمًا طاهرًا يقوم مقامه فهو معذور للضرورة، وليس عليه نزعه، وإن لم يحتج إليه، أو وجد طاهرًا يقوم مقامه، فيجب عليه النزع إن كان لا يخاف الهلاك، ولا تلف عضو من أعضائه، ولا شيئًا من المحذورات المذكورة في التيمم، فإن لم يفعل أجبره السلطان عليه، ولم تصح صلاته. معه؛ لأنه حامل لنجاسة يمكنه إزالتها، وقد تعدى بحملها، ولا عبرة بالألم الذي يلحقه، ولا يخاف منه، ولا فرق بين أن يكتسي باللحم، وبين ألا يكتسي خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: إذا اكتسى باللحم لم يجب النزع، وإن كان لا يخاف الهلاك.
لنا: أنه حامل لنجاسة أصابته من خارج، ولم تحصل في معدن النجاسة، فيلزمه الإزالة عند القدرة، كما لو كانت على ظاهر البدن، ومال إمام الحرمين إلى ما ذكره أبو حنيفة، وذكر القاضي ابن كج: أن أبا الحسين حكاه عن بعض الأصحاب، وإن خاف من النزع الهلاك أو ما في معناه ففي وجوب النزع وجهان:
أحدهما: يجب؛ لتفريطه، ولو لم ينزع لكان مصليًا عمره مع النجاسة، ونحن نحتمل سفك الدم في ترك صلاة واحدة.
والثاني: وهو المذهب الذي لا يجب إبقاء للروح، كما لو كان عليه نجاسة يخاف من غسلها التلف لا يجب عليه غسلها، بل يحرم وهذا في حالة الحياة، أما لو مات قبل النزع، فهل ينزع منه العظم الذي يجب نزعه في الحياة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وهو الذي نص عليه في "المختصر"، وغيره: أنه لا ينزع؛ لأن فيه مثلة، وهتكًا لحرمة الميت، ولأن النزع في حالة الحياة إنما أمر به، محافظةً على شرائط الصلاة، فإذا مات زال التكليف، وسقط التعبد.
والثاني: أنه ينزع؛ لئلا يلقى الله -تعالى- حاملًا للنجاسة، ومنهم من خصص هذا
_________________
(١) قال الأذرعي: ينبغي أن يقول طاهر غير محترم ليخرج العظم الطاهر من الآدميين المحترمين وقيدت بالمحترم لأخرج عظم الحربي ونحوه فالظاهر أنه يجوز استعماله ولم أر فيه نصًا.
[ ٢ / ١١ ]
الوجه بما إذا لم يستتر باللحم، وقطع بنفي النزع بعد الموت عند استتاره، ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (وجب نزعه، وإن كان يخاف الهلاك على المنصوص)، الخلاف في وجوب النزع يرجع إلى حالة خوف الهلاك، وليس هو مختلفًا فيه على الإطلاق.
وقوله: (ولكن إذا كان متعديًا في الجبر) لا يختص بقولنا: يوجب النزع عند خوف الهلاك، بل حيث وجب النزع، إما وفاقًا وهو [في] (١) حالة عدم الخوف، أو على أحد المذهبين في حالة الخوف، فشرطه أن يكون متعديًا في الجبر.
وقوله في آخر المسألة: (فيه قول مخرج أنه لا ينزع عند خوف الهلاك) هو المقابل لقوله: هاهنا؛ (إن كان يخاف الهلاك على المنصوص) ولا تعلق له بقوله: (لم ينزع على النص)، لأنه ميت كله، وتعبيره عن الخلاف في وجوب النزع بالقولين المنصوص، والمخرج من تفرداته، وسائر الأصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين، كما قدمنا، ورجحوا القول بعدم الوجوب، وايراده يشعر بترجيح الوجوب، ويجوز أن يقال: إنما عبر عن وجوب النزع بالمنصوص؛ لأن الشافعي -﵁- قال في "المختصر": "ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيًا، وإن رقعه بعظم ميته، أجبره السلطان على قلعه" وهذا مطلق يتناول حالة الخوف وعدمه، ولك أن تعلم قوله: (وإن كان يخاف الهلاك) بالحاء؛ لأن الصيدلاني روى عن أبي حنيفة، أنه لا ينزع عند خوف الهلاك، سواء التحم، أو لم يلتحم، وعند الالتحام لا ينزع خيف الهلاك، أم لم يخف.
وقوله: (بأن وجد عظمًا طاهرًا) معناه عظمًا طاهرًا يقوم مقام العظم النجس عند الحاجة إلى الجبر، وإلا فالتعدي لا يحصل بمجرد وجدان العظم الطاهر.
وقوله: "وإذا لم يستتر العظم باللحم، فإن استتر سقط حكم نجاسته" جواب عن الوجه [الأول] (٢) الذي ذكرنا، أن إمام الحرمين مال إليه، والظاهر عند الجمهور أنه لا فرق بين أن يستتر، أو لا يستتر، حيث أوجبنا النزع فليكن، قوله: (وإذا لم يستتر) معلمًا بالواو؛ لأنه جعله مشروطًا، وكذا قوله: (سقط حكم نجاسته) وقوله: (فإن مات قبل النزع لم ينزع على النص، لعلك تقول: ما معنى قوله: (لم ينزع) معناه أنه لا يجوز النزع، أم أنه لا يجب؟.
والجواب أن قضية التعليل بهتك الحرمة، أنه لا يجوز، وقضية التعليل الثاني، أنه
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
[ ٢ / ١٢ ]
لا يجب، وقد اختلف كلام الناقلين في الوجه المقابل له، وهو أنه ينزع، منهم من روى الوجوب، ومنهم من قال: الأولى النزع.
وقوله: (لأنه ميت كله)، لفظ الشافعي -﵁- قال في "المختصر": "فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه" أي: محاسبه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، واختلفوا في معنى قوله: (صار ميتًا) منهم من قال: أراد أنه صار نجسًا كله، مثل ذلك العظم، فلا معنى لقلعه، واستخرجوا من هذا اللفظ أن له قولًا في نجاسة الآدمي بالموت [ومنهم من قال: أراد أنه سقط عنه حكم التكليف بالموت] (١) وكنا نأمره بالقلع لحق الصلاة، فلا حاجة إلى النزع الآن، واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس، والخيط النجس كالوصل بالعظم النجس، فيجب النزع، حيث يجب نزع العظم النجس، وكذا لو شق موضعًا من بدنه، وجعل فيه دمًا، وكذا لو وشم يده بالنؤورة، أو العِظْلِم (٢) فإنه ينجس عند الغرز، وحكى عن "تعليق" الفراء أنه يزال الوشم بالعلاج، فإن لم يمكن إلا بالجرح لا يجرح، ولا إثم عليه بعد التوبة.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: قَالَ -ﷺ-: لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوصِلَةَ وَالوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ وَالوَاشِرَةَ وَالمُسْتَوشِرَةَ (٣)، وَعِلَّةُ تَحْرِيمِ الوَصْلِ أَنَّ الشَّعْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَجِسًا أو شَعْرَ أجْنَبيِّ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُبَانًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَعْرَ بَهِيمَةٍ وَلَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُتَعَرضَةَ لِلتُّهْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُلَبِّسَةٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ بإذْنِ الزَّوْجِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي تَحْمِيرِ الوَجْنَةِ تَرَدُّدٌ فِي إلْحَاقِهِ بِالوَصْلِ.
قال الرافعي: المسألة الثانية: "وصل الشَّعْرِ" والأصل فيه ما روي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوشِمَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ".
قال علماء العرب: الوَاصِلَة: هي التي تَصْلُ الشَّعْرُ بِشَعْرٍ آخرَ.
والمستوصلة: هي التي تسأل أن يفعل بها ذلك.
_________________
(١) سقط في أ.
(٢) نبت يصبغ به المعجم الوسيط (١/ ٦١٦).
(٣) متفق على اللفظين الأولين من رواية ابن عمر البخاري (٥٩٣٧، ٥٩٤٠، ٥٩٤٢) أبو عبيد من غير إسناد، وفي سنن أبي داود (٤٠٤٩)، ومسلم (٢١٢٤). والنسائي (٨/ ١٤٣) عن أبي ريحانة الأزدي عبد الله بن مطر مرفوعًا أنه نهى عن الوشم والوشر، وفي مسند أحمد عن ابن مسعود (١/ ٤١٥) قال: سمعت رسول الله -ﷺ- نهى عن النامصة والواشرة.
[ ٢ / ١٣ ]
والوَشم: غرز ظهر الكف ونحوه بالإبرة، وأشباهه بالعِظْلِم (١) ونحوه حتى يخضر. والوَاشِمَةُ: هي التي تفعل ذلك.
والمُسْتَوْشِمَة [هي] (٢) التي يفعل بها.
والوَاشِرَة التي تشِر الأسنان حتى يكون لها أَشَرٌ، وهو التحدد، والرِّقَةُ في طرف الأسنان، تفعله الكبيرة تشبهًا بالصغائر، ويروى [بدل] (٣) "المستوشمة والمستوشرة" "المتوشمة والمتوشرة" والمعنى واحد. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن وصل الشَّعْرِ حَرَامٌ وِفاقًا في بعض الأحوال، وخلافًا في بعضها. ثم قد يحرم لمعنى واحدٍ، وقد يجتمع له معان، وتفصيله أن الشَّعْرَ إما نجس، وإما طاهر، وهذا التقسيم مفرع على ظاهر المذهب، وهو أن الشعر قد ينجس بالموت، فأما الشعر النجس فيحرم وصله؛ لأنه لا يجوز استصحابه في الصلاة، وفي غير الصلاة يكون مستعملًا للشيء النجس العين في بدنه استعمال اتصال، وذلك حرام في أصح القولين، ومكروه في الثاني إلا عند ضرورة أو حاجة حاقة، ونظيره الادهان بالدهن النجس، ولبس جلد الميتة والكلب والخنزير، والامتشاط بمشط عاج، كل ذلك حرام على الأصح.
وأما غير النجس فينقسم إلى شعر الآدمي وغيره، وهذا التقسيم مفرع على ظاهر المذهب، وهو أن شعر الآدمي لا ينجس بالموت والإبانة، فأما شعر الآدمي
فيحرم وَصْلُه؛ لأن من كرامته أن لا ينتفع بشيء منه بعد مَوْتِهِ وانفصاله عنه، بل يدفن؛ وأيضًا فلأنه إن كان شعر رجل فيحرم على المرأة استصحابه والنظر إليه، وإن كان شعر امرأة فيحرم على زوجها، أو سيدها النظر إليه، وهذا بتقدير أن يكون شعر رجل أجنبي عنها، أو شعر امرأة أجنبية عن زوجها أو سيدها، وبتقدير أن يتفرع على أن العضو المبان يحرم النظر إليه، ومسه، وفيه وجهان، فإن كان شعر رجل من محارمها، أو شعر امرأة من محارم زوجها، أو لم يكن لها زوج، أو فرعنا على جواز النظر إلي العضو المبان، فلا تكاد تطرد هذه العلة الأخيرة. ويثبت التحريم بظاهر الخبر، وبالمعنى الأول، ولا فرق في تحريم الوَصْلِ بالشعر النجس، وشعر الآدمي، بين أن تكون المرأة خَلِيَّة، أو ذات زوج.
وأما شعر غير الآدمي فينظر فيه إلى حال المرأة، إن لم يكن لها زوج ولا سيد فلا يجوز لها وصله للخبر، ولأنها تعرض نفسها للتُّهمَةِ، ولأنها تغر الطَّالِبَ، وذكر الشَّيْخُ أبو حامد، وطائفة: أنه يكره، ولا يحرم.
الأول: أظهر، وبه قال القاضي ابن كج والأكثرون، فإن كان لها زوج، أو سيد
_________________
(١) تقدم بيانه.
(٢) و(٣) سقط في "ب".
[ ٢ / ١٤ ]
فلا يجوز لها الوصل بغير إذنه، لأنه تغرير له، وتلبيس عليه، وإن وصلت بإذنه فوجهان:
أحدهما: المنع أيضًا؛ العموم الخبر.
وأقيسهما وأظهرهما: الجواز كسائر وجوه الزينة المحببة إلى الزوج.
وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ومتبعوه: لا يحرم، ولا يكره إذا كان لها زوج، ولم يفرقوا بين أن يأذن، أو لا يأذن، وسوي ابن كج بين حالتي الإذن وعدمه، وحَكَى في الجواز وجهين فيهما، هذا حاصل المسألة. وقوله: (وعلة تحريم الوصل) يوهم الجزم بالتحريم على الإطلاق، ورد الكلام إلى العلة؛ لكنه لم يرد ذلك؛ ألا تراه يقول آخرًا: (لم يحرم على أقيس الوجهين). وإنما أراد أن يبين مواضع التحريم؛ خلافًا ووفاقًا مع التعرض للمعاني الموجبة للتحريم، فقوله: (إما أن يكون نجسًا)، أي: فيحرم. وهو إشارة إلى قسم النَّجِسِ من الشُّعْورِ، وغير النجس على ما ذكرناه في شعر الآدمي.
وقوله: (أو شعر أجنبي) إشارة إليه، وأما شعر غيره، وهو قوله: (أو شعر بهيمة) وإنما قال: (أو شعر أجنبي)، لأنه أراد التعليل بالمعنى الثاني على ما سبق، دون المعنى الأول، وهو كرامة الآدمي، والشَّعْرُ الموصول مبان فبين أن في تحريم النظر إلى العضو المبان وجهين؛ ليعرف أن التحريم معللًا بهذا المعنى إنما يستمر على قولنا بتحريم النظر.
واعلم أنه نص في هذا الموضع على وجهين في تحريم النظر، والذي أجاب به في أول كتاب النكاح، إنما هو التحريم، حيث قال: (والعضو المبان كالمتصل)، وسنشرح المسألة ثم -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (فهي متعرضة للتهمة)، أي: فيحرم عليها، وكذا قوله: (فهي ملبسة عليه)، وكأنه حذف ذكر التحريم اكتفاء بقوله أولًا: (وعلة تحريم الوصل) ولا بأس لو أعلمت قوله: (إما أن يكون نجسًا) بالحاء، والواو؛ لأن عنده الشَّعْر لا يكون نجسًا أصلًا، وهو قول لنا، وأما قوله: (وفي تحمير الوجنة (١) تردد) فاعلم أن الصيدلاني، والقاضي الحسين ذكرا في طريقهما أن تحمير الوجنة كوصل الشَّعْرِ الطاهر، فلا يجوز إن كانت المرأة خلية، ولا إذا كانت ذات زوج ولم يأذن لها، وإن فعلته بإذنه ففيه وجهان، واستبعد إمام الحرمين -قدس الله روحه- الخلاف فيما إذا كان بإذن الزَّوْجِ، وخصه بالوَصْل؛ لأنه ورد فيه النَّهْيُ، وفيه تغيير للخِلْقَة، وليس في التحْمِير نَهْيً، وَلا
_________________
(١) ما ارتفع من الخدين، المعجم الوسيط (٢/ ١٠٢٦).
[ ٢ / ١٥ ]
تغيير ظاهر، إذا الوجنة قد تحمر لعارض غضب، أو فرح، فعلى هذا لا [يلتحق تحمير] (١) الوجنة بوصل الشَّعْرِ الطاهر على الإطلاق، بل هو جائز عند الإذن بلا خلاف، وعلى الأول يلتحق به مطلقًا، فهذا تنزيل التردد المذكور في الكتاب ومعناه؛ ونسب في "الوسيط" التردد في المسألة إلى الصيدلاني، وليس في كلامه ما يقتضي ذلك، ولا حكاه إمام الحرمين عنه، والخضاب بالسواد، وتطريف الأصابع ألحقوه بالتحمير.
قال في "النهاية": ويقرب منه تجعيد الشَّعْرِ، ولا بأس بتصفيف الطرة (٢) وتسوية الأصداغ، وأطلقوا القول باستحباب الخضاب بالحناء لها بكل حال، وقد تنازع معنى التعرض للتهمة في بعض هذه الأحوال (٣) إذا كانت خَلِيَّة، فليكن الأمر على تفصيلٍ سنحكيه في فصل سُنَنِ الإِحْرَامِ -إن شاء الله تعالى-.
وأما الوشم المذكور في الخبر فلا يجوز بحال، والوشر كوصل الشعر الظاهر.
قال الغزالي: (وَأَمَّا المَكَانُ) فَلْيَكُن كُلُّ مَا يُمَاسُّ بَدَنَهُ طَاهِرًا (ح) وَمَا لاَ يُمَاسُّ فَلاَ بَأْسَ بِنَجَاسَتِهِ إلاَّ مَا يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي السُّجُودِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ كالْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: يجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلي وثيابه من موضع الصلاة طاهرًا، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يشترط إلا طهارة موضع القدمين، وفي رواية: طهارة موضع القدمين والجبهة، ولا يضر نجاسة ما عداه إلا أن يتحرك بحركته.
لنا النهي عن الصلاة في المزبَلة والمجزرة، كما سيأتي، ولا سبب له إلا نجاستهما، وكما يعتبر ذلك في جهة السفل، يعتبر في جهة العلُوّ والجوانب المحيطة به، حتى لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نَجِسٍ [أو سقف نجس] (٤) بطلت صلاته، ولو صلى على بُسَاطٍ تحته نجاسة، أو على طرف آخر منه نجاسة، أو على سرير قوائمه على نجاسة لم يضر، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال [إذا كان] (٥) يتحرك ذلك الموضع بحركته لم يجز، وإذا نجس أحد البيتين تحرى كما في الثياب والأواني، وإذا اشتبه مكان من بيت أو بساط فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجزئ؛ كما لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد.
_________________
(١) في "ب" يلحق تحمر.
(٢) وهو ما نظرته المرأة من الشعر الموفى على جبهتها وتصففه وهي القُصَّة.
(٣) في "ب" الأمور.
(٤) سقط في ط.
(٥) في ط (إن).
[ ٢ / ١٦ ]
والثاني: نعم، كما لو اشتبه ذلك في الصحراء يتحرى ويصلي، ولو كان ما يلاقي بدنه وثيابه من موضع الصلاة طاهرًا، لكن كان ما يحاذي صدره، أو بطنه، أو شيئًا من بدنه في السجود نجسًا فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه بكونه مكان صلاته، فيعتبر طهارته كقميصه الفوقاني الذي لا يلاقي بدنه، لما كان منسوبًا إليه نعتبر طهارته.
وأصحهما: أن صلاته صحيحة؛ لأنه ليس حاملًا للنجاسة، ولا ملاقيًا لها، فصار كما لو صَلَّى على بُسَاطٍ أحد طرفيه نجس تصح صلاته، وإن عد ذلك مصلاة ونسب إليه.
وقوله: (فليكن كل ما يماس بدنه طاهرًا) ينبغي أن يعلم بالحاء، وكذا قوله: (فلا بأس بنجاسته) لما ذكرناه، والمراد ما يماس بدنه وثيابه.
وقوله: (وما لا يماس) أي: لا يماسهما، وفي لفظ المماسة إشارة إلى أنه لو كان تحت البساط الذي يصلي عليه نجاسة لم يضر، وإن كان يصلي على نجاسة؛ لأنه لا مماسة، ولو بسط على النجاسة ثوبًا مهلهل النسيج وصلى عليه فإن كان يحصل المماسة والالتقاء في الفُرَج لم تصح الصلاة، وإن كان لا يحصل الالتقاء لكن النجاسة تحاذي من الفُرَجِ يده الموضوعة عليه في السجود أو سائر بدنه، فهذا على الوجهين السابقين في نجاسة ما يحاذي صدره.
قال الغزالي: وَقَد نَهَىَ ﵇ عنِ الصَّلاَةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَبَطْنِ الوَادِي وَالحَمَّامِ وَظَهْرِ الكَعْبَةِ وَأَعْطَانِ الإبِلِ (١)، أَمَّا مَسْلَخُ الحَمَّامِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَأَعْطَانُ الإِبِلِ مُجْتَمَعُهَا عِنْدَ الصَّدْرِ عنِ المَنْهَلِ إِذْ لاَ يُؤْمَنُ نِفَارُهَا، هَذَا حُكْمُ النَّجَاسَاتِ الَّتِى لاَ عُذْرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا.
قال الرافعي: مما يتعلق بمكان الصلاة الكلام في الأماكن التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وقد روي عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المَزْبَلَةِ والمجزَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّريق، وبطن الوادي، والحَمَّامِ، ومَعَاطِنِ الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى ويروى بدل بطن الوادي: المَقْبَرَةُ (٢).
فأما المزبلة والمجزرة، فالنهي فيهما لنجاسة المكان، فلو فرش (٣) عليه ثوبًا أو
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) في ب: فرشنا.
[ ٢ / ١٧ ]
بساطًا طاهرًا صحت الصلاة، وتبقى الكراهية لكونه مصليًا على النجاسة، وإن كان بينه وبينها حائل.
وأما قارعة الطَّريق فللنهي فيها معنيان:
أحدهما: غلبة النجاسة في الطرق.
والثاني: أن مرور الناس يشغله عن الصلاة.
قال في "التتمة": اختلفوا في أن العلة ماذا؟ وبنى عليه الصلاة في جوار الطرق في البراري، إن قلنا: النهي للمعنى الأول يثبت فيها أيضًا، وإن قلنا: للمعنى الثاني فلا، وفي صحة الصلاة في الشوارع مع غالبة النجاسات فيها القولان اللذان ذكرناهما في باب الاجتهاد؛ لتعارض الأصل والغالب، فإن صححناها فالنهي للتنزيه، وإلا فللتحريم، فلو بسط شيئًا طاهرًا صحت لا محالة، وتبقى الكراهة بسبب الشغل.
وأما بطن الوادي فسبب النهي فيه خوف السيل السالب للخشوع، فإن لم يتوقع السيل ثم فيجوز أن يقال: لا كراهة، ويجوز أن يتبع ظاهر النهي (١).
وأما الحَمَّام فقد اختلفوا في سبب النهي فيه، منهم من قال سببه أنه يكثر فيه النجاسات والقاذورات، فيخاف إصابة الرشاش إياه، ومنهم من قال: بل سببه أنه مأوى الشيطان، فلا يصلى فيه، وفي المسلخ وجهان مبنيان على هذين المعنيين، إن قلنا: بالأول فلا تكره الصلاة فيه، وإن قلنا: بالثاني فتكره، وأيضًا فإن دخول الناس يشغله، وهذا الوجه أظهر، وتصح الصلاة بكل حال في المسلخ وغيره إذا علم طهارة الموضع؛ خلافًا لأحمد.
وأما ظهر الكعبة، فحكمه ما سبق في باب الاستقبال.
وأما أعطان الإبل ففد فسرها الشافعي -﵁- بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشَّاربة، ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت استبقت، وهو المراد من قوله: (مجتمعها عند الصدر من المنهل)، وليس النهي فيها لمكان النجاسة، فإنه لا كراهة في مراح الغنم، وأمر النجاسة لا يختلف، روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا أَدْرَكْتُكُمُ الصَّلاَةُ، وَأَنْتُمْ فِي
_________________
(١) قال النووي: اتبع الإمام الرافعي الغزالي، وإمام الحرمين، في إثبات النهي عن الصلاة في بطون الأودية مطلقًا. ولم يجئ في هذا نهي أصلًا، والحديث الذي جاء فيه: ذكر المواطن السبعة ليس فيه الوادي، بل فيها المقبرة بدلًا منه، ولم يصب من ذكر الوادي وحذف المقبرة، والحديث من أصله ضعيف، ضعفه الترمذي وغيره وإنما الصواب ما ذكره الشافعي -﵀-، فإنه يكره الصلاة في واد خاص، وهو الذي نام فيه رسول الله -ﷺ- ومن معه عن الصبح حتى فاتت وقال: "أخرجوا بنا من هذا الوادي" وصلى خارجه. قاله النووي.
[ ٢ / ١٨ ]
مَرَاحِ الْغَنَم، فَصَلُّوا فِيهَا، فَإنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ، وَإِذَا أَدْرَكَتُكُمُ، وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الإبِلِ؛ فَاخْرُجُوا مِنْهَا، وَصَلُّوا، فَإِنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ، [أَلاَ تَرَى إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا" (١).
والفرق من وجهين:
أحدهما: قال الشافعي -﵁- يبين الخبر أنها خلقت من جن] (٢)، والصلاة تكره في مأوى الجن والشياطين، ولهذا قال -ﷺ-: "اخْرُجُوا مِنَ هذَا الْوَادِي، فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا" (٣).
والثاني: أنه يخاف من نفارها، وذلك يبطل الخشوع، وهذا المعنى لا يوجد في الغنم، ومراح الغنم هو مأواها لَيْلًا، وقد يُصَوَّرَ في الغنم مثل ما صُوِّرَ في أعطان الإبل، وحكمهما واحد، ومأوى الإبل ليلًا كالموضع المعبر عنه بالعطن، نظرًا إلى أنها مخلوقة من الجن، ويخاف منها أيضًا، نعم النّفار في الموضع الذي تقف فيه صادرة من المنهل أقرب لاجتماعها، وازدحامها جاثية وذاهبة، فتكون الكراهة فيه أشد، وكل واحد من العطن والمراح إذا كان نجسًا بالأبوال والأبعار لم تجز الصلاة فيه، وإن كانا طاهرين صحت مع افتراقهما في الكراهة.
وقال أحمد: لا تصح الصلاة في العطن بحال.
وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال، روي أنه -ﷺ- قال: "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إلاَّ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ" (٤). ثم إن كانت جديدة لم تنبش، أو فرش على نبشها ثوبًا طاهرًا، وصلى صحت صلاته، خلافًا لأحمد، وإن صلى في مقبرة يعلم أن موضع الصلاة منها منبوش لم تصح الصلاة؛ لاختلاط صديد الموتى به، وإن شك في نبشه فقولان سبقًا في نظائر المسألة.
أظهرهما: الجواز؛ لأن الأصل الطهارة، وبه قال [مالك، وابن أبي هريرة] (٥).
_________________
(١) أخرجه الشافعي (١٧٣) ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٤٩) وبنحوه عن أحمد (٤/ ٨٦، ٥/ ٥٤، ٥٥، ٥٧)، والنسائي (٢/ ٥٦)، وابن ماجة (٧٦٩)، وابن حبان (١٦٩٤).
(٢) سقط في "ب".
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٠) من رواية أبي هريرة.
(٤) أخرجه الشافعي (١٧١)، وأبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجة (٧٤٥)، وأحمد (٣/ ٨٣، ٩٦)، والحاكم (١/ ٢٥١) والبيهقي (٢/ ٤٣٤، ٤٣٥)، وابن حبان (١٦٩١)، ومال إلى تصحيحه صاحب الإمام: انظر الخلاصة البدر (١/ ١٥١).
(٥) في "ب" وبه قال أبو حنيفة.
[ ٢ / ١٩ ]
والثاني: المنع؛ لأن الغالب في المقابر النبش، وبه قال أبو إسحاق، ويكره استقبال القبور في الصلاة؛ لما روي أنه -ﷺ-: "نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْقُبُور مَحَارِيبَ" (١). هذا تمام الكلام في النَّجاسات التي ليست هي في مظنة العفو والعذر.
قال الغزالي: أَمَّا مَظَانُّ الأعْذَارِ فَخَمْسَةٌ: (الأوُلِىَ) الأَثَرُ عَلَى مَحَلِّ النَّجْو، وَلَوْ حَمَلَ المُصَلِّي مَنِ اسْتَجْمَرَ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ العَفْوَ فِي مَحَلِّ نَجْوِ المُصَلِّي لِلْحَاجَةِ وَلَوْ حَمَلَ طَيْرًا جَازَ، وَمَا فِي البَطْنِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ قَبْلَ الخُرُوجِ لِأَنَّهَا مُسْتَتِرَةٌ خِلْقَةٌ، وَمَا عَلَى مَنْفَذِهِ لاَ مُبَالاةَ بِهِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَفِي إِلْحَاقِ البَيْضَةِ المَذِرَةِ بِالحَيَوانِ تَرَدُّدٌ، لِأَنَّ النَّجَاسة مُسْتَتِرَةٌ خِلْقَةٌ، وَالقَارُورَةُ المُصَمَّمَةُ الرَّأْسِ لَيْسَتْ كَالْبَيْضَةِ (و).
قال الرافعي: القسم الثاني من النجاسات: النجاسات الواقعة مظنة العذر والعفو، وقد جعل مظان العذر خمسًا:
إحداها: الأثر على محل النجو إذا استنجى بالحجر، فهو معفو عنه، وإن كان ذلك الأكل نجسًا، أما كونه معفوًا عنه؛ فلما سبق من جواز الاقتصار على الحجر، وأما كونه نجسًا، فلأن المطهر هو الماء، فلو خاض في ماء قليل نجس الماء؛ لأن العفو رخصة، وتخفيف الخوض في الماء مما تندر الحاجة إليه، ولو حمل المصلي من استنجى بالحجر ففي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأن ذلك الأثر واقع في محل العفو، فلا عبرة به، كما لو صلى المحمول معه، وكما يعفى عنه من الحامل.
وأصحهما: أنها لا تصح؛ لأن العفو عنه من المستجمر إنما كان للحاجة، ولا حاجة به إلى حمل الغير، فصار كما لو حمل شيئًا آخر نجسًا، وينسب الوجه الأول إلى الشيخ أبي علي، والثاني إلى القفال.
ويجري الوجهان فيما إذا حمل المصلي من على ثوبه نجاسة معفو عنها (٢)، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق وتلوث بمحل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز (٣) بخلاف حمل الغير ولو حمل طيرًا، أو حيوانًا آخر لا نجاسة عليه
_________________
(١) أخرجه مسلم دون لفظ المحاريب (٥٣٢).
(٢) قضية كلامه أنه لا يصح مطلقًا، وفي التحقيق للإمام النووي لو حمل ثوبًا به دم براغيث أو صلى عليه إن أكثر دمه ضر وإلا فلا على الأصح.
(٣) في شرح المهذب جعل الخلاف فيما إذا لم يجاوز محله: قال: فإن سال العرق منه وجاوزه، وجب غسل ما سأل إليه.
[ ٢ / ٢٠ ]
صحت صلاته، ولا نظر إلى ما في بطنه من النجاسة؛ لأنها في معدنها الخلقي، فلا يعطى لها حكم النجاسة، كما في جوف المصلي، وما قدمناه من الفرق بين المصلي والمحمول ينقدح هاهنا، لكن روي: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حَمَلَ أُمَامَةَ بنْتَ أَبِي الْعَاصِ فِي صَلاتِهِ، وَهِيَ بِنْتُ بنْتِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- زَيْنَبُ" (١)؛ فلذلك قلنا بالصَحة، وهذا إذا كان الحيوان المحمول طاهر المنفذ، فإن لم يكن فهو جزء طاهر تنجس بما يخرج من النجاسة، فهل تصح الصلاة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند المصنف: أنها تصح، ولا مبالاة بذلك القدر اليسير.
والثاني: لا تصح، كما لو كان جزء آخر منه نجسًا، وهذا أظهر عند إمام الحرمين، ولم يورد في "التتمة" سواه.
والوجهان جاريان فيما لو وقع هذا الحيوان في ماء قليل، أو مائع آخر، وخرج حيًّا هل يحكم بنجاسته؛ لنجاسة المنفذ؟ لكن الظاهر ثم العفو، لأن الحمل لا تعرض الحاجة إليه إلا على سبيل الندور، وصيانة الماء وسائر المائعات عنها مما يشق، وأيضًا فإن الطيور لم تزل تَغُوص في المياه الكثيرة والقليلة، وكان الأولون لا يحترزون عنها.
ولو حمل بيضة صار حشوها دمًا، وظاهرها طاهرًا، ففي صلاته وجهان، حكاهما القفال، وغيره:
أحدهما: تصح صلاته، كما لو حمل حيوانًا طاهرًا؛ لأن النجاسة في الصورتين مستترةٌ خلقة.
وأظهرهما: أنها لا تصح، كالنجاسات الطاهرة إذا حملها، بخلاف باطن الحيوان؛ لأن للحيوان أثرًا في درء النجاسات، ألاَ ترى أنها إذا زالت نجس جميع الأجزاء، وأما البيضة فهي جماد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا حمل عنقود استحال باطن حياته خمرًا، ولا رشح على ظاهرها، وكذلك في كل استتار خِلْقِي.
ولو حمل قارورة مصممة الرأس بصفر ونحوها، وفيها نجاسة، فظاهر المذهب -وهو المذكور في الكتاب-، أن صلاته تبطل؛ لأن استتار النجاسة هاهنا ليس بخلقي، بخلاف البيضة والحيوان، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنها تصح؛ لأن النجاسة باطنة لا يخرج منها شيء فأشبهت ما في البيضة، وباطن الحيوان.
ولو حمل حيوانًا مذبوحًا بعد غسل الدم عن موضع الذبح، فالذي قاله الأئمة أن الصلاة باطلة، بخلاف الحمل في حال الحياة، ولم يذكروا هاهنا الخلاف المذكور في
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٢١ ]
البيضة ونحوها، وذلك جواب منهم على ظاهر المذهب، وإلا فالنجاسة مستترة هاهنا أيضًا خِلْقَة، ويجوز أن يجعل منافذ الحيوان فارقًا -والله أعلم-.
وقوله: في مسألة حمل الطير: (لأنها مستترة خلقة) ظاهر اللفظ إنما هو التعليل بمجرد الاستتار خلقة، ولو كان كذلك لوجب أن لا يقع التردد في البيضة لوجود العلة، لكن في الحيوان وجد أمران الاستتار الخِلقي، وكونه [في] (١) باطن الحيوان، فكأن بعضهم جعل العلة مجموع الأمرين، ومنع من حمل البيضة، وبعضهم اكتفى بالوصف الأول، وجوز حمل البيضة، فإذًا قوله: (لأنها مستترة خلقة) إشارة إلى الوصف الذي لا بد منه، ثم يبقى الكلام في أنه مؤثر وحده، أو مع شيء آخر، وأراد بالبيضة المذكورة التي صار حشوها دمًا، وإلا فهي كالملح المنتن، وهو طاهر.
وقوله: القارورة المصممة الرأس، يعني بالصفر والنحاس وما أشبه ذلك، أما التصميم بالخرقة ونحوها فلا يغني كَلَفِّ النجاسة في الخرقة، والشمع عند بعضهم كالخرقة، وألحقه القاضي ابن كج بالرصاص.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ) يُعْذَرُ مِنْ طِينِ الشَّوَارعِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا، وَكَذَا مَا عَلَى الخُفِّ فِي حَقِّ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ.
قال الرافعي: طين الشوارع ينقسم إلى ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات، وإلى ما يستيقن، وإلى غيرهما، فأما غيرهما فلا بأس به، وأما ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات، ففيه قولان: سبق ذكرهما في باب الاجتهاد، وأما ما تستيقن نجاسته فيعفى عن القليل منه؛ لأن الناس لا بد لهم من الانتشار في حوائجهم، وكثير منهم لا يملك إلا ثوبًا واحدًا، فلو أمروا بالغسل لَعَظُمَ العناء والمشقة، وأما الكثير فلا يعفى عنه كسائر النجاسات، والقليل هو الذي يتعذر الاحتراز عنه، والرجوع في الفرق بينه، وبين الكثير إلى العادة، ويختلف الأمر فيه بالوقت وبموضعه من البدن، وذكر الأئمة له تقريبًا. فقالوا القليل المعفو عنه؛ هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة، أو نكبة، أو قلة تَحَفُّظٍ، فإن نسب إلى شيء من ذلك فهو كثير.
وقوله: (ويعذر من طين الشوارع) أراد به القسم الثالث: وهو المستيقن النجاسة على ما صرح به في "الوسيط"، ثم الذي يغلب على الظن نجاسته في معناه إن فرعنا علي العمل بالغالب.
وأما قوله: (وكذا ما على الخف في حقْ من يصلي معه) فاعلم أولًا أن أصحابنا
_________________
(١) سقط في "ب".
[ ٢ / ٢٢ ]
حكوا عن الشافعي -﵁- قولين في أنه إذا أصابت أسفل خفه أو نعله نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهب أجزاؤها، هل تجوز صلاته فيه؟ قالوا: وهما مبنيان (١) على أنه لا يطهر، والكلام في العفو.
أحدهما -وهو القديم-: أنه تجوز صلاته فيه، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا أَصَابَ خُفَّ أَحَدِكُمْ أَذًى فَلْيدْلِكْهُ بِالأَرْضِ" (٢).
ولأن النجاسة تكثر في الطرق، وغسله كل مَرَّةٍ مما يشق، فعفى عنه، فاكتفى بالمسح كمحل النجو.
والثاني -وهو الجديد-: أنه لا يجوز الصلاة فيه ما لم يغسل كالثوب إذا أصابه نجاسة، والأذى في الخبر محمول على المستقذرات، وذكروا للقولين شروطًا:
أحدهما: أن يكون تنجسه بنجاسة لها جُرْمٌ يلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال.
والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطبًا فلا يغنى الدلك بلا خلاف.
والثالث: حكي عن الشيخ أبي محمد بأن الخلاف فيما إذا كان يمشي في الطريق فأصابته النجاسة من غير تعمد منه، فأما إذا تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل لا محالة، ثم قال الأصحاب: الفتوى على الجديد، ولم يفرقوا في حكاية القولين بين القليل والكثير من طين الشوارع المستيقن نجاسته وبين سائر النجاسات الغالبة في الطرق.
واعلم ثانيًا أن قوله: (وكذا ما على الخف) يعني: من طين الشوارع، وسائر النجاسات الغالبة في الطرق، كالروث وغيره، لأن لفظه في "الوسيط" (وكذا ما على الخف من نجاسة، لا يخلو الطريق عن مثلها) وإذا عرفت ذلك ذلك أن تقول: إن قلنا بالقديم فيحتمل نجاسة الخف، ويكتفي بانتشار جرم النجاسة عنه بالدلك بعد الجفاف، وإن قلنا بالجديد فلا يحتمل ذلك، فما معنى قوله: (وكذا ما على الخف) أهو جواب على القديم أم كيف الحال؟ والجواب: أن خروجه على القديم واضح لا ينكر ووراءه احتمالان أقربهما أن يكون القولان مفروضين في الكثير الذي يعفى عنه من النجاسات، وهل يجب غسله إذا أصاب الخف أم يكتفي فيه بالدلك؟ ويكون المراد مما ذكره في
_________________
(١) في "ب" متفقتان.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٥، ٣٨٦) وابن خزيمة (٢٩٢) وانظر التلخيص (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
[ ٢ / ٢٣ ]
الكتاب القليل من الطين المستيقن نجاسته، ومن الروث وغيره، فيعفى عنه في الخف كما في الثوب والبدن من غير غسل ولا دلك؛ بل العفو فيه؛ لأن الاحتراز أشق، وكذلك يكتفي فيه بالدلك على قول، ولا يكتفي به في الثوب والبدن بحال، فعلى هذا لا يتعين كلام الكتاب جوابًا على القديم، بل القليل معفو عنه بلا خلاف، والأثر الباقي على القديم أيضًا فينتظم فيهما الحكم بالعفو مما على الخف.
والاحتمال الثاني هو: أن يؤخذ بإطلاق القولين، ويطرد في القليل والكثير من هذه النجاسات، ويجوز أن يفرق على هذا بين الخف والثوب بأن الحاصل على الخف قدر كبير، وأيضًا فإن الخف ينزع في الغالب، ولا يحتاج إلى استصحابه بخلاف الثياب، فعلى هذا يتعين كلام الكتاب جوابًا على القديم، ومتى وقع التفريع على القديم مرادًا سواء كان ذلك كل المراد، أو من المراد، فيجب أن يريد بقوله: (وكذا ما على الخف) أثر النجاسات المذكورة بعد الجفاف دون عينها، فإنه لو بقي العين فلا يحتمل على القديم أيضًا، كما لا يحتمل على الجديد، وعلى الاحتمال الأول ينبغي أن يعفى عن اللوث الحاصل على جميع أسفل الخف وأطرافه، وبعد ذلك قليلًا بخلاف ما لو كان على الثوب والبدن، وكذا يعفى عن اللوث في حال الرطوبة كما في الثوب البدن، بخلاف ما إذا فرعنا على القديم، فإن العفو يختص بالأثر الباقي بعد الجفاف والدَّلْكِ، ثم العفو بكل حال فيما يحصل من غير قصد منه، أما لو تعمد التلطيخ فلا، وهكذا يكون الحكم في الثوب والبدن، ولهذا قال في باب الاستقبال: الماشي المتنفل لو مشى على نجاسة قصدًا بطلت صلاته، ولا تجب المبالغة في التحفظ عند كثرة النجاسات في الطرق فإن قلت حكيتم ثَم عن إمام الحرمين أنه لو مشى على نجاسة رطبة بطلت صلاته، سواء كان قاصدًا إليها، أو لم يكن، وهذا يخالف ما ذكرتم الآن قلنا: ذاك إذا جرينا على الاحتمال الأول، الأقرب محمول على ما إذا حصل تلويث كثير لا يقع في حد العفو.
واعلم أن قوله في باب المسح على الخفين: (يمسح أعلى الخف، وأسفله إلا أن يكون على أسفله نجاسة) إن كان تجويزًا للصلاة معه، وعفوًا فتنزيله على قضية القولين كما ذكرنا في قوله: (وكذا ما على الخف) ويمكن أن يقال: ليس الغرض ثَمَّ، سوى أنه لا يصح على الأسفل إذا كان عليه نجاسة كما قدمناه.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ: دَمُ البَرَاغيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إِلاَّ إِذَا كَثُرَ كَثْرَةَ يَنْدُرُ وُقُوعَهُ وَيَخْتَلِفُ ذلِكَ بِالأَوْقَاتِ وَالأمَاكِنِ، فَإِنْ وَقَع كَثْرَتُهُ فِي مَحَلِّ الشَّكِّ فَالاْحْتِيَاطُ أَحْسَنُ، وَالتَّرَخَّصُ بهِ جَائِزٌ أَيْضًا.
قال الرافعي: دم البراغيث ينقسم إلى قليل وكثير، فالقليل مَعْفُو عنه في الثوب
[ ٢ / ٢٤ ]
والبدن جميعًا، لأنه مما تَعم [البلوى به] (١) ويشق الاحتراز عنه، فعفى عنه نفيًا للحرج، وأما الكثير ففيه وجهان:
أصحهما عند العراقيين، والقاضي الروياني وغيرهم، أنه يعفى (٢) عنه أيضًا، لأنه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه، والغالب في هذا الجنس عسر الاحتراز، فيلحق غير الغالب منه بالغالب كما أن المسافر يترخص، وإن لم يلحقه في سفره مشقة اعتبارًا بالغالب، وبأن الحاجة إلى الفرق والتمييز بين القليل والكثير مما توجب المشقة.
والوجه الثاني: أنه لا يعفى عنه؛ لأن الأصل اجتناب النجاسات، وإنما خالفنا في القليل لعموم البلوى به، وهذا أصح عند إمام الحرمين، وهو المذكور في الكتاب، وفي معنى دم البراغيث دم القمل، والباعوض وما أشبه ذلك، وكذا ونيم (٣) الذباب، وبول الخفاش، ولو كان قليلًا فعرق وانتشر اللطخ بسببه، ففيه الوجهان المذكوران في الكثير، واختيار القاضي الحسين أنه لا يعفى عنه لمجاوزته محله، واختيار أبي عاصم العبادي (٤) العفو، لتعذر الاحتراز، ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير في دم البراغيث وغيره؟ حكي فيه قولان قديمان:
_________________
(١) في أتقديم وتأخير.
(٢) قال الأذرعي: حيث قلنا به أي بالعفو عن الكثير فلا بد من شروط: أحدها: أن لا يتفاحش بإهماله غسله، وقد قال الإمام مفرعًا على ما رجحه ثم الذي قطع به أن الناس عادة من غسل الثياب من كل حين ولا بد من اعتبارها فإن من لا يغسل ثوبه الذي يصلي فيه عما يصيبه من لطخ سنة مثلًا متفاحش مواقع النجاسة من هذه الجهات عليه. وهذا لا شك في وجوب اعتباره وهذا فرعه على رأيه في عدم العفو عن الكثير لكن في كون الإمام فرع ذلك على عدم العفو عن الكثير. فيه توقف والظاهر أن الإمام إنما فرعه على العفو عن الكثير فليتأمل. ثانيها: أن لا يكون بفعله فإن كان بفعله لم يعف عنه وجهًا واحدًا: "قاله في التتمة والتحقيق". ثالثها: أن يحتاج إليه للبسه فلو حمل ثوبًا فيه دم براغيث بعض عن مثله حال لبسه فيه الوجهان فيما لو حمل مستجمرًا حتى لا تصح من الأصح. ذكر ذلك الرافعي من حمل المستجمر. قال القاضي الحسين: لو كان الثوب الملبوس زائدًا على تمام لباس بدنه لم تصح صلاته لأنه غير مضطر إليه. رابعها: أن يكون البدن جافًا فلو لبث الثوب الذي فيه دم البراغيث وبدنه رطب فإنه لا يجوز. (قاله الشيخ أبو علي في التلخيص). قال: لأنه لا ضرورة إن تلوث بدنه وبه جزم المحب الطبري تفقهًا. وقال صاحب التتمة: يغضّ عنه بكل حال. خامسها: أن العفو بالنسبة للصلاة فأما لو وقع ثوب فيه دم البراغيث في ماء قليل. قال في التتمة يحكم بتنجسه.
(٣) جزء الذباب المعجم الوسيط (٢/ ١٠٧١).
(٤) تقدم ترجمته.
[ ٢ / ٢٥ ]
أحدهما: أن القليل قدر دينار فما دونه وإن زاد عليه فهو كثير.
والثاني: أن القليل ما دون قدر الكف، والجديد: أنه لا عبرة بذلك، واختلفوا فيما يضبط به على قياسه في الجديد على وجهين:
أحدهما: أنه إذا بلغ حدًا يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان طلبًا فهو كثير، وإن كان دونه فهو قليل؛ لأن المقصود من الاحتراز عن النجاسات تعظيم أمر الصلاة وأداؤها على الهيئة الحسنى، وإذا صارت النجاسة بحيث تظهر للناظرين فقد اختل معنى التعظيم.
وأظهرهما: أن الرجوع فيه إلى العادة مما يقع التلطيخ به غالبًا، ويعسر الاحتراز عنه، فهو قليل، وإن زاد عليه فهو كثير، وذلك لأن أصل العفو إنما أثبتناه لتعذر الاحتراز عن هذه النجاسة، فينظر في الفرق بين القليل والكثير إليه أيضًا، فعلى الوجه الأول لا يختلف الحال بالأماكن والأوقات، وعلى الوجه الثاني هل يختلف؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يعتبر الوسط المعتدل، ولا ينظر في الأزمنة والأمكنة إلى ما يندر فيه ذلك، ولا إلى ما يتفاحش فيه.
وأظهرهما: أنه يختلف الأمر باختلاف الأوقات والأماكن؛ لأن لها تاثيرًا ظاهرًا في سهولة الاحتراز وعسره، فعلى هذا يجتهد المصلي فيه وينظر؛ أهو قليل أم كثير؟ وإذا فرعنا على ما ذكره في الكتاب، وهو أن الكثير لا يعفى عنه؛ فلو شك في أن ما أصابه قليل أو كثير فقد ذكر إمام الحرمين فيه احتمالين:
أحدهما: أنه لا يعفى عنه؛ لأن الأصل اجتناب النجاسة، والرخصة إنما تثبت في القليل، فإذا شككنا في أنه قَلِيلٌ أم لا، فقد شككنا في المرخص.
والثاني: أنه يعفى: لأن الأصل في هذه النجاسة العفو إلا إذا تيقنا الكثرة، وهذا هو الذي رجحه وذكره في الكتاب، حيث قال: (والترخص جائز أيضًا) والأول هو الاحتياط.
ولنبين المواضع المستحقة للعلامات من هذا الفصل.
قوله: (إلا إذا كثر) ينبغي أن يعلم بالواو للوجه الصائر إلى العفو في الكثير والقليل، وكذلك بالحاء والألف؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أن دم البراغيث طاهر، وبه قال أحمد في أصح الروايتين، فلا فرق بين القليل والكثير، وهذا مذهبهما في الرطوبة المنفصلة عن كل ما ليس له نفس سائلة كونيم الذباب، ونحوه.
وقوله: (كثرة يندر وقوعها) بالواو، إشارة إلى القولين القديمين، فإنهما لا ينظران إلى غلبة الوقوع وندرته، ولا يعتبران الكثرة بندرة الوقوع.
[ ٢ / ٢٦ ]
وقوله: (ويختلف ذلك بالأوقات والأماكن) للوجه الصائر إلى مراعاة الظهور، والوجه المعتبر للوسط أيضًا.
وقوله: (والترخيص جائز أيضًا) ينبغي أن يعلم (أيضًا) للاحتمال الأول على ما سبق.
قال الغزالي: (الرَّابِعَةُ) دَمُ البَثَرَاتِ وَقَيْحُهَا وَصَدِيدُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وإنْ أَصَابَهُ مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ، وَلَطَخَاتُ الدَّمَامِيلِ والفِصْدَانِ دَامٍ غالِبًا فَكَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، وإنْ لَمْ يُدْمَ فَفِي إِلْحَاقِهَا بِالبَثَرَاتِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: دم البثرات كدم البراغيث، لأن الإنسان قلما يخلو عن بثرة يترشح منها شيء، فلو وجب الغسل كل مرة لَشقَّ، بل ليس دم البراغيث إلا رشحات تمصها البراغيث من بدن الإنسان، ثم تمجها، وإلا فليس لها دماء في نفسها، ذكره إمام الحرمين، ولذلك عدت البراغيث مما ليس له نفس سائلة.
إذا تمهد ذلك، فالقليل منه معفو عنه بلا خلاف، وفي الكثير وجهان كما في دم البراغيث، ولفظ الكتاب هاهنا وإن كان مطلقًا إلا أنه أراد به القليل لوجهين:
أحدهما: أنه أجاب بعدم العفو في دم البراغيث إذا كان كبيرًا والخلاف في الدمين واحد، فلا ينتظم أن نحكم هاهنا بالعفو في الكثير.
والثاني: أنه قال: متصلًا به (وإن أصابه من بدن الغير فوجهان) والخلاف فيما يصيبه من بدن الغير في القليل دون الكثير على ما سيأتي، وإذا كان مراده القليل فلا حاجة إلى إعلامه بالواو من حيث إن اللفظ يتناول الكثير، وهو مختلف فيه؛ لأن القلة مضمرة فيه، لكن يجوز أن يعلم بالواو من جهة أنه يشمل ما إذا عصر البثرة قصدًا، وأخرج ما فيها، وقد نقل صاحب "التتمة" في هذه الصورة وجهين، لأنه مستغنى عنه، وإلا ظهر العفو على ما يقتضيه إطلاق الكتاب، لما روي أن ابن عمر -﵁- عصر بثرة على وجهه، ودلك بين أصابعه بما خرج منها، وصلى، ولم يغسله (١)، ولو أصابه دم من بدن غيره، من آدمي، أو بهيمة، أو غيرهما، نظر إن كان كثيرًا فلا عفو عنه؛ لأنه قدر فاحش، والاحتراز عنه سهل، وإن كان قليلًا وهو المراد من لفظ الكتاب، فقد حكى فيه وجهين، وكذلك فعل الصيدلاني، وجماعة من الجمهور حكوهما قولين:
أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يعفى عنه، لأنه لا يشق الاحتراز عنه، فأشبه القليل من الخمر وسائر النجاسات.
_________________
(١) ذكره البخاري بلا إسناد، وأسند البيهقي وصححه صاحب الإمام (١/ ١٤١).
[ ٢ / ٢٧ ]
والثاني: وهو نصه في "القديم" وفي "الأم": أنه يعفى عنه، لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو، فيقع القليل منه في محل السامحة.
والأصح منهما عند العراقيين، إنما هو العفو، وتابعهم صاحب "التهذيب"، وعند إمام إلحرمين وجماعة عدم العفو، وهو الأحسن، ولو أصابه شيء من دم نفسه، ولكن لا من البثرات، بل من الدماميل [والقروح، ومن موضع القصد والحجامة. ففيه وجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه كدم البثرات؛ لأنها دمان لم تكن غالبة فليست بنادرة أيضًا، وإذا وجدت دامت وعسر الاحتراز عن لطخها، [ولأن الفرق بين البثرات والدماميل] (١) الصغار قد يعسر.
والثاني: أنها لا تلحق بدم البثرات؛ لأن البثرات لا يخلو معظم الناس عنها في معظم الأحوال، بخلاف الدماميل والجراحات، وعلى هذا فينظر إن كان مثلها مما يدوم غالبًا فهي كدم الاستحاضة، وحكمه ما سبق في "الحيض" وإن كان مما لا يدوم غالبًا فيلحق بدم الأجنبي، حتى لا يعفى عن كثيره بحال، وفي قليله الخلاف الذي سبق.
والوجه الأول: هو قضية كلام الأكثرين، حيث لم يفرقوا في الدم الخارج من البدن بين أن يخرج من البَثَرَاتِ، أو غيرها.
والوجه الثاني: هو اختيار القاضي ابن كَج، والشيخ أبي محمد، وإمام الحرمين -﵏- وهو الأولى.
وإذا أردت تلخيص حكم الدماء بعد دم البراغيث فطريقه على قضية الوجه الأول أن نقول: ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه، فهو كدم البراغيث، وإلى غيره فلا يعفى عن كثيره، وفي قليله الخلاف، وعلى قضية الوجه الثاني أن نقول: ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه على وجه يعم، وهو دم البثرات فهو كدم البراغيث، وإلى غيره ويدخل فيه ما يخرج من بدنه وعلى وجه لا يعم، وما يخرج عن غيره فلا يعفى عنه كثيره، وفي قليله الخلاف.
وحكم القيح والصديد حكم الدم في جميع ما ذكرناه؛ لأنهما دمان مستحيلان إلى نتن وفساد، وأما ماء القروح والنفطات فإن كان له رائحة كريهة فهو نجس كالقيح، والصديد، وإلا ففيه طريقان (٢):
أحدهما: القطع بطهارته تشبيهًا له بالعرق.
_________________
(١) سقط في "ب".
(٢) قال النووي: المذهب طهارته.
[ ٢ / ٢٨ ]
والثاني: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
وأظهرهما: النجاسة كالصديد الذي لا رائحة له ويحكى هذا عن الشيخين أبي محمد، وأبي علي.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فمنه ما اندرج في أثناء الكلام، ومنه أن قوله: (وإن أصابه من بدن الغير) راجع إلى أول كلامه، وهو دم البثرات (١)، لكن الخلاف في دم الغير لا يختص بالخارج من بثراته، بل يستوي فيه الخارج من البثرات وغير البثرات، وقوله: (ولطخات الدماميل والفصد)، وقد يقرأ بعضهم بدل الفصد العقد، ولا بأس به، فموضع الفصد والحجامة والدماميل كلها في الحكم سواء.
وقوله: (وإن دام غالبًا) أي: إن دام مثلها غالبًا، وكذا قوله: (إن لم يدم) أي: مثلها، وما أشبه ذلك، وإلا فلا يمكن أن يكون قوله دام، ولم يدم صفة الدماميل، ولا صفة اللطخات، لأن منها ما هو دائم، ومنها ما هو غير دائم، فلا يجوز وصف كلها لا بالدوام، ولا بعدم الدوام، ثم لك أن تستدرك فتقول: نظم الكتاب يقضي أن يكون التردد في إلحاقها بدم البثرات مخصوصًا بلطخات الدماميل التي لا تدوم، وأن تكون لطخات الدماميل الدائمة ملحقة بدم الاستحاضة من غير تردد، وليس الأمر كذلك، بل حكى إمام الحرمين وغيره في إلحاقها بدم البثرات وجهين مطلقًا كما قدمنا، ثم يفصل على وجه عدم الإلحاق فيقال: ما يدوم منها كدم الاستحاضة، وما لا يدوم كدم الأجنبي، وإيراده في "الوسيط" محتمل لما ذكره في "الوجيز"، ولما هو الحق.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ: الجَاهِلُ بِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فِيهِ قَوْلاَنِ: الجَدِيدُ: وُجوُبُ القَضَاءِ فَإِنْ كانَ عَالِمًا ثُمَّ نَسِيَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ (م)، وَمَثَارُ التَّرَدُّدِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ المَنَاهِي فَيَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِيهِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ كَطَهَارَةِ الحَدَثِ.
قال الرافعي: إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنهما، وهو لا يدري نظر إن لم يعلم بها أصلًا ثم تبين الأمر له، ففي وجوب القضاء قولان:
الجديد وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ: أنه يجب؛ كما لَو بَانَ له بعد الفراغ من الصلاة أنه كان محدثًا، والقديم: أنه لا يجب لما روي أنه -ﷺ- "خَلَع نَعْلَه فِي الصَّلاَةِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُم، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُم، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ
_________________
(١) في "ب" البراغيث.
[ ٢ / ٢٩ ]
فألْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أتَانِي وَأَخْبَرنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا" (١).
والاستدلال أنه بعد تبين الحال مضى في صلاته، ولم يستأنف، ولو علم بالنجاسة، ثم نَسِيَ فصلى، ثم تذكر فطريقان:
أحدهما: القطع بوجوب القضاء، لتفريطه.
والثاني: أنه على القولين، لأن النسيان عذر كالجهل ويقال: إن القول بعدم وجوب الإعادة مخرج من القول القديم في نسيان الماء في الرحل ولا يمكن اعتبارها بالحدث، فإن العفو إلى النجاسات أسرع منه إلى الحدث، فيجوز أن يعد الجهل والنسيان فيها من الأعذار، ثم إذا أوجبنا الإعادة فيجب إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع تلك النجاسة، وإن احتمل أنها حدثت بعد ما صلى، فلا شيء عليه.
وعن أبي حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة أعاد صلاة واحدة، وإن كانت يابسةً وكان في الصيف فكذلك، وإن كان في الشتاء أعاد صلاة يوم وليلة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن قوله: (الجاهل بنجاسة ثوبه) - المراد منه النجاسة التي لا يعفى عنها؛ والخلاف لا يختص بالثوب بل البدن والمكان في معناه، وإنما ذكر الثوب مثالًا.
قوله: (الجديد وجوب القضاء) اعلم لفظ (الوجوب) بالميم، لأن المنقول عن مالك إن كان الوقت باقيًا يعيد، وإلا فلا.
قال الشيخ أبو حامد: ومهما قال مالك ذلك فلا يوجب الإعادة، ولكن يستحبها في الوقت، وحكى إمام الحرمين مثل ذلك عن أئمة مذهبه، ويجوز أن يعلم بالألف أيضًا؛ لأنه روي عن أحمد روايتان في المسألة كالقولين، وقوله: فقولان مرتبان في الصورة الثانية يشير إلى أن فيها طريقين (٢) كما رويناهما.
وقوله: (وأولى بالوجوب) يجوز أن يعلم لفظ "الوجوب" بالميم والألف؛ إشارة إلى مذهبهما، والحكم عندهما واحد في الصورتين.
وقوله: "ومثار التردد " إلى آخره، شرحه أن خطاب الشارع قسمان:
أحدهما: خطاب التكليف بالأمر، أو النهي، والنسيان يؤثر في هذا القسم ألا ترى أن الناسي لا يأثم بترك المأمور، ولا بفعل المنهي، لأنه لم يبق مكلفًا عند النسيان، بل التحق بالمجنون وبسائر من لا يخاطب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٦٥٠) وابن خزيمة (٧٨٦، ١٠١٧) وابن حبان (٢١٧٦). والحاكم (١/ ٢٦٠)، وقال صحيح على شرط مسلم.
(٢) في "ب" طريقة.
[ ٢ / ٣٠ ]
والقسم الثاني: خطاب الأخبار (١) وهو ربط الأحكام بالأسباب، وجعل الشيء شرطًا من هذا القبيل، فإن معناه أن يقول: إذا لم يوجب كذا في كذا فهو غير معتد به، والنسيان لا يؤثر في هذا القسم، ولهذا يجب الضمان على من أتلف مال الغير ناسيًا، لأنه مأخوذ من قوله: (من أتلف ضمن) واختلاف القولين مستند إلى أن استصحاب النجاسة من قبيل المناهي في الصلاة، حتى إذا كان ناسيًا يعذر، ولا يعد مقصرًا مخالفًا، أو الطهارة عنها من قبيل الشروط، فلا يؤثر الجهل والنسيان كما في طهارة الحدث، وقد ورد في الباب ألفاظ ناهية، نحو قوله -ﷺ-: "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ" (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٣).
وألفاظ شارطة نحو ما روي أنه -ﷺ- قال: "تُعَادُ الصَّلاَةُ مِنْ قَدْرِ الدَّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ" (٤) فهذا بيان ما ذكره.
وأعلم أن هذا الكلام يوجب أن يكون قوله من قبيل الشرط.
الثاني: طهارة الحدث بناء على قوله الجديد، وأن يكون القوم القديم منازعًا فيه، ثم لك أن تقول: إنه عد ترك الكلام من الشروط، ومعلوم أن الكلام ناسيًا لا يضر بلا خلاف بيننا، فإن كانت الشروط لا تتأثر بالنسيان فمن الواجب أن لا يعده شرطًا، وحيث أدرجه في الشروط، فكأنه أراد بالشروط عند عد الأشياء الستة ما لا بد منه في الصَّلاَةِ عند العلم، وأراد بالشروط في قوله هاهنا: ومن قبيل الشروط ما لا بد منه مطلقًا، وما لا بد منه عند العلم قد يكون بحيث لا بد منه على الإطلاق، وقد لا يكون كذلك، ثم بتقدير أن يكون استصحاب النجاسة من المناهي في الصلاة، فلم تبطل الصلاة إذا أستصحبها عالمًا، أيلزم ذلك من نفس النهي أم يؤخذ من دليل زائد؟ فيه كلام أصولي لا أطول منها بذكره.
خاتمة لهذا الشرط: قوله في أول القسم الثاني: (أما مظان الأعذار فخمس) يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة، لكن للعذر مظانًا أخر.
_________________
(١) انظر الكلام على ما يتعلق بالحكم الوضعي في المستصفى (١/ ٩٣)، والغيث الهامع في شرح جمع الجوامع (١/ ٤٣)، وروضة الناظر ص (٣٠)، ومسلم الوصول (٣٣)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٤٣٤).
(٢) تقدم.
(٣) سورة المدثر، الآية ٥.
(٤) أخرجه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي هريرة وضعفاه، قال البخاري: باطل، وقال ابن حبان: موضوع أشك فيه، اخترعه أهل الكوفة في الإسلام، انظر خلاصة البدر (١/ ١٥٢)، التلخيص (١/ ٢٧٨).
[ ٢ / ٣١ ]
منها: النجاسة التي تستصحبها المستحاضة، وسلس البول في صلاته.
ومنها ما إذا كان على جرحه دَمٌ كثير يخاف من إزالته.
ومنها: تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف.
ومنها الشَّعْرُ الذي ينتف ولا يخلو عنه ثوبه وبدنه، وحكمه حكم دم البراغيث.
ومنها القدر الذي لا يدركه الطرف من البول، والخمر، وغير الدم من النجاسات، ففيه خلاف ذكرناه في الطهارة.
وقال أبو حَنِيفَةَ: النجاسة قسمان: مُغَلَّظَةْ، ومخففة [فالمغلظة] (١) كالخمر، وللعذرة، وبول ما لا يؤكل لحمه، فيعفى عنها في الثوب والبدن والمكان بقدر الدرهم البغلي (٢) فما دونه، فإن زاد لم يجز، والمخففة كبول ما يؤكل لحمه، فتجوز الصلاة معه ما لم يتفاحش، وهو أن لا يبلغ ربع الثوب، ومنهم من قال: التفاحش الشبر في الشبر (٣).
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سَتْرُ العَوْرَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَفِي وُجُوبهِ فِي الخَلْوَةِ تَرَدُّدٌ، وَالمُصَلِّي فِي خَلْوَةٍ يَلْزَمُهُ السَّتْرُ فهي الصَّلاَةِ.
القول في ستر العورة:
قال الرافعي: وجوب ستر العورة عند القدرة لا يختص بحالة الصلاة، بل يجب في غير حالة الصلاة أيضًا، لما روي أنه -ﷺ- قال: "لاَ تَكْشِفْ فَخْذَكَ، ولا تَنْظُر إِلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلاَ مَيِّتٍ" (٤).
وروي: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ".
وهذا إذا كان معه غيره، فأما إذا كان في الخلوة فوجهان:
أحدهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: لا يجب إذ ليس ثم من ينظر إليه، وروي هذا عن أبي حنيفة، وأحمد.
وأصحهما، وبه قال الشيخ أبو علي: يجب لظاهر الخبر، وللتستر عن الجن والملائكة، وأيضًا فإن الله تعالى أحق أن يُسْتَحَى منه.
_________________
(١) في "ب" فالمغلظة.
(٢) الدرهم البلغي بنسبة إلى ملك يقال له رأس البغل، انظر المصباح المنير (١/ ٢٦٢).
(٣) في "ب" شبر في شبر.
(٤) أخرجه أبو داود (٣١٤٠، ٤٠١٥) وابن ماجة (١٤٦٠)، والحاكم (٤/ ١٨٠ - ١٨١)، والبيهقي (٢/ ٢٢٨) وفيه نكارة، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٥٢).
[ ٢ / ٣٢ ]
وأما في حالة الصلاة فهو شرط للصحة، فلو تركه مع القدرة بطلت صلاته، سواء كان في خلوة، أو معه غيره (١) خلافًا لمالك، حيث قال: إنه ليس بشرط؛ لكنه واجب في الصلاة وغيرها، وروى بعضهم عن مذهبه أن الستر شرط عند الذكر، ولا يشترط حالة النسيان.
لنا قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢).
عن ابن عباس -﵄- أنه قال: يعني الثياب عند الصلاة.
وروي أنه -ﷺ- قال: "لاَ يَقْبَل الله صَلاَةَ حائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ" (٣).
والمراد بالحائض البالغة (٤)، ذلك أن تعلم قوله: (الشرط الثالث ستر العورة) بالميم لما حكينا عن مذهب مالك.
وقوله: (يلزمه الستر في الخلوة) إن كان المراد منه الاشتراط، فكذلك ينبغي أن يعلم بالميم، وإن كان المراد منه الوجوب فلا يجوز أن يعلم قوله: (ستر العورة) بالحاء، والألف أيضًا؛ لأنه يشير إلى أن ستر الكل شرط، فإنه لو كان البعض مكشوفًا صح أن يقال: ما ستر عورته، ستر بعضها.
وعند أبي حنيفة: لو ظهر من العورة المُغَلَّظَةِ قدر درهم بطلت صلاته، ولا بأس بظهور ما دونه، ولو ظهر من العورة المخففة قدر ربع عضو بطلت الصَّلاة، ولا بأس بظهور ما دونه.
قال: والمغلظة السوأتان، والمخففة ما سواهما على تفاوته بين الرجل والمرأة كما سيأتي.
وعند أحمد لو ظهر اليسير من العورة، لم يضر، ولم يقدر كما فعله أبو حنيفة -﵀-.
قال الغزالي: وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَعَوْرَةُ الحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلاَّ الوَجْهَ
_________________
(١) قال النووي: ولو صلى في سترة ثم علم بعد الفراغ، أنه كان فيها خرق تبين منه العورة، وجبت إعادة الصلاة على المذهب، سواء كان علمها، ثم نسيها، أم لم يكن علمها، وهو شبيه بمن علم النجاسة بعد الفراغ. ولو احتمل حدوث الخرق بعد السلام فلا إعادة قطعًا، ويجوز كشف العورة في الخلوة في غير صلاة للحاجة. الروضة (١/ ٣٨٨).
(٢) سورة الأعراف، الآية ٣١.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجة (٦٥٥)، وابن حبان (١٧٠٣)، والبيهقي (٢/ ٢٣٣)، وأحمد (٦/ ١٥٠، ٢١٨، ٢٥٩).
(٤) انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٥٢).
[ ٢ / ٣٣ ]
وَاليَدَيْنِ إِلى الكُوعَينِ، وَظُهُورُ القَدَمَيْنِ عَورَةٌ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي أُخْمُصَيْهَا وَجْهَانِ، وَأَمَّا الأَمَةُ فَمَا يَبْدُو مِنْهَا فِي حَالِ المِهنَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَمَا بَيْنَهُ إِلَى مَحَلِّ عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِيه وَجْهَانِ:
قال الرافعي: ترجمة هذا الشرط الثالث إنما هي ستر العورة، فيجب بيان العورة، وبيان كيفية السَّتْرِ، وأنه بم يحصل؟ وهذا الفصل لبيان حد العورة، وهي من الرجل حرًا كان أو عبدًا: ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وليست السرة من العورة ولا الركبة على ظاهر المذهب؛ لما روي عن أبي اْيوب الأنصاري -﵁- أن النَّبي -ﷺ- قال: "مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ وَدُونَ السُّرَّةِ عَوْرَةٌ" (١).
وروي أنه قال: "عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ" (٢).
وليكن قوله: (ما بين السّرة والركبة) معلمًا بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الركبة غير خارجة عن حد العورة، وإن كانت السرة خارجة، وبالميم؛ لأن عن مالك الفخذ ليس بعورة، وبالواو لأمور ثلاثة:
أحدها: أْنهم حكوا وجهًا عن بعض الأصحاب أنهما جميعًا من العورة.
والثاني: أن أبا عبد الله الحناطي حكى عن الإصطخري أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط.
والثالث: أن أبا عاصم العبادي حكى عن بعضهم أن الركبة من العورة دون السُّرة، وليكن معلمًا بالألف أيضًا؛ لأن عن أحمد رواية أن عورة الرجل القبل والدبر لا غير، وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا، وهي أظهر عندهم، وأيضًا فإن المراد من العورة هاهنا ما يجب ستره في الصلاة، وعنده يجب ستر المنكب في الصلاة المفروضة، وهو خارج عما بين السرة والركبة.
أما المرأة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه واليدين (٣) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٢٣١)، وضعفه البيهقي، وانظر التلخيص (١/ ٢٧٩).
(٢) أخرجه الحارث بن أبي أسامة بهذا اللفظ إلا أنه قال: (المؤمن) بدل الرجل من رواية أبى سعيد الخدري بإسناد ضعيف، وانظر التلخيص (١/ ٢٧٩)، وخلاصة البدر (١/ ١٥٣)
(٣) أي في الصلاة، أما عورتها خارج الصلاة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فهي جميع بدنها حتى الوجه والكفين، ولو عند أمن الفتنة وهذه معروفة عند أهل العلم بمسألة نقاب المرأة، والأمر فيها دائرة بين الوجوب والاستحباب ولم أجد عن استحدث حكمًا ثالثًا إلا من كان من قلبه هوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجابًا برأيه.
(٤) سورة النور، الآية ٣١.
[ ٢ / ٣٤ ]
قال المفسرون: هو الوجه والكفان، وليس المراد الراحة وحدها، بل اليدان ظهرًا وبطنًا إلى الكوعين خارجتان عن حد العورة، ولا يكاد يفرض ظهور باطن اليدين دون ظاهرهما، ولا يستثنى ظهور قدميها خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: ليست القدمان من العورة، وبه قال المزني.
لنا ما روي أنه -ﷺ-: "سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ مِنْ غَيرِ إِزَارٍ فَقَالَ: لاَ بَأْسَ إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" (١).
وهل يستثنى أخمصا القدمين؟ حكى صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين، وجعلهما (٢) آخرون قولين، منهم القفال.
أحدهما: أنهما ليستا من العورة، لأن النبي -ﷺ- خص ظهور القدمين بالذكر، فأشعر ذلك بأن تغطية باطن القدمين لا تجب.
وأصحهما: أنها من العورة تسوية بين ظاهرهما وباطنهما، كما يسوى بين ظاهر اليدين وباطنهما في الخروج عن حد العورة، ولك أن تعلم قوله: (واليدين) بالألف لأن أصحابنا حكوا عن أحمد أنه لا يستثني إلا الوجه، ويدها عورة.
وقوله: (وظهر القدمين عورة في الصلاة) كالمستغنى عنه، ولو اقتصر على قوله: (إلا الوجه واليدين، وفي أخمصي قدميها وجهان) لحصل الغرض، لأنه إذا لم يستثن إلا الوجه واليدين بقي ظهر القدمين داخلًا في المستثنى منه، وإذا ذكره فاليعلم بالحاء والزاي لما قدمناه.
وقوله: (عورة في الصلاة) أشار به إلى أن العورة قد تطلق لمعنى آخر، وهو ما يحرم [النظر إليه، وكلامنا الآن فيما يجب ستره] (٣) في الصلاة، فأما ما يجوز النظر إليه، وما لا يجوز فيذكر في أول كتاب النكاح، هذا ما قصده، لكن هذه الإشارة لا اختصاص لها بظهر القدم، فلو تعرض لها في أول ما ذكر العورة لكان أحسن.
وأما الأمة فقد جعل بدنها على ثلاث مراتب:
أحدها: ما هو عورة من الرجل فلا شك في كونه عورة منها.
والثانية: ما يبدو وينكشف في حال المهنة، فليس بعورة منها، وهو الرأس والرقبة والساعد وطرف السّاقِ، لأنها تحتاج إلى كشفه، ويعسر عليها ستره.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٦٤٠)، والحاكم (١/ ٢٥٠)، وقال صحيح على شرط البخاري، ورواه مالك موقوفًا عليها، وادعى عبد الحق أنه الصحيح، وفي ذلك نظر، انظر خلاصة البدر. (١/ ١٥٣).
(٢) في "ب" جعلها.
(٣) سقط في "ب".
[ ٢ / ٣٥ ]
وفيه وجه أن جميع ذلك عورة كما في حق الحرة، سوى الرأس، لأنَّ عُمَرَ ﵁ رَأَى أَمَةً سَتَرَتْ رَأْسَهَا فَمَنَعَهَا عَنْ ذلِكَ، وَقَالَ: أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحرائِرِ؟! فليكن قوله: (مما يبدو منها في حالة المهنة) معلمًا بالواو لهذا الوجه.
والثالثة: ما عداهما كالصدر والظهر، وفيه وجهان:
أحدهما: إنه عورة كما في حق الحرة، وإنما اَحتملنا الكشف فيما يظهر عند المهنةِ، لأن الحاجة تدعو إليه.
وأصحهما: أنه ليس بعورة، لما روي أنه -ﷺ- قال في الرجل يشتري الأمة. "لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِلاَّ إِلَى الْعَوْرَةِ، وَعَوْرَتُهَا بَيْنَ مَعْقِدِ إِزَارِهَا إِلَى رُكْبَتِهَا" (١).
وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة، وحكم الخنثى المشكل إن كان رقيقًا، وقلنا بظاهر المذهب وهو أن عورة الأمة كعورة الرجل، فلا يلزمه أن يستر في صلاته إلا ما بين السرة والركبة، وإن كان حرًا أو رقيقًا وقلنا: إن عورة الأمة أكثر من عورة الرجل، وجب عليه ستر الزيادة على عورة الرجل أيضًا؛ لجواز الأنوثة، فلو خالف ولم يستر إلا ما بين السرة والركبة، فهل تجزئه صلاته؟ فيه وجهان نقلهما في "البيان":
أحدهما: نعم، لأن كون الزيادة عورة مشكوك فيه.
والثاني: لا؛ لاشتغال ذمته بفرض الصلاة، والشك في براءتها (٢).
قال الغزالي: وَأَمَّا السَّاتر فَكُلُّ مَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاظِرَ وَبَيْنَ البَشَرَةِ، فَلاَ يَكْفِي الثَّوْبُ السَّخِيفُ وَلاَ المَاءُ الصَّافِي، وَيَكْفِي المَاءُ الكَدِرُ والَطِّينُ، وَفي وُجُوبِ التَّطيينِ عِنْدَ فَقْدِ الثَّوْبِ وَجْهَانِ، وَإِذَا كَانَ القَمِيصُ مُتَّسِعَ الَّذيْلَ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّسِعَ الأَزْرَارِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ إِذَا كَانَتْ كثَافَةُ لِحْيَتِه تَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فَيَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكذَا لَوْ سَتَرَ بِاليَدِ بَعْضَ عَوْرَتَهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: في صفة السَّاتر، ويجب أن يستر عورته بما يحول بين الناظر ولون
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٢٧) من رواية ابن عباس، وقال إسناده لا تقوم بمثله الحجة، ومن رواية محمد بن كعب، وقال: تفرد بمحفص بن عمر قاض حلب وهو ضعيف، وقال ابن حبان لا يحل الاحتجاج به، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٥٣).
(٢) قال النووي: لا تصح لأن الستر شرط وشككنا في حصوله الروضة (١/ ٣٨٩).
[ ٢ / ٣٦ ]
البشرة، فلا يكفي الثوب الرقيق الذي يشاهد من وراءه سواد البشرة وبياضها، وكذا الغليظ المهلهل النسج الذي تظهر بعض العورة من فُرَجِهِ، فإن مقصود السَّتْرِ لا يحصل بذلك، أما لو (١) ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالًا ضيقًا، أو ثوبًا صفيقًا، ووقف في الشمس، وكان حجم أعضائه يبدو من ورائه، ولو وقف في ماءٍ صافٍ لم تصح صلاته، لأنه لا يحول بين الناظر وبين لون البشرة إلا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء، فإن خاض فيه إلى عنقه ومنعت الخضرة من رؤية لون أبي البشرة فحينئذ يجوز، وقوله: (ولا الماء الصافي) المراد منه غير هذه الحالة وإن كان اللفظ مطلقًا.
ولو وقف في ماء كدر وصلى، فهل يجزئه؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يجزئه؛ لأنه يمنع مشاهدة اللون، فأشبه ورق الشَّجَرِ، والجلد، وغيرها.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لا يعد ساترًا، حكي هذا عن "الحاوي" (٢) ونقله أبو اَلْحَسَنِ العَبَّادِيّ عن القفال أيضًا، وإنما تفرض الصلاة في الماء إذا قدر على الركوع والسجود [على الأرض، أو كان في صلاة الجنازة حتى لا يحتاج إلى الركوع، والسجود] (٣) ولو طين عورته واستتر اللون أجزأه، وإن قدر على الستر بالثياب لحصول مقصود الستر هذا هو المشهور، وذكر إمام الحرمين أنه متفق عليه بين الأصحاب، لكن صاحب "العدة" قال فيه وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأنه إذا جف تشقق فلا يحصل به السَّتْر، وهذا قريب من [الوجه] (٤) المحكى في الماء الكدر، فإن السَّتْرَ بهما مما لا يعتاد بحال، فليكن كل واحد من اللفظين (الماء الكدر والطين) معلمًا بالواو.
وإذا فرعنا على الظاهر فلو لم يجد ثوبًا ونحوه وأمكنه التطيين، فهل يجب عليه ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال أبو إسحاق لما فيه من المشقة والتلويث.
وأصحهما: نعم؛ لحصول السَّتْر، وإذا طين فإن كان الطين ثخينًا، وأمكن الاحتراز عن مس الفرج بثخنه فذاك، وإن كان رقيقًا فيلف خرقة على اليد إن وجدها، وله أن يستعين فيه بغيره، وكل هذا إذا عجز عن تقديم التطيين على الوضوء
_________________
(١) سقط في "ب".
(٢) للإمام الماوردي ونحن بصدد تحقيقه.
(٣) سقط في "ب".
(٤) في "ب" المعنى.
[ ٢ / ٣٧ ]
القول في صفة الستر:
المسألة الثانية: في كيفية الستر، قال الأصحاب: الستر يرعى من الجوانب، ومن فوق ولا يرعى من أسفل الإزار والذيل، حتى لو صلى في قميص متسع الذيل جاز، وإن كان على طرف سطح يرى عورته من نظر من الأسفل؛ [لأن الستر إنما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، والعادة لم تجر بالنظر من أسفل] (١) وتوقف إمام الحرمين، وصاحب "المعتمد" في سورة الواقف على طرف السطح؛ [لأن الستر من الأسفل إنما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض، فإن التطلع من تحت الإزار لا يمكن إلا بحيلة وتعب، أما إذا كان على طرف السطح] (٢) [فالأعين] (٣) تبتدر إدراك السَّوْءَة، فليمتنع ذلك، ولو صلَّى في قميص واسع الجيب ترى عورته من الأعلى في حال من أحوال الصلاة إما في الركوع والسجود، أو غيرهما، لم تصح الصلاة لما روي عن سلمة بن الأكوع قال: "قلت يا رسول الله إني رجل أسيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نَعَمْ، وَأزْرُرْهُ وَلَو بِشَوْكَةٍ" (٤).
وطريقه عند سعة الجيب أن يزره كما أرشد إليه النبي -ﷺ- أو يشد وسطه بخيط، أو يشتد موضع الجيب بشيء يلقيه على عاتقه، أو ما أشبه ذلك، وكذا لو لم يكن واسع الجيب، لكن كان على صدر القميص، أو ظهره خرق تبدو منها العورة، فلا بد من شيء مما ذكرناه، ولو كان القميص بحيث يرى من سعة جيبه شيئًا من العورة عند الركوع والسجود لكن منع منها لحيته، أو شعر رأسه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تجزئه صلاته؛ لأن الساتر لا بد وأن يكون غير المستتر، فلا يجوز أن يكون بعضه لباسًا له، وهذا ما ذكره القاضي ابن كج، والروياني.
وأصحهما: أنه يجوز لحصول مقصود الستر كما لو ستره بمنديل، وكما لو كان على إزاره ثقبة فجمع عليها الثوب بيده، ولو ستر باليد الثقبة ففيه الوجهان، ولا يخفى أن الكلام فيما إذا لم تمس السوءة، ولو كان القميص بحيث تظهر منه العورة عند الركوع، ولا مانع وكان لا يظهر شيء منها في القيام فهل تنعقد صلاته ثم إذا انحنى بطل، أو لا تنعقد أصلًا؟ قال إمام الحرمين: فيه هذان الوجهان؛ لأن سبب عدم التكشف التصاق صدره في القيام بموضع إزاره.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو اقتدى به غيره قبل الركوع، وفيما لو ألقى ثوبًا على
_________________
(١) ، (٢) سقط في "ب".
(٢) في "ب" فالعين.
(٣) أخرجه الشافعي (١٧٠)، وأبو داود (٦٣٢)، والنسائي (٢/ ٧٠)، وأحمد (٤/ ٤٩، ٥٤)، وابن خزيمة (٧٧٧) (٧٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٨٠)، والطبراني في الكبير (٦٢٧٩)، والحاكم (١/ ٢٥٠)، وأخرجه البخاري معلقًا، انظر تعليق التعليق (٢/ ٧).
[ ٢ / ٣٨ ]
عاتقه قبله، ويتبين بما ذكرناه أن قوله: (إلا إذا كانت كثافة لحيته مانعة من الرؤية) ليس لحصر الاستئناء في هذه الصورة، بل لو صلى في قميص متسع الجيب وشد وسطه، أو أتى بطريق آخر يمنع الرؤية كما سبق جاز [وقوله] (١) (وكذا لو ستر باليد بعض عورته) في جريان الوجهين، والأصح منهما.
وأعلم: أنه يشترط في الستر أن يكون الساتر شيئًا يشتمل المستور عليه إما باللبس كالثوب والجلد، أو بغير اللبس كما في سورة التطيين، فأما الفسطاط الضيق ونحوه فلا عبرة به؛ لأنه لا يعد مشتملًا عليه، وإنما يقال: هو داخل فيه.
ولو وقف في جب وصلى على جنازة، فإن كان واسع الرأس تظهر منه العورة لم يجز، وإن كان ضيق الرأس فقد قال في "التتمة": يجوز ذلك، ومنهم من قال: لا يجوز؛ لأنه لا يعد ذلك سترًا (٢).
قال الغزالي: وَلَوْ وَجَدَ خِرْقَةً لاَ تَكْفِي إِلاَّ لإحْدَى سَوْءَتَيْهِ لَمْ يَسْتُرْ بِهَا الفَخِذَ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ السَّوْءَتَيْنِ عَلَى أَعْدَلِ الوُجُوهِ إِذْ لاَ تَرْجِيحَ، وَلَوْ عُتِقَتِ الأَمَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَسَتَّرَت وَاسْتَمَرَّتْ فَلَوْ كَانَ الخِمَارُ بَعِيدًا فَعَلَى قَوْلي سَبْقِ الحَدَثُ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان نذكرهما، وما يليق بهما في قاعدتين:
أحدهما: إذا لم يجد المصلي ما يستر به العورة صلى عاريًا، والقول في إنه كيف يصلي؟ وإذا صلى هل يقضي؟ قد سبق في آخر كتاب التيمم، ولو حضر جمع من العراة؛ فلهم أن يصلوا جماعة، وينبغي (٣) أن يقف إمامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة، وهل يسن لهم إقامة الجماعة أم الأولى أن ينفردوا؟ فيه قولان: "القديم" أن الانفراد أولى (٤)، ويحكى عن ابن حنيفة، ولو كان فيهم لاَبِسٌ فليؤمهم، وليقفوا صفًا واحدًا خلفه فإن خالفوا فأم عارٍ واقتدى به اللابس جاز خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجوز اقتداء اللابس بالعاري، ولو اجتمع رجال ونساء فلا يصلون معًا، لا في صف واحد ولا في صفين، بل يصلي الرجال أولًا، والنساء جالسات خلفهم مستدبرات
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) قال النووي: الأصح الجواز، ولو حفر في الأرض حفرة، ووقعت فيها لصلاة الجنازة إن رد التراب بحيث ستر العورة جاز، وإلا فليجب، ولو ستر بزجاج يرى منه لون البشرة لم يصح. الروضة (١/ ٣٩١).
(٣) في "ب" ويجب.
(٤) الجديد الجماعة أفضل وقال النووي: هكذا حكى جماعة عن الجديد، والمختار ما حكاه المحققون عن الجديد، أن الجماعة والانفراد ساء، وصورة المسألة إذا كانوا بحيث يتأتى نظر بعضهم إلى بعض، فلو كانوا عيبًا أو في ظلمة، استحبت لهم الجماعة بلا خلاف. الروضة (١/ ٣٩١).
[ ٢ / ٣٩ ]
للقبلة، ثم يصلي الرجال والنساء جالسون خلفهن، كذلك ولو وجد المصلي ما يستر به بعض العورة، فعليه أن يستر به القدر الممكن بلا خلاف، لا كمن يجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فإن فيه خلافًا قدمناه؛ لأن للماء بدلًا ينتقل إليه، والستر بخلافه، ثم إن كان ما وجده يكفي للسوءتين بدأ بهما، ولو كان لا يكفي إلا إحداهما لم يعدل إلى ستر غيرهما كالفخذ؛ لأن ما سوى السوءتين كالتابع والحريم لهما، فسترهما أهم وأولى، وفيهما ثلاثة أوجه:
أصحها: عند جمهور الأصحاب، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -﵁- أنه يستر القبل رجلًا: كان أو امرأة؛ لأنه لا حائل دون القبل، ودون الدبر حائل وهو الأليتان.
والثاني: أنه يستر الدبر؛ لأنه أفحش عند الركوع والسجود.
والثالث: أنه يتخير لتعارض هذين المعنيين، حكى هذا الوجه القاضي ابن كج وغيره، وهو أرجح عند المصنف، وأعدل لتقابل الأمرين وانتفاء الترجيح، لكن من صار إلى الوجه الأول ذكر شيء آخر وهو أنه يستقبل بالقبل القبلة، فيكون ستره أهم تعظيمًا لها، وهذا كله في واضح الذكورة والأنوثة.
أما الخنثى المشكل إن وجد ما يستر به قبله ودبره قدم سترهما، فإن لم يف الموجود بهما وفرعنا على أنه يقدم القبل فيستر قُبُليه، فإن كان لا يكفي إلاَّ لأحدهما سَتَرَ أيهما شاء، والأولى أن يستر آلة الرجال إن كان ثَمّ امرأة، وآلة النساء إن كان ثم رجل، ثم ما ذكرناه من تقديم السوءتين أو أحدهما على الفخذ وغيره، ومن تقديم إحدى السوءتين على الأخرى على الخلاف الذي فيه كلام في الاستحقاق، أو في الأولوية والاستحباب.
قال إمام الحرمين: لا يمتنع أن يقال: الكلام في الأولوية، وله ستر ما شاء؛ لأن الفخذ وما دون السّرَّة من العورة، ولا فرق عندنا بين السوءة وغيرها في وجوب الستر.
وأبو حنيفة -﵀- هو الذي يفصل ويقسم العورة إلى مُغَلَّظَة ومخففة.
قال: وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه في التحتم نظر إلى عرف الناس، فإن من ستر فخذه وترك السوءة بادية يعد منكشفًا.
واعلم: أن الأول من هذين الاحتمالين هو الذي أورده طائفة منهم القاضي والروياني، وردوا (١) الكلام إلى الأولوية صريحًا.
والثاني: قضية كلام الأكثرين وهو الأولى.
_________________
(١) في "ب" وردا.
[ ٢ / ٤٠ ]
وقوله في الكتاب: (لم يستر بها الفخذ) إن كان المراد منه أحد الاحتمالين، فليعلم بالواو لمكان الثاني، وإن كان المراد المشترك بينهما وهو الظاهر فذاك.
الثانية: لو كانت الأمة: تصلي مكشوفة الرأس فعتقت في خلال الصلاة، نظر إن لم تقدر على السترة مضت في صلاتها كالعاجز يأتي بجميع الصّلاة في العرى، وإن كانت قادرة على الستر لكنها لم تشعر بقدرتها عليه، أو لم تشعر بالعتق حتى فرغت من الصلاة، ففي وجوب القضاء عليها القولان المذكوران فيما إذا صلى جاهلًا بنجاسة ثوبه، ومنهم من قطع بالوجوب هاهنا، لأنها كانت متمكنة من السَّتْرِ قبل الشُّرُوع في الصلاة، وإن شعرت بهما فإن كان الخمار قريبًا منها فطرحته على رأسها، أو طرحه غيرها عليها مضت في صلاتها، وكان ذلك بمثابة ما لو كشف الريح عورته فرد الثوب في الحال، وإن كان بعيدًا، أو احتاجت (١) في التستر إلى أفعال كثيرة، ومضى مدة في التكشف ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث، فإن فرعنا على القديم فلها أن تسعى في طلب الساتر، كما يسعى في طلب الماء، وإن وقفت حتى أتيت به نظر، إن وصل إليها في المدة التي كانت تصل إليه لو سعت فلا بأس، وإن زادت المدة فوجهان:
أحدهما: يجوز ذلك، لما فيه من ترك المشي والأفعال.
وأظهرهما: لا يجوز وتبطل صلاتها لزيادة المدة، وكثرة الأفعال لا بأس بها على القول الذي يفرع عليه، وينبغي أن يطرد هذا التفصيل، والخلاف في طلب الماء عند سبق الحدث، وإن لم تذكره ثم هو لو شرع العاري في الصلاة ثم وجد السترة في أثنائها، فحكمه على ما ذكرناه في الأمة تعتق وهي واجدة السترة (٢).
وتختم الكلام في هذا الشرط بفروع مهمة:
منها: أنه ليس للعاري أخذ الثوب من مالكه قهرًا (٣) ولو وهبه منه لم يلزمه قبوله (٤)، وحكي فيه وجهان آخران:
_________________
(١) في "ب" فاحتاجت.
(٢) قال النووي: إذا كانت السترة قريبة؛ إلا أنه لا يمكن تناولها إلا باستدبار القبلة، بطلت صلاتها، إذا لم يناولها غيرها قاله في الشامل، ولو قال لأمته: إن صليت صلاة صحيحة فأنت حرة قبلهما فصلت كاشفة الرأس عاجزة، صحت وعتقت أو قادرة، صحت ولا عتق للدور.
(٣) قال الأذرعي: أي لحاجة الستر فقط، أما لضرورة دفع الحر والبرد. فيجوز كالمضطر وحينئذ يصلي فيه. قال: وقد يستثنى من إطلاقه ما لو كان المالك يلزمه كسوة العاري شرعًا لأبوة أو بنوة وكان ذلك من نوع ما يجب له صاحبه غني به.
(٤) قال الأذرعي: الظاهر أن العاري لو خشي الهلاك من حر وبرد لزمه قبول الهبة قطعًا ولو لم يفعل وصلى عاريًا لزمه الإعادة من هذه الصورة.
[ ٢ / ٤١ ]
أحدهما: أنه يلزمه القبول والصلاة فيه، ثم له الرد.
والثاني: عليه القبول، وليس له الرد، ولو أعاره منه فعليه القبول، فلو لم يقبل وصلى عُرْيَانًا لم تصح صلاته (١).
ولو باعه أو أجره منه فهو كما لو بيع الماء منه، وقد ذكرناه في "التيمم" وإقراض الثوب كإقراض الثمن.
ولو احتاج إلى شراء الثوب والماء، ولم يقدر على شرائهما يقدم شراء الثوب.
ومنها: لو أوصى بثوبه لأولى النَّاس به في ذلك الموضع فالمرأة أولى من الرجل والخنثى أولى من الرجل.
ومنها: لو لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، ولم يجد ما يغسله به فقولان:
أحدهما: يصلي فيه تسترًا عن أعين الناس كما أنه يجب التستر به خارج الصلاة، وعلى هذا تجب الإعادة.
وأصحهما: أنه يصلي عاريًا ولا يلبسه، فإن لم يجد إلا ثوب حرير فأصح الوجهين أنه يصلِّي فيه؛ لأن لبس الحرير يياح للحاجة (٢).
ومنها: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمَّم، ويتقمَّص ويرتدي، فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء، أو قميص وَسَرَاوِيل؛ فإن اقتصر على واحد فالقميص أولى، ثم الإزار ثم السراويل، وإنما كان الإزار أولى؛ لأنه يتجافى، ثم في الثوب الواحد، إن كان واسعًا التحف به وخالف بين طرفيه، كما يفعل القصار في الماء، وإن كان ضَيِّقًا عقده فوق سرته، ويجعل على عاتقه شيئًا. ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها؛ ولا يبين حجم أعضائها (٣).
_________________
(١) قال النووي: ولنا وجه شاذ أنه لا يجب قبول العارية. الروضة (١/ ٣٩٣).
(٢) قال النووي: ويجب لبسه لستر العورة عن الأبصار بلا خلاف، وكذلك يجب لبس الثوب النجس للستر عنها، وفي الخلوة إذا أوجبنا الستر فيها. الروضة (١/ ٣٩٣).
(٣) قال النووي: لو لم يجد العاري إلا ثوبًا لغيره حرم عليه لبسه، بل يصلي عاريًا ولا يعيد، ولو لم يجد سترة ووجد حشيشًا يمكنه عمل سترة منه، لزمه ذلك، ولو كان محبوسًا في موضع نجس، ومعه ثوب لا يكفي العورة، وستر النجاسة فقولان: أظهرهما: يبسطه على النجاسة، ويصلي عاريًا ولا إعادة. والثاني: يصلي فيه على النجاسة ويعيد، ولو كان معه ثوب فأتلفه أو خرقه بعد دخول الوقت لغير حاجة، عصى ويصلي عاريًا وفي الإعادة الوجهان فيمن أراق الماء في الوقت منها، وصلى =
[ ٢ / ٤٢ ]
قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابعُ تَرْكُ الكَلاَمِ، وَالعَمْدُ مِنْهُ مَعَ العِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَتَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِالحَرْفِ الوَاحِدِ إنْ كَانَ مُفْهِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفهِمًا فَلاَ تَبْطُلُ إِلاَّ بِتَوَالِي حَرْفَيْنِ، وَفِي حَرْفٍ بَعْدَهُ مَدَّةٌ تَرَدُّدٌ، وَالتَّنَحْنُحُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُبْطَلٌ فِي أَصَحِّ الوُجُوهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ القِرَاءَةُ إِلاَّ بِهِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الجَهْرُ فَوَجْهَانِ.