قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثة أَقْسَامِ:
الْقِسْمُ الأَوَّلُ- المُتَّخَذُ مِنَ الجُلُودِ، وَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الجِلْدُ طَاهرًا وَطَهَارَتُهُ بِالذَّكَاةِ فِيمَا يُؤكَلُ (ح) لَحْمُهُ أَوْ بِالدِّبَاغِ فِي الجَمِيعِ إِلاَّ الكَلْبَ (ح) والخِنزِيرَ.
قال الرافعي: جعل الأَوَانِيَ على ثلاثة أقسام؛ لأنها إما أنْ تُتَخَذَ من الجُلُودِ، أو العظام، أو من غيرهما، وعلى الأحوال فالأعيان المتخذ منها إما أن تكون نجسة، فلا يجوز استعمالها في الشرب، والطهارة، وسائر وجوه الاستعمال، أو طاهرة فيجوز، ويستثنى الذهب والفضة على ما سيأتي، وهذه الجملة ظاهرة. نعم الحاجة تمس إلى بيان الطاهر، والنجس من الجلود والعظام، وتمييز أحدهما عن الآخر، وإلى حكم المتخذ من الذهب والفضة فحصر كلام الأقسام الثلاثة في هذه الأمور، وإنما يكون الجلد المتخذ منه الإناء طاهرًا في حالتين:
إحداهما: أن يكون جلد المأكول المُذَكَّى فهو على طهارته كاللحم، وسائر الأجزاء، وقد يؤكل الجلد الرُّؤُوس، والمَسْمُوطِ ولا يلحق غير المأكول بالمأكول في ذلك؛ بل جلد غير المأكول نجس وان ذكّي كلحمه (١) خلافًا لأبي حنيفة -﵀-.
الثانية: أن يكون مَدْبُوغا، فَالدِّبَاغُ يفيد طهارة الجلد من المأكول وغيره خلافًا لأحمد. لنا ما رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيهِ السَّلاَمُ مَرَّ بِشَاةٍ مَيَّتَةٍ لِمَيمُونَةَ، فقال: "هَلاَّ اتَّخَذتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغتمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقِيلَ: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُر" (٢).
_________________
(١) = يبقى قدر لو كان الاختلاط به ابتداء منع الجواز، ولو كان له دنَّان فيهما مائع فاغترف منهما في إناء فرأى فيه فأرة لا يدري من أيهما هي تحرّي، فإن ظهر له أنها من أحدهما بعينه فإن كان اغترف بمغرفتين فالآخر طاهر، وإن كان بمغرفة فإن ظهر بالاجتهاد أن الفأرة في الثاني فالأول على طهارته، وإلا فهما نجسان، وقد أكثرت الزيادة في هذا الباب لمسيس الحاجة إليها فبقيت منه بقايا حذفتها كراهة كثرة الإطالة. والله أعلم. الروضة ١/ ١٤٨ - ١٥٠.
(٢) قال النووي: لو ذبح حمارًا زمنًا أو غير مما لا يؤكل للتوصل إلى دبغ جلده لم يجز عندنا، والله أعلم. الروضة ١/ ١٥١.
(٣) هذا الحديث بهذا السياق لا يوجد، بل هو ملفق من حديثين ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله -ﷺ- فذكر مثل ما هنا إلى قوله ميته فقال: (إنما حرم أكلها) لفظ مسلم، ولم يقل البخاري في شيء من طرقه فدبغتموه ولأجل هذا عزاه بعض الحفاظ كالبيهقي والضياء وعبد الحق إلى انفراد مسلم به، نعم رواه البخاري عن وجه آخر عن ابن عباس عن سودة قالت: ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها الحديث، وأنكر النووي في شرح المهذب على من لم يجعله من المتفق عليه، وفي إنكاره نظر، ورواه =
[ ١ / ٨١ ]
ويستثنى جلد الحيوان النجس في الحياة، وهو: الكَلْبُ والخنزير، وفروعهما خلافًا لأبي حنيفة في الكلب.
لنا أن جلدهما لم ينجس بالموت، لما بينا أنهما نجسان في الحياة، والدِّبَاغ إنما يطهر جلدًا نجس بالموت، لأن غاية الدّباغ نَزْعُ الفَضَلاَتِ، ودفع الاستحالات، ومعلوم أن الحياة [أبلغ في ذلك] (١) من الدباغ، فإذا لم تفد الحياة الطهارة حتى كان نجسًا قبل الموت، فاولى أن لا يفيدها الدباغ. ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "المتخذ من الجلد فاستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهرًا"، فاعلم أن هذا كما هو شرط في المُتَّخَذِ من الجلد فهو شرط في المُتَّخَذِ من سائر الأعيان، وإن لم يذكره في سائر الأقسام. وقوله: "وطهارته بالذّكَاة" ليس على معنى أن الذّكَاة تطهر، فإن التطهير يستدعي سبق النجاسة، وهو طاهر في الحياة وبعد الزكاة (٢) وإنما المواد أن الجلد الذي يتخذ منه الأناء لا يكون طاهرًا، إلا إذا وجد فيه أحد المعنيين، إما الذّكَاة في المأكول أو الدّباغ. وقوله: "فيما يؤكل لحمه" ينبغي أن يكون معلمًا بالحاء؛ لأن عنده لا حاجة إلى هذا القيد، وموضع باقي العلامات ظاهر بعد ما نقلنا من الخلاف. وقوله: "إلا الكلب والخنزير" يوجب حصر الاستثناء فيهما، وهو ظاهر المذهب بعد إلحاق فروعهما بهما. ولنا قول أن الآدمي ينجس بالموت على ما تقدم ذكره، فعلى ذلك القول، هل يطهر جلده بالدباغ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لعموم الخبر؛ ولأنه طاهر في الحياة، فأشبه جلده سائر الجلود. والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، أنه لا يطهر لما فيه من الامتهان، فعلى هذا يلحق جلود الآدمي بالمستثنى، ولك أن تعلم قوله "بالدباغ" مع الألف المشيرة إلى
_________________
(١) = النسائي وأحمد بلفظ: مر بشاة لميمونة ورواه البزار بلفظ (ماتت شاة لميمونة)، فقال النبي -ﷺ-: (ألا استمتعتم بإهابها؟ فإن دباغ الأديم طهوره). وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني في إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف، وفي تاريخ نيسابور للحاكم من طريق مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: مر النبي -ﷺ- بشاة ميتة لامِّ سلمة أو لسودة فذكر الحديث، وأما حديث: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فرواه الشافعي عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن ابن عباس سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: بهذا، وكذا رواه الترمذي في جامعة عن قتيبة عن سفيان، وقال حسن صحيح، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد عن سفيان بلفظ (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)، ورواه ابن حبان بلفظ قتيبة وفي سياقه عن ابن عيينة حدثني زيد بن أسلم سمعت ابن وعلة سمعت ابن عباس وله شاهد عن ابن عمر رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحة، وقال إنه حسن وآخر من حديث جابر رواه الخطيب في تلخيص المتشابه. انظر التلخيص ١/ ٤٦.
(٢) في ط: في ذلك أبلغ.
(٣) سقط في ط.
[ ١ / ٨٢ ]
مذهب أحمد بالواو، لا لمصير بعض الأصحاب إلى المنع من الدّباغ، فليس منهم من يقول به، لكن لأن صاحب "التتمة" حكى وجهًا عن رواية ابن القطان (١): أن جلد الميتة لا ينجس، وإنما أمر بالدَّبغ لإزالة الزُّهُومَةِ، فإذا كان طاهرًا قبل الدّباغ لم تكن طهارته بالدّبَاغِ.
قال الغزالي: وَكَيْفِيَّةُ الدَّبَاغِ نَزْعُ الفَضَلاَتِ بِالأَشيَاءِ الحَرّيفَةِ وَلاَ يكفِي التَّتْرِيبُ (ح) وَالتَّشْمِيسُ (ح) وَلاَ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ المَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَيجِبُ إِفَاضَةِ المَاءِ المُطْلَقِ عَلَى الجِلْدِ المَدْبُوغِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: ولك في قوله: "وكيفية الدباغ نزع الفضلات"، مباحثتان:
إحداهما: أن تقول: ما الذي أراد بكيفية الدباغ أراد به حقيقته أم غير ذلك؟ وكيف يجوز إرادة الحقيقة، وقد اشتهر في كلام الفقهاء أن مقصود الدباغ نَزْعُ الفضلات وَعدَّ ذلك كلامًا صحيحًا منتظمًا، ومقصود الشيء غَيْرُ حقيقته، وإن أراد غير ذلك فما هو؟
والجواب: يجوز أن يكون المعنى والكيفية المعتبرة في الدباغ نزع الفضلات، ويجوز أن يريد بكيفية حقيقته، لكن الدباغ، يطلق بمعنيين يطلق لمعنى الفعل المخصوص في الجلد على الهيئة التي يبتغى بها إصلاح الجلد، ويطلق بمعنى الفعل المصلح، ولهذا يقال: يحصل الدّباغ بكذا، ولا يحصل بكذا، مع وجود الدَّلْكِ والاستعمال على الهيئة التي يبتغي بها الصلاح، فبالمعنى الأول ينتظم أن يقال: مقصود الدباغ نزع الفضلات، والمعنى الثاني: ينتظم أن يقال: حقيقة الدباغ نزع الفضلات.
الثانية: أن يقول كيف اعتبر مجرد النزع؟ والأصحاب يقولون يعتبر عند الشافعي -﵁- في الدِّباغ ثلاثة أشياء نَزْعُ الفُصُول، وَتَطْبِيبُ الجِلْدِ، وَصَيرُورَتُهُ بحيث لو نقع في الماء لم يعد الفساد والنتن.
والجواب أنه لا فرق في المعنى، فإنه إذا نزعت الفضلات طاب الجلد وصار إلى
_________________
(١) أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسين بن القطان البغدادي آخر أصحاب ابن سريج وفاة على ما قاله الشيخ أبو إسحاق. قال: ودرس ببغداد وأخذ عنه العلماء، وقال الخطيب البغدادي: هو من كبراء الشافعيين، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه مات في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قال الذهبي: عَمَّرَ وشاخ. قال ابن باطيش: أخذ عن ابن سريج، ثم عن أبي إسحاق ثم عن ابن أبي هريرة. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ١٢٤ - ١٢٥. وانظر العبادي ١٠٧، والشيرازي ٩٢، تاريخ بغداد ٤/ ٣٦٥، ابن هداية الله ٢٧، والشذرات ٣/ ٢٨، البداية والنهاية ١١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٨٣ ]
الحالة المذكورة. وإذا اعتبرنا أحد الأمور المتلازمة فقد اعتبرناها جميعًا، وقوله: "بالأشياء الحريفة" يجوز أن يكون معلمًا بالواو لشيئين:
أحدهما: أن هذا اللفظ يعم الشب والقَرَظ الواردين في خبر الدباغ وغيرهما، كالعَفَصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وحكى بعضهم وجهًا: أن يختص الدِّباغ بالشب والقَرَظ كما يختص تطهير ولوغ الكلب بالتراب على الأظهر، والمذهب أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما مما يصلح للدباغ، والشث بالثاء كذلك ذكره الأزهري (١)، وفي الصحاح (٢) أن الشب بالباء شيء يشبه الزَّاجَ، والشَّثُّ بالثاء نَبْتٌ يدبغ به.
الثاني: أنه يعم الطاهر والنجس من آلات الدباغ سواء كان نجس العين كذرق الطائر وغيره، وفيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز الدّباغ بالنجس؛ لأن النجس لا يصلح للتطهير.
وأظهرهما: وهو ظاهر ما ذكره الجواز؛ لأن الغرض إخراج الجلد عن التعرض للعفونة والاستحالة، وهذا يحصل بالطاهر والنجس جميعًا، وهذا في طهارة العين. ويجب غسله بعد ذلك لا محالة بخلاف المدبوغ بالشيء الطاهر، ففي وجوب غسله [قولان] (٣) يأتي [ذكرهما] (٤). وإذا عرفت ذلك فاعلم أن النزع إنما اعتبر ليصير الجلد نظيفًا مصونًا عن الاستحالات والتغيرات فيطهر، كما كان في حال الحياة، ويترتب عليه أن التجميد بالإلقاء في التراب والشمس لا يكفي؛ لأن الفضلات لا تزول؛ ألا ترى أنه إذا نقع في الماء عاد الفساد. وعن أبي حنيفة: أنه يكفي ذلك، وبه قال: بعض الأصحاب لحصول الجفاف، وطيب الرائحة، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: هل يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ مع الأدوية؟ فيه وجهان:
إحداهما: نعم؛ لأن معنى الإزالة في الدباغ [أبلغ] (٥) والماء متعين لإزالة النجاسات، وأيضًا فقد روى أنه -ﷺ- قال: "أَلَيَسَ فِي الشَّب وَالْقَرَظِ وَالْمَاءِ مَا يُطَهِّرُه" (٦).
_________________
(١) الزاهر ص ٥٩ ولسان العرب ٤/ ٢١٨٢ (شب).
(٢) الصحاح للجوهري ١/ ١٥١.
(٣) في ط: خلاف وهما بمعنى واحد.
(٤) في ط: ذكره أي عائد على كلمة خلاف.
(٥) في ط: أغلب.
(٦) قال النووي في الخلاصة: هذا بهذا اللفظ باطل لا أصل له، وقال في شرح المهذب: ليس للشبّ ذكر في الحديث، وإنما هو من كلام الشافعي. وروى في الخير يطهرها الماء والقرظ أبو داود (٤١٢٦) والنسائي ٧/ ١٧٤ والدارقطني ١/ ٤٥ (١١) والطحاوي في معاني الأثار ا/ ٤٧١ وأحمد ٦/ ٣٣٤، والبيهقي ١/ ١٩، وابن حبان كذا في الموارد ١٢٢.
[ ١ / ٨٤ ]
وأظهرهما: لا، لقوله -ﷺ-: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَد طَهُرَ" (١) والغالب في الدباع الإحالة دون الإزالة، ومعناه أن الجلد بنزع الفضلات يستحيل إلى الطهارة، كالخمر يَستَحِيْلُ خَلًاّ.
الثانية: إذا دبغ الجلد بشيء طاهر فهل يجب. غسله بعد الدباغ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لإزالة أجزاء الأدوية فإنها نجست بملاقاة الجلد، وبقيت ملتصقة به.
والثاني: لا، لظاهر قوله -ﷺ-: "فَقَدْ طَهُرَ" فإن قلنا: يجب فالجلد بعد الدباغ طاهر العين كالثوب النجس بخلاف ما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ، ولم يستعمل، فإنه يكون نجس العين، وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لا بد من استعمال الأدوية ثانيًا؟ فيه وجهان. وإذا أوجبنا الغسل بعد الدباغ لم يَجُزْ أن يكون الماء متغيرًا بالأدوية وإذا أوجبنا الاستعمال في أثناء الدباغ لم يضر كونه متغيرًا بها؛ بل لا بد منه فلهذا وصف الماء في المسألة الثانية بكونه مُطْلَقًا، ولم يتعرض لذلك في الأولى.
قال الغزالي: ثُمَّ الجِلْدُ المَدْبُوغُ طَاهِرٌ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ (وم) يَجُوزُ بَيْعُهُ (وم) وَيَحِلُّ أكْلُهُ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: هل يطهر بالدباغ، باطن الجلد كظاهره أم لا يطهر إلا ظاهره؟ فيه قولان:
الجديد: أنه يطهر الباطن، والظاهر حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الأشياء الرطبة، واليابسة لما روى أنه -ﷺ- قال: "أيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" ولقوله: "هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُم بِهِ". أطلق ولم يفصل بين الانتفاع في الرطب، واليابس؛ ولأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعًا.
والقديم: وهو مذهب مالك أنه: لا يطهر باطنه حتى يصلى عليه، ولا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الأشياء الرطبة (٢) لقوله -ﷺ-: "لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلاَ عَصَبٍ" (٣). ظاهره المنع مطلقًا خالفنا في ظاهر الجلد جمعًا بينه وبين الأخبار المجوزة للدباغ، وأما الأكل منه، فإن كان جِلْدَ مَأَكُولٍ فقولان:
_________________
(١) قال النووي: أصحها الثاني- أي أنه لا بد من استعمال الأدوية ثانيًا بعد الماء، وبه قطع الشيخ أبو محمد والآخر: احتمال لإمام الحرمين، والمراد نقعه في ماء كثير. الروضة ١/ ١٥٢.
(٢) قال النووي: أنكر جماهير العراقيين، وكثيرون من الخراسانيين هذا القديم، وقطعوا بطهارة الباطن وما يترتب عليه، وهذا هو الصواب. الروضة ١/ ١٥٢.
(٣) قال الحافظ أخرجه الشافعي في حرمله وأحمد والبخاري في تاريخه والأربعة والدارقطني والبيهقي وابن حبان عن عبد الله بن عكيم (أتانا كتاب رسول الله -ﷺ- قبل موته ألا تنتفعوا من =
[ ١ / ٨٥ ]
الجديد: الجواز لقوله -ﷺ-: "دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ" (١).
_________________
(١) = الميتة بإهاب ولا عصب) وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر، وفي رواية لأحمد بشهر أو شهرين قال الترمذي: حسن، وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة وقال الخلال لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف فيه، وقال ابن حبان: بعد أن أخرجها هذه اللفظة أو همت عالمًا من الناس أن هذا الخبر ليس بمتصل وليس كذلك، بل عبد الله بن عكيم شهد كتاب رسول الله -ﷺ- حيث قرئ عليهم في جهينة وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، وقال البيهقي والخطابي: هذا الخبر مرسل، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه ليست لعبد الله بن عكيم صحبة، وإنما روايته كتابة، وأغرب الماوردي فزعم أنه نقل عن علي بن المديني أن رسول الله -ﷺ- مات ولعبد الله بن عكيم سنة، وقال صاحب الإمام تضعيف من ضعفه لشى من قبل الرجال، فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب كما نقل عن أحمد، ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عدي والطبراني من حديث شبيب بن سعيد عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، ولفظه جاءنا كتاب رسول الله -ﷺ- ونحن بأرض جهينة إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بإهاب ولا عصب، إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في الأوسط، ورواه أبو داود من حديث خالد عن الحكم عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم فدخلوا، وقعدت على الباب فخرجوا إلي وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم فهذا يدل على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عكيم لكن إن وجد التصريح بسماع عبد الرحمن منه حمل على أنه سمعه منه بعد ذلك، وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف، وعن جابر رواه ابن وهب في مسنده عن زمعة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر، وزمعه ضعيف، ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده من طريق أخرى قال الشيخ الموفق إسناده حسن، وقد تكلم الحازمي في الناسخ والمنسوخ على هذا الحديث فشفي، ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال، وهو أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي -ﷺ- والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم، والاضطراب في سنده فإنه تارة قال عن كتاب النبي -ﷺ- وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عن من قرأ الكتاب، والاضطراب في المتن فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بقيد شهر أو شهرين، أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام، والترجيح بالمعارضة بأن الأحاديث الدالة على الدباغ أصح والقول بموجبه بأن الاهاب اسم الجلد قبل الدباغ، وأما بعد الدباغ فيسمى شنًا وقربة، حمله على ذلك ابن عبد البر والبيهقي وهو منقول عن النضر بن شميل، والجوهري قد جزم به، وقال ابن شاهين لما احتمل الأمرين وجاء قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فحملناه على الأول جمعًا بين الحديثين، والجمع بينهما بالتخصيص بأن المنهى عنه جلد الكلب والخنرير، فإنهما لا يدبغان، وقيل: محمول على باطن الجلد في النهي، وعلى ظاهره في الإباحة والله أعلم. انظر التلخيص ١/ ٤٧، ٤٨.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وابن حبان من حديث الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق به، وفيه قصة، وفي لفظ (دباغها ذكاتها) وفي لفظ (دباغها طهورها) وفي لفظ (ذكاتها دباغها) وفي لفظ (ذكاة الأديم دباغة) وإسناده صحيح، وقال أحمد: الجون لا أعرفه، وقد =
[ ١ / ٨٦ ]
والقديم: المنع؛ لقوله -﵇-: "إنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكَلَها" (١)، وإن كان من غير مأكول، فطريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: القطع بالمنع كما في الذَّكَاة (٢)، وقد أطلق في الكتاب ذكر القولين في الأكل فيجوز أن يريد من المأكول، ويجوز أن يريد المأكول وغيره، على طريقة طرد القولين فيهما، وبها قال القَفَّالُ، ثم الخلاف في الأكل يجوز أن يجعل من فروع
_________________
(١) = عرفه غيره، عرفه على ابن المديني، وروى عنه الحسن وقتادة، وصحح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة، وتعقب أبو بكر بن مفوز ذلك على ابن حزم كما أوضحته في كتابي في الصحابة، وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، وابن شاهين من طريق فليح عن زيد ابن أسلم عن ابن وعلة عنه بلفظ: (دباغ كل إهاب طهوره) وأصله في مسلم من حديث أبي الخير عن ابن وعلة بلفظ: (دباغه طهوره) وفيه قصة لابن وعلة مع ابن عباس في سؤله عن الأسقية التي تأتيهم بها المجوس، ورواه الدولابي في الكنى من حديث إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قلت لابن عباس الفراء تصنع من جلود الميتة؟ فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (ذكاة كل مسك دباغه)، ورواه البزار والطبراني والبيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: ماتت شاة لميمونة فقال رسول الله -ﷺ-: (ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهوره؟!) وابن عطاء ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة ولابن عباس حديث آخر رواه أحمد، وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من طريق سالم بن أبي الجعد عن أخيه عنه (أن رسول الله -ﷺ- أراد أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة. فقال: دباغه يزيل خبثه، أو نجسه أو رجسه) وإسناده صحيح، قاله الحاكم والبيهقي، ورواه النسائي وابن حبان والطبراني والدارقطني، والبيهقي من حديث عائشة فلفظ النسائي: (دباغها طهورها) وفي لفظ ابن حبان (دباغ جلود الميتة طهورها) وفي الباب أيضًا عن المغيرة بن شعبة، وزيد بن ثابت، وأبي أمامة وابن عمر وهي في الطبراني، وحديث ابن عمر عند ابن شاهين بلفظ: (جلود الميتة دباغها طهورها) وحديث قلد بن ثابت في تاريخ نيسابور، وفي الكنى للحاكم أبي أحمد في ترجمة أبي سهل وعن هزيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي -ﷺ- أم سلمة أو غيرها وهو عند البيهقي، ولأم سلمة حديث آخر رواه الدارقطني بلفظ: (إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر). وفيه الفرج بن فضالة وهو ضعيف، وعن أنس وجابر وابن مسعود ذكرها أبو القاسم بن منده في مستخرجه. انظر التلخيص ١/ ٤٩، ٥٠.
(٢) رواه الدارقطني من طريق الوليد بن مسلم عن أخيه عبد الجبار بن مسلم عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال إنما حرم رسول الله -ﷺ- من الميتة لحمها، فأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به، قال البيهقي: تابعة أبو بكر الهذلي عن الزهري. انظر التلخيص ١/ ٤٨.
(٣) قال النووي: الأظهر عند الأكثرين تحريم أكل جلد المأكول، وقد بقي من هذا القسم مسائل منها: الدباغ بالملح. نص الشافعي -﵀-: أنه لا يحصل، وبه قطع أبو علي الطبري، وصاحب الشامل، وقطع إمام الحرمين بالحصول، ولا يفتقر الدباغ إلى فعل فلو ألقت الربح الجلد في مدبغة فاندبغ طهر، ويجوز استعمال جلد الميتة قبل الدباغ في اليابسات، لكن يكره، ويجوز هبته كما تجوز الوصية به، وإذا قلنا: لا يجوز بيعه بعد الدباغ ففي إجازته وجهان الصحيح: المنع والله أعلم. الروضة ١/ ١٥٢، ١٥٣.
[ ١ / ٨٧ ]