فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا يَوْمًا يَوْمًا وَانْقَطَعَ عَلَى الخَمْسَةَ عَشَرَ، فَفِي قَوْل: تُلْتَقَطُ أَيَّامُ النَّقَاءِ وَتُلْفَّقُ (ح) وَيُحْكَمُ بالطُّهرِ فِيهِ، وَالقَوْلُ الأَصَحُّ أنَّا نَسْحَبُ (م) حُكْمَ الحَيْضِ عَلَى أَيَّامِ النَّقَاءِ وَنَجْعَلُ ذَلِكَ كالفَتَرَاتِ بَيْنَ دَفَعَاتِ الدَّمِ، لِأَنَّ الطُّهْرَ النَّاقِصَ فَاسِدٌ كَالدَّمِ النَّاقِصِ.
قال الرافعي: إذا انقطع دم المرأة وكانت ترى يومًا دمًا، ويومأ نقاء أو يومين ويومين، فلا يخلو إما أن ينقطع قبل مجاوزة الخمسة عشر أو يجاوزها، فهما قسمان:
الأول: أن ينقطع ولا يجاوز ففيه قولان:
أحدهما وبه قال مالك وأحمد: أنها تلتقط أيام النقاء، وتلفق ونحكم بالطهر فيها وحيضها أزمنة الدم لا غير، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) أي: ينقطع دمهن، وقد انقطع فوجب أن يجوز القربان، ولأنه لا يحكم في أيَّام الدم حقيقة بالطهر، فكذلك لا يحكم في أيام النّقاء حقيقة بالحيض؛ توفيرًا لحكم كل واحدة من الحالتين عليها، ولا شك أن أزمنة النَّقاء لا تجعل أطهارًا في حق انقضاء العدة بها، والطَّلاق فيها لا يخرج عن كونه بدعيًا، فقولنا: نحكم بالطهر فيها على هذا القول أي: في الصوم والصلاة والاغتسال ونحوها.
والثاني وبه قال أبو حنيفة: إن حكم الحيض ينسحب على أيام النقاء فتحيض فيها جميعًا؛ لأن زمان النقاء ناقص عن أقل الطهر فيكون حيضًا كساعات الفترة بين دفعات الدم؛ ولأن أزمنة النَّقاء لو كانت طهرًا واحدًا فإما أن يكون كل واحد منها طهرًا وحده أو مجموعها طهرًا واحدًا، فإن كان الأوّل وجب انقضاء العدة بثلاثة منها، وإن كان الثَّاني على جميع الشَّهر حتى لا تكون مُسْتَحَاضَةً مع مجاوزة الدَّم بصفة التَّقطع وليس كذلك، والقول الأول أصح عند الشيخ أبي حامد، وطائفة من أصحابنا العراقيين، لكن ما عليه المعظم أن الثاني أصح على ما ذكره في الكتاب، وبه قال القاضي أبو الطيب
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
[ ١ / ٣٤١ ]
الطَّبَرِيّ، وموضع القولين ما إذا كانت مدة الانقطاع زائدة على الفترات المعتادة بين دفعات الدم، فإنه لا يسيل دائمًا في الغالب، فإن لم يزد عليها فلا خلاف في كون الكُل حيضًا، وهذا بين من إلحاقه أيام النقاء على قول السحب بها.
وقد قال إمام الحرمين في الفرق بينهما: إن دم الحيض يجتمع في الرَّحم ثم الرحم يقتره شيئًا فشيئًا، فالفترة ما بين ظهور دفعة وانتهاء دفعة أخرى من الرحم إلى المنفذ فما زاد على ذلك فهو النَّقاء الذي فيه القولان، وربما يتردد الناظر في أن مطلق الزائد على المدة الذكورة هل تخرج عن حد الفترات المعتادة؟ لأن تلك المدة يسيرة والله أعلم بالصواب.
ولا فرق على القولين بين أن يكون قدر الدم أكثر من قدر النقاء، أو قدر النقاء أكثر، أو يكونا متساويين، وإذا رأت صفرة أو كدرة بين سوادين، فإن قلنا: الصفرة في غير أيام العادة ليست حيضًا فهو من صور التقطع.
قال الغزالي: وَلَكِنْ نَسْحَبُ حُكْمَ الحَيْضِ عَلَى النَّقَاءِ بِشَرْطَينِ: (أَحَدُهُمَا): أَنْ يَكُونَ النَّقَاءُ مُحْتَوِشًا بِدَمَيْنِ في الخَمْسَةَ عَشَرَ حَتَّى لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ نَقَاءً وَرَأَتْ فِي السَّادِسَ عَشَرَ دَمًا فَالنَّقَاءُ مَعَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الدَّمِ طُهْرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحْتَوِشًا بِالحَيْضِ في المُدَّة. (والثَّانِي) أن يكون قَدْرُ الحَيْضِ فِي المُدَّةِ الخَمْسَةَ عَشَرَ تَمَام يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإنْ تَفَرَّقَ بالسَّاعَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ دَمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقِيلَ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ لَوْ كَانَ المَجْمُوعُ قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ صَارَ البَاقِي حَيْضًا.
قال الرافعي: غرض الفصل بيان قاعدتين يشرطان على قول السّحب.
إحداهما: لا بد من كون النقاء مُحْتُوَشًا بدمين في الخمسة عشر ليثبت لهما حكم الحيض، ثم ينسحب على ما بينهما، أما النَّقَاء الذي لا يقع بين دَمَينِ، فهو طهر لا محالة، وضرب له في الكتاب مثالًا، وهو ما إذا رأت يومًا وليلة دمًا وأربعة عشر نَقَاء، ورأت في السادس عشر دمًا، فالأربعة عشر طهر، إذ ليس بعدها دم محكوم له بالحيض، حتى ينسحب حكمه على النقاء، وإنما شرط في هذا المثال أن ترى الليلة دمًا مع اليوم، لأنه لا دم في الخمسة عشر سوى ما رأته أولًا، فلو كان في اليوم وحده لما كان لها حيض أصلًا، وحينئذ لا يقتصر الطهر على الأربعة عشر وما بعدها، بل يعم الكل، ولا يخفى أن الغرض من قوله: "فالنَّقَاء مع ما بعده من الدّم طهر" التسوية بينهما في نفي الحيض لا في أحكام الطهارة مطلقًا، فإنها مُسْتَحَاضة في زمان الدَّم دون أيام النَّقاء، ولك ألا تستحسن هذا المثال في هذا الموضع؛ لأنه الآن يتكلم فيما إذا لم يجاوز الدم الخمسة عشر، وفي هذه الصورة قد جاوز واللائق غير هذا المثال، نحو ما
[ ١ / ٣٤٢ ]
إذا رأت يومًا دمًا، ويومًا نقاء إلى الثالث عشر، ولم يعد الدم طهر؛ لأن النَّقَاء فيهما غير مُحْتَوِش بدمين في الخمسة عشر.
الثانية: الدماء المتفرقة إما أن يبلغ مجموعها أقل الحيض، أو لا يبلغ، فإن بلغ مجموعها أقل الحيض نظر إن بلغ الأول والآخر كل واحد منهما أقل الحيض، ففيه القولان.
وحَكَى أبو عبد الله الحناطي طريقًا آخر أن أزمنة النَّقاء في هذه الحالة حيض بلا خلاف (١) والقولان فيما إذا لم يبلغ كل واحد من الطَّرفين الأقل، وإن لم يبلغ واحد منها أقل الحيض، كما إذا رأت نصف يوم دمًا ومثله نقاء، وهكذا إلى آخر الخمسة عشر، ففيه ثلاث طرق:
أصحها: طرد القولين، فعلى قول التَّلْفِيق، حيضها أنصاف الدم سبعة ونصف، وعلى قول السّحب حيضها أربعة عشر ونصف؛ لأن النصف الأخير لم يتخلّل بين دمين في المّدة.
والثاني: لا حيض لها وكل ذلك دم فساد؛ لأن جعل التقاء حيضًا خلاف الحقيقة إنما يصار إليه إذا تقدم أقل الحيض أو تأخر أقلّه أو وجد أحدهما حتى استتبع النقاء.
والثالث: إنْ توسطهما قدر أقل الحيض على الاتصال، كفى ذلك لحصول القولين، وإلا فكلهما دم فساد، وإن بلغ أحدهما أقل الحيض دون الآخر، فثلاثة طرق أيضًا:
أصحها: طرد القولين.
والثاني: أن الدم الذي بلغه حيض وما عداه دم فساد.
والثالث: إن بلغ الأول أقل الحيض، فهو وما سواه حيض، وإن بلغ الآخر الأقل، فهو حيض دون ما عداه، والفرق أن الحيض في الابتداء أقوى وأدوم. هذا كله إذا بلغ مجموع الدماء أقل الحيض، أما إذا لم يبلغ فطريقان:
أظهرهما: أنه على القولين، إن قلنا بالتَّلْفِيقِ فلا حيض لها، بل هو دم فساد، وإن قلنا: بالسحب فكذلك على أظهر الوجهين.
والثاني: أن الدماء وما بينها حيض. والثاني: القطع بأن لا حيض لها، وإذا تأملت ما ذكرناه حصل عندك في القدر المعتبر من الدَّمين ليجعل ما بينهما حيضًا على قول السّحب ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب.
_________________
(١) في ط: إلى خلاف.
[ ١ / ٣٤٣ ]
أظهرها وبه قال أبو بكر المحمودي: إنه يشترط أن يكون مجموع الدِّماء قدر أقل الحيض، ولا بأس بتفرقها، ونقصان كل واحد منها، وقوله: "أنْ يكون قدر الحيض في المدة الخامسة عشرة تمام يوم وليلة عبارة عن هذا الوجه، وأراد بالحيض الدم، وإلا فالنَّقاء حيض أيضًا" على قول السحب.
والثاني: أنه يشترط مع ذلك أن يكون كل واحد من الدَّمين قدر أقل الحيض، حتى لو رأت دمًا ناقصًا على الأقل ودمين آخرين غير ناقصين. فالأول دم فساد والآخران وما بينهما من النقاء حيض. وقوله: "إنَّ كل دم ينبغي أن يكون يومًا وليلة"، لا نعني به كل دم في الخمسة عشر، إذ لا يشترط في الدماء المتوسطة ذلك. وإنَّما المراد كل دم من الأول والآخر.
والثالث وبه قال الأنْمَاطِي: أنه لا بشترط شيء من ذلك، بل لو كان مجموع الدماء نصف يوم أو أقل، فهي وما بينها من النّقاء حيض على القول الذي نتكلم فيه.
وقوله: "صار الباقي حيضًا" أي: الباقي من الخمسة عشر بشرط أن يكون متخللًا بين الدّمين، ويحصل مما سبق وجه رابع وهو أنه لا يشترط أن يكون أحدهما (١) أقل الحيض [لكن يشترط بلوغ أولهما هذا الحد] (٢) ووجه خامس وهو أنه يشترط أن يكون أحدهما أقل الحيض إما الأول أو الآخر.
ووجه سادس، وهو أنه يشترط ذلك إما في الأول أو الآخر أو الوسط.
قال الغزالي: فَرْعٌ المُبْتَدَأَةُ إِذَا تَقَطَّعَ دَمُهَا فَتُؤْمَرُ بِالعِبَادَةِ فِي الحَالِ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ التَّقَطُّعُ فَفِي الدَّورِ الثَّالِثِ لاَ تُؤْمَرُ بِالعِبَادَةِ، وَفِي الثَّانِي تُبْنَي عَلَى أَنْ العَادَةَ هَلْ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؟
قال الرافعي: المبتدأة إذا انقطع دمها فكما انقطع وهو بالغ أقل الحيض، لزمها أن تغتسل وتصوم وتصلي، ولها أن تطوف، وللزوج أن يغشاها ولا فرق في كل ذلك بين القولين؛ لأنها لا تدري هل يعود الدم أم لا؟ والظاهر استمرار العدم. وفي الغشيان وجه أنه لا يجوز، ثم إذا عاد الدَّم تركت الصَّوم والصَّلاة، وامتنعت عن الوَطْء، وتبين على قول السحب وقول الوطء. والعبادات في الحيض، لكن لا يأثم بالوطء وتقضي الصَّوم والطَّواف دون الصَّلاة.
وعلى قول اللّقط -والتَّلْفِيقِ ما مضى صحيح- ولا قضاء، وهذا الحكم في الانقطاع الثاني والثالث وسائر الانقطاعات في الخمسة عشر.
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٤٤ ]
وفيه وجه: أن في سائر الانقطاعات يبنى الأمر على أن العادة بماذا تثبت، فإذا ثبتت توقفنا في الغسل، وسائر العبادات ارتقابًا للعود، وأما في الدور الثاني، وما بعده من الأدوار، فعلى قول التلفيق لا يختلف الحكم، وعلى قول السحب في الدور الثاني طريقان:
أصحهما: أنه يبنى على الخلاف في العادة، إنْ أثبتناها بمرة. وقد عرفنا التّقطع بالدور الأول فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم، حملًا على عود الدم، فإن لم يعد بأن أنها كانت طاهرًا، فتقضي الصوم والصلاة جميعًا، وإن لم نثبتها بمرة، فالحكم كما سبق في الشهر الأول، وفي الدور الثالث وما بعده تثبت العادة بمرتين سابقتين، فلا تغتسل إذا انقطع الدم، ولا تصلي ولا تصوم.
وقد حكينا وجهًا من قبل أن العادة لا تثبت إلا بثلاث مرات، ولا يخفى قياسه، والطريق الثاني، ويحكى عن أبي زيد أن التقطع وإن تكرر مرات كثيرة، فالحكم في المرة الأخيرة كما في الأولى؛ لأن الدم إذا انقطع فبناء الحكم على عوده وترك العبادات بعيد.
وقوله في الكتاب: "المبتدأة إذا انقطع دمها فتؤمر بالعبادة" يجوز أن يراد به الانقطاع الأول وحده، ويجوز أن يراد به كل انقطاع يتفق في الدور الأول، وعلى التقدير الثاني ينبغي أن يُعَلَّمَ قوله: "فتؤمر بالعبادة" بالواو للوجه الصائر إلى بنائه على الخلاف في العادة.
وقوله: "ففي الدور الثالث لا تؤمر بالعبادة" ينبغي أن يُعَلَّم بالواو لشيئين:
أحدهما: الوجه الذاهب إلى أن العادة تثبت بثلاث مرات.
والثاني: الطريقة المنسوبة إلى أبي زيد.
وكذلك قوله: "وفي الثاني يبني على أن العادة هل تثبت بمرة لطريقة أبى زيد"؟
هذا كله إذا كان الانقطاع بعد بلوغ الدم أقل الحيض. أما إذا رأت المبتدأة نصف يوم دمًا وانقطع، وقلنا بطرد القولين، فعلى قول السحب لا غسل عليها عند الانقطاع الأول، لأنه إن عاد الدم في الخمسة عشر، فالنَّقاء الذي رأته بعد ذلك الدم حيض أيضًا وإن لم يعد فهو دم فساد، ولكن تتوضأ، وتصلي، وفي سائر الانقطاعات، إذا بلغ مجموع ما سبق دمًا ونقاء أقل الحيض، يصير الحكم على ما سبق في الحالة الأولى، وعلى قول التَّلْفِيق لا يلزمها الغسل أيضًا في الانقطاع الأول على أظهر الوجهين، لأنَّا لا ندري هل هو حيض أم لا؟
والثاني: يجب احتياطًا كما يجب على الناسية احتياطًا، وفي سائر الانقطاعات،
[ ١ / ٣٤٥ ]
إذا بلغ ما سبق من الدم وحده أقل الحيض يلزمها الغسل وقضاء الصوم والصلاة، وحكم الدور الثاني والثالث على القولين جميعًا، كما ذكرنا في الحالة الأولى، هذا تمام القسم الأول وهو أنْ لاَ يجاوز الدم المتقطّع خمسة عشر يومًا.
قال الغزالي: أمَّا إِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الخَمْسَةَ عَشَرَ صَارَتْ مُستَحَاضَة، فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: (الأوُلَى المُعتَادَةُ) فَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسًا وَتَطْهَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَجَاءَهَا دَوْرٌ وَأَطْبَقَ الدَّمُ مَعَ التَّقَطُّعِ وَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالنَّقَاءَ كَذَلِكَ، فَعَلَى قَوْلِ السَّحْبِ نُحَيِّضُهَا خَمْسةً مِنْ أَوَّلِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ النَّقَاءَ فِيهِ مُحْتَوشٌ بالدَّمِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَاسْتُحِيضَتْ وَكَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً وَهَكَذَا، فَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ إِتْمَامَ الدَّمِ بِالنَّقَاءِ عَسِيرٌ، إِذْ لَيْسَ مُحْتَوِشًا بِدَمَيْنِ فِي وَقْتِ العَادَةِ فَلاَ يُمْكِنُ تَكْمِيل اليَوْمِ بِاللَّيْلَةِ، فَقَدْ قِيلَ ههُنَا: تَعُودُ إِلَى قَوْلِ التَّلْفِيقِ فَتَلْتَقِطُ النَّقَاءَ مِنَ الحَيْضِ، وَقِيلَ: لاَ حَيْضَ لَهَا أَصْلًا، وَقِيلَ: يُسْحَبُ حُكْمُ الحَيْضِ عَلَى لَيْلَةِ النَّقَاءِ وَيُضَمُّ اليَوْمُ الثَّانِي إِلَيْهِ، فَيَكُونُ قَدِ ازْدَادَ حَيْضُهَا.
قال الرافعي: إذا جاوز الدم بصفة التلفيق الخمسة عشر فقد صارت مستحاضة كغير ذات التَّلفيق إذا جاوز دمها هذه المدة. ولا سائر إلى الالتقاط من جميع الشهر، وإن لم يزد مبلغ الدم على أكثر الحيض، وإذا صارت مستحاضة ووقعت الحاجة إلى الفرق بين حيضتها واستحاضتها. فالمرجع إلى العادة أو التمييز، كما في غير ذات التلفيق.
وقال محمد ابن بنت الشافعي (١): إن اتصل الدم المجاوز بالدم في آخر الخمسة عشر، فالأمر كذلك، وإن انفصل عنه بنقاء متخلّل، فالمجاوز استحاضة، وجميع ما في الخمسة عشر من الدماء إما وحدها أو مع النقاء المتخلّل على اختلاف القولين حيض.
مثال: ما إذا اتصل رأت ستة دمًا وستة نقاء، وجاوز فالدم متصل هاهنا من آخر الخمس عشر بأول السادس عشر (٢).
_________________
(١) أحمد بن محمد بن عبد الله، بن محمد بن العباس، بن عثمان بن شافع، المعروف بابن بنت الشافعي، فهو سبطه، وابن ابن عمه. قال أبو الحسين الرازي: كنيته أبو محمد، قال: وكان واسع العلم، جليلًا فاضلًا، لم يكن في آل شافع بعد الإمام أجل منه. انظر طبقات العبادي (٢٦) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٨٥). طبقات الإسنوي (٦٦٧) طبقات السبكي (١/ ٢٨٧) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٧٥).
(٢) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٤٦ ]
ومثال: ما إذا انفصل، رأت يومًا دمًا، ويومًا نقاء وجاوز، فهذه ترى الدم في الخامس عشر، وتكون نقية في السّادس عشر، فعنده جميع الخمسة عشر حيض - على قول السحب، وما فيها من الدماء على قول اللقط، وما جاوز الخمسة عشر استحاضة.
وبه قال أبو بكر المحمودي، وغيره والمذهب الأول.
ثم جعل صاحب الكتاب المستحاضات في هذا الباب أربعاَ:
إحداهن: الناسية، وفي غير ذات التَّلفيق ذكر أَرْبعًا دون النَّاسية، وليس ذلك لاختلاف عددهن بالتقطع وعدم التقطع، لكن حذف ذكر المعتادة المميزة هاهنا، لأن الوقوف على حكمها سهل المأخذ من حيث إن الكلام في أن أي المعنيين، يرجع من العادة والتَّمييز. وقد سبق في غير ذات التَّلفيق، ولا فرق فيه بين حالة التّقطع، وعدم التقطع، وإذا رجحنا أحد المعنيين، فهي كالمنفردة بتلك الصفة.
المستحاضة الأولى المعتادة الحافظة لعادتها، وعادتها السّابقة على ضربين:
أحدهما: وهو الذي ذكر مثاله في الكتاب العادة التي لا تقطع فيها، فكل عادة تود إليها عند الإطباق والمجاوزة تردّ إليها عند التّقطع والمجاوزة، ثم على قول السحب كل دم يقع في أيام العادة، وكل نقاء يتخلّل بين دمين فيها حيض، وأما النّقاء الذي لا يتخلّل بين دمين فيها لا يكون حيضًا، وأيام العادة هاهنا بمثابة الخمسة عشر عند عدم المجاوزة، فلا معدل عنها وعلى قول التَّلفيق أزمنة النَّقاء طهر، وفيما يجعل حيضًا لها وجهان:
أظهرهما: أن قدر عادتها [من الدماء الواقعة في الخمسة عشر حيض لها، فإن لم تبلغ الدّماء في الخمسة عشر قدر عادتها] (١) جعل الموجود حيضًا ووجهه أن المعتادة عند الإطباق مردودة إلى قدر عادتها، وقد أمكن ردها هنا إلى قدر العادة فيصار إليه.
والثاني: أن حيضها ما يقع من الدماء في أيام العادة لا غير، لأن حكم الحيض عند الإطباق إنما يثبت للدماء الموجودة في أيام العادة، فكذلك هاهنا.
مثاله: كانت تحيض خمسة على التّوالي من كل ثلاثين؛ فجاءها دور تقطع فيه الدم والنّقاء يومًا ويومًا وجاوز الخمسة عشر، فعلى قول السحب نحيضها خمسة من أول الدور، وما فيها من النّقاء مُحْتَوِش بالدم في أيّام العادة فينسحب عليه حكم الحيض، وعلى قول التّلفيق وجهان:
أظهرهما: أن حيضها الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع وتجاوز أيام العادة محافظة على القدر.
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٤٧ ]
والثاني: أن حيضها الأول والثالث والخامس لا غير، ولو كانت تحيض ستة على التوالي ثم استحيضت والدم منقطع كما وصفنا، فعلى قول السحب لا تردها إلى السّتة؛ لأن النقاء في اليوم السادس غير محتوش بدمين في أيام العادة.
وعلى قول التلفيق حيضها على الوجه الأول الأيام الخمسة والحادي عشر أيضًا.
وعلى الوجه الثاني الأوّل والثّالث والخامس لا غير، ولو انقلبت عادتها بتقدم أو تأخر، ثم استحيضت عاد الخلاف كما ذكرنا في حالة الإطباق، وكذا الخلاف فيما يَثبت به العادة.
مثال التقدُّم: كانت عادتها خمسة من ثلاثين كما ذكرنا، فرأت في بعض المشهور اليوم الثلاثين دمًا واليوم الذي بعده نقاء، وهكذا إلى أن انقطع دمها وجاوز الخمسة عشر، فعن أبي إسحاق أنها تراعي أيّامها المتقدمة وما قبلها استحاضة، فعلى قول السّحب حيضها اليوم الثاني والثالث والرابع، وعلى قول اللّقط حيضها اليوم الثاني والرابع لا غير، وظاهر المذهب أن العادة تنتقل بمرة واحدة واليوم الثلاثون حيض، فعلى قول السحب حيضها خمسة متوالية من الثلاثين، وعلى قول اللّقط [حيضها اليوم الثلاثون والثاني والرابع] (١) إنْ لَمْ يجاوز أيام العادة، وإن جاوز ضممنا إليها السادس والثامن.
مثال التأخُّر: ما إذا رأت في المثال المذكور اليوم الأول في بعض الأدوار نقاء ثم تقطع عليها الدم والنقاء من اليوم الثاني، وجاوز فعند أبي إسحاق الحكم على ما ذكرنا في الصورة السابقة، وعلى ظاهر المذهب أن فرعنا على قول السحب فحيضها خمسة على التَّوالي من اليوم الثاني، وإن فرعنا على قول اللّقط فإن لم يجاوز أيام العادة فحيضها الثّاني، والرابع، والسادس، وإنْ كان خارجًا عن أيَّام العادة القديمة، لكن بالتأخُّر قد إنتقلت عادتها، وصار أول الخمسة الثَّاني وآخرها السَّادس، وإن جاوزنا أيام العادة فحيضها هذه الأيام مع الثَّامن والعاشر، ولا يخفى أن قدر طهرها السّابق على الاستحاضة في هذه الصورة قد صار ستة وعشرين، وفي سورة المتقدم أربعة وعشرين، ولو لم يتقدم الدم في المثال المذكور ولا تأخُّر، لكن تقطع الدم والنّقاء عليها يومين يومين، فلا يعود خلاف أبي إسحاق، ويبني الحكم على قول التَّلفيق إن سحبنا فحيضها خمسة أيام ولاء واليوم السادس استحاضة كالدماء التي بعده، وإن لفقنا فإن لم يجاوز أيام العادة فحيضها اليوم الأول والثاني والخامس لا غير، وإن جاوز ضممنا إليها السّادس والتّاسع، وحكى وجه: أن الخامس لا يجعل حيضاَ على قولنا بعدم المجاوزة،
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ١ / ٣٤٨ ]
ولا التاسع على قولنا بالمجاوزة، لأنهما متَّصلان بدم الاستحاضة فيضعفان بضعفه، ويجري هذا الوجه في كل نوبة دم يخرج بعضها عن أيام العادة - إن اقتصرنا على أيام العادة أو عن الخمسة عشر إن جاوزنا أيام العادة، وإذا عرفنا قدر حيض هذه المستحاضة على اختلاف الأحوال، فكم مدة طهرها بعد الحيض إلى استئناف حيضة أخرى؟ ينظر إن كان التّقطع بحيث ينطبق الدَّم على أول الدور فهو ابتداء الحيضة الأخرى، وإن لم ينطبق فابتداء حيضها أقرب نوب الدماء إلى أول الدور، تقدمت أو تأخرت، فإن استويا في التّقدم والتّأخر فابتداء حيضها النوبة المتأخرة، ثم قد يتفق المتقدم، أو التأخر في بعض أدوار الاستحاضة دون بعض.
وإذا أردت أن تعرف هل ينطبق الدم على أول الدور أم لا؟ فخذ نوبة دم ونوبة نقاء، واطلب عددًا صحيحًا يحصل من ضرب مجموع النَّوبتين فيه مقدار دورها، فإن وجدته فاعرف انطباق الدم على أول الدور وإلا فاضربه في عدد يكون مردوده أقرب إلى دورها زائدًا كان أو ناقصًا، واجعل حيضها الثَّاني أقرب الدماء إلى أول الدور، فإن استوى طرفا الزيادة والنقصان فالاعتبار بالزائد، ولنوضح ذلك بأمثلة.
عادتها خمسة من ثلاثين، وتقطع الدم يومًا ويومًا في بعض الأدوار وجاوز فنوبة الدم يوم ونوبة النقاء مثله، وأنت تجد عددًا لو ضربت الاثنين فيه كان الحاصل ثلاثين وهو خمسة عشر، فاعرف أنَّ الدم ينطبق على أول دورها أبدًا ما دام التقطع بهذه الصفة، ولو كانت المسألة بحالها وتقطع الدّم والنّقاء يومين يومين، فلا تجد عددًا يحصل من ضرب أربعة ففيه ثلاثون، فاطلب ما يقرب الحاصل من الضَّرب فيه من ثلاثين هاهنا عددان سبعة وثمانية إن ضربت الأربعة في سبعة رد ثمانية وعشرين، وإنْ ضربتها في ثمانية رد اثنين وثلاثين، والتَّفاوت في طرفي الزيادة والنقصان واحد، فَخُذ بالزيادة واجعل أول الحيضة الأخرى الثالث والثلاثين وحينئذ يعود ما سبق نقله من خلاف أَبِي إِسْحَاقَ لتأخر الحيض عن أول الدور فحيضها عنده في [أول] الدُّور الثاني هو اليوم الثّالث والرابع لا غير على قولي التَّلفيق جميعًا، وأمّا قول السّحب، فلأن ما قبلهما وما بعدهما نقاء، لم يتخلل بين دمين في أيام العادة، وأما على قول اللّقط، فلأنه ليس لها في أيام العادة دم إلا في هذين اليومين، وأما على ظاهر المذهب، فإن فرعنا على السّحب حيضناها من اليوم الثَّالث خمسة على التّوالي، وإن فرعنا على اللّقط فان جوزنا أيام العادة [فحيضها الثالث والرابع والسابع والثامن والحادي عشر] وإن لم يجاوزها] فحيضها الثّالث والرّابع والسّابع لا غير ثم في الدور [الثالث] ينطبق الدم على أول الدور فلا يبقى خلافًا لأبي إسحاق، ويكون الحكم كما ذكرنا في الدور الأول، وفي الدور الرابع يتأخر الحيض، ويعود الخلاف على هذا أبدًا ولم نر أحدًا يقول: إذا تأخر الدم في الدور الثاني بيومين فقد صار أول أدوار المجاوزة اثنين وثلاثين؛ فنجعل
[ ١ / ٣٤٩ ]
هذا العدد دورًا لها تفريعًا على أن العادة تثبت بمرة وحينئذ ينطبق الدم على أول الدور أبدًا؛ لأنا نجد عددًا يحصل من ضرب الأربعة فيه هذا العدد، وهو ثمانية، ولو قال به قائل لما كان به بأس، فإن قلت: هذا الدّور حدث في زمان الاسْتِحَاضَةِ فلا عبرة به، قلنا: لا نسلم فإنا قد نثبت عادة المُسْتَحَاضَةِ مع دوام العلّة ألا ترى أن المُسْتَحَاضَة المميزة يثبت لها بالتمييز عادة معمول بها، ولو كانت المسألة بحالها ورأت ثلاثة دمًا وأربعة نقاء، فمجموع النوبتين سبعة فلا نجد عددًا إذا ضربت السبعة فيه رد ثلاثين، فاضربه في أربعة ليرد ثمانية وعشرين، واجعل أول الحيضة الثانية التاسع والعشرين، ولا تضربه في خمسة فإنه يرد خمسة وثلاثين، وذلك أبعد من الدور وعند ذلك يتقدم الحيض على أول الدور، فعلى قياس أبي إسحاق ما قبل الدور استحاضة، وحيضها اليوم الأول على قولي التّلفيق جميعًا، وقياس ظاهر المذهب لا يخفى، ولو كانت عادتها قديمًا ستة من ثلاثين، وتقطع الدم في بعض الأدوار ستة ستة، وجاوز ففي الدور الأول حيضها الستة الأولى بلا خلاف، وأمّا في الدور الثاني فإنها ترى سِتَّة من أوله نقاء وهي أيام عادتها، فعند أبي إسحاق لا حيض لها في هذا الدَّور أَصْلًا.
وَأَمَّا سائر الأصحاب فقد حكى إمام الحرمين في هذه الصورة عنهم وجهين:
أظهرهما: أنا نحيضها الستّة الثانية على قولي السّحب، واللّقط جميعًا.
والثاني: أن حيضها السّتّة الأخيرة من الدور الأول؛ لأن الحيضة إذا فارقت محلّها فقد تتقدم وقد تتأخر والسّتة الأخيرة قد تخلّل بينها وبين الحيضة التي قبلها طهر كامل، فتحيض فيها وتحكم بنقصان طهرها السابق، ويجئ هذا الوجه حيث خلا جميع أيام العادة عن الحيض، هذا كله إذا لم ينقص الدم الموجود في زمان العادة عن أقل الحيض، أما إذا نقص، كما إذا كانت عادتها يومًا وليلة نقاء واستحيضت.
قال صاحب الكتاب: فهذا فيه إشكال يعني على قول السحب، لأن إتمام الدم بالنّقاء عسير؛ لأنه غير مُحْتَوِش بالدَّم في وقت العادة، ولا يمكن الاقْتِصَارُ على اليوم الواحد، ولا تكميله باليوم الثّاني، فإن مجاوزة العادة على قول السّحب ممّا لا يجوز، فبماذا تحكم؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه لا حيض لها في هذه الصُّورة؛ لتعذُّر الأقسام وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ.
والثاني: أنها تعود في هذه الصُّورة إلى قول التَّلفيق.
وتستثنيها عن قول السحب؛ لأنه يبعد أن يقال: لا حيض لها، وهي ترى الدم شَطْرَ دَهْرِهَا على صفة الحيض، ويهذا قال أبو بكر المحمودي.
والثالث: أنا نحيضها اليوم الأول والثّاني والليلة بينهما وليس فيه إلاَّ زيادة حيضها
[ ١ / ٣٥٠ ]
وهو أقرب الأقسام والأحوال، وهذا الوجه ذكره الشيخ أبو محمد.
وأما على قول التَّلْفيق فلا حيض لها إن لم تجاوز أيَّام العادة، وإن جاوزناها حيضناها في اليوم الأول والثاني، وقلنا: الليلة بينهما طهر.
الضرب الثاني: العادة المتقطّعة فإذا استمرت لها عادة متقطعة قبل الاستحاضة، ثم استحيضت مع التّقطع فننظر إن كان التّقطع بعد الاستِحَاضَة كالتّقطع قبل الاستحاضة فمردها قدر حيضها على اختلاف القولين:
مثاله: كانت ترى ثلاثة دمًا وأربعة نقاء وثلاثة دمًا وتطهر عشرين ثم استحيضت والتقطع بهذه الصفة فعلى قول السحب كان حيضها عشرة قبل الاستحاضة فكذلك بعدها، وعلى قول اللّقط كان حيضها ستّة يتوسط بين نصفيها أربعة فكذلك الآن وإن اختلفت كيفية التقطع كما إذا انقطع الدّم عليها في المثال المذكور في بعض الأدوار يومًا يومًا واستحيضت، فعلى قول السحب حيضها الآن تسعة أيام؛ لأنها جملة الدماء الموجودة في أيام العادة وما بينها من النقاء واليوم العاشر نقاء لم يتخلل بين دمين، في وقت العادة وعلى قول اللقط، إن لم يجاوز أيام العادة فحيضها اليوم الأول والثَّالث والتَّاسع إذ ليس لها في أيّام حيضها القديم على هذا القول دم إلا في هذه الثلاثة، وإن جاوزناها ضممنا إليها الخامس والسابع والحادي عشر تكميلًا لقدر حيضها.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ الْمُبْتَدَأَةُ) فَإذَا رَأَتِ النَّقَاءَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي صَامَتْ وَصَلَّتْ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ مَهْمَا رَأَتِ النَّقَاءِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ، ثُمَّ مَرَدُّهَا إِمَّا يَوْمٌ وَلَيلَةٌ وَإِمَّا أَغْلَبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ فِي حَقِّهَا كَالعَادَةِ فِي حَقِّ المُعْتَادَةِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن المبتدأة إذا تقطع عليها الدَّم تصوم وتصلّي عند الانقطاع الأول، وهكذا في سائر الانقطاعات الواقعة في الخمسة عشر، وقد اشتمل الفرع المذكور قبل تقسيم المُسْتَحَاضَاتِ على ما ذكره في هذا الموضع أو على بعضه؛ لأن قوله: "ثم إذا انقطع دمها تؤمر بالعبادة في الحال" إن أراد به كل الانقطاع فهو والمذكور في هذا الموضع شيء واحد، وإن أراد به الانقطاع الأول فهو قوله هاهنا: "وإذا رأت النّقاء في اليوم الثّاني صامَت وصلَّت".
وليكن قوله: "وهكذا تفعل مهما رأت النّقَاء" مُعَلَّمًا بالواو لما بيناه في شرح ذلك الفرع، ثم إذا جاوز دمها بصفة التّقطع الخمسة عشر تبين أنها مستحاضة، فإن قلنا: المبتدأة ترد إلى يوم وليلة وهو الأصح، وكان تقطع الدم والنقاء عليها يومًا يومًا فحيضها يوم وليلة والباقي طهر، وإن قلنا: إنها ترد إلى ست أو سبع فعلى قول السّحب أن رددناه إلى ست فحيضها خمسة على التّوالي؛ لأن اليوم السادس نقاء لم يحتوشه دمان
[ ١ / ٣٥١ ]
في المراد، وإن رددناه إلى سبع فحيضها سبع على التوالي (١) وعلى قول اللقط إن لم يجاوز أيام العادة.
ورددناها إلى ست فحيضها اليوم الأول، والثالث والخامس وإن رددناها إلى سبع ضممنا اليوم السابع إلى هذه الأيام وإن جاوزنا أيام العادة ورددناها إلى ستِّ فحيضها ست من أيام الدماء، وإن رددناها إلى سبع فحيضها سبعة منها، وكل هذا على ما تقدم في المعتاد.
فلذلك قال: "ومردها في حقها كالعادة في حق المعتادة" وابتداء الحيضة الثانية طريقة ما ذكرنا في المعتادة.
ثم إذا كانت تصلِّي وتصوم في أيام النّقاء حتى جاوز الدم الخمسة عشر وتتركها في أيّام الدّم كما أمرناها به فلا خلاف في أنها تقضي صيام أيّام الدم بعد المرد وصلواتها؛ لأنها تركتهما رجاء الانقطاع قبل الخمسة عشر فإذا جاوزها الدم وتبين الطهر في تلك الأيام، فلا بد من قضاء العبادة المتروكة، وأما صلوات أيام النقاء وصيامها فعلى قول اللقط لا حاجة إلى قضائها أصلًا، وأما على السّحب فلا حاجة أيضًا إلى قضاء الصلوات؛ لأنها إن كانت طاهرًا فقد صلَّت وإن كانت حائضًا فلا صلاة عليها وفي صومها قولان:
أظهرهما: أنها لا تقضي أيضًا، كما في الصلاة.
والثاني: تقضي لأنها صامت على تردد في صحته وفساده، فلا يجزئها بخلاف الصَّلاة فإن الصَّلاة إن لم تصح لم يجب قضاؤها إذ لا يجب قضاء الصلاة على الحائض ثم منهم من بني القولين على القولين فيما إذا صلّى خنثى خلف امرأة وأمرناه بالقضاء فلم يَقْضِ حتى بَانَ كونه امرأة هل يلزمه القضاء؟ لأن العبادة في الصورتين مؤداة على التردُّد في صحتها وفسادها.
وقال الأكثرون: هما مبنيان على القولين المذكورين في أن المبتدأة هل تحتاط بعد المردّ إلى آخر الخمسة عشر أم لا؟ إن قلنا: تحتاط وجب القضاء مع الأداء، وإلا فلا.
قالوا: ولو كان الخلاف مبنيًّا على مسألة الخنثى لكان مخصوصًا بالشهر الأول من شهور الاستحاضة، لثبوت الاستحاضة بعد ذلك الشهر، وارتفاع التردُّد والخلاف مطرد في الأدوار كلها خرج من هذا أنا إن حكمنا باللّقط لم تقض من الخمسة عشر إلا صلوات سبعة أيّام وصيامها إن رددنا المبتدأة إلى يوم وليلة وهي أيام الدّم سوى اليوم
_________________
(١) ما بين قوله: "وعلى قول اللفظ" إلى قوله: "سبع على التوالي" سقط في (ب).
[ ١ / ٣٥٢ ]
الأول، وإن رددناها إلى ست أو سبع فإن لم تجاوز أيام العادة وكان الرد إلى ست قضتها من خمسة أيام، وإن ردت إلى سبع فمن أربعة أيام، وإن جاوزناها وردت إلى ست قضتها من يومين، وإن ردت إلى سبع فمن يوم واحد، وأما إن حكمنا بالسحب، فإن رددناها إلى يوم واحد قضت صلوات سبعة أيام، وهي أيام الدم سوى اليوم الأول ولا تقضي غير ذلك وفي الصوم قولان:
أظهرهما: لا تقضي إلا صيام ثمانية أيام، وهي أيام الدم كلّها.
والثاني: تقضي صيام الخمسة عشر، ولفظ "الوسيط" يعبر عن القول الأول: إنه لا يلزمها إلا قضاء تسعة أيام في رمضان؛ لأنها صامت سَبْعَةً في أيام النقاء من الشطر الأول، ولولا ذلك النقاء لما لزمها إلا ستة عشر فإذا حسبنا سبعة بقى تسعة والصواب ما قلناه وهو المذكور في "التهذيب" وغيره، ولولا النقاء لما لزمها إلا خمسة عشر، وإنما تلزم الستة عشر إذا أمكن انبساط أكثر الحيض على الستة عشر، وهو غير ممكن في المثال الذي نتكلم فيه وإن رددناها إلى ست، أو سبع فان ردت إلى ست قضت صلوات خمسة أيام، وهي أيام الدماء التي لم تصل فيها بعد المرد؛ لأن جملتها ثمانية ويقع منها في المردّ ثلاثة، وإن ردت إلى سبع قضت صلوات أربعة أيام وأما الصّوم فعلى أحد القولين تقضي صيام الخمسة عشر جميعًا، وعلى أظهرهما: إن ردت إلى ست قضت صيام عشرة أيام ثمانية منها أيام الدم في الخمسة عشر، ويومان نقاء وقعا في المردِّ لتبين الحيض فيهما، وإن ردت إلى سبع قضت صيام أحد عشر يومًا، هذا تمام الكلام في المبتدأة التي لا تمييز لها.
قال الغزالي: (الثَّالِثَةُ المُمَيَّزَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَرَى يَوْماَ يَوْمًا قَوِيًّا وَيومًا دَمًا ضَعِيفًا، فَإِنْ أَطْبَقَ الضَّعِيفُ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيَّضْنَاهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لإحَاطَةِ السَّوَادِ بِالضَّعِيفِ المُتَخَلِّلِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَرْكِ التَّلْفِيقِ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَمَر تَعَاقُبُ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ فَهِيَ فَاقِدَةُ التَّمْيِيزِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
قال الرافعي: المبتدأة إذا كانت مميزة ننظر إن كانت فاقدة لشرط التَّمييز فهي كالفاقدة لأصل التمييز، وحكمها ما سبق نظيره لو رأت يومًا سوادًا ويومًا حمرة إلى آخر الشَّهر فهي فاقدة لأحد شروط التَّمييز، وهو أن لا يجاوز القوي الخمسة عشر.
وقوله: في هذا المثال فهي فاقدة للتمييز لفوات شرطه أي: للتّمييز المعتبر، وإلا فهي واجدة لأصله، وإن كانت واجدة لشرط التمييز، فعلى قول السّحب حيضها الدماء القوية في الخمسة عشر مع النّقاء المتخلل والضعيف المتخلل، وعلى قول اللّقط حيضها القوي دون ما يتخلّله مثاله رأت يومًا سواد ويومًا حمرة إلى آخر الخمسة عشر ثم
[ ١ / ٣٥٣ ]
استمرت الحمرة بعد الخمسة عشر أما بصفة التقطع فحيضها على قول السحب جميع الخمسة عشر، وعلى قول اللقط أيام السواد، وهي ثمانية:
وقوله: "المميّزة وهي التي ترى يومًا دمًا قويًّا ويومًا دمًا ضعيفًا" يوهم اشتراط التّقطّع بين القوي والضعيف ليثبت التمييز فإنه كالتفسير للمميزة ولا يشترط ذلك بل يثبت التمييز المعتبر، وإن كان التّقطّع بين القوي والنقاء، والشرط أن لا ترى القوي إلاَّ في الخمسة عشر، ويكون المجاوز هو الضعيف، ولا فرق في الضعيف المجاوز بين أن يكون دائمًا أو متقطعًا.
وقوله: "وكل ذلك تفريع على ترك التَّلفيق" أي: قول السحب وإنما كان يحسن قوله: وكل ذلك إذا جرى تفريع طويل، ولم يَجْرِ هاهنا كثير شيء.
قال الغزالي: (الرَّابِعَة النَّاسِيَةُ)، فَإنْ أَمَرْنَاهَا بِالاحْتِيَاطِ عَلَى الصَّحِيحِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَن أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَيْهَا عَلَى قَوْلِ السَّحْبِ إِذْ مَا مِنْ نَقَاءٍ إِلاَّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَإنَّمَا تُفَارِقُهَا فِي أَنَّا لاَ نَأْمُرُهَا بِتَجْدِيدِ الوُضوءِ فِي وَقتِ النَّقَاءِ؛ لِأَنَّ الحَدَثَ فِي صُورَته غَيْرَ مُتَجَدِّدٍ وَلاَ بِتَجْدِيدِ الغُسْلِ إِذْ الانْقِطَاعُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَالَةِ انْتِفَاءِ الدَّمِ، وَعَلَى قَوْلِ التَّلْفِيقِ يَغْشَاهَا الزَّوجُ فِي أَيَّامِ النَّقَاءِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ فِيهَا فِي كُلِّ حُكْمٌ.
قال الرافعي: النَّاسية لعادتها قد تنساها من كل وجه وهي المتحيرة وقد تنساها من وجه دون وجه كما في حالة الإطباق، فأما المتحيّرة فيعود فيها القولان المذكوران عند الإطباق، إن قلنا: هي كالمبتدأة فحكمها ما تقدم، وإن أمرناها بالاحتياط وهو الصحيح بنينا أمرها على قولي التّلفيق، إن قلنا بالسحب فتحتاط في أزمنة الدم من الوجوه التي ذكرناها في حالة الإطباق بلا فرق لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع وتحتاط في أزمنة النقاء أيضًا إذا ما من نقاء إلا ويحتمل أن يكون حيضًا نعم لا تؤمر بالغسل في وقت النّقاء؛ لأن الغسل إنما يجب لاحتمال الانقطاع ولا انقطاع في حالة انتقاء الدم وكما لا تؤمر بتجديد الغسل لا تؤمر بتجديد الوضوء إيضًا؛ لأن ذلك إنما يجب لتجدّد الحدث ولا تجدد في وقت النقاء، فإذًا يكفيها لزمان النّقاء الغسل عند إنقطاع كل نوبة من نوب الدّماء، وإن قلنا باللقط فعليها أنْ تحتاط في أيام الدّم وعند كل انقطاع وأما في أزمنة النّقاء فهي طاهر في الغشيان وسائر الأحكام ولك أن تستدرك من جملة اللّفظ على قوله، وإنما تفارقها في أنّا لا نأمرها بتجديد الوضوء في أيام النقاء ونقول: إنما ينتظم هذا الكلام أن لو كانت المتحيّرة عند الإطباق مأمورة بتجديد الوضوء لتكون هذه مفارقة لها ومعلوم أنها لا تؤمر بتجديد الوضوء وإنما تؤمر بتجديد الغسل فكان الأحسن أن يقول: وإنما تفارقها في أنا لا نأمرها بتجديد الغسل وكذلك بتجديد الوضوء.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وأما النَّاسية التي نسيت عادتها من وجه دون وجه، فتحتاط على مقتضى قولي التّلفيق، مع رعاية ما نذكره.
مثاله: قالت: أضْللت خمسة في العشرة الأولى من الشهر وقد تقطع الدم والنّقاء عليها يومًا يومًا واستحيضت فإن قلنا بالسحب فاليوم العاشر طهر؛ لأنه نقاء لم يتخلل بين دمي حيض ولا غسل عليها في الخمسة الأولى لتعذر الانقطاع فإذا انقضت اغتسلت وبعدها لا تغتسل في أيام النقاء وتغتسل في آخر السابع والتاسع لجواز الابتداء في أول الثّالث والخامس، وهل تغتسل في أثناء السابع والتاسع؟ منهم. من قال: نعم، لإمكان الانقطاع في الوسط وغلطهم المعظم لأن الانقطاع في الوسط لو فرض هاهنا لفرض ابتداءً في أثناء الثاني أو الرابع، وهي نقية فيهما فإن قلت إذا خرج اليوم العاشر انحصر الضّلال في التّسعة والخمسة التي هي قدر الحيض زائدة على نصف التِّسعة فهلاَّ كان لها حيض بيقين كما كان في حالة الإطباق فالجواب: أن إضلال الخمسة في التسعة المتقطعة يوجب التردد في مقدار الحيض؛ لأن بتقدير تأخّر الحيض إلى الخمسة الأخيرة لا تكون الآن حائضًا إلاَّ في ثلاثة أيّام منها؛ لأن السَّادس نقاء لم يتخلّل بين دمي حيض، وكذلك العاشر وفي حالة الإطباق، لا تردد في قدر الحيض؛ فلهذا افترقا في تيقُّن الحيض، وأما إذا قلنا باللّقط، فإن لم يجاوز أيَّام العادة، فالحكم كما ذكرنا في قول السّحب، إلا أنها طاهر في أيام النقاء في كل حكم وأنها تغتسل عُقَيْبَ كل نَوْبَةٍ من نوب الدم في جميع المدة؛ لأن المتقطع حيض: وإن جاوزنا أيام العادة حيضناها خمسة أيام وهي الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع وبتقدير انطباق الحيض على الحيضة الأولى بتقدير تأخُّرها إلى الخمسة الثّانية فليس لها في الخمسة الثانية إلا يومًا دم وهما السّابع والتّاسع فتضم إليهما الحادي عشر والثالث عشر والخامس عشر، فهي إذًا حائض في السّابع والتّاسع بيقين لدخولهما في كل تقدير -والله أعلم-.