وَمُوجِبُهُ الحَيْضُ وَالنَّفَاس وَالمَوْتُ وَالوِلاَدَةُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ جَفَافٍ عَلَى الأَظْهرَ.
قال الرافعي: عندنا موجبات الغسل أربعة: يشتمل هذا الفصل على ثلاثة منها:
أحدها: الحيض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) ثم وجوبه بخروج الدم، أو بانقطاعه فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بخروجه كما يجب الوضوء بخروج البول، والغسل بخروج المني.
وثانيها: بالانقطاع لقوله -ﷺ- لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" (٢) علق الاغتسال بإدبار الدم:
وثالثها: وهو الأظهر أن الخروج يوجب الغسل عند الانقطاع (٣) كما يقال: الوطء يوجب العدة عند الطلاق، والنكاح: يوجب الإرث عند الموت، وكذلك نقول في البول والمني خروجهما يوجب الغسل والوضوء عند الانقطاع، بل عند القيام إلى الصلاة، والنفاس كالحيض في الغسل، ومعظم الأحكام.
الثاني: الموت يوجب غسل التي على ما سيأتي في الجنائز، ولك أن تقول: إن الغسل إما أن يكون مفسرًا بما سوى النية، وهو غسل الأعضاء، أو يكون مفسرًا به مع النية، والأول ضعيف، فإن النية عندنا من جملة الغسل، ولولا ذلك لعد نجاسة جميع
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٨، ٣٠٦، ٣٢٠) ومسلم (٣٣٣) من رواية عائشة -﵂- وفي رواية البخاري (ثم اغتسلي وصلي).
(٣) صحح في شرح المهذب وجوبه بالانقطاع قال في "المهمات" للخلاف فائدتان ذكرهما في شرح "المهذب": إحداهما، ونقلها عن صاحب البحر وهي الحائض إذا استشهدت. فإن قلنا: لا يجب بالخروج فلا تغسل وإلاَّ فوجهان، وهذه الفائدة نقلها عنه في الروضة في باب غسل الميت. الفائدة الثانية: وقد نقلها عن صاحب "العدة" وهو أبو المكارم ابن أخت صاحب "البحر" وهي إذا قلنا: إن الحائض لا تمنع القراءة فأجنبت. فإن قلنا: إن غسل الحيض لا يجب بالخروج اغتسلت عن الجنابة، وإلا فلا، لأن عليها كسلين، وغسل الحيض لا يمكن صحته مع جريان الدم فلا يصح الآخر ثم قال: وله فائدة ثالثة لا تختص بهذا الخلاف وذلك في التعليق كان قال: إن وجب عليك غسل فأتت طالق. انتهى. وهذه الأخيرة ذكرها صاحب الوافي، وأضاف إليها أخرى من ولدت ولم تر بللًا هل يجب عليها الغسل؟ فيه وجهان يظهر بناؤهما على هذا الخلاف إن قلنا بالانقطاع فلا يجب لأن الصورة إنها عادمته. قال في "الخادم": ومما لم يذكروه جواز اللبث في المسجد إن أوجبناه بالانقطاع أو بهما، فإن أوجبناه بالخروج حرم عليها اللبث، ثم ذكر صورًا أخرى فيها نظر. قاله البكري.
[ ١ / ١٧٧ ]
البدن، ونجاسة موضع منه أشبه بالباقي من موجبات الغسل، وقد امتنع صاحب الكتاب، ومعظم الأئمة منه، فتعين الثاني، وحينئذ، إما أن يكون المعتبر مطلق النية، أو النية من صاحب الأعضاء المغسولة، فإن كان الثاني لم ينتظم عد الموت من موجبات الغسل، وكان إطلاق الغسل في الميت بمعنى آخر، وإن كان الأول فغسل الميت إنما يكون من هذه الجملة، إذا كانت النية معتبرة فيه من جهة الغاسل، ولنا في ذلك وجهان. سيأتي ذكرهما في باب الجنائز:
الثالث: الولادة فلو ولدت ولدًا ولم تر بللًا ولا دمًا، ففي وجوب الغسل عليها وجهان:
أحدهما: لا يجب لظاهر قوله -ﷺ-: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (١) فإنه ينفي وجوب الغسل بغير الإنزال خالفنا في الأسباب المتفق عليها، فيتمسك به فيما عداها، وأظهرهما: الوجوب لأنه لا يخلو عن بلل وإن قل غالبًا، فيقام الولد مقامه كالنوم يقام مقام الخروج لمقارنته إياه غالبًا، ولأنه يجب الغسل بخروج الماء الذي يُخْلَقُ الولد منه، فبخروج الولد أولى ويجري الوجهان في إلقاء العلقة والمضغة.
قال الغزالي: وَالجَنَابَةُ، وَحُصُولُهَا بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ أَوْ بِإيلاجَ قَدْرِ الحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِ الحَشَفَةِ فِي أَيِّ فَرْج كانَ مِنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ أَوْ مَيِّتٍ (ح) أَوْ بَهِيمَةٍ (ح)، وَبِخُرُوجِ المَنِيِّ، وَخَوَاصُّ صِفَاتِهِ ثَلاَثَةٌ: رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَالتَّدَفَّق بِدَفَعَاتٍ، وَالتَّلَذُّذُ بِخُرُوجِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ لاسْتِكْثَارِ الوِقَاعِ وَجَبَ الغُسْلُ لِبَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ (ح م) بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ خَرَجَ بَقِيَّتُهُ بَعْدَ الغُسْلِ حَصَلَتْ (م) الجَنَابَةُ إذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَلَوِ انْتَبَهَ وَلَمْ يَرَ إلاَّ الثَّخَانَةَ وَالبَيَاضَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَدْيًا فَلاَ يَلزَمُهُ الغُسْلُ، وَالمَرْأَةُ إذَا تَلَذَّذَتْ بِخُرُوجِ مَاء مِنْهَا لَزِمَهَا الغُسْلُ، وَكَذَا إِذَا اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ بَعْدَهُ فَإنَّهُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ مَائِهَا.
قال الرافعي: السبب الرابع: الجنابة ولها طريقان: إحدهما إلتقاء الختانين: قالت عائشة -﵂-: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَد وَجَبَ الْغُسْلُ (٢) فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَاغْتَسَلْنَا"، وفسر الشافعي -﵁- التقاء الختانين فقال: المراد منه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠ - ٨١ - ٣٤٣) وأبو داود (٢١٧) وابن حبان (١١٥٤) كلهم من رواية أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٣٦) وأحمد في المسند (٦/ ١٦١) والترمذي (١٠٨ - ١٠٩) وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وابن ماجة (٦٠٨) وابن حبان (١١٦٣ - ١١٦٩) وصححه.
[ ١ / ١٧٨ ]
تحاذيهما لا انضمامهما فإن التضام غير ممكن لأن مدخل الذكر في أسفل الفرج، وهو مخرج الولد، والحيض، وموضع الختان في أعلاه وبينهما ثقبة البول، وشفرا المرأة يحيطان بها جميعًا، وإذا كان كذلك كان التضام متعذرًا لما بينهما من الفاصل.
وهاهنا شبهة وهي أن يقال إن كان موضع ختان المرأة في حيز الداخل بحيث لا يصل إليه شيء من الحشفة فالقول بتعذر التضام واضح، لكن لو كان بحيث إذا أحاط الشفران بأول الحشفة لاقى (١) شيء من الحشفة ذلك الموضع كان التضام ممكنًا، فلعل المراد من الخبر ذلك، والله أعلم.
ثم موضع الختان غير معتبر بعينه لا في الذكر ولا في المحل، أما في الذكر فمقطوع الحشفة إذا غيَّب مقدار الحشفة لزمه الغسل، فإنه في معنى (٢) الحشفة ومعلوم أن ما أسفل الحشفة ليس موضع ختان، ولكن تغييب قدر الحشفة معتبر فلو غيب البعض لم يجب الغسل، لأن التحاذي لا يحصل به غالبًا، وحكى القاضي ابن كج أن تغييب بعض الحشفة كتغييب الكل، وروى وجه أن تغييب قدر الحشفة من (٣) مقطوع الحشفة لا يوجب الغسل (٤) وإنما الموجب تغييب جميع الباقي إذا كان مثل الحشفة، أو أكثر وأما في المحل فلأن المحل الذي هو موضع الختان قبل المرأة، كما يجب الغسل بالإيلاج فيه يجب الغسل بالإيلاج في غيره كالإتيان في غير المأتى، وهو الدبر (٥) يجب الغسل به على الفاعل، والمفعول، وكذا فرج البهيمة خلافًا لأبي حنيفة لنا أنه جماع في الفرج، فأشبه فرج الأدمي بل إيجاب الغسل هاهنا أولى لأنه أحق بالتغليظ، ولا فرق بين الإيلاج في فرج الميت، والإيلاج في فرج الحي، وخالف أبو حنيفة في فرج الميت وكذا قال: في الصغيرة التي لا تشتهي.
لنا أنه قد التقى الختانان فيجب الغسل، ثم كما يجب الغسل بالايلإج في فرج الميت، والبهيمة يجب على من غاب في فرجه فرجها ولا يجب إعادة غسل الميت بسبب الإيلاج فيه على أظهر القولين (٦) وإذا عرفت ما ذكرناه فانظر في لفظ الكتاب (٧)
واعلم أنه إنما عقب قوله: (بالتقاء الختانين) بقوله أو (إيلاج قدر الحشفة) في أي فرج
_________________
(١) في ألالتفى.
(٢) في أموضع.
(٣) في ط في.
(٤) في أالجنابة.
(٥) في ب: الذي.
(٦) في ط الوجهين.
(٧) قال النووي: ويصير الصبي والمجنون المولجان، أو المولج فيهما، جنبين بلا خلاف، فإن اغتسل الصبي وهو مميز، صح غسله، ولا يجب إعادته إذا بلغ، ومن كل منهما قبل الاغتسال، وجب عليه الغسل، وعلى الولي أن يأمر الصبي المميز بالغسل في الحال، كما يأمره بالوضوء -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٤).
[ ١ / ١٧٩ ]
كان لما بينا أن إلتقاء الختانين غير معتبر (١) بعينه، والإيلاج في كل فرج في معناه، ولو اقتصر على قوله: "والجنابة وحصولها بإيلاج قدر الحشفة" في أي فرج كان حصل الغرض، ودخل فيه التقاء الختانين إلا أن التقاء الختانين هو الأصل الذي ورد فيه الخبر، فقدمه ثم بين أن كل جماع في معناه وفي قوله: "قدر الحشفة" إشارة إلى ما سبق أن المرعي مقدار الحشفة لا عينها: وليكن معلمًا بالواو للخلاف الذي حكيناه، ثم قوله: "أو إيلاج قدر الحشفة" يتناول ظاهره ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج، وكذلك التقاء الختانين، لأن المراد منه التحاذي، فهل هو كذلك أم لا تحصل الجنابة حينئذ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه تحصل الجنابة لما سبق من حديث عائشة -﵂-، وروى أنها قالت قال: رسول الله -ﷺ-: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" (٢) والالتقاء ينتظم بهذه الصورة، ولا يخلو عن قضاء شهوة أيضًا.
والثاني: لا يحصل، لأن اللذة إنما تكمل عند ارتفاع الحجاب.
والثالث: أنه إن كانت الخرقة لينة حصلت الجنابة، وإلا فلا لأن اللينة لا تمنع [من] (٣) حصول اللذة بخلاف الخشنة، والخشنة هي التي تمنع وصول بلل الفرج للذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر، واللينة ما لا تمنع (٤) وكل هذا فيما إذا جرى الإيلاج، وهما واضحا الحال أما إذا كان مشكلين وأولج (٥) أحدهما في فرج الآخر فلا جنابة، ولا حدث لجواز كونهما امرأتين أو رجلين وكذا لو أولج كل واحد منهما في فرج الآخر، وإن أولج كل واحد منهما في دبر الآخر، فلا جنابة أيضًا لجواز كونهما امرأتين، ولكن بالنزع يحدثان لأن خروج الخارج من السبيلين ينقض الوضوء (٦) وإن أولج أحدهما في دبر الآخر انتقض وضوء المولج في دبره لهذا المعنى، وإن أولج أحدهما في فرج الآخر وأولج الآخر في دبر الأول فلا جنابة أيضًا لاحتمال كونهما امرأتين، لكنهما على هذا التقدير يحدثان بالنزع لخروج الخارج من قبل أحدهما ودبر الثاني، وعلى غير هذا التقدير هما جنبان، فيحكم بثبوت أدنى المحدثين، ولو كان
_________________
(١) في ط: معنى.
(٢) تقدم.
(٣) سقط في ط.
(٤) قال النووي: قال صاحب (البحر): وتجري هذه الأوجه في إفساد الحج به، وينبغي أن تجري في جميع الأحكام -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٤).
(٥) في ط: فأولج.
(٦) قال النووي: وكذا إذا نزع من قبله، وقلنا المنفتح تحت المعدة ينتقض الخارج منه مع انفتاح الأصلي -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٤).
[ ١ / ١٨٠ ]
الإشكال في الفاعل وحده، فلا جنابة أيضًا سواء أولج في فرج بهيمة أو امرأة لجواز كونه امرأة، وينتقض وضوء المرأة بالنزع، وإن أولج في دبر رجل فلا جنابة أيضًا لكن يحدثان، لأن بتقدير الذكورة هما جنبان، وبتقدير الأنوثة قد لمس الخنثى وخرج من دبر الرجل شيء وهما من نواقض الوضوء، فيثبت أدنى الحدثين، ولو كان الإشكال في المفعول وحده فالإيلاج في دبره كهو في دبر غيره، والإيلاج في فرجه لا يوجب جنابة ولا حدثًا لجواز كونه رجلًا، ولو أولج رجل في فرج مشكل، والمشكل في فرج امرأة، فالمشكل جنب، لأنه جامع أو جومع، والرجل والمرأة لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع.
الطريق الثاني للجنابة خروج المني فهو موجب للغسل للإجماع ولقوله -ﷺ-: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (١) ولا فرق بين أن يخرج [منيه] (٢) من الطريق المعتاد، أو من غيره مثل أن يخرج من ثقبة في الصلب، أو في الخصية كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره، وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب، وقال في التتمة حكمه في الجنابة حكم النجاسة المعتادة، إذا خرجت من منفذ غير السبيلين فيعود فيه التفصيل، والخلاف المذكور، ويجوز أن يكون الصلب هاهنا بمثابة المعدة، ثم [قال] (٣) يخرج المني من الصلب ثم للمني خواص ثلاث:
أحداها: الرائحة الشبيهة برائحة العجين، والطلع ما دام رطبًا فإذا جفت اشتبهت رائحته برائحة بياض البيض.
والثانية: التدفق بدفعات قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٤).
والثالثة: التلذذ بخروجه، واستعقابه فتور الذكر، وانكسار الشهوة، وله صفات أخر نحو الثخانة والبياض في مني الرجل، والرقة، والاصفرار في مني المرأة في حال اعتدال الطبع، لكن هذه الصفات ليست من خواصه بل الودي أيضًا أبيض ثخين كمني الرجل، والمذي رقيق كمني المرأة، لماذا عرفت هذا فنقول: ما ليس من خواصه لا ينفي عدمه كونه منيًا ولا يقتضي وجوده كونه منيًا ويوضح الطرقين بالمثال.
أما الأول: فلو زالت الثخانة والبياض لمرض وجب الغسل عند وجود شيء من خواصه، ولو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل أيضًا اعتمادًا على الصفات الخاصة به، وحكى وجه أنه لا يجب الغسل هاهنا لأن المني دم في الأصل فإذا خرج على لون الدم لم يقتض غسلًا كسائر الدماء.
وأما الثاني: فلو تنبه ولم ير إلا الثخانة، والبياض فلا غسل عليه، لأن الودي
_________________
(١) تقدم.
(٢) في ط منه.
(٣) في ط فقد قيل.
(٤) سورة الطارق، الآية ٦.
[ ١ / ١٨١ ]
يشارك المني في هاتين الصفتين فيحتمل أن يكون الخارج (وديًا)، فلا يجب الغسل بالشك بل يتخير بين أن يتوضأ ويغسل المحل الذي أصابه ذلك الخارج، وبين أن يغتسل، ولا يغسله على ما ذكرناه في فصل الترتيب هذا ظاهر المذهب، وقد حكينا وجهًا أنه يلزمه الغسل فلذلك أعلم. قوله: في الكتاب "فلا يلزمه الغسل" بالواو.
فإن قلنا بظاهر المذهب، وغلب على الظن أنه مني لأن الودي لا يليق بصاحب (١) الواقعة، أو لتذكر وقاع [قبله] (٢) تخيله: قال إمام الحرمين يجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهارة، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن تخريجًا على غلبة الظن في النجاسة، والاحتمال الأول أوفق لكلام المعظم هذا حكم غير الخواص.
فأما خواص المني فلا يشترط اجتماعها بل الخاصة الواحدة كافية في معرفة أن الخارج مني، فلو خرج بغير دفق وشهوة لمرض أو لحمل شيء ثقيل وجب الغسل خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه أصحابنا.
لنا أن الخارج مني لوجود خاصية الرائحة فيه فيوجب الغسل لقوله -ﷺ-: "إنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (٣). [ولو اغتسل عن الإنزال ثم خرجت منه بقية وجب الغسل لوجود الرائحة] سواء خرجت بعد ما بال، أو قبله خلافًا لمالك حيث قال: في إحدى الروايتين لا غسل عليه في الحالتين وفي رواية أنه خرج قبل البول فهو من بقية المني الأول، فلا يجب الغسل ثانيًا وإن خرج بعده فهو مني جديد فيلزمه الغسل، وخلافًا لأحمد حيث قال: إن خرج قبل البول وجب الغسل ثانيًا، وإن خرج بعده فلا.
وحكى عن أبي حنيفة مثله وجعل ذلك بناء على المسألة الأولى وهي اعتبار التدفق والشهوة، لأن ما خرج قبل البول بقية ما خرج لشهوة، وما خرج بعد البول خرج بغير شهوة لنا ما سبق وقياس إحدى الحالتين على الأخرى، وقول من قال الخارج بعد البول (٤) مني جديد ممنوع بل هو بقية الأول بكل حال -والله أعلم-.
ولا فرق في خروج المني بين الرجال وبين النساء في حكم الغسل: روي أن أم سليم جاءت إلى رسول الله -ﷺ-: "فقالت: إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" (٥).
وقوله في الأصل: "والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل" يشعر بأن طريقة معرفة المني في حقها الشهوة والتلذذ لا غير.
_________________
(١) في ط بحال صاحب الراقعة.
(٢) سقط في ط.
(٣) تقدم.
(٤) في أالمعنى.
(٥) أخرجه مسلم (٣١ - ٣٣١).
[ ١ / ١٨٢ ]
وقد صرح به في الوسيط فقال: ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة وكذلك ذكره إمام الحرمين لكن ما ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث.
وقد قال في التهذيب: أن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة وجب الغسل كمني الرجل، فإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على سائر الخواص ولو اغتسلت المرأة من الجماع، ثم خرج منها المني لزمها الغسل بشرطين:
أحدهما: أن تكون ذات شهوة دون الصغيرة التي لا شهوة لها.
والثاني: أن تقضي شهوتها بذلك الجماع لا كالنائمة والمكرهة.
وإنما وجب الغسل عند اجتماع هذين الشرطين، لأنه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه، وإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها.
أما في الصغيرة والمكرهة والنائمة إذا خرج المني بعد الغسل لم يلزم إعادة الغسل لأن الخارج مني الرجل، وخروج مني الغير من الإنسان لا يقتضي جنابته.
وصورة المسألة في الكتاب، وإن كانت مطلقة لكن في قوله: "فإنه لا ينفك عن مائها" ما يبين اشتراط ما ذكرنا: وحكى وجه آخر أنه لا يشترط إعادة الغسل بحال لأنه لا يتيقن خروج منيها، نعم الاحتياط الإعادة هذا تمام الكلام في طريقي الجنابة ولفظ الكتاب ظاهر في الحصر فيهما، وهو الصحيح وزاد بعض الأصحاب طريقًا آخر للجنابة، وهو استدخال المني قالوا: إذا استدخلت المرأة منيًّا لزمها الغسل كما يجب به العدة إذا كان الماء محترمًا: وينسب هذا إلى أبي زيد المروزي وعلى هذا لا يفترق الحال بين القبل والدبر، والمذهب الأول لأن الاستدخال غير متناول بالنصوص الواردة في الباب، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
خاتمة قوله في أول الباب "وموجبه الحيض والنفاس" إلى آخره يقتضي حصر موجبات الغسل في الأربعة الذكورة لكن إلقاء المضغة، والعلقة موجب على الصحيح كما سبق، وهو لا يدخل في لفظ الولادة، فيكون خارجًا عما ذكره واختلفوا في شيئين آخرين:
أحدهما: غسل الميت [فإن منهم] من قال: في القديم يجب به الغسل على الغاسل وإليه ذهب أحمد لما روي: أنه -ﷺ- قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأُ" (١)، والجديد أنه ليس من موجبات الغسل، والحديث إن ثبت محمول على الاستحباب.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٢) وأبو داود (٣١٦١ - ٣١٦٢) والترمذي (٩٩٣) وقال: حديث حسن، وابن ماجة، (١٤٦٣) وقال ابن الملقن: اختلف في تصحيحه، فحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، ومال إلى ذلك ابن حزم وصاحب الإمام، وقال الماوردي خرج بعضهم لصحته مئة =
[ ١ / ١٨٣ ]
والثاني: زوال العقل بالجنون والإغماء حكى بعضهم عن أبي هريرة أن زواله بالجنون يوجب الغسل، وروى آخرون وجهين: في الجنون والإغماء جميعًا: ووجه وجوبه أن زوال العقل يفضي إلى الإنزال غالبًا، فأقيم مقامه كالنوم أقيم مقام خروج الخارج، والمذهب المشهور أنه لا يجب به الغسل ويستصحب يقين الطهارة إلى أن يستيقن الإنزال، والقول بأن الغالب منه الإنزال ممنوع (١).
قال الغزالي: ثُمَّ حُكْمُ الجَنَابَةِ حُكْمُ الحَدَثِ مَعَ زَيادَةِ تَحْرِيم قِرَاءَةِ القُرْآنِ والمُكْثِ فِي المَسْجِدِ (ز)، أَمَّا العُبُورُ فَلاَ (م ح) ثُمَّ لاَ فَرْقَ فِي القِرَاءَةِ بَيْنَ آيَةٍ (م) أَوْ بَعْضِهَا (ح) إلاَّ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ الله عَلَى قَصْدِ الذّكْرِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةٌ لِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ (م) وَخَوْفِ النِّسْيَانِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: لما فرغ من بيان موجب الجنابة ذكر حكمها، وأما حكم الحيض والتفاس فيأتي في بابهما ولا يفرض في الموت مثل هذه الأحكام فيقول: كل ما يحرم بالحدث الأصغر يحرم بالجنابة بطريق الأولى لأنها أغلظ ويزداد تحريم شيئين:
أحدهما: قراءة القرآن فيحرم على الجنب أن يقرأ شيئًا من القرآن قاصدًا به القرآن سواء كان آية، أو بعض آية خلافًا لمالك حيث جوّز قراءة الآيات اليسيرة للجنب، ولأبي حنيفة حيث جوّز له قراءة بعض الآية وبه قال أحمد في أصح الروايتين: لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "لاَ يَقْرَأ الْجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ" (٢) وعن علي -رضي الله
_________________
(١) = وعشرين طريقًا، وقال علي بن المديني وأحمد ومحمد بن يحيى الذهلي: لا يصح في الباب شيء وقال البخاري: الأشبه وقفه على أبي هريرة، وقال البيهقي: إنه الصحيح، وقال الرافعي في شرح المسند: إنه الذي صححه الأئمة. انظر الخلاصة (١/ ٦٠).
(٢) قال النووي: لو رأى المني في ثوبه أو فراش لا ينام فيه غيره، ولم يذكر احتلامًا، لزمه الغسل على الصحيح المنصوص، وبه قطع الجمهور، قال أصحابنا: ويجب إعادة كل صلاة لا يحتمل حدوث المني بعدها، ويستحب إعادة كل صلاة يحتمل كونه فيها، ثم إن الشافعي والأصحاب أطلقوا المسألة، وقال الماوردي: هذا إذا رأى المني في باطن الثوب، فإن رأه في ظاهره فلا غسل؛ لاحتمال إصابته من غيره، وإن كان ينام معه في الفراش من يجوز كون المني منه، لم يلزمه الغسل، ويستحب أن يغتسلا، ولو أحس بانتقال المني ونزوله فأمسك ذكره، فلم يخرج منه شيء في الحال ولا علم خروجه بعده، فلا غسل عندنا -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٧).
(٣) أخرجه ابن ماجة (٥٩٥) والترمذي (١٣١) والبيهقي (١/ ٣٠٩) والدارقطني (١/ ١١٧) من رواية ابن عمر بإسناد فيه لين، قال الضياء المقدسي: في إسناده إسماعيل بن عياش تكلم فيه غير واحد غير أن بعض الحفاظ قال: قد روي من غير طريقه بإسناد لا بأس به. انظر الخلاصة (١/ ٦٠).
[ ١ / ١٨٤ ]
عنه- قال: لم يكن يحجب النبي -ﷺ- عن القرآن شيء سوى الجنابة (١)، ويروى (يحجز)، ولا يستثنى عندنا شيء من الصور إلا إذا لم يجد الجنب ماء، ولا ترابًا وصلى على حسب الحال، ففي جواز قراءة الفاتحة له وجهان:
أحدهما: يجوز، والترخيص في الصلاة ترخيص في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة.
أصحهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلًا كالعاجز عن القراءة (٢) حقيقة، أما إذا قرأ شيئًا منه لا على قصد القرآن فيجوز كما لو قال: باسم الله الرحمن الرحيم على قصد التبرك والابتداء، أو الحمد لله في خاتمة الأمر، أو قال: "سُبْحَانَ اللَّهِ الذِي سَخَّرَ لَنَا هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" (٣) على قصد إقامة سنة الركوب، لأنه إذا لم يقصد القرآن لم يكن فيه إخلال بالتعظيم ولو جرى على لسانه ولم يقصد هذا ولا ذاك فلا يحرم أيضًا.
وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض لما سبق من الخبر، ولأن حدثها أغلظ فيكون الحكم في التحريم أولى.
وعن مالك أنه يجوز لها قراءة القرآن، ورواه أبو ثور عن أبي عبد الله فمن الأصحاب من قال أراد به مالكًا، ونفى أن يكون الجواز قولًا للشافعي ومنهم من قال أراد الشافعي -﵁-، وهو قول له في القديم (٤) وهذا ما ذكره في الكتاب فقال: ولا يحل للحائض القراءة لحاجة التعليم وخوف النسيان على الأصح أي من القولين وهذه الطريقة أظهر لأن الشيخ أبا محمد قال: وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع فقال: قال: أبو عبد الله ومالك فثبت نقل قول الجواز وتوجيهه ما أشار إليه، وهو أنها قد تكون معلمة، فلو منعناها عن القراءة والحيض مما يعرض في كل شهر غالبًا لانقطعت عن حرفتها، ولأن ترك القراءة يؤدي إلى النسيان لامتداد زمان
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٩) والترمذي (١٤٦) والنسائي (١/ ١٤٤) وابن ماجة (٥٩٤) وابن حبان، كذا في الموارد (١٩٢) وصححه ابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٦١).
(٢) قال النووي: الأصح الذي قطع به جماهير العراقيين: أنه يجب عليه قراءة الفاتحة، لأنه مضطر إليها -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٧).
(٣) سورة الزخرف، الآية ١٣.
(٤) قال النووي: ولو كان فم غير الجنب والحائض نجسًا، ففي تحريم القراءة عليه وجهان، الأصح يكره ولا يحرم، ولا تكره القراءة في الحمام، ويجوز للحائض والجنب قراءة ما يستحب تلاوته -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٨).
[ ١ / ١٨٥ ]
الحيض بخلاف الجنابة فإنه يمكن إزالتها في الحال، وهذا القول يجري في النفساء أيضًا.
الثاني: المكث في المسجد وهو حرام على الجنب، روي أنه -ﷺ- قال: "لاَ أُحِلُّ الْمسجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ" (١)، ولا يحرم العبور قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢) والمعنى الفارق بين المكث والعبور أن العبور في المسجد لا قربة فيه، وفي المَكث قرية الاعتكاف فمنع منه الجنب، ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم، ولم يمكن الخروج لإغلاق الباب أو الخوف من العسس، أو غيره على النفس أو المال وليتيمم في هذه الحالة تطهيرًا وتخفيفًا للحدث بقدر الإمكان، وهكذا إذا وجد ترابًا غير تراب المسجد، ولا يتيمم بترابه [لكن لو تيمم به صح والعبور وإن لم يكن حرامًا [فمكروه] (٣) إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه ولا فرق في الجواز بين أن يكون له سبيل أخر إلى مقصده، وبين أن لا يكون في وجه إنما يجوز إذا لم يجد طريقًا سواه، وليس له أن يتردد في أكتاف المسجد فإن التردد في غير جهة الخروج كالمكث (٤) وليكن قوله: "والمكث في المسجد" معلمًا بالألف، لأن عند أحمد يجوز للجنب المكث إذا توضأ، وبالزاي، لأن عند المزني في الرواية المشهورة يجوز له المكث مطلقًا، وقوله: "أما العبور فلا" معلمًا بالحاء والميم؛ لأن عندهما لا يجوز له العبور أيضًا إلا أن يحتلم في المسجد فله أن يعبر في الخروج، ولا يكلف قصد الباب الأقرب.
قال الغزالي: وَفَضْلُ مَاءِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ طَهُورٌ، وَلاَ بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يُجَامِعَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلَ فَرجَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢) والبخاري في التاريخ (١/ ٢/ ٦٢) من حديث عائشة وابن ماجة (٦٤٥) والطبراني في الكبير ج ٢٤ رقم (٨٨٣) وقال ابن الملقن (١/ ٦١) ضعفه البيهقي وغيره، وحسنه ابن القطان من الطريقة الأولى.
(٢) سورة النساء، الآية ٤٣.
(٣) في ط فهو مكروه.
(٤) قال النووي: يجوز للجنب والحائض النوم في المسجد، نص عليه الشافعي في (الأم) والأصحاب -﵏- ولو احتلم في مسجد له بابان، أحدهما أقرب فالأولى أن يخرج منه، فإن عدل إلى آخر لغرض لم يكره، وان لم يكن غرض لم يكره على الأصح -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٨).
[ ١ / ١٨٦ ]
إحداهما: فضل ماء الجنب والحائض طهور ولا كراهية في استعماله وقال: أحمد لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل ما استعملته المرأة إذا خلت بالماء، واستعملت بعضه، لنا ما روي عن عائشة -﵂- قالت: "كُنْتُ أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول اللهِ -ﷺ- مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" (١) تختلف أيدينا فيه قال إمام الحرمين: لو فسر فضل ماء الحائض والجنب بما لم يمساه من الماء فلا يتخيل امتناع استعماله، والذي يتوهم فيه الخلاف ما مسه بدن الجنب والحائض على وجه لا يصير الماء به مستعملًا ولهذا استدل الشافعي -﵁- في الباب بأخبار تدل على طهارة بدنهما.
الثانية: يجوز للجنب أن يجامع ثانيًا، وأن ينام ويأكل ويشرب لكن يستحب أن لا يفعل شيئًا من ذلك إلا بعد غسل الفرج، والوضوء كما [يتوضأ] (٢) به للصلاة، عن عائشة -﵂- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ" (٣) وروي أنه قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ فَليَتَوَضَّأ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا" (٤)، والمقصود منه التنظيف ودفع الأذى.
وأعلم أن كلامه في الكتاب يشعر بتخصيص الوضوء وغسل الفرج بالجماع أو تخصيص غسل الفرج به، واستحباب الوضوء بغير الجماع؛ لأنه قال: "لا بأس للجنب أن يجامع ويأكل ويشرب لكن يستحب له أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع"، فإن كان قوله: "عند الجماع" راجعًا إلى جميع ما وصفه بالاستحباب فهو تخصيص للوضوء، وغسل الفرج معًا بالجماع، وإلا فهو راجع إلى غسل الفرج المذكور أخيرًا.
وفيه تخصيص لغسل الفرج بالجماع لكن ليسا ولا واحدًا منهما مما يختص استحبابه بالجماع، بل هما مستحبان في الأكل والشرب والنوم أيضًا، كذلك ذكره في التهذيب وغيره، وقد روي عن عمر -﵁- أنه قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُد" (٥) ويروى عنه أنه قال: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ" (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٠ - ٢٦١) ومسلم (٣١٩).
(٢) في ط يؤتى.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٨) ومسلم (٣٠٥ - ٣٠٧).
(٤) أخرجه مسلم (٣٠٨) من رواية أبي سعيد الخدرى، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٣).
(٥) أخرجه البخاري (٢٨٧ - ٢٨٩) ومسلم (٣٠٦) من حديث عبد الله بن عمر، انظر التلخيص (١/ ١٤١ - ١٤٢).
(٦) أخرجه البخاري ومسلم، انظر التلخيص (١/ ١٤٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
قال الغزالي: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ) فَأَقَلُّهُ النِّيَّةُ وَاسْتِيعَابُ البَدَنِ بِالْغَسْلِ، وَلاَ يَجِبُ المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ (ح)، وَيَجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ كثُفَث وَيَجِبُ (م) نَقْضُ الضَّفَائِرِ إِنْ كَانَ لاَ يَصِلُ المَاءُ إلَى بَاطِنِهَا.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في موجبات الجنابة وأحكامها، تكلم في كيفية الغسل والقول في كيفيته يتعلق بالأقل والأكمل، أما الأقل فهو شيئان:
أحدهما: النية فهي واجبة عندنا خلافًا لأبي حنيفة، كما في الوضوء وقد ذكرنا مسائل النية في الوضوء ونظائرها في الغسل تقاس بها فلا يجوز أن تتأخر النية عن أول الغسل المفروض، كما لا يجوز أن تتأخر في الوضوء عن أول غسل الوجه، وإن حدثت مقارنة لأول الغسل المفروض صح الغسل لكنه لا ينال ثواب ما قبله من السنن على ما سيأتي بيانها، وإن تقدمت على أول غسل مفروض وعزبت قبله فوجهان كما سبق في الوضوء، ثم إن نوى رفع الجنابة أو رفع الحدث عن جميع البدن أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل، وإن نوى رفع الحدث مطلقًا، ولم يتعرض للجنابة ولا غيرها صح غسله أيضًا على أظهر الوجهين. [لأن الحدث عبارة عن المانع من الصلاة وغيرها على أي وجه فرض.
ولو نوى رفع الحدث الأصغر فإن تعمد لم يصح غسله على أظهر الوجهين] (١) وإن غلط فظن أن حدثه الأصغر لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء وفي أعضاء الوضوء وجهان:
أحدهما: لا ترتفع عنها أيضًا، لأن الجنابة أغلظ ولم يقصد رفعها.
وأظهرهما: أنها ترتفع عن الوجه واليدين والرجلين، لأن غسل هذه الأعضاء واجب في المحدثين، فإذا غسلها بنية غسل واجب كفى، ولا يرتفع عن الرأس في أصح الوجهين، لأن فرض الرأس في الوضوء المسح فالذي نواه إنما هو المسح، والمسح لا يغنى عن الغسل أما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر إن كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف وقراءة القرآن فالحكم على ما سبق في الوضوء، ومن هذا القبيل ما إذا نوت الحائض استباحة الوطء في أصح الوجهين:
والثاني: أن غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة، وما في معناها كغسل الذمية عن الحيض لتحل للزوج، وإن لم يتوقف الفعل المنوي على الغسل [نُظر، إن لم يستحب له الغسل لم تصح نية استباحته: وإن كان يستحب له الغسل] (٢) كالعبور في المسجد،
_________________
(١) (٢) سقط في ب.
[ ١ / ١٨٨ ]
والأذان وكذا إذا اغتسل للجمعة (١) والعيد، فالحكم على ما ذكرنا في الوضوء، وإن نوى الغسل المفروض أو فريضة الغسل صح غسله، الثاني استيعاب جميع البدن بالغسل، قال -ﷺ-: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَة، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأنْقُوا البَشَرَةَ" (٢) ومن جملة البشرة ما يظهر من صماخي الأذنين وما يبدو من الشقوق، وكذا ما تحت القلفة من الأقلف، وما ظهر من أنف المجدوع في أظهر الوجهين، وكذا ما ظهر من الثيب بالافتضاض قدر ما يبدو عند القعود لقضاء الحاجة دون ما وراء ذلك في أظهر الوجوه، لأنه صار ذلك في حكم الظاهر كالشقوق.
والثاني: أنه لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين كما لا يجب غسل باطن الفم والأنف.
والثالث: يجب عليها غسل باطن الفرج في غسل الحيض والنفاس خاصة، لإزالة دمها ولا يدخل فيها باطن الأنف والفم، فلا تجب المضمضة والاستنشاق في الغسل عندنا خلافًا لأبي حنيفة ذكر إمام الحرمين أن بعض تعاليق شيخه حكاية وجه موافق لمذهب أبي حنيفة: لنا أنهما لا يجبان في غسل الميت ولو وجب في غسل الحي لوجبا في غسل الميت وأيضًا فلو وجب غسل باطن الفم والأنف في الغسل لكانا من الوجه.
ولو كانا من الوجه لوجب غسلهما في الوضوء. وأما الشعور فيجب إيصال الماء إلى منابتها خفت أو كثفت بخلاف الوضوء لأنه يتكرر في اليوم والليلة مرارًا فلو كلف إيصال الماء فيه إلى المنابت لعظمت المشقة. ويجب نقض الضفائر إن كان لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض: أما الأحكام الشد أو للتبلد ولغيرهما فإن وصل الماء إليها بدون النقض فلا حاجة إليه. وعن مالك أنه لا يجب نقض الضفائر [ولا إيصال الماء إلى باطن الشعور الكثيفة وما تحتها. وعن أبي حنيفة أنه إذا بلغ الماء أصول الشعر فليس على المرأة نقض الضفائر] (٣): وعن أحمد أن الحائض تنقض شعرها دون الجنب.
لنا الخبر الذي قدمناه، ويستثنى من الشعور ما ينبت في العين، فإن إدخال الماء في العين لا يجب وكذلك باطن العقد التي تقع على الشعرات يسامح به وحكى القاضي
_________________
(١) في ط وغسل الجمعة.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤٨) وقال: الحارث بن وجيه (الراوي) حديثه منكر وهو ضعيف والترمذي (١٠٦) وقال: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك وابن ماجة (٥٩٧) والبيهقي في السنن (١/ ١٧٥) وقال: تفرد به موصولًا الحارث بن وجيه، وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٦٢) إسناده ضعيف، ضعفه الأئمة كالبخاري ونحوه، انظر التلخيص (١/ ١٤٢).
(٣) سقط في ب.
[ ١ / ١٨٩ ]
الروياني وجهًا آخر أنه يلزم قطعها (١).
قال الغزالي: وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ أَذىً أَوَّلًا ثم يَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا وَيُؤَخِّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الغُسْلِ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ثُمَّ يَتَعَهَّدَ مَعَاطِفَ بَدَنِهِ ثُمَّ يُفِيّضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُكَررَ ثَلاَثًا ثُمَّ يَدْلُكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا تَسْتَعْمِلُ فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَمَاءُ الغُسْلِ وَالوْضُوءِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ (ح) وَقَدْ يُرْفَقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيُخْرَق بِالكَثِيرِ فَلاَ يَكْفِي وَالرِّفقُ أَوْلى وَأَحَبُّ.
قال الرافعي: كمال الغسل [يحصل] (٢) بأمور ذكر منها ثمانية:
أحدها: أن يغسل ما على بدنه من أذى أولًا: فإن اعترض معترض فقال: الأذى المذكور إما أن يكون المراد منه الشيء القذر، أو النجاسة، وكيف يجوز الأول وقد فسر الشارحون قول الشافعي -﵁- "ثم يغسل ما به من أذى" بموضع الاستنجاء إذا كان قد استنجى بالحجر، وهذا تفسير له بالنجاسة وكذلك فسروا لفظ الأذى في الخبر.
وإن كان الثاني فكيف عطف النجاسة على الأذى في الوسيط، والعطف يقتضي المغايرة، ثم من على بدنه نجاسة لا بد له من إزالة النجاسة أولًا ليعتد بغسله ووضوئه، وإذا كان كذلك كان غسل الموضع عن النجاسة من الواجبات لا من صفات الكمال.
الجواب قلنا: من على بدنه نجاسة لو اقتصر على الاغتسال أو الوضوء، وزالت تلك النجاسة طهر المحل، وهل يرتفع الحدث [فيه] (٣)، وجهان: حكاهما في المعتمد وغيره. فإن قلنا: بارتفاع الحدث أمكن عَدَّ إزالة النجاسة من جملة صفات الكمال ولعل من عدَّه منها صار إلى ذلك الوجه. وإن قلنا: لا يرتفع الحدث وهو الظاهر من المذهب فالأذى المحدود إزالته من جملة صفات الكمال، إنما هو الشيء المستقذر.
وأعلم أنا إذا جرينا على ظاهر المذهب وهو أنه لا يرتفع الحدث إذا كان على بدنه نجاسة حتى يغسل النجاسة أولًا ثم يغسل الموضع عن الحدث، فكما لا يصح عدّ إزالة النجاسة من كمال الغسل لا يصح عدّها من أركانه أيضًا، خلافًا لكثير من أصحابنا حيث قالوا: واجبات الغسل ثلاثة: غسل النجاسة إن كانت على البدن، والنية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
_________________
(١) قال النووي: هذا الذي صححه هو الذي صححه صاحب (البحر)، والصحيح: أنه لا يعفى عنه لأنه يمكن قطعها بلا خلاف، وهو ظاهر نص الشافعي والجمهور، وقد أوضحته في شرح (المهذب) -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٠٠).
(٢) في ط يجب.
(٣) سقط في ط.
[ ١ / ١٩٠ ]
لنا أنه لو كان من واجبات نفس الغسل لكان الترتيب معتبرًا في أركان الغسل لاشتراط تقديم إزالة النجاسة، وقد اتفقوا على أنه لا ترتيب في الغسل، ولأن الأمر في الوضوء والغُسْل واحد، ولم يعده أحد من أركان الوضوء فإذًا تقديم إزالة النجاسة شرط فيهما، وشرط الشيء لا يعد من نفس ذلك الشيء كالطّهارة وستر العورة لا يعدان من أفعال الصّلاة وأركانها: وأما من جمع بين الأذى والنجاسة وعدَّ إزالتهما من كمال الغُسْل لم ينتظم ما فعله في النّجاسة إلا على قولنا إن الغسلة الواحدة كافية عن الخبث والحدث جميعًا. ولم يتفق المفسرون لكلام الشافعي -﵁- على أن المراد من الأذى النَّجاسة، بل اختلفوا منهم من فسره بها.
ومنهم من فسره بالمني، ونحوه، مما يستقذر: حكى هذا الخلاف القاضي أبو القاسم بن كج وغيره ولعل ذلك بحسب الاختلاف في المَسْئلة المذكورة -والله أعلم-.
الثاني: أنْ يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، روت عائشة -﵂- أنه -ﷺ- كان إذا اغتسل من الجَنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره، ثم يفيض الماء على جلده كله (١).
وأعلم أن قوله في الأصل: "ويتوضأ وضوءه للصّلاة وإن لم يكن مُحدثا" يشعر باطّراد الاستحباب فيما إذا كان يغتسل من الجنابة المجردة، وفيما إذا انضم الحدث إلى الجنابة، وإنما يتضح ذلك بتصوير الجنابة المجردة أولًا فنقول من صور ذلك: إتيان الغلام والبهيمة يوجب الجنابة دون الحدث لفقد أسبابه الأربعة.
ومنها: ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج في فرج امرأة تحصل الجنابة على قولنا أن الخرقة الحائلة لا تمنع حصول الجنابة، وقد قدمنا الخلاف فيه ولا يحصل الحدث، لأن اللمس إنما يوجب الحدث إذا لم يكن بين البشرتين حائل.
ومنها: إذا أنزل بفكر ونظر أو احتلم قاعدًا ممكَّنًا مقعده من الأرض تحصل الجنابة دون الحدث على ما سبق في باب الأحداث، وألحق المسعودي بهذه الصور الجماع مطلقًا، وقال: إنه يوجب الجنابة لا غير، واللمس الذي يتضمنه مغمورًا به كما أن خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال يصير مغمورًا به، واستشهد على ما ذكره (٢) بأن من جامع في الحجّ يلزمه بدنه، وإن كان متضمّنًا للمس، ومجرد اللمس يوجب شاة وعند الأكثرين بالجماع يحصل الحدثان جميعًا، ولا يندفع أثر اللمس الذي يتضمنه
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ٥٠) والبخاري (٢٤٨ - ٢٦٢) ومسلم (٣١٦).
(٢) في ب: ذكرناه.
[ ١ / ١٩١ ]
الجماع بخلاف اندفاع أثر خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال، لأن اللمس يسبق حصول حقيقة الجماع، فيجب ترتيب حكمه عليه، وإذا تم حقيقة الجماع وجب حصول الجنابة أيضًا، وفي الإنزال لا يسبق خروج الخارج الإنزال، بل إذا نزل حصل خروج الخارج، وخروج المنيّ وموجب خروج المني أعظم الحَدَثين فيدفع حلوله حلول الأصغر معه كما سبق.
وأما مسألة المحرم فممنوع على وجه، وعلى التسليم ففي الفدية معنى الزجر والمُؤَاخَذَة، وسبيل الجنايات اندراج المقدمات في المقاصد، ألا يرى أن مقدمات الزِّنا لو تجردت أوجبت التعذير، وإذا أفضت إلى الزنا لم يجب التعزير مع الحد، وأما هاهنا فالحكم منوط بصورة اللمس، ولهذا لا يفرق فيه بين العمد والنِّسيان: وإذا عرفت ذلك فنقول: إن تجردت الجنابة فالوضوء محبوب في الغُسْل عنها، وإن اجتمع الحدث والجنابة فقد حكينا في باب صفة الوضوء الخلاف في أنه هل يكفيه الغسل أم يجب معه الوضوء؟ فإن اكتفينا بالغُسْل فالوضوء فيه محبوب كما لو كان يغتسل عن مجرد جَنَابة، وعلى هذا ينتظم القول باستحباب الوضوء على الاطّراد أما إذا أوجبنا معه الوضوء امتنع القول باستحبابه في الغسل، ولا صائر إلى أنه يأتي بوضوء مفرد وبوضوء آخر، لرعاية كمال الغسل، ولا ترتيب على هذا الوجه بين الوضوء والغسل، بل يقدم منهما ما شاء، ولا بد من إفراد الوضوء بالنِّيَّة، لأنها عبادة مستقلّة على هذا الخلاف أما إذا كان من محبوبات الغسل فإنه لا يحتاج إلى إفراده بنية: ثم الوضوء المَحْبُوب في الغُسْل هل يتمه في ابتداء الغسل أم يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟ فيه قولان:
أظهرهما: أنه يتمه ويقدم غسل الرجلين مع سائر أعضاء الوضوء، لما سبق من حديث عائشة فإنها قدمت الوضوء على إفاضة الماء، والوضوء ينتظم غسل الرجلين.
وثانيهما: أنه يؤخره إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة: لأن ميمونة وصفت غسل رسول الله -ﷺ- فقالت: "ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهَ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جَسَدِهِ، ثمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجلَيْهِ" (١). ولا كلام في أن أصل السنة يتأدّى بكل واحد من الطّريقين، إنما الكلام في الأولى.
الثالث: يتعهد من بدنه الموضع الذي فيه انعطاف والتواء، كالأُذُنَيْن فيأخذ كفًّا من الماء، ويضع الأذن برفق عليه ليصل إلى معاطفه، وزواياه كغضون البطن إذا كان سَمِينًا، وكذلك بفعل بِمَنَابت الشّعر، فيخلل أصول الشعر ومنابته، وكل ذلك قبل إفاضة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٩ - ٢٥٧) ومسلم (٣١٧).
[ ١ / ١٩٢ ]
الماء على الرأس، وإنما بفعل ذلك ليكون أبعد عن الإسْرَافِ في الماء، وأقرب إلى الثِّقة بوصول الماء.
الرابع: يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن، ثم على الشق الأيسر، ويروى ذلك في صفة غسل رسول الله -ﷺ- (١).
الخامس: يكرر غسل البدن ثلاثًا كما في الوضوء، بل أولى، لأن الوضوء مبني على التُّخفيف، فإن كان ينغمس في الماء انغمس ثلاث مرات، وهل يستحب تجديد الغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو ضوء.
وأظهرهما: لا، لأن الترغيب في التجديد إنّما ورد في الوضوء، والغُسل ليس في معناه؛ لأن موجب الوضوء أغلب وقوعًا واحتمال عدم الشّعور به أقرب فيكون الاحتياط فيه أتمّ.
السّادس: يدلك ما وصل إليه يده من بدنه، يتبع بها الماء، والفائدة ما ذكرناه في التعهد.
وقال مالك: يجب الدّلك، لنا قوله -ﷺ-: "أَمَّا أَنَا فَأحْثِي عَلَى رَأسي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا أنا قَدْ طَهُرْتُ" (٢). رتَّب الطَّهارة على إفاضة الماء، ولم يتعرض للدّلك.
السّابع: إذا اغتسلت الحائض تَتَعَهَّدُ أثر الدم بِمِسْكِ أَوْ طِيْب آخر، بأن تجعله على قُطْنَةٍ وتدخلها في فرجها، روى عن عائشة أن امرأة جاءت إلى رسول الله -ﷺ- تسأله عن الغُسْلِ من الحَيْضِ، فقال: "خُذِي فُرْصَةَ مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا"، فلم تعرف ما أراد فاجتذبتها، وقال: تتبعي بها آثار الدّم (٣)، والفرصة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب، ويروى: "خُذِي فرْصَةً مُمْسِكَة".
_________________
(١) قال الحافظ: أخرجه البخاري من حديث القاسم عن عائشة بلفظ فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ورواه مسلم أيضًا بنحوه، ورواه الإسماعيلي في صحيحه بلفظ فبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه البخاري (٣١٤ - ٣١٥) ومسلم (٣٣٢) وقوله: (الفِرْصة) القطعة من كل شيء، وهو بكسر الفاء، وإسكان الراء، حكاه ثعلب، وقال ابن سيده: الفرصة من القطن أو الصوف مثلثة الفاء، والمسك هو الطيب المعروف، وقال عياض: رواية الأكثرين بفتح الميم وهو الجلد، وفيه نظر لقوله في بعض الروايات فإن لم تجد فطيبًا غيره، كذا أجاب به الرافعي في شرح المسند، وهو متعقب، فإن هذا لفظ الشافعي في الأم، نعم في رواية عبد الرزاق: يعني بالفرصة المسك أو الذريرة. انظر التلخيص (١/ ١٤٤).
[ ١ / ١٩٣ ]
قال العراقيين (١): الفُرْصَةُ القطعة من الصوف أو القطن، فالأولى المِسْكُ، فإن لم تجده استعملت طِيْبًا آخر، فإن لم تجد فَطِينًا لقطع الرّائحة الكريهة، فإن لم تجد كفى الماء، والنُّفَسَاء كالحائض في ذلك.
الثّامن: ماء الوضوء والغسل غير مقدر.
قال الشّافعي -﵁-: "وقد يخرق بالكثير فلا يكفي، ويرفق بالقليل فيكفي".
والأحبّ أن لا ينقص ماء الوضوء عن مُدِّ، وماء الغسل عن صَاع، لما روى: "أَنَّهُ -ﷺ- أنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيغْتَسِلُ بِالصَّاعِ" (٢) وروي أنه قال: "سَيَأْتِي أَقْوَامٌ يَسْتَقِلُّونَ هَذَا فَمَنْ رَغِبَ فِي سُنَّتِي وَتَمَسَّكَ بِهَا بُعِثَ مَعِي فِي حَضِيرَةِ القُدْسِ" (٣).
والصَّاع والمُدُّ معتبران على التّقريب، دون التحديد، -والله أعلم- وحكى بعض مشايخنا عن أبي حنيفة أنه يتقدر ماء الغسل بِصَاعٍ فلا يجوز أقل منه، وماء الوضوء بِمُدٍّ، وربما حكى ذلك عن محمد بن الحسن، لنا أن ثبتت الرواية عنهما ما روى: "أَنَّهُ -ﷺ- تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ" (٤) وروى أيضًا: "أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَوَضَّأَ بِثُلُثِ مُدٍّ" (٥).
ونختم الباب بكلامين:
أحدهما: إن أدخل كلمةٌ "ثمَّ" في معظم هذه الآداب، وهي على حقيقتها في الترتيب إلا في قوله: "ثم يدلك" بعد قوله: "ثم يُكَرِّر ثلاثًا"، فإن الدّلك لا يكون متأخرًا عن التَّكْرار ثلاثًا، بل الدلك في كل غسلة معها.
_________________
(١) في ط: العربين.
(٢) أخرجه مسلم (٣٢٦) من رواية سفينة -﵁-.
(٣) قال الحافظ أبو المظفر السمعاني في أثناء الجزء الثاني من كتابه الانتصار لأصحاب الحديث، من حديث أم سعد بلفظ (الوضوء مد، والغسل صاع، وسيأتي أقوام يستقلون ذلك، أولئك خلاف أهل سنتي، والآخذ بسنتي معي في حظيرة القدس، وفيه عنبسة بن عبد الرحمن وهو متروك. انظر التلخيص (١/ ١٤٤).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٠٧١) والبيهقي في السنن (١/ ١٩٦) من رواية أبي أمامة بإسناد ضعيف.
(٥) أخرجه أبو داود (٩٤) والنسائي (١/ ٥٨) من حديث أم عمارة وابن خزيمة (١١٨) وابن حبان (١٠٦٩) من حديث عبد الله بن زيد، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٤) وقال: صحح على شرط الشيخين، وصححه أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم، انظر التلخيص (١/ ١٤٥).
[ ١ / ١٩٤ ]
الثاني: أن كَمَالَ الغُسْلِ لا ينحصر فيما ذكره بل له مندوبات أخر. منها: ما بيناه في فضل سنن الوضوء. ومنها: أن يستصحب النية إلى آخر الغسل. ومنها: أن لا يغتسل في الماء الراكد، ومنها أن يقول في آخره: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (١).
_________________
(١) قال النووي: لا يجوز الغسل بحضرة الناس إلا مستور العورة، ويجوز في الخلوة مكتوفها، والستر أفضل، ولو ترك المغتسل المضمضة والاستنشاق أو الوضوء، قال الشافعي والأصحاب -﵏-: فقد أساء، ويستحب أن يتدارك ذلك، ولا يجب ترتيب في أعضاء المغتسل لكن يستحب البداءة بأعضاء الوضوء، ثم بالرأس وأعالي البدن، ولو أحدث في أثناء غسله جاز أن يتمه، ولا يمنع الحدث صحته، لكن لا يصلي حتى يتوضأ. ويجوز الغسل من إنزال المني قبل البول والأفضل بعده، لئلا يخرج بعده مني، ولا يجب غسل داخل العين، وحكم استحبابه على ما سبق في الوضوء، ولو غسل بدنه إلا شعرة أو شعرات ثم نتفها، قال الماوردي: إن كان الماء وصل أصلها أجزأه، وإلا لزمه إيصاله إليه، وفي فتاوى ابن الصباغ: يجب غسل ما ظهر وهو الأصح، وفي (البيان) وجهان أحدهما: يجب، والثاني: لا، لفوات ما يجب غسله، كمن توضأ وترك رجله فقطعت -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٠٣).
[ ١ / ١٩٥ ]
قال الغزالي: