قال الغزالي: وَأَرْكَانُهَا أَحَدَ عَشَرَ: التَّكْبِيرُ وَالقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الطُّمَأنِينَةِ فِي الْجَمِيع، وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، وَالقُعُودُ فِيهِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالسَّلاَمُ (ح)، وَالنِّيَّةُ بِالشَّرْطِ أشْبَهُ.
قال الرافعي: الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، ولا بد من رعاية أمور أُخَر ليقع الاعتداد بتلك الأفعال وتسمى هذه الأمور شروطًا وتلك الأفعال أركانًا فجعل هذا الباب في الأركان والذي يليه في الشروط، ولا بد من معرفة الفرق بينهما. واعلم أن الركن والشرط يشتركان في أنه لا بد منهما وكيف يفترقان؟ منهم من قال: يفترقان افتراق العام والخاص، ولا معنى للشرط إلا ما لا بد منه، فعلى هذا كل ركن شرط ولا ينعكس.
وقال الأكثرون: يفترقان افتراق الخاصين ثم فسر قوم الشرط بما يتقدم على الصلاة كالطهارة وستر العورة (١)، والأركان بما تشتمل عليه الصلاة، ويرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير وِسائر المفسدات فإنها لا تتقدم على الصلاة وهي معدودة من الشروط دون الأركان، ولك أن تفرق بينهما بعبارتين:
إحداهما: أن تقول يعني بالأركان المفروضات المتلاحقة النبي أولها التكبير وآخرها التسليم، ولا يلزم التروك فإنها دائمة لا تَلْحَقُ وَلاَ تُلْحَقُ، ونعني بالشروط ما عداها من المفروضات.
والثانية: أن نقول يعني بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه، وبالركن ما يعتبر لا على هذا الوجه.
مثاله: الطهارة تعتبر مقارنتها للركوع والسجود وكل أمر معتبر ركنًا كان أو شرطًا، والركوع معتبر لا على هذا الوجه.
إذا تبين ذلك فحقيقة الصلاة تتركب من هذه الأفعال المسماة أركانًا وما لم يشرع فيها لا يسمى شارعًا في الصلاة وإن تطهر وستر العورة واستقبل القبلة، وهذا واضح في عرف الشرع وإطلاقاته ثم إن المصنف عد الأركان أحد عشر يعني أجناسها، ثم منها ما لا يتكرر كالسلام ومنها ما يتكرر إما في الركعة الواحدة كالسجود، أو بحسب عدد
_________________
(١) في ط (وغيرها).
[ ١ / ٤٦٠ ]
الركعات كالركوع، ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره أركانًا، بل جعلها في كل ركن كالجزء منه والهيئة التابعة له، وبه يشعر قوله -ﷺ- للأعرابي: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" (١) [ومنهم من جعلها أركانًا مستقلة] (٢) وضم صاحب "التلخيص" إلى الأركان المذكورة استقبال القبلة، واستحسنه القفال وصوبه، ومن فرض نية الخروج والموالاة والصَّلاَة على آل النبي -ﷺ- ألحقها بالأركان، ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال، وهكذا أورد صاحب "التهذيب"، ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية (في تفسير الركن، وأما النية) (٢) فقد حكى الشيخ أبو حامد وغيره وجهين في أنها من قبيل الشرائط أو من الأركان.
أحدهما: وهو الأشبه عند صاحب الكتاب: أنها من الشرائط؛ لأن النية تتعلق بالصلاة فتكون خارجة عن الصلاة وإلا لكانت متعلقة بنفسها ولا اقترن إلى نية أخرى.
وأظهرهما: عند الأكثرين: أنها من الأركان لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان، ولا يبعد أن تكون من الصلاة وتتعلق بسائر الأركان ويكون قول الناوي أصلي عبارة بلفظ الصلاة عن سائر الأركان تعبيرًا باسم الشيء عن معظمه، وبهذا الطريق سماها المصنف في الصوم ركنًا، وإلا فما الفرق؟ ولك أن تعلم قوله: (وأركانها أحد عشر) بالواو لما حكينا من الاختلات على أن أكثره يرجع إلى التعبيرات وكيفية العد وحظ المعنى لا يختلف، وأبو حنيفة وسائر العلماء -رحمة الله عليهم- يخالفون في بعض الأركان المذكورة، وسنذكر مذهبهم عند تفصيل القول فيها فإن الغرض الآن تزاحم جملته، وإذا ذكرنا مذهبهم تبينت المواضع المحتاجة إلى العلامات من هذا الفصل.
قال الغزالي: وَالأَبْعَاضُ أَرْبَعَة: القُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ وَالقُعُودُ فِيهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَعَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذهِ الأَرْبَعُ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَمَا عدَاهَا فَسُنَنٌ لاَ تُجْبِرُ بِالسُّجُودِ.
قال الرافعي: للصلاة مفروضات ومندوبات. أما المفروضات فهي الأركان والشروط.
وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك، والتي تقع في القسم الأول تسمى أبعاضًا، ومنهم من يخصها باسم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٧ - ٧٩٣) ومسلم (٣٩٧).
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٤٦١ ]
المسنونات، وتسمى التي تقع في القسم الثاني هيئات.
قال إمام الحرمين: وليس في تسميتها أبعاضًا توقيف ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن دون البعض، والتي يتعلق بها السجود أقل مما لا يتعلق، ولفظ البعض في أقل قسمي الشيء أغلب إطلاقًا، فلذلك سميت هذه الأبعاض، وذكر بعضهم أن السنن المجبورة بالسجود وقد تأكد أمرها وجاوز حد سائر السنن، وبذلك القدر من التأكيد شاركت الأركان فسميت أبعاضًا تشبيهًا بالأركان التي هي أبعاض وأجزاء حقيقة، وسيأتي وجه شرعية سجود السهو فيها في باب السجدات، وقد ذكرها المصنف في ذلك الباب، ولو لم يتعرض لها في هذا الموضع لما مر، لكنه لما ترجم الباب بكيفية الصلاة وعدت هذه السنن (١) من أبعاضها استحسن ذكرها في هذا
الموضع أيضًا، ثم أنه عدها أربعة:
أحدها: القنوت. وثانيها: التشهد الأول. وثالثها: القعود فيه.
ورابعها: الصلاة على النبي -ﷺ- فيه، وفي استحبابها قولان يذكران من بعد، فإن قلنا بالاستحباب فهو من الأبعاض، وألحق بهذه الأربعة شيئان:
أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعًا على استحباب الصلاة على الرسول -ﷺ- فيه، وهذا الخامس قد ذكره في الكتاب في باب السجدات، ونشرح الخلاف فيه من بعد إن شاء الله تعالى.
والثاني: القيام للقنوت (٢) عد بعضًا برأسه، وقراءة القنوت بعضًا آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا والقعود له بعضًا آخر، وقد أشار إلى هذا التفصيل في القنوت إمام الحرمين -قدس الله روحه- وصرح به في "التهذيب" ثم كون القنوت بعضًا لا يختص بصلاة الصبح بل هو بعض في الوتر أيضًا في النصف الأخير من رمضان، وقوله: (وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود) ينبغي أن يعلم بالحاء والميم والألف لما سيأتي في باب "سجود السهو".
قال الغزالي: الرُّكْنُ الأَوَّلُ التَّكْبِيرُ، وَلْتَكُنِ النِّيَّة مَقْرُونَةً بِهِ بِحَيْثُ تُحْضَرُ فِي العِلْمِ صفَاتُ الصَّلاَةِ، وَيقْتَرِنُ القَصْدُ إلَى هَذا المَعْلُومِ بِأوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَيَبْقَى مُسْتَدِيمًا لِلْقَصْدِ وَالْعِلْمِ إلَى آخِرِ التَّكْبِيرِ، فَلَ عَزُبَتْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ عَزُبَت قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ فَوَجْهَانِ.
_________________
(١) في ط الصلاة.
(٢) في ط والقعود.
[ ١ / ٤٦٢ ]
قال الرافعي: لما لم يعد النية ركنًا خلط مسائلها بمسائل التكبير؛ لأن وقت النية هو التكبير، ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير خلافًا لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لو تقدمت النية على التكبير بزمان يسير ولم يعرض شاغل عن الصلاة جاز الدخول في الصلاة بتلك النية.
لنا أن التكبير أول أفعال العبادة فيجب مقارنة النية له كالحج وغيره؛ ولهذا لو تقدمت بزمانٍ طويلٍ لم يجز بخلاف الصوم لما في اعتبار المقارنة ثم من عسر مراقبة طلوع الفجر، ولهذا يحتمل فيه المتقدم بالزمان الطويل، ثم في كيفية المقارنة وجهان:
أحدهما: أنه يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير.
وأصحهما: أنه لا يجب ذلك بل لا يجوز لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية، وعلى تقدير التوزيع يكون أول التكبير خاليًا عن تمام النية المعتبرة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: (ويقترن القصد إلى هذا المعلوم بأول التكبير) ثم اختلفوا على هذا الوجه، فقال قوم منهم أبو منصور بن مهران شيخ الأودني: يجب أن تتقدم النية على التكبير ولو بشيء يسير ليأمن من تأخر أولها عن أول التكبير، واستشهد عليه بالصوم.
وقال الأكثرون: لا يجب ذلك، ولو قدم فالاعتبار للنية المقارنة بخلاف الصوم، فإن المتقدم كان لورود الشرع بالتبييت، ثم سواء قدم، أو لم يقدم فهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يجب.
وأصحهما: نعم؛ لأن النية مشروطة في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبير، ألا ترى أنه لو رأى المتيمم الماء قبل تمام التكبير يبطل تيممه، وأما بعد التكبير فلا يشترط استصحاب النية، ولا يضر عزوبها لما في تكليف استصحابها من العسر.
وأما قوله: "بحيث تحضر في العلم صفات الصلاة " إلى آخره، فهو بيان لحقيقة النية وما تفتقر إليه، وذلك أن النية قصد، والقصد يتعلق بمقصود، ولا بد وأن يكون المقصود معلومًا، فالناوي يحضر في ذهنه أولا ذات الصلاة وما يجب التعرض لها من صفات كالظهرية والعصرية وغيرهما كما سيأتي، ثم يقصد إلى هذا المعلوم ويجعل قصده مقارنًا الأول التكبير، ولا يغفل عن تذكره حتى يتم التكبير.
وقوله: (ويبقى مستديمًا للقصد والعلم إلى آخر التكبير) ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين:
[ ١ / ٤٦٣ ]
أحدهما: أنه لو لم يتعرض في مثل هذا الموضع للعلم لكان الفرض حاصلًا؛ لأن المستدام هو القصد إلى الصلاة بصفاتها المعتبرة ولا يمكن استدامة هذا القصد إلا باستدامة حصور المقصود في الذهن وهو العلم.
والثاني: أن هذا الكلام بيان لما ينبغي أن يفعله المصلي، ثم هو واجب أو مسنون قد نبه آخر بقوله: (وإن عَزُبت قبل تمام التكبير فوجهان) وإن قلنا يجوز فالاستدامة مسنونة وإلا فواجبة.
قال الغزالي: وَلَوْ طَرَأَ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ مَاَ يُناقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بَطُلَ، كَمَا لَوْ نَوَى الخُرُوجَ فِي الحَالِ أَوْ فِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي الخُرُوجِ، وَلَوْ عَلَّقَ نِيَّةَ الخُرُوجِ بِدُخُولِ شَخْصٍ إِنْ دَخَلَ فَفِي البُطْلاَنِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: استدامة النية وإن لم يكن شرطًا في دوام الصلاة، إلا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط، فإن هذا هين وإن كان الأول عسيرًا وهذا كالإيمان لا يشترط فيه استحضار العقد الصحيح على الدوام، ولكن يستدام حكمه ويشترط الامتناع عما يناقضه.
إذا تبين ذلك فنقول: لو نوى الخروج من الصلاة في أثنائها بطلت صلاته، فإن هذه النية تتناقض قصده الأول، ولو تردد في أنه يخرج أو يستمر فلذلك تبطل صلاته، لما بين التردد والجزم من التنافي.
قال إمام الحرمين: والمراد من هذا التردد أن يطرأ له الشك المناقض للجزم واليقين، ولا عبرة بما يجري في الفكر أنه لو تردد في الصلاة (١)، كيف يكون الحال فإن ذلك مما يبتلي به الموسوس، وقد يقع له ذلك في الإيمان بالله تعالى أيضًا فلا مبالاة به. ولو نوى الخروج من صلاته في الركعة الثانية أو علق الخروج بشيء آخر يقع (٢) في صلاته لا محالة بطلت صلاته في الحال؛ لأنه قطع موجب النية، فإن موجبها الاستمرار على الصلاة إلى انتهائها وهذا يناقضه، وحكى في "النهاية" عن كلام الشيخ أبي علي: أنه لا تبطل صلاته في الحال. ولو رفض هذا التردد قبل الانتهاء إلى الغاية المضروبة صحت صلاته فلا بأس بإعلام قوله: (أو في الركعة الثانية) بالواو لهذا الكلام وإن كان غريبًا، ولو علق نية الخروج بدخول الشخص ونحوه مما يجوز عروضه في الصلاة وعدمه فهل تبطل صلاته في الحال؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو قال: إن دخل فلان تركت الإسلام، فإنه يكفر في
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) في ط يقع.
[ ١ / ٤٦٤ ]
الحال، وكما لو شرع في الصلاة على هذه النية لا تنعقد صلاته بلا خلاف.
والثاني: لا تبطل في الحال فإن ذلك المعلق عليه ربما لا يوجد فتبقى النية على استمرارها، فعلى هذا لو دخل الشخص ووجدت الصفة المعلق عليها فهل تبطل الصلاة حينئذ؟ وجهان عن الشيخ أبي محمد: أنها لا تبطل إذ لو بطلت لبطلت في الحال لقيام التردد، فإذا لم تبطل لم يكن لهذا التردد وقع، وكان وجوده وعدمه بمثابة واحدة، وقطع الأكثرون بأنها تبطل عند وجود الصفة فإنه مقتضى تعليقه.
قال إمام الحرمين: ويظهر على هذا أن يقال: يتبين عند وجود الصفة أن الصلاة بطلت من وقت التعليق لا بوجود الصفة يعلم أن التعليق خالف مقتضى النية المعتبرة في الصلاة، وموضع الوجهين المفرعين على الوجه الثاني ما إذا وجدت الصفة وهو ذاهل عن التعليق المقدم. أما إذا لم يكن ذاهلًا فلا خلاف في بطلان صلاته؛ وليكن قوله: (ولو طرأ في دوام الصلاة ما يناقض جَزْم النية بطل) معلمًا بالحاء؛ لأن عنده لا أثر لنية الخروج لا في الحال ولا في المآل، ولا للتردد في الخروج. وليس قوله: (ما يناقض جزم النية) مجرى على إطلاقه؛ لأن الغفلة عن جزم النية يناقضه، وهي غير قادحة (١) كما سبق والمراد ما عدا الغفلة.
واعلم أنه لو لم ينو الخروج مطلقًا ولكن نوى الخروج من الصلاة التي شرع فيها وصرفها إلى غيرها كان قصد الخروج المطلق في أن الصلاة المشروع فيها تبطل، ثم ينظر إن صرف فرضًا إلى فرض كما لو شرع في الظهر ثم صرفها إلى العصر لا يصير عصرًا، وإن صرف فرضًا إلى سنة راتبة أو بالعكس فكذلك، وفي بقاء صلاته نفلًا في هذه الصورة قولان نذكرهما من بعد:
قال الغزالي: وَلَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَمَضَى مَعَ الشَّكِّ رُكْنٌ لاَ يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلاَةِ كَرُكُوع بَطُلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ وَقَصُرَ الزَّمَانُ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَوْ طَالَ فَوَجْهَانِ، وَالصَّوْمُ يَبطُلُ بِالتَّرَدُّد فِي الخُرُوج عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَقْدٌ وَتَحْرِيمٌ يُؤَثِّرُ القَصْدُ فيه.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مسألتين وثانيتهما في نظام الكتاب أولاهما بالتقديم لمضاهاتها المسائل المتقدمة على هذا الفصل فنقدمها، ونقول: لو تردد الصائم في أنه هل يخرج من صومه أم لا أو علق نية الخروج بدخول شخص فقد ذكر المعظم أن صومه لا يبطل، وأشعر كلامهم بنفي الخلاف فيه، وذكر ابن الصباغ في "كتاب الصوم" أن أبا حامد حكى فيه وجهين كما سنذكره في الصورة الآتية، ولو جزم نية الخروج ففيه وجهان:
_________________
(١) في ط على ما.
[ ١ / ٤٦٥ ]
أحدهما: تبطل كما في الصلاة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا كما في الحج.
والفرق بين الصوم والصلاة أن الصلاة يتعلق تحرمها وتحللها بقصد الشخص واختياره، والصوم بخلافه، فإن النَّاوي ليلًا يصير شارعًا في الصوم بطلوع الفجر وخارجًا منه بغروب الشمس، وإن لم يكن له شعور بهما، وإذا كان كذلك كان تأثر الصلاة بضعف النية فوق تأثر الصوم، ولهذا يجوز تقديم النية على أول الصوم وتأخيرها في الجملة عن أوله، ولا يجوز ذلك في الصلاة، والمعنى فيه أن الصلاة أفعال وأقوال، والصوم ترك وإمساك والأفعال إلى النية أحوج من الترك.
إذا تقرر ذلك فقوله في الكتاب: (وكذا يحرم الخروج) مقطوع عما قبله على ما أشعر به كلام المعظم، ولا جريان للوجهين في سورة التردد، وعلى ما رواه ابن الصباغ: يجوز صرف الوجهين إلى الصورتين، والأول هو قضية إيراده في "الوسيط".
المسألة الأخرى: لو شك في صلاته في أنه هل أتى بالنية المعتبرة في ابتدائها، سواء شك في أصلها أو في بعض شروطها، فينظر: إن أحدث على الشك ركنًا فعليًا كالركوع والسجود بطلت صلاته، وإن أحدث ركنًا قوليًا كالقراءة والتشهد فهل هو كالفعلي حتى تبطل الصلاة بمضيه على الشك أيضًا؟ اختلف الناقلون فيه: فمنهم من قال: لا فرق بأن المأتي به على التردد غير محسوب فلا بد من إعادته والأركان الفعلية إذا زيدت عمدًا بطلت الصلاة، ولئن عد معذورًا في الإعادة فهو غير معذور في الإنشاء على الشّك، بل كان من حقه التوقف، وأما الأركان القولية فزيادتها عمدًا لا تبطل الصلاة فلا يضر إحداثها على التردد، وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب فإنه قال: (ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة) وقصد به الاحتراز عن القراءة والتشهد ومد الطمأنينة، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أنه لا تبطل الصلاة بتكرير الفاتحة والتشهد عمدًا بخلاف تكرير الركوع والسجود.
وفيه وجه منقول عن أبي الوليد النيسابوري وغيره، أن تكرير الفاتحة كتكرار الركوع، فلا فرق على ذلك الوجه، ومنهم من سوى بين الأركان القولية والفعلية وعللوا البطلان بأن المأتي به على الشك إذا لم يكن محسوبًا فالاشتغال به تلاعب بالصلاة، فليمتنع مما ليس من الصلاة ولا فائدة فيه، وليتوقف إلى التذكر، وهذه الطريقة أظهر، وبها قال العراقيون ورووها عن نص الشافعي -﵁- وليكن قوله: (لا يزاد مثله في الصلاة) معلمًا بالواو لأنه مذكور للتقييد، ولا تقييد على هذه الطريقة الأخيرة وإن لم يحدث شيئًا من فروض الصلاة على التردد حتى يذكر النية نظر: إن قصر الزمان لم يضر أيضًا؛ لأنه معذور في عروضه وكثيرًا ما يعرض الشك ويزول فيعفى عنه، وإن طال فوجهان:
[ ١ / ٤٦٦ ]
أحدهما: أنه لا يضر أيضًا؛ لأنه قد أتى بما يليق بالحال حيث لم يحدث على الشك قولًا ولا تقصير منه في عروضه.
وأظهرهما: البطلان لانقطاع نظم الصلاة وندرة مثل هذا الشك، وشبهوا الوجهين بالوجهين فيما إذا أكثر الكلام ناسيًا.
والفرق بين طول الزمان وقصره سيأتي في نظائر المسألة.
قال الغزالي: ثُمَّ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِي الأدَاءَ أَوِ الظُّهْرَ، وَهَلْ يَجِبُ التَعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إلَى اللهِ ﷿؟ فَوَجْهَانِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ لاَ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ فلاَ بُدَّ مِنْ تَعيِينِ الرَّوَاتِبِ بِالإِضَافَةِ، وَغيْرُ الرَّوَاتِبَ يَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلاَةِ مُطْلَقَةً.
قال الرافعي: الصلاة قسمان: فرائض ونوافل، أما الفرائض فيتعين فيها قصد أمرين بلا خلاف.
أحدهما: فعل الصلاة لتمتاز عن سائر الأفعال، فلا يكفي إخطار نفس الصلاة بالبال مع الغفلة عن الفعل.
الثاني: تعيين الصلاة المأتي بها من ظهر وعصر وجمعة لتمتاز عن سائر الصلوات، ولا يجزئه نية فريضة الوقت عن نية الظهر والعصر في أصح الوجهين؛ لأنه لو تذكر فائتة غير الظهر في وقت الظهر كان الإتيان بها فيه إتيانًا في الوقت. قال -ﷺ-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" (١). وليست هذه بظهر، ولا يصح الظهر بنية الجمعة.
وفيه وجه ضعيف، وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة إن قلنا: إنها ظهر مقصورة، وإن قلنا: هي صلاة على حيالها لم تصح، ولا تصح بنية مطلق الظهر على التقديرين، واختلفوا في اعتبار أْمور سوى هذين الأمرين منها التعرض للفريضة في اشتراطه وجهان أداء كانت الفريضة أو قضاء.
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: لا يشترط؛ لأن الشافعي قال في الصبي يصلي ثم يبلغ في آخر الوقت: يجزئه، ولو كانت نية الفرض مشروطة لما أجزأه ذلك؛ لأنه لم ينو الفرضية.
وأظهرهما عند الأكثرين: وبه قال أبو إسحاق: تشترط بأن الظهر قد يوجد من الصبي وممن صلى منفردًا ثم أعادها في الجماعة ولا يكون فرضًا فوجب التمييز.
ولك أن تقول قولنا: المصلي ينوي الفرضية إما أن يعني بالفرضية في هذا المقام
_________________
(١) تقدم.
[ ١ / ٤٦٧ ]
كونها لازمة على المصلي لعينة، أو كونها من الصلوات اللازمة على أهل الكمال، أو شيئًا آخر.
إن عنينا به شيئًا آخر فلنلخصه أولًا ثم لنبحث عن لزومه، وإن عنينا الأول وجب أن لا ينوي الصبي الفريضة بلا خلاف، ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين، وأيضًا فإنهم قالوا -فيمن صلى منفردآ ثم أدرك جماعة-: الصحيح أنه ينوي الفرض بالثاني، وهو غير لازم عليه.
وإن عنينا الثاني فمن تعرض للظهر والعصر فقد تعرض لإحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال، وكونها ظهرًا أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ ولهذا كان التعرض للصلاة مغنيًا عن التعرض للعبادة ونحوها من الأوصاف، وبهذا البحث يضعف ما ذكر في توجيه الوجهين، ومنها الإضافة إلى الله تعالى بأن يقول: لله أو فريضة الله، فيها وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاصي: يشترط ليتحقق معنى الإخلاص.
وأصحهما: عند الأكثرين: لا يشترط؛ لأن العبادة لا تكون إلا لله تعالى.
ومنها التعرض لكون المأتي به قضاء أو أداء في اشتراطه وجهان:
أحدهما: يشترط أنه ليمتاز كل واحد منهما عن الآخر، كما يشترط التعرض للظهر والعصر.
والثاني: -وهو الأصح عند الأكثرين- أنه لا يشترط بل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس؛ لأن القضاء والأداء كل واحد منهما يستعمل بمعنى الآخر قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (١) أي: أديتم. ويقال: قضيت الدين وأديته بمعنى، واستشهدوا لهذا الوجه بنص الشافعي -﵁- على أنه لو صلى يوم الغيم بالاجتهاد ثم بان أنه صلى بعد الوقت يحكم بوقوعه عن القضاء مع أنه نوى الأداء، ولك أن تقول القول بأن نية الأداء هل تشترط في الأداء ونية القضاء هل تشترط في القضاء، وفرض الخلاف فيه منقدح، لكن قولنا: هل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس إما أن يعني به أن يتعرض في الأداء لحقيقته ولكن ما يجري في قلبه أو على لسانه لفظ القضاء، وكذلك في عكسه، أو يعني به أنه يتعرض في الأداء لحقيقة القضاء وفي القضاء لحقيقة الأداء أو شيئًا آخر إن عنينا به شيئًا آخر فلا بد من معرفته، وإن عنينا الأول فلا ينبغي أن يقع النزاع في جوازه؛ لأن الاعتبار في النية بما في الضمائر، ولا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٠٠.
[ ١ / ٤٦٨ ]
عبرة بالعبارات، وإن عنينا الثاني فلا ينبغي أن يقع نزاع في المنع؛ لأن قصد الأداء مع العلم بخروج الوقت والقضاء مع العلم ببقاء الوقت هزء (١) وعبث، فوجب أن لا ينعقد به الصلاة كما لو نوى الظهر ثلاث ركعات أو خمسًا (٢).
ومنها التعرض لاستقبال القبلة شرطه بعض أصحابنا، واستبعده الجمهور؛ لأنه إما شرط أو ركن، وليس على النّاوي التعرض لتفاصيل الأركان والشرائط.
ومنها التعرض لعدد الركعات شرطه بعضهم، والصحيح خلافه؛ لأن الظهر إذ لم يكن قصرًا لا يكون إلا أربعًا.
القسم الثاني: النوافل وهي ضربان:
أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضًا نية فعل الصلاة والتعيين فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف، وسنة عيد الفطر، والتراويح، والضحى، وغيرها، وفي الرواتب يعين الاضافة فيقول أصلي ركعتي الفجر أو راتبة الظهر أو سنة العشاء.
وفي الرواتب وجه: أن ركعتي الفجر لا بد فيهما منع التعيين بالإضافة وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة إلحاقًا لركعتي الفجر بالفرائض لتأكدها إلحاقًا لسائر الرواتب بالنوافل المطلقة، وفي الوتر ينوي سنة الوتر ولا يضيفها إلى العشاء فإنها مستقلة بنفسها، وإذا زاد على واحدة ينوي بالجميع الوتر كما ينوي في جميع ركعات التراويح، وحكى القاضى الروياني وجوها أخرى:
أحدها: أنه ينوي بما قبل الواحدة صلاة الليل.
والثاني: ينوي سنة الوتر.
والثالث: مقدمة الوتر، ويشبه أن تكون هذه الوجوه في الأولوية دون الاشتراط، وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب؟ اختلف كلام النافلين فيه وهو قريب من الخلاف في اشتراط التعرض للفرضية في الفرائض والخلاف في التعرض للقضاء والأداء والإضافة إلى الله تعالى يعود هاهنا أيضًا.
الضرب الثاني: النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة؛ لأنها أدنى درجات الصلاة، فإذا قصد الصلاة وجب أن يحصل له، ولم يذكروا هاهنا خلافًا في التعرض للنفلية، ويمكن أن يقال: قضية اشتراط قصد الفرضية لتمتاز الفرائض عن غيرها اشتراط التعرض للنفلية هاهنا بل التعرض لخاصيتها وهي الإطلاق والانفكاك عن الأسباب والأوقات كالتعرض لخاصية الضرب الأول من النوافل، ثم النية في جميع العبارات
_________________
(١) في ط جزء.
(٢) في ط خمس ركعات.
[ ١ / ٤٦٩ ]
معتبرة بالقلب فلا يكفي النطق مع غفلة القلب ولا يضر عدم النطق ولا النطق بخلاف ما في القلب، كما إذا قصد الظهر وسبق لسانه إلى العصر، وحكى صاحب "الإفصاح" وغيره عن بعض أصحابنا أنه لا بد من التلفظ باللسان؛ لأن الشافعي -﵁- قال في الحج: ولا يلزمه "إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق". قال الجمهور: لم يرد الشافعي -﵁- اعتبار التلفظ بالنية، وإنما أراد التكبير، فإن الصلاة تنعقد به، وفي الحج يصير محرمًا من غير لفظ وإن عقب النية بقوله إن شاء الله بالقلب أو باللسان فإن قصد التبرك أو وقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضره، وإن قصد الشك لم تصح صلاته. وأعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب فأقول: قوله: (أن ينوي الأداء والظهر) قصد بلفظ الأداء التعرض لشيئين:
أحدهما: أصل الفعل وهذا لا بد منه.
والثاني: الوصف المقابل للقضاء وهو الوقوع في الوقت، وهذا فيه خلاف بين الأصحاب كما سبق ذكره (١)، وما ذكره جواب على وجه اشتراط نية الأداء في الأداء فليكن [كلمة (الأداء) معلمة بالواو، وقوله: (والنية بالقلب لا باللسان)] (٢) معلم بالواو للوجه الذي حكيناه فيه، وهذه المسألة لا تختص بنية الفرائض ولا بنية النوافل بل تعمهما فلو ذكرها في أول مسائل النية أو آخرها لكان أحسن من ذكرها بين قسم الفرائض والنوافل.
وقوله: (فلا بد من تعيين الرواتب بالإضافة) معلم بالواو أيضًا للوجه المنقول فيهما سوى ركعتي الفجر، ثم أهم (٣) الرواتب في الشهور للنوافل التابعة للفرائض وهي التي أرادها بلفظ الرواتب في باب صلاة التطوع لكن لا يمكن حمل اللفظ في هذا الموضع عليها وحدها؛ لأنه قال: وغير الرواتب يكفي فيه نية الصلاة مطلقة، وهذه النية غير كافية في صلاة العيد، وأخواتها مع أنها غير النوافل التابعة للفرائض.
قال الغزالي: وَلَوْ نَوَى الفَرْضَ قَاعِدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى القِيَامِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضُهُ، وَهَل يَنْعَقِدُ نَفْلًا فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَكَذا الخِلاَفُ فِي التَّحَرُّم بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكُلُّ حَالَةٍ تُنَافِي الفَرْضِيَّةَ دُونَ النَّفْلِيَّةِ، هَذَا حُكْمُ النَّيَّةِ.
قال الرافعي: الأصل الجامع لهذه المسائل: أن من أتى بما ينافي الفرضية دون النفلية إما في أول صلاته أو في أثنائها وبطل فرضه، فهل تبقى صلاته نافلة أم تبطل مطلقًا؟ فيه قولان، ذكر الأئمة إنهما مأخوذان بالنقل والتخريج من نصوص مختلفة
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ط أشهر.
[ ١ / ٤٧٠ ]
للشافعي -﵁- في صور هذا الأصل فمنها لو دخل في الظهر قبل الزوال لا يصح ظهرًا، ونص أنه ينعقد نفلًا، كذلك رواه الصيدلاني وتابعه صاحب "التهذيب".
ولو تحرم بالفرض منفردًا وجاء الإمام وتقدم ليصلي بالناس قال: أحببت أن يسلم عن ركعتين تكونان نافلة له، ويصلي الفرض في الجماعة فقد صحح النفل مع إبطال الفرض، ونص فيما إذا وجد القاعد خفه في أثناء الصلاة فلم يقم أنه تبطل الصلاة رأسًا.
ولو قلب فرضه نفلًا بلا سبب يدعو إليه فقد حكى ابن كج في نصه أن صلاته تبطل، فجعل الأئمة في هذه الصور وأخواتها كلها قولين:
أحدهما: أن صلاته لا تبطل بالكلية وتكون نفلًا؛ لأن الاختلال إنما وقع في شرط الفرض لا في شرط الصلاة بمطلقها، وقد نوى صلاة بصفة الفرضية، فإن بطلت الصفة بقي فرض الصلاة وهذا القصد مصروف إلى النافلة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن المنوي هو الفرض والنفل غير منوي فإذا لم يحصل المنوي فلأن لا يحصل غير المنوي كان أولى.
وهذان القولان كالقولين فيما إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج هل ينعقد عمرة أم لا؟ ولتوجيههما شبه بتوجيه القولين فيما إذا قال لفلان: عليّ ألف من ثمن الخمر هل يلغو جميع كلامه أم تلغو الإضافة ويلزمه، الألف.
ومن صور هذا الأصل ما إذا نوى الفرض قاعدًا وهو قادر على القيام، والمسبوق إذا وجد الإمام في الركوع فيبادر إلى الركوع وأتى ببعض تكبيرة الإحرام بعد مجاوزة حد القيام فلا يصح الفرض فيهما، وهل يكون نفلًا؟ فيه القولان، وأما الأصح من القولين فقد ذكر الأصحاب أنه مختلف اختلاف الصور، ففي إذا تحرم الظهر قبل الزوال إن كان عالمًا بحقيقة الحال فالأصح البطلان؛ لأنه متلاعب بصلاته، وإن كان يظن دخول الوقت بالاجتهاد فتبين خلافه فالأصح أنها تكون نفلًا؛ لأنه نوى التقرب إلى الله تعالى وبنى قصد الفرض على اجتهاد، فإذا ظهر الخطأ حسن أن لا يضيع سعيه، وفيما إذا تحرم بالفرض منفردًا، ثم أقيمت الجماعة فانفرد بركعتين وسلم، الأصح أن صلاته تبقى نفلًا؛ لأنه قصد النفل بعد الإعراض عن الفرض، وإنما فعل ذلك لأمر محبوب وهو استئناف الصلاة بالجماعة، وفيما إذا وجد القاعد خفة فلم يقم أو قلب فرضه إلى النفل لا لسبب وعذر الأظهر البطلان؛ لأن الخروج عن الفرض بغير عذر وإبطاله مما لا يجوز، وفيما إذا نوى الفرض قاعدًا وهو قادر على القيام الأظهر البطلان أيضًا؛ لتلاعبه بالصلاة، وأما مسألة السبوق فإن كان عالمًا بأنه لا يجوز إيقاع التكبيرة فيما بعد مجاوزة حد القيام فالأظهر البطلان، وإن كان جاهلًا فالأظهر أنها تنعقد نفلًا كما ذكرنا في التحرم بالظهر قبل الزوال.
[ ١ / ٤٧١ ]
قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُ التَّكْبِيرِ فَتَتعَيَّنُ كَلِمَتُهُ عَلَى القَادِرِ، فلاَ تُجْزِئُ (ح) تَرْجَمَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الأكْبَرُ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَم يغَيِّرِ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الجَلِيلُ أكْبَرُ فَوَجْهَاِنِ لِتَغيُّر النَّظْم، وَلَو قَالَ: الأكْبَرُ اللهُ نَصَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَنَصَّ فِي قَوْلهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ أنَّهُ بَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمِّى تَسْلِيمًا وَذلِكَ لاَ يُسَمَّى تَكْبِيرًا، وَقِيْلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (١). والكلام في التكبير في القادر والعاجز.
أما القادر فيتعين عليه كلمة التكبير (٢) فلا يجوز له العدول إلى ذكر آخر وإن قرب منها كقوله: "الرحمن أجل"، و"الرب أعظم" بل لا يجزئه قوله: الرحمن أو الرحيم أكبر أيضًا، ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر.
وخالفنا أبو حنيفة في الفصلين جميعًا فحكم بإجزاء الترجمة وإجزاء التسبيح والتهليل وسائر الأذكار والأدعية إلا أن يذكر اسمًا على سبيل النداء كقوله: يا الله أو يقول: اللهم اغفر لي ونحوه من الأدعية.
لنا أنه -ﷺ-: "كَانَ يَبْتَدِئُ الصَّلاَةَ بِقَوْلِهِ: اللهُ أَكْبَرُ" (٣) هكذا روته عائشة -﵂- وقد قال -ﷺ-: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٤).
وروي أنه -ﷺ- قال: "لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مواضِعَهُ ويسْتَقبِلَ الْقِبْلَةَ فَيَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ" (٥)، وحكى القاضي ابن كج وجهًا لأصحابنا أنه تنعقد الصلاة بقوله الرحمن أكبر والرحيم أكبر كأنه (٦) اعتبر لفظ الكبرياء على ذلك، ولم يعتبر اسمًا من أسماء الله تعالى يعني بخصوصه.
_________________
(١) أخرجه الشافعي (١٩٣) وأحمد في المسند (١/ ١٢٣) وأبو داود (٦١) والترمذي (٣) وابن ماجه (٢٧٥) والدارمي (٦٩٣) والدارقطني (١/ ٣٦٠) والبزار (١/ ١١٧ - ١١٨) من رواية علي -كرم الله وجهه- وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن، وقال الحاكم: حديث مشهور، وحسنه البغوي، وقال الرافعي في شرح المسند: حديث ثابت انظر الخلاصة (١/ ١١١).
(٢) في ط: كلمته.
(٣) أخرجه مسلم (٤٩٨) من حديث عائشة.
(٤) تقدم.
(٥) أخرجه أبو داود (٨٥٧) والنسائي (٢/ ١٩٣) والترمذي (٣٠١) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي، وفي صحيح مسلم من رواية أبي هريرة (٣٩٧) "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبر".
(٦) سقط في ط.
[ ١ / ٤٧٢ ]
ولو قال: الله الأكبر أجزأه؛ لأن زيادة الألف واللام لا تبطل لفظة التكبير ولا المعنى بل قول القائل: الله الأكبر يشتمل على ما يشتمل عليه قول، الله أكبر مع زيادة مبالغة في التعظيم للإشعار بالاختصاص، والزيادة التي لا تغير النظم ولا المعنى لا تقدح كزيادة المد حيث يحتمله، وكقوله: الله أكبر من كل شيء أو أكبر، أو أجل وأعظم.
وقال مالك وأحمد: لا يجزئه قول: الله الأكبر لظاهر الخبر السابق، وحكى قول عن "القديم" مثل مذهبهما، وممن حكاه القاضي أبو الطيب الطبري، ذكر، أن أبا محمد الكرابيسي نقل عن الأستاذ أبي الوليد روايته فليكن قوله: (فلا بأس) مرقومًا بالميم والألف والقاف، ولو قال: الله الجليل أكبر ففي انعقاد الصلاة به وجهان:
أظهرهما: الانعقاد؛ لأن هذه الزيادة لا تبطل اسم التكبير ومعناه فأشبهت الزيادة في قوله: الله الأكبر.
والثاني: المنع لتغير النظم بها بخلاف قوله: الله الأكبر فإن الزائد ثم غير مستقل ولا مفيد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا أدخل بين كلمتي التكبير شيئًا آخر من نعوت الله تعالى، بشرط أن يكون قليلًا كقوله: الله ﷿ أكبر وما أشبهه ذلك، فأما إذا كثر الداخل بينهما كقوله: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس أكبر فلا يجزئه؛ لأن هذه الزيادة تخرج المأتي به عن أن يسمى تكبيرًا في اللغة ولهذا السبب لا يجوز أن يقف بين كلمتيه وقفة متفاحشة، ولو عكس فقال: الأكبر الله فظاهر كلامه في "الأم" و"المختصر" أنه لا يجوز، ونص في "الأم" على أنه لو قال في آخر الصلاة عليكم السّلام يجزئه، وإن كان مكروهًا فاختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: تقرير النصين.
والفرق أنه مأمور بالتكبير، وقول القائل الأكبر الله يسمى تكبيرًا وعند السلام هو مأمور بالتسليم وقوله: عليكم السّلام، يسمى تسليمًا، ولأصحاب الطريق الثاني أن ينازعوا في تحقيق هذا الفرق فيقولوا: ذاك يسمى تكبيرًا إن كان هذا يسمى تسليمًا.
والثاني: أن المسألتين على القولين نقلًا وتخريجًا.
أحدهما: الجواز؛ لأن المعنى واحد قدم أو أخر فصار كما لو ترك الترتيب في التشهد.
وأظهرهما: المنع؛ لما سبق من الظواهر، ويتأيد بترك الترتيب في الفاتحة، وأصحابنا العراقيون حكوا في عكس التكبير وجهين بدل القولين بالنقل والتخريج وهما متقاربان، والخلاف في قوله: الأكبر الله يجري في قوله أكبر الله أيضًا، وقيل: لا يجزئ أكبر الله بلا خلاف، ويجب على المصلي أن يحترز في لفظ التكبير عن زيادة تغير المعنى
[ ١ / ٤٧٣ ]
بأن يقول الله أكبر؟ فينقلب الكلام استفهامًا أو يقول: الله أكبار فالأكبار جمع كبر وهو الطبل، ولو زاد واوًا بين الكلمتين إما سكانة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزئه أيضًا، ويجب أن يكبر بحيث يسمع نفسه، ويجب أن يكبر قائمًا حيث يلزمه القيام.
قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَيَلْزَمُهُ تَرْجَمَتُهُ وَلاَ يُجْزِئُهُ ذِكْرٌ آخَرُ لاَ يؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَالبَدَوِيُّ يَلْزَمُة قَصْدُ البَلْدَةِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَكْفِيهِ التَّرْجَمَةُ بَدَلًا بِخِلاَف التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: العاجز عن جميع كلمة التكبير أو بعضها له حالتان:
إحداهما: أنه لا يمكنه كسب القدرة عليها، فإن كان لخرس ونحوه حرك لسانه أو شفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه، وإن كان ناطقًا لكن لم يطاوعه لسانه على هذه الكلمة فيأتي بترجمتها؛ لأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل، وترجمته أولى ما يجعل بدلًا عنه لأدائها معناها، ولا يعدل إلى سائر الأذكار بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة لا يعدل إلى الترجمة، [لأن القرآن معجز، وسائر السور تشتمل أيضًا على النظم المعجز (١)]، وينبغي (٢) أن يعلم قوله: (ولا يجزئه ذكر آخر) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة يجوز سائر الأذكار في حال القدرة ففي حال العجز أولى وإنما قال: لا يؤدي معناه؛ لأنه لو أدى معناه كان كالترجمة بلغة أخرى وترجمة التكبير بالفارسية "خداي بزر كتر" ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي الروياني، فلو قال: "خداي بزرك" وترك صيغة التفضيل لم يجز كقوله: الله الكبير. وجميع اللغات في الترجمة سواء فيتخير بينهما.
وقيل: السريانية والعبرانية قد أنزل الله بهما كتابًا فإن أحسنهما لم يعدل عنهما، والفارسية بعدهما أولى من التركية والهندية.
والحالة الثانية: أن يمكنه كسب القدرة عليها إما بالتعلم من إنسان أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيغة عليه فيلزمه ذلك، فلو كان بدويًا لا يجد في موضعه من يعلمه الكلمة فهل يلزمه المسير إلى بلدة أو قرية لتعلمها فيه وجهان:
أحدهما: لا بل له الاقتصار على الترجمة بدلًا كما لا يلزمه الانتقال ليتطهر بالماء ويجزئه التيمم بدلًا.
وأصحهما: نعم، لأنه قادر على السير والتعلم إذا تعلم عاد إلى موضعه، وانتفع بالكلمة طول عمره بخلاف التّيمم فإن استصحاب الماء للمستقبل لا يمكن، ومفارقة الموضع بالكلية قد يشق عليه، ويدل على الفرق بين الفصلين أن العادم في أول الوقت
_________________
(١) في ط لخلاف ترجمة.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٤٧٤ ]
يجوز له أن يتيمم ولا يلزمه التأخير ليصلي بالوضوء كما سبق، والجاهل بالكلمة لا يجوز له الاقتصار على الترجمة في أول الوقت إذا أمكنه التعلم والإتيان بها في آخر الوقت. فإن قلت: وهل على العاجز قضاء الصلوات التي أتى بها بتكبير؟ فالجواب أما في الحالة الأولى فلا، لأن العبادة المختلة إذا قضيت فإنما تقضي بعد ارتفاع الخلل، وثم لا يتوقع ارتفاعه. وأما في الحالة الثانية فإن ضاق الوقت أو كان بليدًا لا يمكنه التعلم إلا في يوم فصاعدًا، لم يلزمه قضاء الصلوات المؤداة بالترجمة في الحال؛ لأنه معذور ولا تقصير منه. ولو أخر التعلم مع القدرة فإذا ضاق وقت الصلاة فلا بد من أن يصلي بالترجمة لحرمة الوقت، وهاهنا يلزمه القضاء لتفريطه بالتأخير. وفيه وجه آخر ضعيف.
قال الغزالي: وَسُنَنُ التَّكْبِيرِ ثَلاَثٌ: أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ إلَى حَذوِ المَنْكِبَيْنِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَنْ تُحَاذِيَ رُءُوسُ الأَصَابِعِ أُذُنَيهِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَن تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيهِ، وَإبْهَامُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَكَفَّاهُ مَنْكبَيْهِ فِي قَوْلٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ عِنْدَ إِرْسَالِ اليَدِ، وَقِيلَ: يَبْتَدِيءُ الرَّفْعَ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَقِيلَ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ بَعْدَ الرَّفْعِ وَقَبْلَ الإِرْسَالِ، ثُمَّ إذَا أَرْسَلَ يَدَيْهِ وَضَعَ اليُمْنَى عَلَى كُوعِ (ح) اليُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر ما يجب رعايته في التكبير عدل إلى بيان السنن وذكر منها ثلاثًا:
أحدها: رفع اليدين عند التكبير، وقد حكي في بعض نسخ الكتاب في قدر الرفع ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يرفع يديه إلى حذو المنكبين.
والثاني: أن يرفعهما إلى أن تحاذي رؤُوس أصابِعِهِ أذنَيهِ.
والثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهامه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه، وليس في بعض النسخ إلا ذكر القول الأول والثاني، ويمكن أن يحتج للقول الأول بما روي عن ابن عمر -﵁- أنه -ﷺ- "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ" (١) وللقول الثاني، بما روي عن وائل بن حجر أنه -ﷺ- "لَمْا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ" (٢) وللثالث لاستعمال هذين الخبرين، ولما روي أنه -ﷺ- "رَفَعَ يَدَيْه إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ" (٣) واعرف في ما نقله شيئين:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٥ - ٧٣٦ - ٧٣٨ - ٧٣٩) ومسلم (٣٩٠) وأبو داود (٧٢١).
(٢) أخرجه الشافعي (٢٠٠) وأحمد في المسند (٤/ ٣١٨) ومسلم بنحوه (٤٠١).
(٣) أخرجه أبو داود (٧٣٧) وأحمد في المسند (٤/ ٣١٦) والنسائي (٢/ ١٢٣) والطبراني في الكبير (٢٢) / رقم (٧٢).
[ ١ / ٤٧٥ ]
أحدهما: أن المراد من القول الأول وهو الرفع إلى حذو المنكبين أن لا يجاوز بأصابعه منكبيه، هذا قد صرح به إمام الحرمين.
وقوله في حكاية القول الثاني: وإلى أن تحاذي برءوس أصابعه أذنيه كأنه يريد شحمة الأذنين وأسافلهما، وإلا فلو حاذت برءوس أصابعه أعلى الأذنين حصلت الهيئة المذكورة في القول الثالث وارتفع الفرق.
والثاني: أنه كالمنفرد بنقل الأقوال الثلاثة في المسألة أو بنقل القولين؛ لأن معظم الأصحاب لم ينقلوا فيه اختلاف قول بل اقتصر بعضهم على ما ذكره في المختصر أنه يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، واقتصر آخرون على الكيفية المذكورة في القول الثالث، وبعضهم جعلها تفسيرًا لكلامه في "المختصر" وللشافعي -﵁- فيها حكاية مشهورة مع أبي ثور (١) والكرابيسي (٢)، حين قدم بغداد، ولم أر حكاية الخلاف في المسألة إلاَّ للقاضي ابن كج وإمام الحرمين لكنهما لم يذكرا إلا القول الأول والثالث، فظهر تفرده بما نقل من القولين أو الثلاثة وكلامه في "الوسيط" لا يصرح بهذا جميعًا، وكيف ما كان فظاهر المذهب الكيفية المذكورة في القول الثالث.
وأما أبو حنيفة فالذي رواه الطحاوي والكرخي: (٣) أنه يرفع يديه حذو أذنيه.
وقال القدوري: يرفع بحيث يحاذي إبهامه شحمة أذنيه، وهذا يخالف القول الأول وذكر بعض أصحابنا منهم صاحب "التهذيب": أن مذهبه رفع اليدين بحيث تحاذي الكفان الأذنين، وهذا بخلاف القول الثالث، ذلك أن تعلمهما معًا بالحاء للروايتين، ولو كان المصلي مقطوع اليدين أو إحداهما من المعصم رفع السَّاعد، وإن كان القطع من المرفق رفع عظم العضد في أصح الوجهين تشبيهًا بالرافعين، ولو لم يقدر على رفعهما أو رفع أحداهما القدر المسنون، بل كان إذا رفع زاد أو نقص أتى بالممكن، فإن قدر عليهما جميعًا فالزيادة أولى:
_________________
(١) أبو ثور هو إبراهيم بن خالد بن أبو اليمان الكلبي البغدادي، أخذ الفقه عن الشافعي مات سنة أربعين ومائتين، وقال أحمد: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، هو عندي في سلاخ سفيان الثوري، انظر طبقات الفقهاء للشيرازي (٩٢).
(٢) أبو علي الحسن بن علي بن يزيد البغدادي الكرابيسي، كان من الأئمة الجامعيين بين الفقه والحديث، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، وسمي بكرابيس لأنه وإن يبيع الكرابيس، وهي الثياب الغليظة. انظر طبقات الأسنوي (١/ ٢٦) رقم (١١).
(٣) عبيد الله بن الحسن الكرخي أبو الحسن فقيه انتهت إليه رياسة الحنيفة بالعراق، مولده في الكرخ ووفاته ببغداد من "تصانيفه" رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية "وشرح الجامع الكبير" توفي سنة ٣٤٠ هـ انظر الفوائد البهية (١٠٧) الأعلام (٤/ ١٩٣).
[ ١ / ٤٧٦ ]
الثانية: في وقت الرفع وجوه.
أحدها: أنه يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال، وينهيه مع انتهائه: "رُوِيَ ذلِكَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- (١) ".
وثانيها: أن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ويروى ذلك عن وائل بن حُجْرٍ عن النبي -ﷺ- (٢).
وثالثهما: أن يرفع ثم يكبر ويداه قارَّتان ثم يرسلهما فيكون التكبير بين الرفع والإرسال، ويروى ذلك عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- (٣)؛ وذكر في "التهذيب" أن هذا أصح لكن الأكثرين على ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل وهو أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير واختلفوا على هذا في انتهائه، فمنهم من قال: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معًا كما جعل ابتداؤهما معًا، ومنهم من قال: يجعل انتهاء التكبير والإرسال معًا وقال الأكثرون: الاستحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس أتم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع، ولو ترك رفع اليدين حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، وإن أتمه لم يرفع بعد ذلك.
الثالثة: يسن بعد التكبير وحط اليدين من رفعهما أن يضع اليمنى على اليسرى، خلافًا لمالك في إحدى الروايتين عنه حيث قال: يرسلهما.
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "ثَلاَثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينُ، تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ اليُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلاَةِ" (٤). ثم المستحب أن يأخذ بيمينه على
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٣٠) وذكره الحافظ وزاد نسبته للترمذي وابن ماجه وابن حبان وقال: أعله الطحاوي بأن محمد بن عمرو لم يدرك أبا قتادة. قال: ويزيد ذلك بيانًا أن عطاف بن خالد، رواه عن محمد بن عمرو قال: حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب رسول الله -ﷺ- جلوسًا، وقال ابن حبان: سمع هذا الحديث محمد بن عمرو من أبي حميد، وسمعه من عباس بن سهل بن سعد عن أبيه فالطريقان محفوظان. قلت: السياق يأبى ذلك كل الإباء والتحقيق عندي: أن محمد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه، هو محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، وهو لم يلق أبا قتادة ولا قارب ذلك، إنما يروى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وغيره من كبار التابعين. وأما محمد بن عمر الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه فهو محمد بن عمرو بن عطاء تابعي كبير. جزم البخاري بأنه سمع من أبي حميد وغيره، وأخرج الحديث من طريقه.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه ابن حبان (١٧٦١) وأبو داود الطيالسي (٣٩٣) والطبراني في الكبير (١٠٨٥١) والدارقطني (١/ ٢٨٤) والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٨) قال البيهقي: يعرف بطلحة بن عمرو واختلف عليه فيه، فقيل عن عطاء عن ابن عباس، وقيل عن أبي هريرة ورواه الدارقطني والبيهقي من حديث محمد بن أبان عن عائشة موقوفًا، قال البيهقي: إسناده صحيح إلا أن محمد بن أبان لا يعرف سماعه عن عائشة قاله البخاري انظر التلخيص (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
[ ١ / ٤٧٧ ]
شماله بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض الرسغ والساعد، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى من غير أخذ كذلك رواه أصحابنا.
لَنَا مَا رُوِيَ عَنْ وَائِل أَنَّهُ -ﷺ-: "كَبَّرَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ" (١).
ويروى عنه: "ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ والسَّاعِدِ" (٢).
ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، ذكره القفال؛ لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالتين ثم يضع يده كما ذكرنا تحت صدره وفوق سرته خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يجعلهما تحت سرته، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، ويحكي عن أبي إسحاق المروزي من أصحابنا.
لنا: ما روي عن علي -﵁- أنه فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) بوضع اليمين على الشمال تحت النحر. ويروى: أن جبريل ﵇ كذلك فسره للنبي -ﷺ-. إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (وضع اليمنى) بالميم وقوله: (على كوع اليسرى) بالحاء؛ لأنه يقول: يضع على ظهر كفه اليسرى دون الكوع.
وقوله: (تحت صدره) بالحاء والألف والواو، ولك أن تبحث عن لفظ الإرسال الذي أطلقه في هذه السنة والتي قبلها وتقول: كيف يفعل المصلي بعد رفع اليدين عند التكبير أيد لي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمها إلى الصدر أم يحطها ويضمها إلى الصدر من غير أن يدليهما.
والجواب: أن المصنف ذكر في "الإحياء" أنه لا ينفض يديه يمينًا وشمالًا إذا فرغ من التكبير، لكن يرسلهما إرسالًا خفيفًا رفيقًا ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال.
قال: وفي بعض الأخبار أنه كان يرسل يديه إذا كبر فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى فهذا ظاهر في أنه يدلي ثم يضمها إلى الصدر. قال: صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه، وهذا يشعر بالاحتمال الثاني، ونختم الفصل بكلامين:
أحدهما: أن لمضايق أن ينازع في عد هذا المندوب الثالث من سنن التكبير، ويقول: إنه واقع بعد التكبير مقارن لحال القيام، فكان عده من سنن القيام أولى، وكذلك فعل أبو سعد المتولي.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٢٣) وابن حبان (١٩٣٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٧٢٧) عن وائل بن حجر، وصححه ابن حبان انظر الخلاصة (١/ ١٤٤).
(٣) سورة الكوثر، الآية ٣.
[ ١ / ٤٧٨ ]
والثاني: أن ظاهر قوله: (وسنن التكبير ثلاث) حصر سننه فيها، وله مندوبات أخر. منها: أن يكشف يديه عند الرفع للتكبير. وأن يفرق بين أصابعه تفريقًا وسطًا.
وأن لا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يمططه، وهو أن يبالغ في مده بل يأتي به مبينًا، والأولى فيه الحذف لما روي أنه -ﷺ- قال: "التَّكْبِيرُ جَزْم وَالتَّسْلِيمُ جَزْمٌ" (١)؛ أي: لا يمد. فيه وجه: أنه يستحب فيه المد، والأول هو ظاهر المذهب بخلاف تكبيرات الانتقالات، فإنه لو حذفها على باقي انتقاله عن الذكر إلى أن يصل إلى الركن الثاني، وهاهنا الأذكار مشروعة على الاتصال بالتكبير.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي، القِيَامُ وَحَدُّهُ الانْتِصَابُ مَعَ الإقْلاَلِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإقْلاَلِ انْتَصَبَ مُتَّكِئًا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الانْتِصَابِ قَامَ مُنْحَنِيًا، فإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلاَّ عَلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ قَعَدَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ القِيَامِ قَامَ (ح) وَأَوْمَأَ بِهِمَا.
قال الرافعي: القيام بعينه ليس ركنًا في مطلق الصلاة بخلاف التكبير والقراءة؛ لأن القعود في النقل جائز مع القدرة عى القيام فإذًا الركن هو القيام أو ما يقوم مقامه فيحسن أن لا يعد القيام بعينه ركنًا بل يقال: الركن هو القيام أو ما في معناه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: اعتبر في حد القيام أمرين: الانتصاب والإقلال؛ أما الإقلال: فالمراد منه أن يكون مستقلًا غير مستند ولا متكئ على جدار وغيره، وهذا الوصف قد اعتبره إمام الحرمين، وأبطل صلاة من اتكأ في صلاته من غير حاجة وضرورة، وإن كان منتصبًا وتابعه المصنف عليه، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لو استند في قيامه إلى جدار أو إنسان صحت صلاته مع الكراهة.
قالوا: ولا فرق بين أن يكون استناده بحيث لو رفع السناد لسقط [وبين ألئلا يكون كذلك مهما كان منتصبًا. وفي بعض "التعاليق": أنه إن كان بحيث لو رفع السناد] (٢)
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٢٥) لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي عنه، ومعناه عند الترمذي وأبي داود والحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ "حذف السلام سنة" وقال الدارقطني في العلل: الصواب موقوف، وهو من رواية قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف اختلف فيه، وقوله حذف السلام الإسراع به، وهو المراد من قوله جزم. وأما ابن الأثير في النهاية فقال: معناه أن التكبير والسلام لا يمدان ولا يعرب التكبير. بل يسكن آخره وتبعه المحب الطبري، وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على أن التكبير جزم لا يمد قلت: وفيه نظر لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الاعراب اصطلاح حادث لأهل العربية، فكيف تحمل عليه الألفاظ النبوية.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٤٧٩ ]
لسقط لم تجزه صلاته فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا يجوز الاتكاء عند القدرة بحال.
والثاني: الجواز ولعله أظهر؛ لأن المأمور به القيام ومن انتصب متكئًا فهو قائم.
والثالث: الفرق بين الحالتين، وهذا الكلام في الاتكاء الذي لا يسلب اسم القيام، أما لو اتكأ بحيث لو رفع قدميه عن الأرض لأمكنه فهذا معلق نفسه بشيء، وليس بقائم، ولو لم يقدر على الإقلال انتصب متكئًا فإن الانتصاب ميسور له إن كان الإقلال معسورًا، والميسور لا يسقط بالمعسور، وحكى في "التهذيب": وجهًا آخر، أنه لا يلزمه (١) القيام والحالة هذه بل له أن يصلي قاعدًا فليكن قوله: (انتصب متكئًا) مرقومًا بالواو لهذا الوجه، أما الانتصاب فلا يخل به إطراق الرأس وإنما يعتبر نصب الفقار، فليس للقادر عليه أن يقف مائلًا إلى اليمين أو اليسار زائلًا عن سنن القيام، ولا أن يقف منحنيًا في حد الراكعين؛ لأنه مأمور بالقيام، ويصدق أن يقال؛ هذا راكع لا قائم، وإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع لكن كان أقرب إليه منه إلى الانتصاب فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز أيضًا هذا عند القدرة على الانتصاب، فأما إذا لم يقدر عليه بل تقوس ظهره لكبر أو زَمَانَة وصار في حد الراكعين، فقد قال في الكتاب: إنه يقعد؛ لأن حد الركوع يفارق حد القيام، فلا يتأدى هذا بذاك، وذكر إمام الحرمين مثل ما ذكره استنباطًا عن كلام الأئمة فقال: الذي دل عليه كلامهم أنه يقعد ولا يجزئه غيره، لكن الذي ذكره العراقيون من أصحابنا وتابعهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه لا يجوز له القعود، بل يجب عليه أن يقوم، فإذا أراد أن يركع زاد في الانحناء إن قدر عليه ليفارق الركوع القيام في الصورة، وهذا هو المذهب، فإن الواقف راكعًا أقرب إلى القيام من القعود فلا ينزل عن الدرجة القربى إلى البعدى، وقد حكى القاضي ابن كج: ذلك عن نص الشافعي -﵁- (٢) فيجب إعلام قوله: (قعد) بالواو، ومعرفة ما فيه ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام [لعلة بظهره تمنعه من الانحناء لزمه القيام خلافًا لأبي حنيفة. لنا أنه مستطيع للقيام] (٣) فيلزمه لما روي أنه -ﷺ- قال: لعمران بن الحصين: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" (٤)، ولأنه عجز
_________________
(١) في ط يلزم.
(٢) قال النووي: ولو لم يقدر على النهوض للقيام إلا بمعين، ثم لا يتأذى بالقيام، لزمه أن يستعين بمن يقيمه. فإن لم يجد متبرعًا، لزمه الاستئجار بأجرة المثل إن وجدها. والله أعلم. روضة الطالبين (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٣) سقط في ب.
(٤) أخرجه البخاري (١١١٧).
[ ١ / ٤٨٠ ]
عن ركن فلا يسقط عنه غيره كما لو عجز عن القيام لا تسقط عنه القراءة، ثم إذا انتهى إلى الركوع والسجود يأتي بهما على حسب الطاقة فيحني صلبه بقدر الإمكان فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه فإن احتاج فيه إلى الاعتماد على شيء أو إلى أن يميل على جنبه لزمه ذلك، فإن لم يطق الانحناء أصلًا أومأ بهما.
قال الغزالي: وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَام قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، لَكِنَّ الإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وِرْكَيهِ وَينْصِبَ رُكْبَتَيْهِ، وَالافْتِرَاشُ أَفْضَلُ فِي قَوْلٍ، وَالتَّرَبُّعُ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: يَنْصِبُ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى كَالقَارِئِ يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَي المُقْرِئِ لِيُفَارِقَ جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ.
قال الرافعي: إذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود لما سبق في خبر عمران، ولا ينتقص ثوابه لمكان العذر، ولا يعني بالعجز عدم التأتي فحسب بل خوف الهلاك، وزيادة المرض، ولحوق المشقة الشديدة في معناه، ومن ذلك خوف الغرق، ودوران الرأس في حق راكب السفينة.
ولو جلس الغازون في مكمن فأدركتهم الصلاة، ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم أن يصلوا قعودًا لكن يلزمهم القضاء فإن هذا سبب نادر، وإذا قعد المعذور فلا يتعين للقعود هيئة بل يجزئه جميع هيئات القعود لإطلاق الخبر الذي تقدم لكن يكره الإقعاء، هذا في القعود وفي جميع قعدات الصلاة، لما روي أنه -ﷺ-: "نَهَى أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ" (١) ويروى أنه قال: "لاَ تُقْعُوا إِقْعَاءَ الْكِلاَبِ" (٢) واختلفوا في تفسيره على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإقعاء أن يفترش رجليه ويضع أليتيه على عقبيه.
والثاني: أن يجعل يديه على الأرض ويقعد على أطراف أصابعه.
والثالث: وهو الذي ذكره في الكتاب أن الإقعاء: هو الجلوس على الوركين ونصب الفخذين والركبتين، وهذا أظهر؛ لأن الكلب هكذا يقعد، وبهذا فسره أبو عبيد لكن زاد فيه شيء آخر وهو وضع اليدين على الأرض، وما الأولى من هيئات القعود فيه قولان. ووجهان أحد القولين: أن يقعد متربعًا لما روي أنه -ﷺ-: "لَمَّا صَلَّى جَالِسًا
_________________
(١) أخرجه مسلم من رواية عائشة -﵂- (٤٩٨) والحاكم من رواية الحسن عن سمرة (١/ ٢٧٢) وقال صحيح على شرط البخاري والبيهقي في السنن (٢/ ١٢٠).
(٢) أخرجه أحمد من رواية أبي هريرة (٢/ ٣١١) وابن ماجه من رواية أنس (٨٩٦) بإسناد ضعيف. ونقل النووي في الخلاصة عن الحفاظ، أنهم قالوا: "ليس في النهي عن الإقعاء" حديث صحيح إلا حديث عائشة. قلت: وحديث الحسن عن سمرة المذكور قال ابن الملقن: انظر الخلاصة (١/ ١١٥ - ١١٦).
[ ١ / ٤٨١ ]
تَرَبَّعَ" (١). ويروى هذا عن مالك وأحمد وأبي حنيفة ثم يركع متربعًا أو مفترشًا إذا أراد الركوع عن أبي حنيفة وأصحابه فيه اختلاف رواية.
وأصحهما: أنه يقعد مفترشًا؛ لأنه قعود لا يعقبه سلام فأشبه التشهد الأولى، وسيأتي معنى الافتراش في موضعه وتأويل الخبر: أنه ربما لم يمكنه الجلوس على هيئة الافتراش أو أراد تعليم الجواز وإلا فالتربع ضرب من التنعم لا يليق بحال العبادة، ويجري القولان فيما إذا قعد في النافلة. وأما الوجهان:
فأحدهما: وقد ذكره في الكتاب: أنه ينصب ركبته اليمنى ويجلس على رجله اليسرى كالقارئ يجلس بين يدي المقرئ ولا يتربع لما ذكرنا، ولا يفترش لتفاوت هيئة الجلوس هاهنا هيئة الجلوس في التشهد، وهذا يحكى عن القاضي الحسين.
والوجه الثاني: حكى في "النهاية" أن بعض المصنفين ذكر أنه يتورك في هذا القعود، ويمكن أن يوجه هذا بأن مدة القيام طويلة وهذا القعود بدل عنه فاللائق به التورك كما في آخر الصلاة، وأما الافتراش فإنه يؤمر به عند الاستيفاز.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن تفسير الإقعاء من لفظ الكتاب ينبغي أن يعلم بالواو، وقوله: (الافتراش أفضل) بالميم والألف والحاء، وكذلك ينصب ركبتيه اليمنى وقوله: "ليفارق جلسة التشهد" بعض التوجيه معناه لا يفترش لهذا المعنى ولا يتربع؛ لأنه هيئة تنعم، وأما هذه فهي لائقة بالتعظيم.
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ قَدَرَ القَاعِدُ عَلَى الإرْتفَاعِ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الرُّكُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر فَيَرْكَعُ قَاعِدًا إِلَى حَدٍّ تَكُونُ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّجُودِ كَالنِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ القِيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ وَضْعِ الجَبْهَةِ انْحَنَى لِلسُّجُودِ، وَلْيَكُنِ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْهُ لِلْرُّكُوعِ.
قال الرافعي: حكم المصنف بأن القاعد لو قدر على الارتفاع عند الركوع إلى حد الراكعين عن القيام لزمه ذلك، ذكره إمام الحرمين، ووجهه، بأن الركوع مقدور عليه فلا يسقط بالمعجوز عنه، وهذا الكلام تفرع منهما على أن من بلغ انحناؤه حد الركوع يقعد، فأما إذا فرعنا على أنه يقف كذلك وهو الأظهر على ما تقدم، فلا تجئ هذه المسألة إلا أن يفرض لحوق ضرر في الوقوف قدر القيام دون الوقوف قدر الركوع، فحينئذ يقعد لخوف الضرر لا بسبب الانحناء، ويرتفع عند الركوع وأما من لا يقدر على الارتفاع، فنتكلم في
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣/ ٢٢٤) والدارقطني (١/ ٣٩٧) وابن خزيمة (٩٧٨) والحاكم (١/ ٢٥٨)، وقال صحيح على شرط الشيخين.
[ ١ / ٤٨٢ ]
ركوعه قاعدًا ثم في سجوده، فأما في ركوعه فقد ذكر الأئمة فيه عبارتين:
إحداهما: أنه يعني حتى يصير بالإضافة إلى القاعد المنتصب كالرافع قائمًا بالإضافة إلى القائم المنتصب فيعرف النسبة بين حالة الانتصاب وبين الركوع قائمًا، ويقدر كان المائل من شخصه عند القعود هو قدر قامته فينحنى بمثل تلك النسبة.
والثانية -وهي المذكورة في الكتاب-: أنه ينحني إلى حد تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام ومعناه أن أكمل الركوع عند القيام أن ينحني بحيث يستوي ظهره ورقبته ويمدهما، وحينئذ يحاذي جبهته موضع سجوده، وأقله: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، وحينئذ يقابل وجهه أو بعض وجهه ما وراء ركبته من الأرض، ويبقى بين الموضع المقابل وبين موضع السجود مسافة، فيراعى هذه النسبة في حال القعود، فأقل ركوع القاعد أن ينحني قدر ما يحاذي وجهه وراء ركبته من الأرض، والأكمل أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده ولا يخفى أنه لا منافاة بين العبارتين، وكل واحدة منهما مؤدية للغرض.
وأما السجود: فلا فرق فيه بينه وبين القادر على القيام، هذا إذا قدر القاعد على الركوع والسجود، فإن عجز لعلة بظهره أو غيرها أتى بالقدر الممكن من الانحناء.
ولو قدر على الركوع وعجز عن وضع الجبهة على الأرض للسجود فقد قال في الكتاب: إنه ينحني للسجود أخفض منه للركوع، ويجب هاهنا معرفة شيئين:
أحدهما: أن هذا الكلام غير مجرى على إطلاقه، ولكن للمسألة ثلاث صور أوردها صاحب "النهاية":
احداها: أن يقدر على الانحناء إلى حد أقل الركوع، أعني ركوع القاعدين، ولا يقدر على الزيادة عليه، فلا يجوز تقسيم المقدور عليه من الانحناء إلى الركوع والسجود بأن يصرف بعضه إلى الركوع وتمامه إلى السجود حتى يكون الانحناء للسجود أخفض، وذلك لأنه يتضمن ترك الركوع مع القدرة عليه، بل يأتي بالمقدور عليه مرة للركوع ومرة للسجود وإن استويا.
الثانية: أن يقدر على أكمل ركوع القاعدين من غير زيادة فله أن يأتي به مرتين، ولا يلزمه الاقتصار للركوع على حد الأقل حتى يظهر التفاوت بينه وبين السجود، فإن المنع من إتمام الركوع في حالة الركوع بعيد.
الثالثة: أن يقدر على أكمل الركوع وزيادة، فيجب هاهنا أن يقتصر على حد الكمال للركوع ويأتي بالزيادة للسجود؛ لأن الفرق بين الركوع والسجود واجب عند الإمكان وهو ممكن هاهنا. قال إمام الحرمين: وليس هذا عريًا عن احتمال فليتأمل.
[ ١ / ٤٨٣ ]
إذا عرفت ذلك تبين أنه لا يجب أن يكون الانحناء للسجود أخفض منه للركوع في الصورة الأولى ولا الثانية بل لو وجب إيماء وجب في الصورة الثالثة.
والثاني: أن ظاهر كلامه يقتضي الاكتفاء بجعله الانحناء للسجود أخفض منه للركوع [لقوله في الراكب المتنفل يومئ للركوع والسجود ويجعل السجود أخفض منه للركوع] (١) فإنه يكفيه ارتفاع التفاوت بينهما على ما تقدم، وليس الأمر على الظاهر هاهنا بل يلزمه مع جعل الانحناء للسجود، أخفض أن يقرب جبهته من الأرض أقصى ما يقدر عليه حتى قال الأصحاب: لو أمكنه أن يسجد على صدغه أو عظم رأسه الذي فوق الجبهة وعلم أنه إذا فعل ذلك كانت جبهته أقرب إلى الأرض يلزمه أن يسجد عليه، فإذا كان الأحسن أن يقول: يجعل السجود أخفض من الركوع ويقرب جبهته من الأرض بقدر الإمكان فيجمع بينهما وكذلك فعله في "الوسيط".
قال الغزالي: فَإِنْ عَجَزَ عَنِ القُعُودِ صَلَّى (ح) عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ (و) مُسْتَقْبِلًا بِمَقَادِيم (ح) بَدَنِهِ إِلَى القِبْلَةِ كالمَوْضُوعِ (و) فِي اللَّحْدِ، فَإِنْ عَجَزَ فَيُومِئُ (ح) بِالطَّرَفِ أَوْ يُجْرِي الأَفْعَالَ عَلَى قَلْبِهِ لِقَوْلهِ ﵇ إِذَا أَمَرْتُكُم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢).
قال الرافعي: ذكرنا أن العجز عن القيام يتحقق بتعذره وفي معناه ما إذا لحقه خوف ومشقة شديدة، وأما العجز عن القعود فهو معتبر به، ولم يفرق الجمهور بينهما.
وقال في "النهاية": لا أكتفي في ترك القعود بما اكتفى به في ترك القيام بل يشترط فيه عدم تصور القعود أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل؛ إلحاقًا له بالمرض الذي يعدل بسببه إلى التّيمم. إذا عرف ذلك فنقول: العاجز عن القعود كيف يصلي؟ فيه وجهان، ومنهم من قال: قولان:
أصحهما: أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلًا بوجهه مقدم بدنه القبلة كما يضجع الميت في اللَّحْدِ وبهذا قال أحمد، وهو المذكور في الكتاب، ووجهه قوله -ﷺ- في حديث عمران: "فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" (٣) وعلى هذا لو اضطجع على جنبه الأيسر مستقبلًا جاز إلا أنه ترك سنة التيامن.
والثاني: أنه يستلقي على ظهره، ويجعل رجليه إلى القبلة، فإنه إذا رفع وسادته قليلًا كان وجهه إلى القبلة، وإذا أومأ بالركوع والسجود، كان إيماؤه في صوب القبلة، والمضطجع على الجنب إذا أومأ لا يكون إيماؤه في صوب القبلة، وبهذا قال أبو
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه البخاري (١١١٧).
[ ١ / ٤٨٤ ]
حنيفة، وهذا الخلاف فيمن قدر على الاضطجاع والاستلقاء، أما إذا لم يقدر إلاَّ على إحدى الهيئتين أتى بها، وذكر إمام الحرمين أن هذا الخلاف ليس راجعًا إلى الأول بخلاف ما سبق من الكلام في هيئة القاعد، وإنما هو خلاف فيما يجب؛ لأن أمر الاستقبال يختلف به، وفي المسألة وجه ثالث ضعيف، أنه يضطجع على جنبه الأيمن وأخمصاه إلى القبلة، وإذا صلى على هذه الهيئة المذكورة؛ فإن قدر على الركوع والسجود أتى بهما، إلا أومأ بهما منحنيًا، وقرب جبهته من الأرض بحسب الإمكان، وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن لم يقدر على تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وإن اعتقل لسانه، أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلًا لا تسقط عنه الصلاة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال، إذا عجز عن الإيماء بالرأس لا يصلي ولا يومئ بعينه ولا بقلبه، ثم يقضي بعد البرء، ولمالك حيث قال: لا يصلي ولا يقضي. لنا ما روي عن علي -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ السُّجُودَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوع فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبهِ الأَيْمَنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى قَفَاهُ مُسْتَلْقِيًا وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ" (١).
وجه الاستدلال أنه قال: "أوْمَأَ بِطَرَفِهِ"، وفيه: دليل على أن العاجز عن القعود يصلي على جنبه الأيمن، فإن عجز حينئذ يستلقي، واحتج في الكتاب للترتيب المذكور لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ "؛ ولا يتضح الاحتجاج به في هذا المقام، لأن هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور فأنه قال: "فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور به حتى يكون مستطاعًا من المأمور به، وكذلك الاضطجاع لا يشتمل عليه القعود وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها، ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال ولم يحضرها في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته، فلا تكون هذه المسائل متناولة بالخبر. ولنعد إلى أمور تتعلق بلفظ الكتاب قوله: (فإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن) كلمة (صلى) قد أعلم في النسخ بالخاء؛ لأن المصنف روى في "الوسيط": أن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- قال: إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة، لكن هذا النقل لا يكاد يلقى في كتبهم ولا في كتب أصحابنا، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس فإذًا موضع العلامة بالحاء.
قوله: (فيومئ بالطرف) وليعلم بالميم أيضًا لما قدمنا حكايته وبالواو أيضًا؛ لأن
_________________
(١) تقدم.
[ ١ / ٤٨٥ ]
صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا وجهًا مثل مذهب أبي حنيفة.
وقوله: (على جنبه الأيمن) ينبغي أن يرقم بالحاء؛ لأنه عند ذلك يستلقي على ظهره، وكذلك بالواو إشارة إلى الوجه الصائر إلى مثل مذهبه، وكذلك قوله: (مستقبلًا بمقاديم بدنه القبلة) بالواو إشارة إلى الوجه الثالث.
وقوله: (أو يجري الأفعال على قلبه) ليست كلمة (أو) للتخيير بل للترتيب.
واعلم: أن جميع ما ذكر من أول الركن إلى هذه الغاية من ترتيب المنازل والهيئات مفروض من الفرائض، فأما النوافل فسنذكر حكمها في الفرع الثالث.
قال الغزالي: فرُوعٌ ثَلاثَةٌ: الأَوَّلُ مَنْ بِهِ رَمَدٌ لاَ يَبْرَأَ إلاَّ بِالاضْطِجَاعِ، فَالأَقْيَسُ أَنْ يُصَلِّيَ مُضْطَجِعًا وَإِنْ قَدرَ عَلَى القِيَامِ، وَلَمْ تُرَخِّصْ عَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ لابْنِ عَباَّسٍ فِيهِ.
قال الرافعي: القادر على القيام إذا أصابه رمد وقال له طبيب يوثق بقوله: إن صليت مستلقيًا أو مضطجعًا أمكن مداواتك وإلا خفت عليك العمى فهل له أن يستلقي أو يضطجع بهذا العذر؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لما روي عن ابن عباس -﵄- لما وقع الماء في عينيه قال له الأطباء إن مكثت سبعًا لا تصلي إلا مستلقيًا عالجناك، فسأل عائشة وأم سلمة وأبا هريرة وغيرهم من الصحابة -﵃- فلم يرخصوا له في ذلك فترك المعالجة، وكف بصره، ويروى هذا الوجه عن مالك.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: له ذلك كما يجوز له الإفطار في رمضان بهذا العذر، وكما يجوز ترك الوضوء والعدول إلى التيمم به كما يجوز ترك القيام لما فيه من المشقة الشديدة والمرض المضجر فلأن يجوز تركه لذهاب البصر كان أولى، ولو كانت المسألة بحالها وأمره الطبيب بالقعود فقد قال إمام الحرمين: الذي أراه أنه يجوز القعود بلا خلاف، وبنى هذا على ما حكيناه عنه في أنه يجوز ترك القيام بما لا يجوز به ترك القعود، قال: ولهذا فرض شيوخ الأصول الخلاف في المسألة في صورة الاضطجاع، وسكتوا عن صورة القعود والمفهوم من كلام غيره أنه لا فرق، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي: مَهْمَا وَجَدَ القَاعِدُ خِفَّةً في أَثْنَاءِ الفَاتِحَةِ فَلْيُبَادِرْ إلَى الْقِيَامِ، وَلْيَتْرُكِ القِرَاءَةَ فِي النُّهُوضِ إِلَى أَنْ يَعْتَدِلَ، وَلَوْ مَرِضَ فِي قِيَامِهِ فَلْيَقْرَأ فِي هَوِيِّه، وَإِنْ خَفَّ بَعْدَ الفَاتِحَةِ لَزِمَ القِيَامُ دُونُ الطُّمَأْنِينَةِ لِيَهْوِيَ إلَى الرُّكُوعِ، فَإِنْ خَفَّ فِي الرُّكُوعِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ كَفَاهُ أَنْ يَرْتَفِعَ مُنْحَنِيًا إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ.
[ ١ / ٤٨٦ ]
قال الرافعي: إذا عجز المصلي [في أثناء صلاته] (١) عن القيام قعد وبنى، وكذا لو كان يصلي قاعدًا [فعجز عن القعود في أثناء صلاته يضطجع ويبني، ولو كان يصلي قاعدًا] (٢) فقدر على القيام في صلاته يقوم ويبني، وكذا لو كان يصلي مضطجعًا فقدر على القيام أو القعود يأتي بالمقدور عليه ويبني خلافًا لأبي حنيفة في هذه الصورة الأخيرة حيث قال: يستأنف. لنا أنه قدر على الركن المعجوز عنه في صلاته فيعدل إليه ويبني كما لو صلى قاعدًا فقدر على القيام. إذا عرف ذلك فنقول تبدل الحال، إما أن يكون من النقصان إلى الكمال أو بالعكس.
القسم الأول: كما إذا وجد القاعد قدرة على القيام لخفه المرض ينظر فيه إن اتفق ذلك قبل القراءة قام وقرأ قائمًا، فإن كان في أثناء القراءة فكذلك يقوم ويقرأ بقية الفاتحة في القيام، ويجب أن يترك القراءة في النهوض إلى أن ينتصب ويعتدل، فلو قرأ بعض الفاتحة في نهوضه لم يحسب، وعليه أن يعيده؛ لأن حالة النهوض دون حالة القيام وقد قدر على أن يقرأ في أكمل الحالتين، وإن قدر بعد القراءة وقبل الركوع فيلزمه القيام أيضًا ليهوي منه إلى الركوع، ولا يلزمه الطمأنينة في هذا القيام فإنه غير مقصود لنفسه وإنما الغرض منه الهَوِيّ إلى الركوع لا غير، ويستحب في هذه الأحوال إذا قام أن يعيد الفاتحة لتقع في حالة الكمال، ولو وجد المريض الخفة في ركوعه قاعدًا نظر إن وجدها قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام، ولا يجوز له أن ينتصب قائمًا ثم يركع؛ لأنه لو فعل ذلك لكان قد زاد ركوعًا وإن وجدها بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى ركوع القائمين؛ وفي لفظ الكتاب ما ينبه على افتراق هاتين الحالتين في وجوب الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام وإن لم يصرح بذكرهما؛ لأنه قيد الخفة في الركوع بما قبل الطمأنينة فيشعر بأنه لو خف بعد الطمأنينة كان الأمر بخلافه. وقوله: (كفاه أن يرتفع) يفهم أن هذا الكافي لا بد منه وأنه يجب عليه الارتفاع منحنيًا إلى حد الراكعين عن قيام، وهذا التفصيل ذكره إمام الحرمين هكذا بعد ما حكى عن الأصحاب أنهم قالوا: لا يجوز أن يرتفع راكعًا ولم ينصوا على أنه يجب ذلك.
واعلم: أنهم لم يفرقوا في جواز الارتفاع إلى حد الراكعين بين أن يخف قبل الطمأنينة وبعدها؛ لأنه لا بد له من القيام للاعتدال إما مستويًا أو منحنيًا، فإذا ارتفع منحنيًا فقد أتى بصورة ركوع القائمين في ارتفاعه الذي لا بد له منه فلم يمنع منه، بخلاف ما لو انتصب قائمًا ثم ركع فإنه زاد ما هو مستغن عنه فقلنا: ببطلان صلاته.
ولو خف المريض في الاعتدال عن الركوع قاعدًا فإن كان قبل أن يطمئن لزمه أن
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٤٨٧ ]
يقوم للاعتدال ويطمئن فيه، بخلاف ما إذا خف بعد القراءة فقام ليهوي منه إلى الركوع حيث لا تجب الطمأنينة فيه لما سبق، وإن كان بعد الطمأنينة فهل يلزمه أن يقوم ليسجد عن قيام؟ حكى في "التهذيب" فيه وجهين: أحدهما: نعم كما يلزمه إذا خف بعد القراءة ليركع عن قيام.
وأظهرهما: لا؛ لأن الاعتدال ركن قصير فلا يعد زمانه، نعم لو اتفق ذلك في الركعة الثانية من صلاة الصبح قبل القنوت فليس له أن يقنت قاعدًا، ولو فعل بطلت صلاته بل يقوم ويقنت.
وأما القسم الثاني: وهو أن يتبدل حاله من الكمال إلى النقصان كما إذا مرض في صلاته فعجز عن القيام فيعدل فيه إلى المقدور عليه بحسب الإمكان، فإن اتفق في أثناء الفاتحة فيجب عليه إدامة القراءة في هوية؛ لأن حالة الهَوِيّ أعلى من حالة القعود.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: القَادِرُ عَلَى القُعُودِ لاَ يَتَنَفَّلُ مُضْطَجِعًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ الاضْطِجَاعِ كالقُعُودِ فَإِنَّهُ يَمْحُو صُورَةَ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: النوافل، يجوز فعلها قاعدًا، مع القدرة على القيام، لكن الثواب يكون على النصف من ثواب القائم؛ لما روي عن عمران بن الحصين -﵁- قال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ الْقَاعِدِ" (١)، ويروي "صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد" (٢) ولو تنفل مضطجعًا مع القدرة على القيام والقعود فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن قوام الصلاة بالأفعال، فإذا اضطجع فقد ترك معظمها وانمحت صورتها بخلاف القعود، فإن صورة الصلاة تبقى منظومة معه.
وأصحهما: الجواز؛ لما روينا من الخبر، ثم المضطجع في صلاة الفرض إن قدر على الركوع والسجود يأتي بهما كما تقدم، وهاهنا الخلاف في جواز الاضطجاع جار في جواز الاقتصار على الإيماء؛ لكن الأظهر منع الاقتصار على الإيماء ثم قال الإمام: ما عندي أن من يجوّز الاضطجاع يجوِّز الاقتصار في الأركان الذكرية كالتشهد والتكبير وغيرهما على ذكر القلب، وبهذا يضعف الوجه الثاني من أصله، وإن ارتكبه من صار إليه كان طاردًا للقياس لكنه يكون خارجًا عن الضبط مقتحمًا، ولمن جوز الاضطجاع أن يقول: ما روينا من الخبر صريح في جواز الاضطجاع فليجز، ثم المضطجع وإن جوزنا
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط في ط.
[ ١ / ٤٨٨ ]
له الاقتصار على الإيماء في الركوع والسجود فلا يلزم من جواز الاقتصار على الإيماء في الأفعال جواز الاقتصار على ذكر القلب في الأذكار، فإن الأفعال أشق من الأذكار، فهي أولى بالمسامحة، ولا فرق في النوافل بين الرواتب وصلاة العيدين وغيرهما.
وقال القاضي ابن كج في "شرحه": صلاة العيدين والاستسقاء والخسوف لا يجوز فعلها عن قعود كصلاة الجنازة.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ القِرَاءَةُ: وَدُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مُسْتَحَبٌّ (م ح)، ثُمَّ التَّعَوُّذُ (م) بَعْدَهُ مِنْ غيْرِ جَهْرٍ (و)، وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَجْهَانٍ.
قال الرافعي: لركن القراءة سنتان سابقتان وأخريان لاحقتان، أما السابقتان فأولاهما: دعاء الاستفتاح، فيستحب للمصلي إذا كبر أن يستفتح بقوله: "وَجَّهْتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْركِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ " خلافًا لمالك حيث قال: لا يستفتح بعد التكبير إلا بالفاتحة والدعاء، والتعوذ يقدمهما على التكبير، ولأبي حنيفة وأحمد حيث قال: يستفتح بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
لنا ما روي عن علي -﵁- عن رسول الله -ﷺ- "إنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إلى آخره" (١) وقال في آخره: "وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" لأنه -ﷺ-، أول مسلمي هذه الأمة.
وروي أنه كان يقول بعده: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" (٢). وروي بعد قوله: "وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٢). قال المزني: أي لا يضاف إليك على انفراده.
وقيل: أي لا يتقرب به إليك، والزيادة على ما ذكرنا أولًا نستحبها للمنفرد، والإمام إذا علم رضاء المأمومين بالتطويل.
_________________
(١) أخرجه الشافعي (٢٠٢) ومسلم (٧٧١) وأبو داود (٧٦٠) وابن خزيمة (٤٦٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٦) والحاكم (١/ ٢٣٥) وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم.
[ ١ / ٤٨٩ ]
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (ودعاء الاستفتاح بعد التكبير مستِحب) بالميم، واللفظ لا يقتضي الإعلام بالحاء والألف، لأنهما يساعدان على أنه يستفتح قبل القراءة بشيء، وإنما يخالفان في أنه بم يستفتح وكل واحد من الذكرين، أعني "وجهت" و"سبحانك اللهم" يسمى دعاء الاستفتاح وثناءه، وليس في لفظ الكتاب تعرض للأول بعينه إلا أنه هو الذي أراده؛ فلذلك أعلم بهما أيضًا، ومن ترك دعاء الاستفتاح عمدًا أو سهوًا حتى تعوذ أو شرع في الفاتحة لم يعد إليه ولم يتداركه في سائر الركعات، وفرع عليه ما لو أدرك الإمام المسبوق في التشهد الأخير فكبر وقعد فسلم الإمام كما يقعد يقوم، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح؛ لفوات وقته بالقعود، ولو سلم الإمام قبل قعوده يقعد ويقرأ دعاء الاستفتاح، ولا فرق في دعاء الاستفتاح بين الفريضة وغيرها، وحكى بعض الأصحاب أن السنة في دعاء الاستفتاح أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك " إلى آخره، ثم يقول: "وجهت وجهي " إلى آخره، جمعًا بين الأخبار، ويحكى هذا عن أبي إسحاق المزوزي وأبي حامد وغيرهما.
الثانية: يستحب بعد دعاء الاستفتاح أن يتعوذ؛ خلافًا لمالك إلا في قيام رمضان.
لنا ما روي عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم وغَيْرِهِ "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي صَلاَتِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ". وصيغة التعوذ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ذكره الشافعي -﵁- وورد في لفظ الخبر، وحكى القاضي الروياني عن بعضَ أصحابنا: أن الأحسن أن يقول: "أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، ولا شك أن كلا منهما جائز مؤدٍ للغرض، وكذا كل ما يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان، وهل يجهر به؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستحب الجهرية في الصلاة الجهرية كالتسمية والتأمين.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أن المستحب فيه الإسرار في كل حال؛ لأنه ذكر مشروع بين التكبير والقراءة فيسن فيه الإسرار كدعاء الاستفتاح، وذكر الصيدلاني وطائفة من الأصحاب: أن الأول قول "القديم"، والثاني "الجديد"، وحكى في "البيان": القولين على وجه آخر، فقال أحد القولين: إنه يتخير بين الجهر والإسرار ولا يرجح.
والثاني: أنه يستحب فيه الجهر، ثم نقل عن أبي علي الطبري أنه يستحب الإسرار به، فيحصل في المسألة ثلاثة مذاهب. ثم استحباب التعوذ يختص بالركعة الأولى أم لا؟ منهم من قال: لا، بل يسن في كل ركعة، إلا أنه في الركعة الأولى آكد، وحكوا ذلك عن نص الشافعي -﵁-، أما أنه يستحب في كل ركعة، فلظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) وقد وقع الفصل بين القراءتين، فأشبه ما لو قطع القراءة خارج الصلاة بشغل ثم عاد إليها يستحب له التعوذ.
_________________
(١) سورة النحل، الآية ٩٨.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وأما أن الاستحباب في الركعة الأولى آكد فلأن افتتاح قراءته في صلاته إنما يكون في الركعة الأولى، وقد اشتهر ذلك من فعل رسول الله -ﷺ-، ولم يشتهر في سائر الركعات، ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: الاستحباب، لما ذكرنا.
والثاني: لا يستحب في سائر الركعات، ويروى ذلك عن أبي حنيفة؛ كما لو سجد للتلاوة في قراءته ثم عاد إلى القراءة لا يعيد التعوذ، فكأن رابطة الصلاة تجعل الكل قراءة واحدة، وعلى هذا فلو تركه في الركعة الأولى عمدًا أو سهوًا تدارك في الثانية بخلاف دعاء الاستفتاح، وسواء أثبتنا الخلاف في المسألة أم لا؟ فالأظهر أنه يستحب في كل ركعة، وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري وإمام الحرمين والروياني وغيرهم، وبعضهم يروي في المسألة وجهين بدل القولين ومنهم إمام الحرمين والمصنف.
قال الغزالي: ثُمَّ الفَاتِحَةُ بَعْدَهُ متَعَيَّنَةٌ (ح) لاَ يَقُومُ (ح) تَرْجَمَتُهَا مَقَامَهَا، وَيسْتَوِي فِيه الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ (ح) فِي السِّرِّيَّةِ وَالجَهْرِيَّةِ (ح) إِلاَّ فِي رَكْعَةِ المَسْبُوقِ، وَنَقَل المُزَنِيُّ سُقُوطَهَا عَنْ المَأْمُومِ فِي الجَهْرِيَّةِ.
قال الرافعي: للمصلي حالتان:
إحداهما: أن يقدر على قراءة الفاتحة.
والثانية: أن لا يقدر عليها، فأما في الحالة الأولى، فيتعين عليه قراءتها في القيام أو ما يقع بدلًا عنه، ولا يقوم مقامها شيء آخر من القرآن ولا ترجمتها، وبه قال مالك وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: الفرض من القراءة آية من القرآن سواء كانت طويلة أو قصيرة، وبأي لسان قرأ جاز، وإن كان ترك الفاتحة مكروهًا والعدول إلى لسان آخر إساءة. لنا ما روي عن عبادة بن الصامت أنه -ﷺ- قال: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١). ولا فرق في تعيين الفاتحة بين الإمام والمأموم في الصلاة السرية. وفي الجهرية قولان:
أحدهما: إنها لا تجب على المأموم، وبه قال مالك وأحمد لما روي أنه -ﷺ- "انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِيَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: مَا لِيَ أُنَازعُ بِالقُرْآنِ فَانْتَهَى النَّاسُ عَن الْقِرَاءَةِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت.
(٢) أخرجه الشافعي (٤٠٦) ومالك (١/ ٨٢) وأبو داود (٨٢٦) والترمذي (٣١٢) والنسائي (٢/ ١٤١) وابن ماجه (٨٤٨) وابن حبان (١٨٤٠) وقال الترمذي: حسن، وصححه ابن حبان (وضعفه =
[ ١ / ٤٩١ ]
وأصحهما: أنه تجب عليه أيضًا؛ لما روي عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: "كُنَّا خَلْفَ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلاَةِ الفَجْرِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُم تَقْرَؤُنَ خَلْفِي، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: لاَ تَفْعَلُوا ذلِكَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١).
وهذا القول يعرف "بالجديد"، ولم يسمعه المزني من الشافعي -﵁- فنقله عن بعض أصحابنا عنه، يقال: إنه أراد الربيع، وأما القول الأول فقد نقله سماعًا عن الشافعي -﵁- وقال أبو حنيفة: لا يقرأ المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وحكى القاضي ابن كج أن بعض أصحابنا قال به، وغلط فيه.
التفريع إن قلنا: لا يقرأ المأموم في الجهرية فلو كان أصم أو كان بعيدًا لا يسمع قراءة الإمام فهل يقرأ؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ولو جهر الإمام في صلاة السّر أو بالعكس، فالاعتبار بالكيفية المشروعة في الصلاة أم بفعل الإمام؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التهذيب": أصحهما: أن الاعتبار بصفة الصلاة، وهذا ظاهر لفظ المصنف حيث قال: (سقوطها عن المأموم في الجهرية) والصلاة الجهرية إن أسر الإمام بها والذي ذكره المحاملي حكايةً عن نص الشافعي -﵁- يقتضي الاعتبار بفعل الإمام وهو الموافق للوجه الأصح في المسألة المتقدمة، وهل يسن للمأموم على هذا القول أن يتعوذ؟ روى في "البيان" فيه وجهين:
أحدهما: لا، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لا يقرأ.
والثاني: نعم؛ لأنه ذكر سوى فيشارك الإمام فيه، كما لو أسر بالفاتحة، وإذا قلنا: المأموم يقرأ فلا يجهر بحيث يغلب جاره ولكن يأتي بها سرًا بحيث يسمع نفسه لو كان سميعًا، فإن ذلك أدنى القراءة، ويستحب للإمام على هذا القول أن يسكت بعد قراءة الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، ذكره في "التهذيب".
وإذا عدت إلى ألفاظ الكتاب عرفت أن قوله: (متعينة) وقوله: (لا تقوم ترجمتها مقامها) لم أعلم كل واحد منهما بالحاء.
_________________
(١) = الحميدي والبيهقي وقوله: فانتهى الناس .. إلى آخره هو من كلام الزهري موقوفًا، قاله البخاري والذهبي وابن فارس وأبو داود والخطابي وابن حبان وغيرهم.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٢٣) والترمذي (٢٤٧) والدارقطني (١/ ١٧ - ٣٨) وابن حبان (١٧٨٣) والحاكم (١/ ٢٣٨) والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٤) وقال الخطابي إسناده جيد لا مطعن فيه، وقال الحاكم: إسناده مستقيم، وقال البيهقي: صحيح وما ذكره الرافعي في سبب وروده غريب.
[ ١ / ٤٩٢ ]
وقوله: (يستوي فيه الإمام والمأموم) ينبغي أن يعلم بالحاء، ثم إن كان المراد استواءهما في معنى الفاتحة فالحاء عليه، كهو على قوله: (متعينة) فإن أبا حنيفة لا يقول بتعينها على الإمام ولا على المأموم، فقوله يخالف قول القائل باستوائهما في تعينها عليهما؛ لأنه يقول باستوائهما في عدم تعينها عليهما، وأن المراد استواءهما في أصل ركن القراءة، فتكون الحاء إشارة إلى أن القراءة غير واجبة على المأموم أصلًا بخلاف الإمام، وليعلم هذا الموضع بالواو أيضًا للوجه الذي نقله القاضي ابن كج.
وقوله: (والجهرية) بالميم والألف، لما رويناه من مذهبهما. وقوله: (إلا في ركعة المسبوق) إنما استثناهما؛ لأن من أدرك الإمام في الركوع كان مدركًا للركعة على ما سيأتي وإن لم يقرأ الفاتحة في تلك الركعة، ثم كيف يقول: أيتحمل الإمام عنه الفاتحة أم لا يجب عليه أصلًا؟ فيه مآخذان للأصحاب، وفي هذا الاستثناء إشارة إلى أن اشتمال الصلاة على القراءة في الجملة غير كافٍ، بل هي واجبة في كل ركعة من ركعات الصلاة خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: لا تجب القراءة في الفرائض إلا في ركعتين، فإن كانت الصلاة ذات ركعتين فذاك، وإن كانت أكثر من ركعتين فالواجب القراءة في ركعتين وفيما سواهما يتخير بين أن يقرأ أو يسبح أو يسكت، ولمالك حيث قال: تجب القراءة في معظم الركعات، ففي الثلاثية يقرأ في ركعتين، وفي الرباعية في ثلاث ركعات، ويروى هذا عن أحمد، والمشهور عنه مثل مذهبنا.
لنا ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَقْرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" (١).
وقوله: (ونقل المزني) أي سماعًا عن الشافعي -﵁- وإلا فقد نقل القول الأول أيضًا عن غيره عن الشافعي كما ذكرنا، وهم جميعًا مذكوران في "المختصر".
قال الغزالي: ثُمَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ (ح م) مِنْهَا، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِمَّا مَعَ الآيَةِ الأُولَى أَوْ مُسْتَقَلَة بِنَفْسِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: التسمية آية من الفاتحة لما روي أنه -ﷺ- "قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَرَأَ بِسْمِ
_________________
(١) قال الحافظ هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في التحقيق فقال: روى أصحابنا من حديث عبادة وأبي سعيد قالا فذكره قال: وما عرفت هذا الحديث، وعزاها غيره إلى رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال ابن عبد الهادي في التنقيح: رواه إسماعيل هذا وهو صاحب الإمام أحمد من حديثهما بهذا اللفظ، وفي سنن ابن ماجه معناه من حديث أبي سعيد، ولفظه "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها" وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٤٩٣ ]
اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَعَدَّهَا آيَةَ مِنْهَا" (١).
وروي أنه قال: "إِذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الْكِتَاب فَاقْرَؤُا بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَإِنَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مَنْهَا" (٢).
وأما حكم التسمية في سائر السور سوى سورة "براءة" لأصحابنا فيه طريقان:
أحدهما: أن في كونها من القرآن في أول السور قولين:
أصحهما: أنها من القرآن؛ لأنها مثبتة في أوائلها بخط المصحف فتكون من القرآن كما في الفاتحة، ولو لم تكن كذلك لما أثبتوها بخط القرآن.
والثاني: أنها ليست من القرآن وأنما كتبت للفصل بين السورتين، لما روي عن ابن عباس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لاَ يَعْرِفُ فَضْلَ السُّورَتَيْنِ حَتى يَنْزِلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" (٣).
والطريقة الثانية: وهي الأصح: أنها مِن القرآن في أول سائر السور أيضًا بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة منها أم هي مع صدر السورة آية، ولا يستبعد التردد في كونها آية أو بعض آية في أول سائر السور مع القطع بأنها آية من أول الفاتحة، ألاّ ترى أنهم اتفقوا على أنها بعض آية من "سورة النَّمْلِ" وأن "الحمد لله رب العالمين" آية تامة من الفاتحة، وهو بعض آية في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعوَاهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ﴾ (٤) فأحد القولين: أنها بعض الآية من سائر السور؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "سُوَرةٌ تَشْفَعُ لِقَارئهَا وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةٌ وَهِيَ الْمُلْكُ" (٥).
وتلك السورة ثلاثون آية سوى التسمية؛ وأصحهما: أنها آية تامة كما في أول الفاتحة. واعلم: أن جمهور أصحابنا لم ينقلوا الطريقتين جميعًا، بل اقتصر بعضهم على نقل الثانية، والأكثرون على نقل الأولى، لكن جمع بينهما الصيدلاني، وتابعه إمام الحرمين وغيره، هذا مذهبنا. وقال مالك: ليست التسمية من القرآن إلا من سورة
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٧) وقال إسناده صحيح كلهم ثقات، والحاكم (١/ ٢٣١) وقال: على شرط الشيخين وابن خزيمة (٤٩٣) وصححه وله طرق انظر التلخيص (١/ ٢٣٢).
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٢) من رواية أبي هريرة بإسناد صحيح، وعنه أن رجاله كلهم ثقات وذكره ابن السكن في صحاحه، قاله ابن الملقن. انظر الخلاصة (١/ ١١٩ - ١٢٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٧٨٨) والحاكم (١/ ٢٣١) وقال صحيح على شرطهما.
(٤) سورة يونس، الآية ١٠.
(٥) أخرجه أبو داود (١٤٤٠) والترمذي (٣٠٥٣) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧١٠) وابن ماجه (٣٧٨٦) وابن حبان كذا في الموارد (١٧٦٦).
[ ١ / ٤٩٤ ]
النَّمْلِ، وهي أشهر الروايتين عن أبي حنيفة. وقال بعض أصحابه: مذهبه: أنها آية في كل موضع أثبتت فيه، لكنها ليست من السورة.
وإذا عرفت ذلك فعندنا يجهر المصلي بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة بعدها، خلافًا لمالك حيث قال: لا يقرأها أصلًا لا في الجهرية ولا في السرية، ولأبي حنيفة حيث قال: يسر بها، وبه قال أحمد، إلا أنه يوجب ذلك في كل ركعة؛ لأن التسمية عنده من الفاتحة، وأبو حنيفة لا يأمر بها إلا استحبابًا، ويقال: إنه لا يأمر بها إلا في الركعة الأولى كالتعوذ.
لنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ" (١).
وعن علي وابن عباس أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَجْهَرُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ" (٢).
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: (آية منها) معلم بالميم والحاء، وكذا قوله: (في كل سورة) ولا يخفى أن المراد ما سوى براءة.
ويروى عن أحمد: أن التسمية حيث أثبتت آية وليست من السورة، ورأيت في "رءوس المسائل" لبعض أصحابه أنها ليست من الفاتحة، ولا من سائر السور، والمشهور عنه في كتب أصحابنا أنه يوافقنا في كونها من القرآن، وإنما يخالف في الجهر، فعلى المشهور لتكن الكلمتان معلمتين بالألف أيضًا.
وقوله: "وهي آية من كل سورة " [إلى آخره، فيه كلامان:
أحدهما: أن ظاهر قوله: (وهي آية من كل سورة) أنها آية] (٣) مستقلة، لأنها إذا كانت مع صدر السورة آية، فلا تكون آية وإنما تكون بعض آية، وإذا كان كذلك فلا يحسن أن يرتب عليه التردد في أنها مستقلة أم لا، فإن الشيء الذي أثبتناه لا ينتظم من التردد فيه؛ ومعنى الكلام أنها من جملة السور معدودة من القرآن، وهل هي آية مستقلة؟ فيه الخلاف.
والثاني: أن لفظ الكتاب يمكن تنزيله على الطريقة الثانية بأن يجعل جازمًا بأنها
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٥) والحاكم مستشهدًا به ولا يقوى. قاله ابن الملقن.
(٢) حديث علي أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٥) بإسناد ضعيف وابن عباس أخرجه الترمذي بنحوه، وقال إسناده ليس بذاك، قال ابن الملقن: فيه نظر بل هو حسن لا جرم أن الحاكم رواه، وقال إسناده صحيح وليس له عليه، والدارقطني وقال: إسناده صحيح ليس في رواته مجروح. انظر الخلاصة (١/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) سقط في ب.
[ ١ / ٤٩٥ ]
من السورة وتردد الخلاف إلى أنها مستقلة أم لا؟ ويكون تقدير الكلام إما مع الآية الأولى على أحد القولين أو مستقلة بنفسها على أحد القولين، وهذا هو الذي أراده، ويمكن تنزيله على ذكر الخلاف الذي اشتمل عليه الطريقان جميعًا بأن يصرف قوله على أحد القولين إلى أول الكلام وهو قوله: (وهي آية من كل سورة).
والقول المقابل له أنها ليست من السور، ويجعل الترديد في قوله: "إما مع الآية الأولى أو مستقلة بنفسها" إشارة إلى الخلاف المذكور في الطريقة الثانية، تفريعًا على أنها من القرآن، وإذا انتظم التردد في أنها آية على استقلالها أم لا بعد القطع بأنها من القرآن ينتظم التردد بعد إثبات الخلاف تفريعًا على أنها من القرآن.
قال الغزالي: ثُمَّ كُلُّ حَرْفٍ وَتَشْدِيدٍ رُكْنٌ، وَفِي إِبْدَالِ الضَّادِ بِالظَّاءِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لا شك أن فاتحة الكتاب عبارة عن هذه الكلمات، الكلمات المنظومة، والكلمات المنظومة مركبة من الحروف المعلومة، وإذاقال الشارع -ﷺ- "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١) فقد وقف الصلاة على جملتها، والموقوف على أشياء مفقود عند فقد بعضها كما هو مفقود عند فقد كلها، فلو أخل بحرف منها لم تصح صلاته، ولو خفف حرفًا مشددًا فقد أخل بحرف؛ لأن المشدد حرفان مثلان، أولهما ساكن، فإذا خفف فقد أسقط أحدهما، ولو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب، وهل يستثنى إبدال الضاد في قوله: ﴿غيرِ الْمَغضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضَّالِينَ﴾ بالظاء؟ ذكروا فيه وجهين (٢).
_________________
(١) اعترض أبو حيان في باب الإدغام من شرح التسهيل على تعبير الفقهاء إبدال ضاد بظاء وقال الصواب العكس لأن الباء من لغة العرب إنما تدخل على المتروك قال: ويقع في عبارة كثير من المصنفين ومنهم ابن مالك في التسهيل وهو غفلة عن ذلك وجري على هذا الاعتراض جماعة من شراح المنهاج وغيرهم قال الأذرعي: هذا هو المشهور لكن نقل الواحد عند قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ عن ثعلب عن الفراء بدلت الخاتم بالحلقة إذا أدبته وسويته حلقة وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أدبتها وجعلتها خاتمًا، واللغويون يقولون: الإبدال الإزالة فيكون المعنى أزاله الضاد بالظاء. وفي شعر الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم يمدح النبي -ﷺ-: فألهمني هداي الله عنه وبدل طالعي نحسي بسعد
(٢) قال في شرح المهذب: قال أصحابنا وغيرهم لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآنًا لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وكل واحدة من السبع متواترة. هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه ومن قال غيره فغالط أو جاهل. وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ ونقل الإمام الحافظ بن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلي خلف من يقرأ بها. قال العلماء: فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلًا به أو بتحريمه عرف =
[ ١ / ٤٩٦ ]
أحدهما: نعم، فيحتمل ذلك لقرب المخرج، وعسر التمييز بينهما.
وأصحهما: لا يستثنى، ولو أبدل كان كإبدال غيرهما من الحروف، وكما لا يحتمل [الإخلال بالحروف لا يحتمل] (١) اللحن المخل للمعنى كقوله: (أنعمت عليهم) (وإياك نعبد)، بل تبطل صلاته إن تعمد، ويعيد على الاستقامة إن لم يتعمد، ويسوغ القراءات السبع، وكذا القراءة الشاذة (٢) إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه.
وقوله: (ثم كل حرف وتشديد ركن) يجوز أن يريد به أنه ركن [من الفاتحة، لأن ركن الشيء أحد الأمور التي يلتثم منها ذلك الشيء، ويجوز أن يريد به أنه ركن] (٣) من الصلاة؛ لأن الفاتحة من أركان الصلاة وجزء الجزء جزء، والأول أصوب، لئلا تخرج أركان الصلاة عن الضبط.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّرْتِيبُ فِيهَا شَرْطٌ، فَلَوْ قَرَأَ النِّصْفَ الأخَيرَ أَوَّلًا لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ آخِرَ التَّشَهُدِ فَهُو كَقَوْلِهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، وَالمُوَلاَةُ أَيْضًا شَرْطٌ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا، فَلَوْ قَطَعَهَا بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ (و) وَكَذَا بِتَسْبِيحٍ يَسِيرٍ، إلاَّ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الصَّلاَةِ كَالتَّأمِينِ لِقِرَاءَةِ الإمَامِ، وَالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَاذَةِ أَوْ سُجُودِ التِّلاَوَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الإمَامِ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ رَحمَةٍ أَوْ عَذَاب، فَإِنَّ الوَلاَءَ لاَ يَنْقَطِعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ، وَلَوْ تَرَكَ المُوَالاةَ نَاسِيًا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو طَوَّلَ رُكْنًا قَصِيرًا نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على جملتين مشروطتين في الفاتحة:
إحداهما: الترتيب فيجب رعايتها؛ لأن الإتيان بالنظم المعجز مقصودٍ، والنظم والترتيب هو مناط البلاغة والإعجاز، فلو قدم مؤخرًا على متقدم نظر إن كان عامدًا بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهيًا عاد إلى الموضع الذي أخل منه بالترتيب فقرأ منه.
قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، وعلى كل حال لا يعتد بالمؤخر الذي قدمه، وينبغي أن يحمل قوله: "فلو قدم النصف الأخير قبل الأول لم يجزه" على هذا؛
_________________
(١) = ذلك فإن عاد إليه بعد ذلك أو كان عالمًا به عُزر تعزيرًا فظيعًا إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذ وذكر عبارة الروضة. قال: وإذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها فهو قرأ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطًا بالأول.
(٢) سقط في ب.
(٣) تقدم.
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٤٩٧ ]
أي: لا يجزئه النصف الأخير، فأما النصف الأول فهل يجزئه ويبني عليه أم يلزمه الاستئناف؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه.
ولو أخل بترتيب التشهد نظر إن غير تغيرًا مبطلًا للمعنى، فليس ما جاء به محسوبًا، وإن تعمده بطلت صلاته؛ لأنه أتى بكلام غير منظوم قصدًا، وإن لم يبطل المعنى وكان كل واحد من المقدم والمؤخر مفيدًا مفهومًا ففيه الطريقان المذكوران فيما إذا عكس لفظ السلام فقال: عليكم السلام، والأظهر الجواز؛ لأنه لا يتعلق بنظمة إعجاز.
وقوله: (ولو قدم آخر التشهد) يعني به هذه.
الحالة الثانية: وهي أن لا يغير المعنى، وإن كان اللفظ مطلقًا.
واعلم أن تغيير الترتيب على وجه يبطل المعنى كما يفرض في التشهد، يفرض في الفاتحة، فوجب أن يقال: ثم أيضًا إذا غير تغييرًا مبطلًا للمعنى عمدًا تبطل صلاته.
والثانية: الموالاة بين كلماتها، والاخلال بها على ضربين:
أحدهما: أن يكون الشخص عامدًا فيه، فإن سكت في أثنائها نظر؛ إن طالت مدة السكوت وذلك بأن يشعر مثل ذلك السكوت بقطعه القراءة وإعراضه عنها، إما اختيارًا أو لعائق فتبطل قراءته، ويلزمه الاستئناف، لأنه -ﷺ- "كَانَ يُوَالِي فِي قِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١).
وروى إمام الحرمين والمصنف في "الوسيط" وجهًا آخر عن العراقيين: إن ترك الموالاة بالسكوت الطويل عمدًا لا يبطل القراءة؛ واعلم لهذا الوجه قوله: (وجب الاستئناف) بالواو، وإن قصرت مدة السكوت فلا يؤثر؛ لأن السكلوت [اليسير] (٢) قد يكون لتنفس وسعال ونحوهما، فلا يشعر بقطع القراءة، ونظيره التفريق اليسير في الوضوء لا يؤثر وإن أوجبنا الموالاة فيه، وهذا إذا لم ينو مع السكوت قطع القراءة، فإن نواه والسكوت يسير ففيه وجهان -حكيا عن الحاوي-:
أحدهما: أنه لا تبطل القراءة أيضًا؛ لأن السكوت اليسير لا أثر له بمجرده، ولا للنية بمجردها، فلا يضر أنضمام أحدهما إلى الآخر.
وأصحهما: -وهو الذي ذكره المعظم-: أنها تبطل، ويجب الاستئناف لاقتران الفعل بنية القطع، وقد تؤثر النية مع الفعل فيما لا يؤثر فيه أحدهما؛ ألا ترى أن نية التعدي من المودع لا توجب كون الوديعة مضمونة عليه، وكذلك مجرد النقل من موضع إلى موضع، وإذا اقترنا صارت مضمونة عليه، وإنما لم تؤثر مجرد النية هاهنا بخلاف نية قطع
_________________
(١) تقدم.
(٢) في ط القصير.
[ ١ / ٤٩٨ ]
الصلاة فإنها تؤثر فيها؛ لأن النية ركن في الصلاة تجب إدامتها حكمًا إن لم تجب إدامتها حقيقة، ولا يمكن إدامتها حكمًا مع نية القطع، فتبقى الأفعال بلا نية، [وقراءة الفاتحة لا تفتقر إلى نية خاصة فلا يؤثر فيها نية القطع] (١) فلو أتى بتسبيح أو تهليل في أثنائها، أو قرأ آية أخرى فيها بطلت الموالاة، قل ذلك أم أكثر؛ لأن الاشتغال بغيرها يغير النظم، ويوهم الإعراض عنها، وهذا فيما لا يؤمر به في الصلاة، أما ما يؤمر به وتتعلق به مصلحة الصلاة، كما إذا أَمَّنَ الإمام والمأموم في خلال الفاتحة فأمن معه، أو قرأ الإمام آية رحمة فسألها المأموم، أو آية عذاب فاستعاذ منه، أو آية سجدة فسجد المأموم معه، أو فتح على الإمام قراءته، ففي بطلان الموالاة في جميع ذلك وجهان:
أحدهما، وبه قال الشيخ أبو حامد: تبطل، كما لو فتح على غير إمامه أو أجاب المؤذن، أو عطس فحمد الله تعالى.
وأصحهما، وبه قال صاحب "الإفصاح" والقاضي أبو الطيب والقفال: لا تبطل صلاته، لأنه ندب إلى هذه الأمور في الصلاة لمصلحتها، فالاشتغال بها عند عروض أسبابها لا يجعل قادحًا، وهذا مفرع على استحباب هذه الأمور للمأموم وهو المشهور.
وفيه وجه آخر: لم يجروا هذا الخلاف في كل مندوب إليه، فإن الحمد عند العطاس مندوب إليه، وإن كان في الصلاة فهو قاطع للموالاة، ولكن في المندوبات التي تختص بالصلاة، وتعد من صلاحها.
وقوله: "إلاَّ ما له سبب في الصلاة" محمول على هذا، ولما كان السكوت مبطلًا للموالاة بشرط أن يكون طويلًا، وكان التسبيح ونحوه مبطلًا من غير هذا الشرط، قيد في لفظ الكتاب السكوت بالطويل، وجعل التسبيح يوصف كونه يسيرًا مبطلًا للموالاة؛ تنبيهًا على الفرق بينهما، ثم لا يخفى أن ما يبطل قليله فكثيره أولى أن يبطل.
الضرب الثاني: أن يخل بالموالاة ناسيًا، ونذكر أولًا مسألة وهي: أنه لو ترك الفاتحة ناسيًا هل تجزئه صلاته؟ الجديد -وهو المذهب- أنه لا يعتد بتلك الركعة، بل إن تذكر بعدما ركع عاد إلى القيام وقرأ، وإن تذكر بعد القيام إلى الركعة الثانية صارت هذه الركعة أولاه ويلغي ما سبق، ووجهة الأخبار الدالة على اعتبار الفاتحة، والإلحاق بسائر الأركان.
وقال في "القديم" تجزئه صلاته تقليدًا لعمر -﵁- "فَإنَّهُ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الْمَغْرِبِ فَقِيلَ لَه فِي ذلِكَ فَقَالَ: كَيفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسجُودُ قَالُوا: كَانَ حَسَنًا
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٤٩٩ ]
قَالَ: فَلاَ بَأْسَ" (١) وقد ذكرت ما قيل في الفرق بين الفاتحة وسائر الأركان، في فصل الترتيب في الوضوء.
إذا عرف ذلك فنقول: إن ترك الموالاة ناسيًا، فالذي ذكره الجمهور ونقلوه عن نص الشافعي -﵁-: إنه لا تنقطع الموالاة، وله أن يبني، وليس هذا تفريعًا على القول القديم في ترك الفاتحة ناسيًا بل نقلوا ذلك مع القول بأنه إذا ترك الفاتحة ناسيًا لم يعتد بالركعة، ومال إمام الحرمين، إلى أنه ينقطع الولاء بالنسيان إذا قلنا: النسيان ليس بعذر في ترك الفاتحة، حتى لا يجزئه ما أتى به، كما لو ترك الترتيب ناسيًا، وتابعه الإمام الغزالي -﵀- فجعل المسألة على التردد، واعترض إمام الحرمين -قدس الله روحه- على كلام الجمهور فقال: ترك الولاء إذا كان مما تختل به القراءة؛ فجريانه النسيان يجب أن يكون بمثابة ترك القراءة ناسيًا حتى لا يعذر به، وللجمهور أن يقولوا: سلمت في هذا الاعتراض مقدمة مطلقة وهي أن ترك الولاء مما تختل به القراءة، وعندنا لا تختل به القراءة إلا عند التعمد، فإن قال: إذا اختلت به عند التعمد وجب أن تختل به عند النسيان، كما أن ترك القراءة من أصلها لا يفترق حكمه في الحالتين، فلهم أن يقولوا في الفرق: الموالاة هيئة من الكلمات تابعة لها، فإذا ترك القراءة فقد ترك التابع والمتبوع، وإذا ترك الموالاة فقد ترك التابع دون المتبوع، فلا يبعد أن يجعل النسيان عذرًا هاهنا ولا يجعل عذرًا ثَم، ونظيره غسل الأعضاء في الوضوء، لا يحتمل تركها عمدًا ولا سهوًا، وترك الموالاة سهوًا يحتمل على الأظهر إن أوجبنا فيه الموالاة، وأما ما ذكره من ترك الترتيب ناسيًا، فقد فرق الشيخ أبو محمد بينه وبين الموالاة؛ بأن أمر الموالاة أهون؛ ألا ترى أنه لو أخل المصلي بترتيب الأركان ناسيًا فقدم السجود على الركوع لم يعتد بالسجود المقدم، ولو أخل بالموالاة بأن طَوَّلَ ركنًا قصيرًا من الصلاة ناسيًا لم يضر، واعتد بما أتى به، وكذلك لو ترك سجدة من الركعة الأولى أقيمت السجدة المأتي بها في الركعة الثانية مقامها وإن اختلت الموالاة؛ ولهذا يحتمل غير أفعال الصلاة في خلالها إذا كانت يسيرة كالخطوة وقتل الحية ونظائرهما، مع أنها تخل بصورة الموالاة، فلا يلزم من جعل النسيان عذرًا في أضعف المعتبرين جعله عذرًا في أقواهما، وقد حكى الإمام بعض هذا الفرق عن الشيخ، ولم يعترض عليه بأزيد مما سبق، وربما وجه النص المنقول في أن ترك الموالاة لا يضر بمسائل الموالاة ناسيًا في الصلاة لتطويل الركن القصير ونحوه والله أعلم.
وينكشف لك من هذا الشرح ما هو السبب الداعي إلى إيراد المصنف مسألة
_________________
(١) أخرجه الشافعي من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو منقطع، وأبو سلمة لم يدرك عمر. انظر الخلاصة (١/ ١٤٦).
[ ١ / ٥٠٠ ]
تطويل الركن القصير في خلال مسائل القراءة؟ ومن لم يعرف هذا السبب، ولم تكن فيه غباوة فإنه يتعجب من ذلك، وليس في لفظ الكتاب ما ينبه عليه، وأما تسميته كل واحد من الترتيب والموالاة شرطًا، والحروف والتشديدات أركانًا، فقد تقدم في باب الأذان ما يناظر ذلك والقول فيهما قريب.
قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَلاَ يُجْزِئُهُ تَرْجَمَتُهُ (ح) بِخِلاَفِ التَّكْبِيرِ بَلْ يَأْتي بِسَبْعِ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ مُتَوَالِيَةً لاَ تَنْقُصُ حُرُوفُهَا عَنْ حُرُوفِ الفَاتِحَةِ، فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ فَمُتَفَرِّقَة، فإنْ لَمْ يُحْسِنْ فَيَأْتِى بِتَسْبِيحِ وَتَهْلِيل لاَ تَنْقُصُ حُرُوفُهُ عَنْ حُرُوفِ الفَاتِحَةِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن للمصلي حالتين:
إحداهما: أن يقدر على قراءة الفاتحة، وما ذكرناه إلى الآن كلام فيها.
والثانية: أنه لا يقدر فيلزمه كسب القدرة عليها، إما بالتعلم أو التوصل إلى مصحف يقرأها منه، سواء قدر عليه بالشراء، أو الاستئجار، أو الاستعارة (١)، فإن كان بالليل، أو كان في ظلمة فعليه تحصيل السراج أيضًا عند الإمكان، فلو امتنع من ذلك مع الإمكان فعليه إعادة كل صلاة صلاها إلى أن قدر على قراءتها.
وإذا تعذر التعلم عليه أو تأخر لضيق الوقت، أو بلادته وتعذرت القراءة من المصحف أيضًا. فكيف يصلي؟ هذا غرض الفصل؛ وجملته أنه لا تجزئه الترجمة، وخلاف أبي حنيفة يعود هاهنا بطريق الأولى، ويخالف التكبير حيث يعدل العاجز إلى ترجمته لما قدمناه: إن نظم القرآن معجز وهو المقصود، فيراعي ما هو أقرب منه، وأما لفظ التكبير فليس بمعجز، ومعظم الفرض معناه فالترجمة أقرب إليه.
وإذا عرفت ذلك فينظر إن أحسن غير الفاتحة من القرآن فيجب عليه أن يقرأ سَبْعَ
_________________
(١) قال في التوسط: يفهم أنه لو كان هناك مصحف وصاحبه غائب أنه كالمعدوم وحكى الروياني عن والده أنه يحتمل جوازه بل يلزمه ذلك للضرورة كالمضطر وكما يجب التعليم على صاحبه لو كان حاضرًا أو يمكنه من المصحف ثم هل يلزمه أجرة المثل وهل يضمن حكى والده عن بعض الأصحاب أن الحكم فيه كالعارية فيضمن العين دون المنفعة قال الروياني: ويحتمل عدم لزوم الضمان أيضًا؛ لأنه أخذه باستحقاق فإنه لو حظر لزمه دفعه إليه، وليس له استرجاعه قبل استيفاء منفعته. قال الأذرعي: وفيه نظر، وأقل درجاته أن يخرج ذلك على الخلاف في وجوب تعليم الفاتحة مجانًا. إذا تعين للتعليم والراجح المنع، وكما في إطعام المضطر، ثم ما قدمه عن والده النازع فيه قول القاضي حسين في الفتاوي لو لم يكن في البلد إلا مصحف واحد لم يجب على صاحبه إعارته، بل يصلي هذا من غير قراءة، وكذا لو لم يكن في البلد إلاَّ معلم واحد لم يلزمه التعليم في ظاهر المذهب، ويكره أن يمنع منه.
[ ١ / ٥٠١ ]
آيات من غيرها، ولا يجوز له العدول إلى الذكر؛ لأن القرآن بالقرآن أشبه، ولا يجوز أن ينقص عدد الآيات المأتي بها عن السبع وإن كانت طويلة؛ لأن عدد الآي مَرْعيٌّ فيها، قال الله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (١) "وَعَدَّهَا رَسُول اللهِ -ﷺ- سَبْعَ آيَاتٍ" فيراعي هذا العدد في بدلها، وهل يشترط مع ذلك ألئلا تنقص حروفها عن حروف الفاتحة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ويكفي اعتبار الآيات كما لو فاته صوم يوم طويل يجوز قضاؤه في يوم قصير، ولا ينظر إلى الساعات.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يشترط؛ لأنها معتبرة في الفاتحة، وقد أمكن اعتبارها في البدل فأشبهت الآيات. وهذان الوجهان في جملة الفاتحة مع جملة البدل، فلا يمتنع أن يجعل آيتين بدلًا عن آية.
وفي وجه: يجب أن تعدل حروف كل آية بآية من الفاتحة على الترتيب، وينبغي أن تكون مثلها، أو أطول منها، ويحكي هذا عن الشيخ أبي محمد، ثم إن أحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور لم يجز العدول إلى المتفرقة، فإن المتوالية أشبه بالفاتحة، وإن لم يحسنها أتى بها متفرقة.
واستدرك إمام الحرمين فقال: لو كانت الآيات المفردة لا تفيد معنى منظومًا إذا قرأت وحدها، كقوله: "ثُمَّ نَظَرَ" (٢) فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآيات المتفرقة، ونجعله كمن لا يحسن شيئًا من القرآن أصلًا [وإن] (٣) كان ما يحسنه من القرآن دون السبع كآية أو آيتين، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليه أن يكرر حتى يبلغ قدر الفاتحة.
وأصحهما: أنه يقرأ ما يحسنه، ويأتي بالذكر للباقي، هذا كله إذا أحسن شيئًا من القرآن (٤). أما إذا لم يحسن، فيجب عليه أن يأتي بالذكر كالتسبيح والتهليل، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يلزمه الذكر ويقف ساكتًا بقدر القراءة، ولمالك حيث قال: لا يلزمه الذكر، ولا الوقوف بقدر القراءة.
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُم إِلَى الصَّلاَةِ فَليَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ فَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَحْمَد اللهَ وَلْيُكَبِّرْهُ".
_________________
(١) سورة الحجر، الآية ٨٧.
(٢) سورة المدثر، الآية ٢١.
(٣) في ط: ولو.
(٤) قال النووي: قد قطع جماعة بأنه تجزئه الآيات المتفرقة وإن كان يحسن المتوالية، سواء فرقها من سورة، أو سور. منهم القاضي أبو الطيب، وأبو علي البندنيجي، وصاحب "البيان" وهو المنصوص في "الأم" وهو الأصح. والله أعلم. ينظر الروضة (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٥٠٢ ]
وروي أن رجلًا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: "إنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخَذَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِيني فِي صَلاَتِي، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للْهِ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرَ، وَلاَ حَولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ " (١) ثم هل يتعين شيء من الأذكار أم يتخير فيها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الكلمات المذكورة في الخبر الثاني متعينة لظاهر الأمر، وعلى هذا اختلفوا: منهم من قال: تكفيه هذه الكلمات الخمس؛ لأنه قال: "علمني ما يجزيني في صلاتي" والنبي -ﷺ- علمه هذه الكلمات، وبهذا قال أبو علي الطبري والقاضي أبو الطيب، ومنهم من قال: يضم إليها كلمتين أخرتين حتى تصير سبعة أنواع، فيكون كل نوع بدلًا عن آية. والمراد بالكلمات هاهنا أنواع: الذكر لا الألفاظ المفردة.
وأصحهما: أنه لا يتعين شيء من الأذكار، وبه قال أبو إسحاق المَرُوزي، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه أطلق فقال: فيأتي بتسبيح وتهليل، وعلى هذا فتعرض الخبر للكلمات الخمس جرى على سبيل التمثيل، وهل يشترط أن لا تنقص حروف ما يأتى به عن حروف الفاتحة؟ فيه وجهان: كما ذكرنا فيما إذا أحسن غير الفاتحة من القرآن.
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب- أنه يشرط، ثم قال إمام الحرمين: لا يرعى هاهنا إلا الحروف بخلاف ما إذا أحسن غير الفاتحة من القرآن، فإنه يراعي عدد الآيات، وفي الحروف الخلاف.
وقال في "التهذيب": يجب أن يأتي بسبعة أنواع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا أقرب تشبيهًا لمقاطع الأنواع بغايات الآيات، وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد.
قال إمام الحرمين: والأشبه أن ما يتعلق بأمور الآخر، يقوم دون ما يتعلق بالدنيا، ويشترط أن لا يقصد بالذكر المأتي به شيئًا آخر سوى البلدية، كما إذا استفتح أو تعوَّذَ على قصد إقامة سنتهما، ولكن لا يشترط قصد البدلية فيهما ولا في غيرهما من الأذكار في أظهر الوجهين، وإن لم يحسن شيئًا من القرآن والأذكار فعليه أن يقوم بقدر الفاتحة، ثم يركع، وكل ما ذكرناه فيما إذا لم يحسن الفاتحة أصلًا.
قال الغزالي: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ النِّصْفَ الأَوَّلَ مِنْهَا أَتَى بِالذِّكْرِ بَدَلًا عَنْهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالنِّصْفِ الأَخِيرِ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٣٢) والنسائي (٢/ ١٤٣)، وابن حبان (١٧٩٩) والحاكم (١/ ٢٤١) والدارقطني (١/ ٣١٣). قال ابن المقن قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وهو كما قال.
[ ١ / ٥٠٣ ]
قال الرافعي: أصل المسألة: أن من يحسن بعض الفاتحة دون بعض يكرره، أو يأتي به ويبدل الباقي؟ فيه وجهان: وقيل: قولان:
أحدهما: أنه يكرر ما يحسنه قدر الفاتحة، ولا يعدل إلى غيره؛ لأن بعضها أقرب إلى الباق من غيرها، فصار كما إذا أحسن غيرها من القرآن لا يعدل إلى الذكر.
وأصحهما: أنه يأتي به، ويبدل الباقي؛ لأن الشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا، ويدل عليه "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ ذلِكَ السَّائِلَ بِالْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ"، ومنها: "الْحَمْدُ للهِ"، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة، ولم يأمره بتكريرها، وهذا الخلاف فيما إذا كان يحسن للباقي بدلًا أما إذا لم يحسن إلا ذلك البعض فيكرره بلا خلاف.
إذا تقرر ذلك فلو أحسن النصف الثاني دون الأول فقد قال في الكتاب: يأتي بالذكر بدلًا عن النصف الأول، ثم يأتي بالنصف الثاني، وهذا جواب على الوجه الأصح، ويجب أن يقدم البدل للنصف الأول على قراءة النصف الثاني رعايةً للترتيب، كما يجب الترتيب في أركان الصلاة وفي كلمات الفاتحة. وحكى في "التهذيب" وجهًا أنه لا يشترط الترتيب بين البدل والأصل، وكيف ما قرأ جاز.
وأما إذا فرعنا على الوجه الأول وهو أنه يكرر القدر الذي يحسنه، فلا يأتي في هذه الصورة للنصف الأول ببدل، بل يكرر النصف الأخير، وليعلم هذا الوجه قوله: (أتى بالذكر بدلًا عنه) بالواو، وكذا قوله: (ثم يأتي بالنصف الأخير)؛ لأن كلمة ثم للترتيب، وقد ذكرنا وجهًا أنه لا يجب الترتيب، ولو كان الأمر بالعكس فكأن يحسن النصف الأول دون الثاني، فعلى الوجه الأول: يكرره، وعلى الأصح، يأتي بالنصف الأول، ثم [يأتي] (١) بالذكر بدلًا عن الثاني.
قال الغزالي: فَإِنْ تَعَلَّمَ قَبْلَ قِرَاءَةِ البَدَلِ لَزِمَتْهُ قِرَاءَتُهَا، وإنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَلاَ، وإنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَ الفَرَاغِ فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: جميع ما سبق فيما إذا استمر العجز عن القراءة في الصلاة، فأما إذا تعلم الفاتحة في أثنائها، أو لقنه إنسان، أو أحضر مصحف، وتمكن من القراءة منه فينظر، إن اتفق ذلك قبل الشروع في قراءة البدل، فعليه أن يقرأ الفاتحة، وإن كان في خلال قراءة البدل مثل أن أتى بنصف الأذكار ثم قدر على قراءة الفاتحة فعليه قراءة النصف الأخير، وفي الأول وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما إذا شرع في صوم الشهرين، ثم قدر على الإعتاق، لا يلزمه العدول إلى الإعتاق.
_________________
(١) سقط في ط.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وأظهرهما: يجب كما إذا وجد الماء قبل تمام التيمم يبطُل تيممه وإن كان ذلك بعد قراءة البدل، وبعد الركوع فلا يجوز الركوع، وقد مضت تلك الركعة على الصحة، وإن كان بعد القراءة وقبل الركوع فوجهان:
أحدهما: عليه قراءة الفاتحة؛ لأن محل القراءة باقٍ، وقد قدر عليها.
وأظهرهما: لا يجب؛ لأن البدل قد تم، وتأدى الفرض به، وأشبه ما لو أتى المكفر بالبدل ثم قدر على الأصل، أو صلى بالتيمم، ثم قدر على الوضوء، ويجوز أن يعلم قوله: "لزمه قراءتها" بالواو؛ لأن قوله: "قبل قراءة البدل" يتناول ما إذا لم يشرع في البدل أصلًا ما إذا شرع، لكن لم يتمه حتى تعلم الفاتحة، وقد ذكرنا في الصورة الثانية وجهين، ويجوز أن يعلم قوله: (فوجهان) في الصورة الأخيرة أيضًا؛ لأن صاحب "البيان" ذكر طريقًا آخر أنه لا يجب قراءة الفاتحة وجهًا واحدًا.
قال الغزالي: ثُمَّ بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُنَّتَانِ: (إِحْدَاهُمَا): التَّأْمِينُ مَعَ تَخْفِيفِ الميم مَمْدُودَة أَوْ مَقْصُورَةً، وَفِي جَهْرِ الإمَامِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالأظْهَرُ الجَهْرُ، وَلْيؤَمِّنِ المَأْمُومُ مَعَ تَأْمِينِ الإمَامِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: بينا أن لركن القراءة سنتين لاحقتين، فاشتغل بذكرهما حين فرغ من أحكام الفاتحة.
إحداهما: التأمين، فيستحب لكُلِّ من قرأ الفاتحة خارج الصلاة، أو في الصلاة، أن يقول عقيب الفراغ منها: "آمين". ثبت ذلك عن رسول الله -ﷺ- ومعنى الكلمة، ليكن كذلك، وفيها لغتان: القصر، والمد، والميم مخففة في الحالتين، وينبغي أن يفصل بينها وبين قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بسكتة لطيفة؛ تمييزًا بين القرآن وغيره، ويستوي في اَستحبابها الإمام والمأموم والمنفرد، ويجهر بها الإمام والمنفرد في صلاة الجهر تبعًا للقراءة، وقد روي عن وائل بن حُجْر قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ: آمِينَ وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ" (١).
وأما المأموم فقد نقل عن القديم أنه يؤمن جهرًا أيضًا، وعن الجديد أنه لا يجهر، واختلف الأصحاب فقال الأكثرون في المسألة قولان:
أحدهما: أنه لا يجهر [كما لا يجهر بالتكبيرات وإن كان الإمام يجهر بها].
وأصحهما: وبه قال أحمد: أنه يجهر] (٢) لما روي عن عطاء قال: "كُنْتُ أَسْمَعُ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٣٢) والترمذي (٢٤٨) وابن ماجه (٨٥٥) وابن حبان (١٧٩٦)، والدارقطني (١/ ٣٣٤).
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٥٠٥ ]
الأَئِمَّةَ، وَذَكَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَيقُولُ مِنْ خَلْفِهِمْ: آمِينَ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَضَجّةً" (١).
ويروى عن أبي هريرة قال: "كَانَ إِذَا أمَّنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى كَانَ لِلْمَسْجِدِ ضَجَّةٌ" (٢) ولأن المقتدي متابع للإمام في التأمين، فإنه إنما يؤمن لقراءته، فيتبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين، ومنهم من أثبت قولين في المسألة ولكن لا على الإطلاق، بل فيما إذا لم يجهر الإمام، فيجهر المأموم ليتنبه الإمام وغيره، ومنهم من حمل النصين على حالين، فحيث قال: "لا يجهر المأمومون" أراد: ما إذا قل المقتدون، أو صغر المسجد وبلغ صوت الإمام القوم فيكفي إسماعه إياهم التأمين، كأصل القراءة، وإن أكثر القوم يجهرون حتى يبلغ الصوت الكل، والأحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده؛ لما روي عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ أَمَّنَتِ المَلاَئِكَةُ، فَأمِّنُوا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٣). فإن لم يتفق ذلك أمن عقيب تأمينه.
وأما لفظ الكتاب: ذلك أن تعلم قوله: (التأمين) بالميم؛ لأنه روي عن مالك أنه لا يسن التأمين للمصلي أصلًا. وعنه رواية أخرى أن الإمام لا يؤمن في الجهرية.
ورواية أخرى أن الإمام والمأموم يؤمنان، لكن يسران وهو مذهب أبي حنيفة، ولذلك أعلم قوله: (والأظهر الجهر) بعلامتهما، وقوله: (ممدودة، أو مقصورة) التأنيث على تقدير الكلمة، وقوله: (وفي جهر المأموم به خلاف) أي [في] (٤) الصلاة الجهرية، وأما في السرية فالمحبوب الإسرار للمأموم وغيره بلا خلاف، ثم قوله: "يجوز أن يريد به قولين" جوابًا على الطريقة المشهورة، ويجوز أن يريد به طريقين: وهما الأول والثالث، فقد ذكرهما في "الوسيط"، فإن كان الأول فقوله: (الأظهر الجهر) أي: من
_________________
(١) أخرجه الشافعي (٢١٧) مسندًا والبخاري تعليقًا انظر فتح الباري (٢/ ٢٦٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٣٤) وابن ماجه (٨٥٣) والدارقطني (١/ ٣٣٥)، وابن حبان كذا في الموارد (٤٦٢) والحاكم (١/ ٢٢٣)، قال ابن الملقن: قال ابن الصلاح: رفعه غير صحيح، وإنما رواه الشافعي عن عطاء، وقال النووي: غلط وصوابه كما رواه الشافعي انتهى. وقد أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة بلفظ كان رسول الله -ﷺ- إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال "أمين" حتى سمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد، وأخرجه بنحوه من طريق حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا، أبو داود والدارقطني وابن حبان والحاكم قال الدارقطني: إسناده حسن وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٢٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧٨٠) ومسلم (٤١٠).
(٤) سقط في ط.
[ ١ / ٥٠٦ ]
القولين، وإن كان الثاني، فالمعنى والأظهر مما قيل في المسألة أنه يجهر.
قال الغزالي: (الثانِيَةُ): السُّورَةُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِلْإمَامِ وَالمُنْفَرِدِ في رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَالأَوَّليَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي الثَّالِثةَ وَالرَّابِعَةِ قَوْلاَنِ مَنْصُوصَانِ الجَدِيدُ: أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ (ح) وَإنْ كَانَ العَمَلُ عَلَى القَدِيمِ، وَالمَأمُومُ لاَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الجَهْرِيةِ بَلْ يَسْتَمِعُ، فإنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الصَّوْتُ فَيِ قِرَاءَتِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح، والأوليين من سائر الصلوات لما سيأتي، وأصل الاستحباب يتأدى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب، حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة، وروى القاضي الروياني عن أحمد: أنه يجب عنده قراءة شيء من القرآن، وهل يسن قراءة السورة [في] (١) الثالثة من المغرب، وفي الثالثة والرابعة من الرباعيات فيه قولان: "الجديد": أنها تسن، لكن تجعل السورة فيهما أقصر؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁- أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاَثِينَ آيَةٍ وفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْن الأولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةَ، وَفِي الأخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذلِكَ" (٢) والقديم: به قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: أنها لا تسن؛ لما روي عن أبي قتادة أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهرِ في الأُوْلَيَيْنِ بأُمِّ الْكِتَاب وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيةَ، وَيُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأولَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ" (٣).
وهل يفضل الركعة الأولى على الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: أظهرهما؛ لا، ويدل عليه حديث أبي سعيد.
والثاني: وبه قال الإمام السرخسي: نعم، ويدل عليه حديث أبي قتادة، ويجري الوجهان في الركعتين، الأخريين إن قلنا: تستحب فيهما السورة.
وقال أبو حنيفة: يستحب تفضيل الأولى على الثانية في الفجر خاصة، ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل "الحجرات"، نعم في الركعة الأولى من صبح يوم الجمعة يستحب قراءة "ألم" السجدة، وفي الثانية "هل أتى"، ويقرأ في الظهر بما يقرب من القراءة في الصبح، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصاره، وأما المأموم فلا يقرأ السورة في الصلاة التي يجهر بها الإمام وهو يسمع صوته بل ينبغي
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) أخرجه مسلم (٤٥٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٩) ومسلم (٤٥١).
[ ١ / ٥٠٧ ]
أن ينصت ويسمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١) ولهذا يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة قدر ما يقرأ فيه المأموم الفاتحة كيلا يفوته استماع الفاتحة ولا استماع السورة، وإن كانت الصلاة سرية أو جهرية والمأموم لا يسمع لبعد، أو صم، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يقرأ؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا كُنْتُمْ خَلْفِي فَلاَ تَقْرَؤُا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٢).
وأصحهما: يقرأ كالمنفرد، وإنما لا يؤمر بالقراءة حيث يستمع؛ ليستمع، وأما الحديث فله سبب، "وهو أَنَّ أَعْرَابيًّا رَاسَلَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي قِرَاءَةِ الشَّمْسِ وَضُحَاهَا فَتَعَسَّرَت القِرَاءَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَلَمَّا تَحَلَّلَ عَنْ صَلاَتِهِ قَالَ ذلِكَ"، ويستحب للقارئ في الصلاة وخارج الصلاة أن يسأل الرحمة إذا مر بآية رحمة، وأن يتعوذ إذا مر بآية عذاب، وأن يسبح إذا مر بآية تسبيح، وأن يتفكر إذا مر بآية مثل ذلك، وأن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٣)، ويقول: "آمنا باللهِ" إذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) والمأمَوم يفعل ذلك لقراءة الإمام.
وقوله في الكتاب: (فقولان: منصوصان) التصريح بكونهما منصوصين يعرف أنهما ليسا ولا واحد منهما مخرج، ولا يتوهم من ذلك أنه إذا أرسل ذكر القولين كان ثم تخريج، كما أن التعرض "للقديم" و"الجديد" يعرف تاريخ القولين، ولا يلزم من إرسال القولين أن يكون أحدهما قديمًا والآخر جديدًا.
وقوله: (وإن كان العمل على القديم) إشارة إلى ترجيح القول القديم، وبه أفتى الأكثرون، وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها على القديم، ونازع الشيخ أبو حامد وطائفة فيه ورجحوا الجديد.
واعلم أن مسألة جهر المأموم بالتأمين في جملة تلك المسائل، إذا أثبتنا الخلاف فيها، كما تبين في الفصل السابق.
وقوله: (والمأموم لا يقرأ السورة في الجهرية ) إلى آخره التعرض لحكم قراءته في الجهرية، وإهماله في السرية، فيه إشعار بأنه يقرأ في السرية، وهو الأظهر، كما بيناه، وإن لم يكن متفقًا عليه.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الرَّابعُ: الرُّكُوعُ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِي بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية ٢٠٤.
(٢) تقدم.
(٣) سورة التين، الآية ٨.
(٤) سورة المرسلات، الآية ٥٠.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وَيطْمَئِنُّ (ح) بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ هَوِيُّهُ عَنْ ارتِفَاعِهِ، وَلاَ يَجِبُ الذِّكْرُ.
قال الرافعي: تكلم في أقل الركوع، ثم في أكمله، أما أقله فقد ذكر فيه شيئين لا بد منهما:
أحدهما: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، يقال إنه ورد في لفظ الخبر، ومعناه: أنه يصير بحيث لو أراد أن يضع راحتيه على ركبتيه لتمكن، وهذا عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين، وفي لفظ الكتاب الانحناء إشارة إلى أنه لو انخنس وأخرج ركبتيه، وهو مائل منتصب لم يكن ذلك ركوعًا، وإن صار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه؛ لأن نيلهما ركبتيه لم يكن بالانحناء.
قال إمام الحرمين: ولو مزج الانحناء بهذه الهيئة، وكان التمكن من وضع الراحتين على الركبتين بهما جميعًا لم يعتد بما جاء به ركوعًا أيضًا، ثم إن لم يقدر على أن ينحني إلى الحد المذكور إلا بمعين، أو الاعتماد على شيء، أو بأن ينحني على شق لزمه ذلك، وإن لم يقدر انحنى القدر المقدور عليه، وإن عجز أومأ بطرفه عن قيام.
واعلم أن الذي ذكره في هذا الوضع هو حد ركوع القائمين، فأما إذا كان يصلي قاعدًا صار حد أقل ركوعه وأكمله مذكورًا في فصل القيام.
والثاني: أن يطمئن، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا تجب الطمأنينة.
لنا ما روي عن أبي هريرة -﵁-: "أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاء، فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَقَالَ -ﷺ-: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: عَلِّمنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبغ الْوُضُوء ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَ رَاكِعًا" (١).
ومعنى الطمأنينة في الركوع: أن يصير حتى تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع، وينفصل هويُّه عن ارتفاعه منه، فلو جاوز حد أقل الركوع وزاد في الهَوِيِّ، ثم ارتفع والحركات متصلة فلا طمأنينة، وزيادة الهوى لا تقوم مقام الطمأنينة، فهذا بيان الأمرين اللذين لا بد منهما.
وأما قوله: (ولا يجب الذكر) فالغرض من ذكره هاهنا بيان خروجه عن حد الأقل، خلافًا لأحمد، فإنه يحكى عنه إيجاب التسبيح في الركوع والسجود مرة واحدة، وكذلك إيجاب التكبير للركوع والسجود.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧).
[ ١ / ٥٠٩ ]
لنا: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَأْمُرِ المُسِئَ صَلاتَهُ بِالذِّكْرِ فِيهِمَا" (١) ويجوز أن يعد في حد الأقل (٢)، شيء آخر وهو أن لا يقصد بهويه غير الركوع. لأن صاحب "التهذيب" وغيره ذكروا أنه لو قرأ في صلاته آية سجدة، فهوى ليسجد للتلاوة ثم بدا له بعد ما بلغ حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع. لأنه لم يقطع القيام لقصد الركوع. بل يجب عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع وسيأتي لهذا نظائر.
ولك أن تعلم قوله: (بحيث تنال راحتاه ركبتيه) [بالحاء؛ لأن] (٣) القاضي ابن كج حكى عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر ذلك ويكتفي بأصل الانحناء.
قال الغزالي: وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَنْحَنِي بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ، وَينْصِبَ رُكْبَتَيهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا، وَيُجَافِي الرَّجُلُ مِرْفَقَيهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلاَ يُجَاوِزُ فِي الانْحِنَاءِ الاسْتِوَاءَ، ويقُولُ: اللهُ أكْبَرُ رَافِعًا يَدَيْهِ عِنْدَ الْهَوِيَ مَمْدُودًا عَلَى قَوْلٍ، وَمَحْذُوفًا عَلَى قَوْلٍ كَيْلاَ يُغَيَّرَ المَعْنَى بالمَدِّ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلاَثًا، وَلاَ يَزِيدُ الإمَامُ عَلَى الثَّلاَثِ.
قال الرافعي: الكلام في أكمل الركوع يقع في جملتين:
إحداهما: في هيئته، وهي أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، ويمدهما كالصفحة الواحدة، فلا تكون رأسه ورقبته أخفض من ظهره، ولا أعلى، يروى أن رسول الله -ﷺ-: "كَانَ يُسَوِّي ظَهرَهُ فِي الرُّكُوعِ بِحَيْثُ لَوْ صُبَّ المَاءُ عَلَى ظَهْرِهِ لاَسْتَمْسَكَ" (٤).
وروى أنه -ﷺ-: "نَهَى عَنِ التَّذْبِيح فِي الصَّلاَةِ" (٥). وفي رواية: "نَهَى أَنْ يُذَبِّحَ الرَّجُلُ فِي الرُّكُوعِ كَمَا يُذَبِّحُ الْحِمَارِ".
والتَّذْبِيحُ: أن يبسط ظهره ويطأطئ رأسه، فتكون رأسه أشد إنحطاطًا من إليتيه، وهذا اللفظ يذكر بالدال، والذال. والأول أشهر، وينبغي للراكع أن ينصب ساقيه إلى الحقو، ولا يثني ركبتيه وهذا هو الذي أراده بقوله: (وينصب ركبتيه) ويستحب له وضع اليدين على الركبتين وأخذهما بهما، ويفرق بين أصابعه حينئذ ويوجههما نحو القبلة، روى أنه -ﷺ-: "كَانَ يُمْسِكُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ كَالْقَابِضِ عَلَيْهِمَا".
_________________
(١) تقدم.
(٢) في ط الأول.
(٣) أخرجه ابن ماجة (٨٧٢) من رواية وابصة بن صعيد بن مالك الأسدي بإسناد ضعيف.
(٤) قال ابن الملقن: أخرجه الدارقطني من رواية علي وأبي موسى بإسناد ضعيف انظر الخلاصة (١/ ١٢٤).
(٥) أخرجه أبو داود (٧٣٠).
[ ١ / ٥١٠ ]
ويفرج بين أصابعه، فإن كان أقطع أو كانت إحدى يديه عليلة، فعل بالأخرى ما ذكرنا، فإن لم يمكنه وضعهما على الركبتين أرسلهما.
وَيُجَافِي الرَّجُلُ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ (١). والمرأة لا تجافي فإنه أستر لها، والخنثى كالمرأة.
وأما قوله: (ولا يجاوز في الانحناء حد الاستواء) فالمراد منه استواء الظهر والرقبة، وفي قوله: أولًا: (وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه) ما يفيد هذا الغرض، فإنا إذا عرفنا استحباب استواء الظهر والعنق، نعرف أنه لا ينبغي أن لا يجاوز الاستواء فإعادته ثانيًا، إما أن تكون تأكيدًا، أو يكون الغرض الإشارة إلى أن المجاوزة مكروهة، قضيته، النهي عن التذبيح، وعلى هذا فالإعادة لا تكون [إلا] لمحض التأكيد، إذ لا يلزم من استحباب الشيء أن يكون تركه منهيًا عنه مكروهًا، وعلى كل حال، فلو ذكر قوله: (ولا يجاوز) متصلًا بالكلام الأول، لكان أحسن.
الجملة الثانية في الذكر المستحب.
ويستحب أن يكبر للركوع؛ لما روي عن ابن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ" (٢) ويبتدئ به في ابتداء الهَوِيَّ، وهل يمده؟ فيه قولان:
و"القديم": وبه قال أبو حنيفة: لا يمده بل يحذف؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "التَّكْبِيرُ جَزْمٌ" (٣) أي: لا يمد؛ ولأنه لو حاول المد لم يأمن أن يجعل المد على غير موضعه؛ فيغير المعنى مثل أن يجعله على الهمزة فيصير استفهامًا.
و"الجديد": أنه يمده إلى تمام الهَوِيِّ حتى لا يخلو جزء من صلاته عن الذِّكْر، والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات، هل يمدها من الركن المنتقل عنه إلى أن يحصل في المنتقل إليه ويرفع يديه إذا ابتدأ التكبير؟ خلافًا لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ، إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ " (٤).
ويستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا [وذلك أدنى درجات
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٢٨) بنحوه.
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٦٠) والترمذي (٢٩٤) وقال حسن صحيح والنسائي (٣/ ٦٢).
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠).
[ ١ / ٥١١ ]
الكمال، لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم ثَلاَثًا] (١) فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، فَإذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلاَثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ (٢).
واستحب بعضهم أن يضيف إليه "وبحمده" قال: إنه ورد في بعض الأخبار.
والأفضل أن يضيف إليه: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَلَكَ خَشَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي لِلَّهِ رب العالمين" (٣) فقد روى ذلك في الخبر، وهو أتم الكمال، وحكى عن "الحاوي" أن أتم الكمال. من سبع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه: ثم الزائد على أدنى الكمال من سبع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه خمس.
أدنى الكمال إنما يستحب للمنفرد، أما الإمام فلا يزيد على التسبيحات الثلاث؛ كيلا يطول على القوم.
وقال القاضي الروياني في "الحلية": لا يزيد على خمس تسبيحات وذكره غيره أيضًا. فليكن قوله: (ولا يزيد الإمام على الثلاث) معلمًا بالواو، واستحباب التخفيف للإمام فيما إذا لم يرض القوم بالتطويل، أما إذا كان الحاضرون لا يزيدون، ورضوا بالتطويل، فيستوفئ أتم الكمال، ويكره قراءة القرآن في الركوع والسجود.
قال الغزالي: ثُمَّ يَعْتَدِلُ عَنْ رُكُوعِهِ، وَيطْمَئِنُّ (ح) وَيسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْنِ إلَى المَنْكَبَيْنِ، ثُمَّ يَخْفِضُ يَدَيْهِ بَعْدَ الاعْتِدَالِ، وَيَقُولُ عِنْدَ رَفعِهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْتَوِي (ح) فِيهِ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ.
قال الرافعي: الاعتدال ركن في الصلاة لكنه غير مقصود في نفسه ولذلك عد ركنًا قصيرًا، فمن حيث إنه ركن عده في ترجمة الأركان في أول الباب، ومن حيث إنه ليس مقصودًا في نفسه جعله هاهنا تابعًا للركوع، وأوردهما في فصل واحد، وهكذا فعل، بالجلسة بين السجدتين. وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، وله أن ينحط من الركوع ساجدًا. وعن مالك روايتان:
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) أخرجه الشافعي (٢٤٣) وأبو داود (٨٨٦) والترمذي (٣٦١). وابن ماجة (٨٩٠) من رواية إسحاق بن يزيد الهزلي وهو مجهول العين.
(٣) أخرجه الشافعي (٢٤٤) من حديث علي و(٢٤٥) من حديث أبي هريرة ومسلم (٧٧١) من حديث علي، والنسائي (٢/ ١٩٢) من حديث جابر، و(٢/ ١٩٢) من حديث محمد بن مسلمة.
[ ١ / ٥١٢ ]
إحداهما: كمذهبنا. والأخرى كمذهب أبي حنيفة.
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال للمسئ صلاته: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا" (١).
ولو كان يصلي قاعدًا لمرض فيعود إلى القعود بعد الركوع وبالجملة، فالاعتدال الواجب أن يعود بعد الركوع إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، فلو ركع عن قيام وسقط في ركوعه نظر، إن لم يطمئن في ركوعه فعليه أن يعود إلى الركوع، ويعتدل منه، وإن اطمأن فيعتدل قائمًا، ويسجد منه.
ولو رفع الراكع رأسه، ثم سجد، وشك في أنه هل أتم اعتداله؟ وجب عليه أن يعتدل قائمًا، ويعيد السجود، وتجب الطمأنينة في الاعتدال كما تجب في الركوع.
وقال في "النهاية": في قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء؛ فإن النبي -ﷺ- في حديث المسيء صلاته ذكر الطمأنينة في الركوع، والسجود، ولم يذكرها في الاعتدال والقعدة بين السجدتين، فقال: "ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا" (٢).
قال: وفي كلام الأصحاب ما يقتضي التردد فيها، والمنقول هو الأول ويستحب عند الاعتدال رفع اليدين إلى حذو المنكبين، فإذا اعتدل قائمًا حطهما. وقال أبو حنيفة: لا يرفع.
لنا ما روي عن ابنَ عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوع، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" (٣).
ويستحب أن يقول عند الارتفاع: "سمع الله لمن حمده" ويكون ابتداؤه برفع الرأس من الركوع، ورفع اليدين، والتسميع دفعة واحدة، فإذا استوى قائمًا، قال: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدَ، وروينا في خبر ابن عمر: "وَلَكَ الْحَمْدُ" (٤).
والروايتان معًا صحيحتان ويستوي في الذكرين الإمام والمأموم والمنفرد، خلافًا لمالك وأبي حنيفة، حيث قالا: "لا يزيد الإمام على سمع الله لمن حمده، ولا المأموم على ربنا ولك الحمد". وأما المنفرد فقد روى صاحب "التهذيب" عنهما: أنه يجمع بين الذكرين، ثم روى مثل مذهبهما عن أحمد.
والأشهر عن أحمد: أنه يجمع الإمام والمنفرد بينهما، ولا يزيد المأموم على:
_________________
(١) متفق عليه وقد تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٥١٣ ]
ربنا ولك الحمد، ويستحب أن يزاد فيه ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَملْءَ الأرْضِ، وَمَلْءَ مَا شِئْتَ مِنَ شَيْءٍ بَعْدُ" (١). وعن علي -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يقول مع ذلك: "أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ أحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، كُلُّنَا لَكَ عَبْدُ، لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ" (٢).
والإمام لا يأتي بهذه الزيادة الأخيرة (٣).
ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب، قوله: (ثم يعتدل عن ركوعه ويطمئن، إشارة منه إلى واجب الاعتدال، ولذلك قال عقيبة: (ويستحب رفع اليدين) ليمتاز واجبه عن مسنونه. واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الأمرين المذكورين، بل له واجب ثالث: وهو أن لا يقصد بالارتفاع شيئًا آخر، حتى لو رأى حية في ركوعه فاعتدل؛ فزعًا منها، لم يعتد به، وواجب رابع: وهو أن لا يطوله، فلو طوله عمدًا بذكر أو قراءة بطلت صلاته على الأصح؛ لأنه ركن قصير، وسيأتي الكلام فيه من بعد في باب سجود السهو. إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ويستحب رفع اليدين إلى المنكبين ويجوز أن يعلم لفظ (إلى المنكبين) بالواو؛ لأن رفع اليدين في الاعتدال، وفي الركوع مثل رفعهما في حالة التحرم، وقد سبق، ثم ذكر الخلاف في أنه يرفع إلى المنكبين، أو يزيد، فيعود ذلك الخلاف هاهنا، وقوله: (ويقول عند رفعه: سمع الله لمن حمده) ويجوز أن يكون المعنى عند رفعه رأسه من الركوع، ويجوز أن يكون المعنى عند رفع اليدين؛ لأن المستحب في الرفعين المقارنة، فما يقارن هذا يقارن ذلك، أيضًا، وظاهر الكلام يوهم أن يكون قوله: "سمع الله لمن حمده"، وقوله: "ربنا لك الحمد" عند الرفع، لكن المستحب أن يكون الأول في حال الرفع، والثاني بعد أن يعتدل قائمًا، كما بيناه، ولك أن تعلم قوله: (عند الرفع)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٧٦).
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث ابن عباس في (٤٧٨) قال ابن الملقن: ذكره الرافعي من رواية على وهو غريب، واللفظ الذي ذكره المصنف هو لفظ النسائي. أعني إسقاط الألف من أحق والواو في وكلنا - ونفى النووي ورووه كذلك غريب. انظر الخلاصة (١/ ١٢٧).
(٣) قال النووي: هكذا يقوله أصحابنا في كتب المذهب: حق ما قال العبد، كلنا لك عبد. والذي في "صحيح مسلم" وغيره من كتب الحديث، أن رسول الله -ﷺ-. كان يقول: أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد. بزيادة ألف في "أحق" وواو في "وكلنا" وكلاهما حسن. لكن ما ثبت في الحديث. أولى. ينظر الروضة (١/ ٣٥٧).
[ ١ / ٥١٤ ]
بالواو؛ ولأن القاضي ابن كج ذكر أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين.
وقوله: (يستوي فيه الإمام والمنفرد) معلم بالحاء والميم، وعلى رواية صاحب "التهذيب" بالألف أيضًا.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ (ح) القُنُوت فِي الصُّبْحِ، وَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ وَرَأَى الإِمَامُ القُنُوتَ فِي سَائِرِ الصْلَوَاتِ فَقَوْلاَنِ، ثُمَّ الْجَهْرُ بِالقُنُوتِ مَشْرُوعٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالمَأْمُومُ يُؤَمِّنُ فَإِنْ لَمْ يُسْمَعُ صَوْتَهُ قَنَتَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: لما كان القنوت مشروعًا في حال الاعتدال ذكره متصلًا بالكلام في الاعتدال وأذكاره. واَعلم أن القنوت يشرع في صلاتين.
إحداهما: من النوافل، وهي الوتر في النصَف الأخير من رمضان، وسيأتي في "باب النوافل".
والثانية: من الفرائض؛ وهي الصبح، فيستحب القنوت فيها في الركعة الثانية، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يستحب. وعن أحمد: أن القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس.
لنا ما روي أن النبي -ﷺ-: "قَنَتَ شَهْرًا، يَدْعُوَ عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، ثُمَّ تَرَكَهُ" (١). "فَأمَّا فِي الصُّبْح فَلَمْ يَزَل يَقْنُتْ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا"، وَرُوِيَ ذلِكَ عَنْ خُلَفَائِهِ الأَرْبَعَةِ. -رضوان الله عليهم- أجمعين (٢). ومحله بعد الرفع من الركوع، خلافًا لمالك
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٦٢)، والدارقطني (٢/ ٢٣٩)، والبيهقي (١/ ٢٠١) من رواية أنس وصححه الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي والبيهقي وأبو عبد الله الحاكم في أربعينه، لا في مستدركه كما وهم فيه النووي في خلاصته، قال الحاكم. هذا إسناد صحيح سنده رواته ثقات، وقال صاحب الإلمام في إسناده أبو جعفر الرازي، وقد وثقه غير واحد، وقال النسائي: ليس بالبغوي، وخالفهم ابن الجوزي فضعفه ولا يقبل لتفرده فيما أعلم.
(٢) هو صحيح ورواه البيهقي من طريق العوام بن حمزة قال: سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح فقال: بعد الركوع قلت عن من؟ فقال عن أبي بكر وعمر وعثمان، ومن طريق قتادة عن الحسن عن أبي رافع؟ أن عمرو كان يقنت في الصبح، ومن طريق حماد عن إبراهيم عن الأسود قال صليت خلف عمر في السفر فما كان يقنت إلا في صلاة الفجر، وروى أيضًا بسند صحيح عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: قنت على في الفجر، ورواه الشافعي أيضًا، وبعارض الأول ما روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم يقنت أحد منهم وهو بدعة، إسناده حسن.
[ ١ / ٥١٥ ]
حيث قال: يقنت قبل الركوع. لنا ما روي عن ابن عباس، وأبي هريرة وأنس -﵃-: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَنَتَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ" والقنوت أن يقول: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تُقْضِي وَلاَ يَقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" (١) هذا القدر يروى عن الحسن بن علي -﵄- أن رسول الله -ﷺ- علمه (٢)، والإمام لا يخص نفسه، بل يذكر بلفظ الجمع، وزاد العلماء: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ" (٣) قبل: "تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" وبعده: "فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" (٤) ولم يستحسن القاضي أبو الطيب كلمة: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ"، وقال: لا تضاف العداوة إلى الله تعالى.
قال سائر الأصحاب: ليس ذلك ببعيد، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥). وهل يسن فيه الصلاة على النبي -ﷺ-؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن أخبار القنوت لم ترد بها.
وأظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: نعم؛ لأنه روي في حديث الحسن: أنه قال -ﷺ-: "تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، وَصَلَّى اللَّهَ عَلَى النَّبِيَّ وَسَلَّمْ (٦)، وأيضًا، فقد قال الله
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٧٤٦) وأبو داود (١٤٤٣) والحاكم (١/ ٢٢٥).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٩٩) وأبو داود (١٤٢٥) والترمذي (٤٦٤) والنسائي (٣/ ٢٤٨) وابن ماجة (١١٧٨) والحاكم (٣/ ١٧٢).
(٣) قال الحافظ: هذه الزيادة وهو قوله: "ولا يعز من عاديت" رواها الطبراني أيضًا من حديث شريك وزهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، ومن حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق وقد وقع لنا عاليًا جدًا متصلًا بالسماع، قرأته على أبي الفرج بن حماد، أن علي بن إسماعيل بن عبد القوي أنبأ فاطمة بنت سعد الخير، أنبأ فاطمة بنت عبد الله أنا محمد بن عبد الله ثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسن بن المتوكل البغدادي ثنا عفان بن مسلم، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله -ﷺ- كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت" فذكر الحديث مثل ما ساقه الرافعي وزاد: ولا يعز من عاديت.
(٤) قال النووي: قال جمهور أصحابنا: لا بأس بهذه الزيادة، وقال أبو حامد، والبندنيجي وآخرون: مستحبة، واتفقوا على تغليط القاضي أبي الطيب في إنكار "لا يعز من عاديت" وقد جاءت في رواية البيهقي (٢/ ٢٠٩) -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٣٥٨).
(٥) سورة البقرة، الآية ٩٨.
(٦) قال الحافظ: أخرجه النسائي من حديث ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن علي عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله -ﷺ- في الوتر قال قل: "اللهم اهدني فيمن هديت الحديث"، وفي آخره وصلى الله على النبي ليس في السنن غير هذا، ولا فيه وسلم ولا وآله، ووهم المحب الطبري في الإحكام فعزاه إلى النسائي بلفظ وصلى الله =
[ ١ / ٥١٦ ]
تعالى: "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ" (١). قال المفسرون: أي: لا أذكر إلا وتذكر معي (٢).
إذا عرفت ذلك فقوله: (ويستحب القنوت في الصبح) ينبغي أن يعلم بالحاء والألف؛ لما ذكرناه، ويجوز أن يعلم بالواو أيضًا؛ لأن أبا الفضل ابن عبدان، حكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال: المستحب ترك القنوت في صلاة الصبح إذ صار شعار قوم من المبتدعة، إذا الاشتغال به تعريض النفس للتهمة، وهذا غريب وضعيف.
وهل تتعين كلمات القنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره المصنف في "الوسيط"؛ نعم كالتشهد.
وأظهرهما: عند الأكثرين: لا. بخلاف التشهد؛ لأنه فرض، أو من جنس الفرض، وعلى هذا قالوا: لو قنت بما روي عن عمر -﵁- كان حسنًا، وسنذكره في باب النوافل -إن شاء الله تعالى-، وأما ما عدا الصبح من الفرائض، فقال: معظم الأصحاب: إن نزلت بالمسلمين نازلة من وباء، أو قحط، فيقنت فيها أيضًا، في الاعتدال عن ركوع الركعة الأخيرة، كما فعل النبي -ﷺ- في حديث بئر معونة على ما سبق، وإن لم تنزل نازلة، ففيه قولان:
أصحها: لا يقنت؛ لأن النبي -ﷺ- ترك القنوت فيها.
والثاني: أنه يتخير إن شاء قنت، وإلا فلا.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه قلب هذا الترتيب، فقال: إن لم تكن نازلة فلا قنوت إلا في الصبح، وإن كانت نازلة فعلى قولين: وجه المنع القياس على سائر أركان
_________________
(١) = على النبي محمد، وقال النووي في شرح المهذب إنها زيادة بسند صحيح أو حسن قلت: وليس كذلك فإنه منقطع، فإن عبد الله بن علي وهو ابن الحسين بن علي لم يلحق الحسن بن علي، وقد اختلف على موسى بن عقبة في إسناده، فروى عنه شيخ ابن وهب هكذا، ورواه محمد بن أبي جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن بريد عن بن أبي مريم بسنده، رواه الطبراني والحاكم ورواه أيضًا الحاكم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله -ﷺ- في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود فقال: اختلف فيه على موسى بن عقبة كما ترى، وتفرد يحيى بن عبد الله بن سالم عنه بقوله عن عبد الله بن علي وبزيادة الصلاة فيه.
(٢) سورة الشرح، الآية ٤.
(٣) هذا التفسير حكاه الشافعى وغيره عن مجاهد، ورواه ابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وهو من رواية دراج عن أبي الهيثم عنه قلت في الاستدلال به نظر، فإنه لا يسن في أذكار الركوع والسجود، ولا مع القراءة في القيام، فدل على أنه عام مخصوص انظر التلخيص (١/ ٢٥٠).
[ ١ / ٥١٧ ]
الصلاة، وركعاتها، لا يراد فيها الدعاء بنزول النوازل، وهذه الطريقة الثانية هي التي أوردها في الكتاب، فإنه خص القولين بما إذا نزلت نازلة إشعارًا بأنها إذا لم تنزل فلا قنوت في غير الصبح بحال. وينبغي أن يعلم قوله: (فقولان) بالواو؛ لأن أصحاب الطريقة الأولى قالوا: يقنت عند نزول النازلة، ونفوا الخلاف فيه.
وأما قوله: "ورأى الإمام القنوت في سائر الصلوات" فليس على معنى إن جواز القنوت فيها للناس موقوف على رأي الإمام وإذنه، بل من أراد القنوت جاز له ذلك، وكأنه أراد إمام القوم إذا صَلُّوا جماعة، فقال: إن رأى قنت: والقوم يتبعونه كما في الصبح، وإن أراد ترك، ولا بد للمقتدين من الترك أيضًا. وفيه إشارة إلى أنه لا يستحب القنوت في غير الصبح بحال، وإنما الكلام في الجواز، فحيث يجوز فالأمر فيه إلى اختيار المصلي، وهذا قضية كلام أكثر الأئمة، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب، -والله أعلم-. ثم الإمام في صلاة الصبح هل يجهر بالقنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كالتشهد، وسائر الدعوات المشروعة في الصلاة.
وأظهرهما: أنه يجهر؛ "لَأَنَّهُ رُوِيَ الْجَهْرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-" (١).
وقوله: (على الظاهر) أي: من هذين الوجهين:
وقوله: (مشروع) أي: بصفة الاستحباب، وليس المراد مجرد الجواز، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقًا فالوجهان في الإمام.
أما المنفرد فيسر به كسائر الأذكار والدعوات، وذكره في "التهذيب"، وأما المأموم فالقول فيه مبني على الوجهين في الإمام إن قلنا لا يجهر الإمام به فيقنت المأموم، كما يقنت الإمام قياسًا على سائر الأذكار، وإن قلنا: يجهر الإمام به، فإن كان المأموم يسمع صوته فوجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يؤمن، ولا يقنت، لما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يَقْنُتُ، وَنَحْنُ نؤَمِّنُ خَلْفَهُ".
والثاني: ذكره ابن الصباغ: أنه يتخير بين أن يؤمن، وبين أن يقنت معه، فعلى الأول فيما إذا يؤمن فيه وجهان، حكاهما القاضي الروياني وغيره، أوفقهما لظاهر لفظ الكتاب أنه يُؤَمِّن في الكل.
_________________
(١) الجهر بالقنوت رواه البخاري من حديث أبي هريرة (٤٥٦٠) أن النبي -ﷺ- كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد اللهم انج فلانًا" الحديث وفي آخره يجهر بذلك. انظر التلخيص (١/ ٢٥٠).
[ ١ / ٥١٨ ]
وأظهرهما: أنه يُؤَمِّنُ في القدر الذي هو دعاء، أما في الثناء فيشاركه، أو يسكت وإن كان لا يسمع صوت الإمام؛ لبعد؛ وغيره. وقلنا: إنه لو سمح لأمن، فهاهنا وجهان: أحدهما: يقنت.
والثاني: يُؤَمِّن كالوجهين في قراءة السورة، إذا كان لا يسمع صوت الإمام، وإنما لم يجر الخلاف على قولنا الإمام يسر بالقنوت مع جريانه في قراءة السورة في الصلاة السرية؛ لأن السورة على الجملة مجهور بها، والقنوت إذا لم ير الجهرية ينزل منزلة سائر الأذكار، فيشارك المأموم الإمام فيه لا محالة، فهذا حكم الجهر بالقنوت في الصبح، وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها فإيراده في "الوسيط" يشعر بأنه يسر في السريات، وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح، وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الكل، وحديث (بئر معونة) يدل على أنه كان يجهر به في جميع الصلوات (١)، وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لما روي عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -ﷺ- قال: "إِذَا دَعَوْتَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحَ رَاحَتَيْكَ عَلَى وَجْهِكَ" (٢).
وقد روى الرفع في القنوت عن ابن مسعود، بل عن عمر وعثمان -﵃- وهو اختيار أبي زيد، والشيخ أبي محمد، وابن الصباغ، وهو الذي ذكره في "الوسيط".
وأظهرهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب": أنه لا يرفع لما روي عن أنس - ﵁- أن النبي -ﷺ-: "لَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ الْيَدَ إلاَّ فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ، الإسْتِسْقَاءِ، وَالإِسْتِنْصَارِ، وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ" (٣) وهذا اختيار القفال، وإليه ميل إمام الحرمين، فَإِنْ قلنا: لا
_________________
(١) قال الحافظ: ويمكن الفرق بين القنوت الذي في النوازل فيستحب الجهر فيه كما ورد، وبين الذي هو راتب إن صح، فليس في شيء من الأخبار ما يدل على أنه جهر به، بل القياس أنه يسن به كباقي الأذكار التي تقال في الأركان.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٨٥) وابن ماجة (١١٨١) قال أبو حاتم: حديث منكر، وقال أبو داود: روى من أوجه كلها واهية، قال الإمام أحمد: لا يعرف هذا أنه كان يمسح وجهه بعد الدعاء إلا عن الحسن، انظر الخلاصة (١/ ٢٢٩).
(٣) قال الحافظ: لا أصل له من حديث أنس بل في الصحيحين عن أنس: كان رسول الله -ﷺ- لا يرفع يديه في كل دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وروى البيهقي عن أنس أنه رفع يديه في القنوت، وعن عائشة أنه رفع يديه في دعائه لأهل البقيع رواه مسلم، وعنده عن عمر: أنه رفع يده -ﷺ- في دعائه يوم بدر، وللبخاري عن ابن عمر: أنه رفعها في دعائه عند الجمرة الوسطي، وعن أنس: أنه رفعهما لما صبح خيبره واتفقا على رفع يديه في دعائه لأبي موسى الاشعري، وروى البخاري في جزء رفع اليدين رفع يديه في مواطن من حديث عائشة وأبي هريرة وجابر، وعلي وقال: هي صحيحة فيتعين حينئذ تأويل حديث أنس أنه أراد الرفع البليغ، بدليل قوله: حتى يرى بياض إبطيه.
[ ١ / ٥١٩ ]
يرفع فذاك، وإن قلنا: يرفع فوجهان. في أنه هل يمسح بهما وجهه؟ قال في "التهذيب".
أصحهما: أنه لا يمسح.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الخَامِسُ: السُّجُودُ وَأَقَلُّهُ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَرْضِ مَكْشُوفَةً بِقَدْر مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَفِي وَضْعِ اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ أوْجَبْنَا وَضْعَ اليَدَيْنِ فَفِي كَشْفِهِمَا قَوْلاَنِ، وَكَشْفُ الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى طُرَّتِهِ (ح) أَوْ كُورِ عِمَامَتِهِ (ح) أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ المُتَحَرِّكِ بحَرَكتِهِ لَمْ يَجُزْ (ح)، وَالتَّنَكُّسُ وَاجِبٌ فِي السُّجُودِ، وَهُوَ اسْتِعْلاَءُ الأَسَافِلِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّنَكُّسُ لِمَرَضٍ وَجَبَ وضْعُ وِسَادَةٍ لِوَضْعِ الجَبْهَةِ علَيْهَا فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: الكلام في السجود في الأقل والأكمل. أما الأقل فهذا الفصل يتكفل ببيانه، وفيه مسائل:
أحدها: فيما يجب وضعه على مكان السجود، ولا بد من وضع الجبهة؛ خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: الجبهة والأنف يجزئ وضع كل واحد منهما عن الآخر، ولا تتعين الجبهة. لنا ما روي عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ تَنْقُرْ نَقْرًا" (١).
ولا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يكفي (٢) ما يقع عليه الاسم منها.
وذكر القاضي ابن كج: أن أبا الحسين بن القطان حكى وجهًا أنه لا يكفي وضع البعض لظاهر خبر ابن عمر، والمذهب الأول؛ لما روى عن جابر -﵁- قال: "رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- سَجَدَ بِأعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ" (٣).
ولا يجزئ وضع الجبين عن وضع الجبهة، وهما جانبا الجبهة، وهل يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أُمِرْتَ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (١٨٧٨) من حديث طلحة بن مصرف عن مجاهد عنه في حديث طويل قال النووي: لا يعرف، وذكره في الخلاصة في فصل الضعيف، قاله الحافظ: انظر التلخيص (١/ ٢٥١).
(٢) في ط (يكون وضع).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤٩) وقال: تفرد به عبد العزيز بن عبد الله عن وهب، وليس بالقوي قال ابن الملقن: بل هو واه بمرة، أما ابن السكن فإنه ذكره في سننه الصحاح: انظر الخلاصة (١/ ١٣٠).
[ ١ / ٥٢٠ ]
عَلَى الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ" (١) ويروى: "عَلَى سَبعَةِ آرَابٍ" (٢).
وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضًا؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمكنه أن يسجد مع رفع الجميع (٣)، هذا هو الغالب، أو المقطوع به، ولا يجب وضع الأنف على الأرض في السجود، خلافًا لأحمد، في إحدى الروايتين، حيث قال: يجب وضعه مع الجبهة. لنا ما سبق من حديث جابر -﵁-، ومعلوم أن من سجد بأعلى الجبهة لا يكون أنفه على الأرض.
الثانية: يجب كشف الجبهة في السجود؛ لما روي عن خباب قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا، وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا (٤) -أَيْ: لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا"-.
ولا يجب كشف الجميع، بل يكفي ما يقع عليه الاسم كما في الوضع، ويجب أن يكون المكشوف من الموضوع على الأرض، فلو كشف شيئًا، ووضع غيره لم يجز، وإنما يحصل الكشف إذا لم يكن بينه وبين موضع السجود حائل متصل به يرتفع بارتفاعه، فلو سجد على طرته، أو كور عمامته لم يجز؛ لأنه لم يباشر بجبهته موضع السجود.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجود على كور العمامة وعلى الناصية، والكُمّ، وعلى اليد أيضًا إذا لم تكن مرفوعةً عن الأرض بحيث لا يبقى اسم السجود، وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. واختلف نقل أصحابنا عن مالك.
لنا حديث خباب، وأيضًا فقد روي أنه -ﷺ- قال: "الْزَقْ جَبْهَتَكَ بِالأَرْضِ".
ولو سجد على طرف كُمِّهِ، أو ذيله نظر: إن كان يتحرك بحركته قيامًا وقعودًا لم يجز ككور العمامة، وإن طال وكان لا يتحرك بحركته فلا بأس؛ لأنه في حكم المنفصل عنه، فأشبه ما لو سجد على ذيل غيره، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين فلا نوجب كشفهما، أما الركبتان فلأنهما من العورة أو متصلان بالعورة، فلا يليق بتعظيم الصلاة كشفهما، وأما القدمان فلأنه قد يكون ماسحًا على الخف، وفي كشفهما إبطال لطهارة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٠٩) ومسلم (٤٩٠).
(٢) أخرجه مسلم (٤٩١) بلفظ: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه وركبتا. وقدماه".
(٣) في ط الجبهة.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٧٠٤) والبيهقي (٢/ ١٠٤). وصححه في خلافياته وأصله عند مسلم (٦١٩) بدون لفظ (جباهنا وأكفنا).
[ ١ / ٥٢١ ]
المسح، وتفويت تلك الرخصة، وأما اليدان إذا أوجبنا وضعهما. ففي كشفهما قولان:
أحدهما: يجب لحديث خباب.
وأصحهما: لا يجب؛ لأن المقصود من السجود إظهار هيئة الخضوع، وغاية التواضع، وقد حصل ذلك بكشف الجبهة، وأيضًا فلأنه قد يشق ذلك عند شدة الحر والبرد، بخلاف الجبهة فإنها بارزة بكل حال، فإن أوجبنا الكشف، كفى كشف البعض من كل واحد منهما، كما ذكرنا في الجبهة.
الثالثة: إذا هوى من الاعتدال ووضع الجبهة وسائر أعضائه على الأرض، فَلِوَضْع أعالي أعضائه مع الأسافل. ثلاث هيئات:
حداها: أن تكون الأعالي أعلى، كما لو وضع رأسه على شيء مرتفع، وكان رأسه أعلى من حقوه فلا يجزئه ذلك؛ لأن اسم السجود لا يقع على هذه الهيئة، فصار كما لو أكب، ومد رجليه.
والثانية: أن تكون الأسافل أعلى، فهذه هيئة التنكس وهي المطلوبة، ومهما كان المكان مستويًا، فيكون الحقو أعلى لا محالة، وإن كان موضع الرأس مرتفعًا قليلًا فقد ترتفع أسافله، وتحصل هذه الهيئة أيضًا.
والثالثة: أن يتساوى الأعالي والأسافل؛ لارتفاع موضع الجبهة، وعدم رفعة الأسافل ففيها تردد للشيخ أبي محمد وغيره.
والأظهر: أنها غير مجزئة أيضًا؛ وهذا هو المذكور في الكتاب؛ وكذلك أورد صاحب "التهذيب" حيث قال: وحد السجود أن تكون أسافل بدنه أعلى من أعاليه، فلو تعذرت هذه الهيئة لمرض أو غيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة عليها؟ أم يكفي إنهاء الرأس إلى الحد الممكن من غير وضع الجبهة على شيء؟ فيه وجهان. وحكاهما في "النهاية".
أظهرهما: عند صاحب الكتاب: أنه يجب وضع شيء؛ ليضع الجبهة عليه؛ لأن الساجد يلزمه هيئة التنكس، ووضع الجبهة، فإذا تعذر أحد الأمرين يأتي بالثاني؛ محافظة على الواجب بقدر الإمكان.
والثاني: أنه لا يجب ذلك؛ لأن هيئة السجود فاتته، وإن وضع الجبهة على شيء فيكفيه الانحناء بالقدر الممكن، وهذا أشبه بكلام الأكثرين، ولا خلاف أنه لو عجز عن وضع الجبهة على الأرض، وقدر على وضعها على وسادة مع رعاية هيئة التنكس يلزمه ذلك، وإن عجز عن الانحناء أشار بالرأس، ثم بالطرف كما تقدم نظيره؛ هذا شرح مسائل الكتاب: أما ما يتعلق بألفاظه.
[ ١ / ٥٢٢ ]
فقوله: (وأقله وضع الجبهة) يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن عنده الجبهة غير متعينة، كما سبق. وقوله: (مكشوفة) كذلك؛ لأن عنده يجوز أن يسجد على كور العمامة.
وقوله: (بقدر ما ينطلق عليه الاسم) يجوز أن يرجع إلى القدر الموضوع منها، ويجوز أن يرجع إلى المكشوف، وعلى التقديرين فليعلم بالواو؛ إشارةً إلى الوجه الذي حكاه ابن القطان. وقوله: (فإن أوجبنا وضع اليدين، ففي كشفهما قولان) بعد ذكر القولين فيهما. وفي الركبتين والقدمين جميعًا، ففيه تنبيه على أن كشف الركبتين والقدمين لا يجب بلا خلاف. وقوله: (وكشف الجبهة واجب) لا حاجة إليه بعد قوله: أولًا (مكشوفة). واعلم أنه يعتبر في أقل السجود وراء ما ذكره أمور.
أحدها: الطمأنينة كما في الركوع، خلافًا لأبي حنيفة. وكأنه ترك ذكرها هاهنا اكتفاء بما سبق.
والثاني: لا يكفي في وضع الجبهة إلامساس، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه، حتى تستقر جبهته وتثبت، قال -ﷺ-: "مَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ" (١). فلو كان يسجد على قطن أو حشيش، أو على شيء محشو بهما، فعن الشيخ أبي محمد، أنه ينبغي أن يتحامل قدر ما يظهر أثره على يده لو فرضت تحته.
وقال في "التهذيب": ينبغي أن يتحامل عليه حتى ينكس وتثبت جبهته عليه، فإن لم يفعل لم يجز، والكلامان متقاربان.
وقال إمام الحرمين: بل يكفي عندي أن يرجي رأسه ولا يقله، ولا حاجة إلى التحامل، كيفما فرض موضع السجود؛ لأن الغرض إبداء هيئة التواضع (٢)، وذلك لا يحصل بمجرد الإمساس، فإنه ما دام يقل رأسه كان كالضنين بوضعه، فإذا أرخى حصل الغرض، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، إليه الإشارة بقول عائشة -﵂-: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي سُجُودِهِ كَالْخِرْقَةِ الْبَالِيَةِ" (٣).
وهذا ما أورده المصنف في "الوسيط".
الثالثة: ينبغي أن لا يقصد بهويه غير السجود، فلو سقط على الأرض من الاعتدال قبل قصد الهَوِيذُ للسجود لم يحسب، بل يعود إلى الاعتدال ويسجد منه، ولو
_________________
(١) قال ابن الملقن: غريب وهو حديث ابن عمر وقد تقدم.
(٢) في ط وهذا.
(٣) ذكره ابن الجرزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٧)، إلا أنه قال كالثوب الساقط وهو معلول ضعيف، وبلفظ المصنف قال الحافظ: لم أجده هكذا، وقال التقي بن الصلاح: لم أجد له بعد البحث صحة، وتبعه النووي فقال في التنقيح منكر لا أصل له. انظر التلخيص (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٥٢٣ ]
هَوَى ليسجد فسقط على الأرض بجبهته نظر، إن وضع جبهته على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن السجود، وإن لم تحدث هذه النية يحسب لو هوى ليسجد فسقط على جنبه فانقلب وأتى بصورة السجود على قصد الاستقامة والاستداد لم يعتد به، وإن قصد السجود اعتد به -والله أعلم -.
قال الغزالي: وَأَمَّا أَكْمَلُ السُّجُودِ، فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ (ح م)، وَلْيُكَبِّرْ عِنْدَ الهَوِيِّ، وَلاَ يَرْفَع اليَدَ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَضَعُ الأَنْفَ (ح) مَعَ الْجَبْهَةِ مَكْشُوفًا، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيهِ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيُقِلُّ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ التَّخْوِيَةُ، وَالمَرْأَةُ لاَ تُخَوِّي، وَيَضَعُ يَدَيْهِ بِإزَاءِ مَنْكِبَيْهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابع وَمَضْمُومَتَهَا.
قال الرافعي: السنة أن تكون أول ما يقع من الساجد على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم أنفه، وجبهته خلافًا لمالك، حيث قال: يضع يديه قبل ركبتيه، وربما خيّر فيه.
لنا ما روي وائل بْن حُجْر -﵁- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ" (١).
ويبتدئ التكبير مع ابتداء الهَوِيّ، وهل يمد أو يحذف؟ فيه ما سبق من القولين؛ ولا يرفع اليد مع التكبير هاهنا؛ لما روي عن ابن عمر -﵁- أن النَّبِيَّ -ﷺ- "كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ" (٢).
ويقول في سجوده: "سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاَثًا"؛ لما روينا من الخبر في فصل الركوع. وذلك أدناه.
والأفضل: أن يضيف إليه ما روي عن علي -﵁- عن النبي -ﷺ- "أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (٣).
وهذا أتم الكمال، وما ذكرناه في فصل الركوع، أن المستحب للإمام ماذا،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٣٨) والترمذي (٢٦٨) وابن ماجة (٨٨٢) والنسائي (٢/ ٢٠٧)، وابن حبان (١٩٠٣) والحاكم (٢/ ٢٢٦)، قال الحافظ: قال البخاري والترمذي وابن أبي داود والدارقطني والبيهقي تفرد به شريك، قال البيهقي: وإنما تابعه همام عن عاصم عن أبيه مرسلًا. وقال الترمذي: رواه همام عن عاصم مرسلًا، وقال الحازمي رواية من أرسل أصح انظر التلخيص (١/ ٢٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٥).
(٣) أخرجه مسلم (٧٧١).
[ ١ / ٥٢٤ ]
وللمنفرد ماذا؟ يعود كله هاهنا، ويستحب للمنفرد أن يجتهد في الدعاء في سجوده، ويضع الساجد الأنف مع الجبهة مكشوفًا؛ لما روي عن أبي حميد قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ أنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ".
وبجوز أن يعلم قوله: (ويضع الأنف) بالألف؛ لأنه معدود من السنن، وقد قدمنا (١) أن إحدى الروايتين عن أحمد أن الجمع بين وضع الأنف والجبهة واجب، ويستحب له أن يفرق بين ركبتيه وبين مرفقيه وجنبيه، وبين بطنه وفخذيه.
أما التفريق بين الركبتين فمنقول عن فعل رسول الله -ﷺ- في بعض الأخبار، وأما بين المرفقين والجنبين، فقد رواه أبو حميد كما سبق، وأما بين البطن والفخذين فقد روي عن البراء -﵁- عن رسول الله -ﷺ-، وهذه الجملة يعبر عنها بالتخوية (٢) وهو ترك الخواء بين الأعضاء، لما روي أنه -ﷺ- "كَانَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى فِي سُجُودِهِ" (٣). والمرأة لا تفعل ذلك، بل تضم بعضها إلى بعضٍ فإنه أستر لها، ويضع يديه بإزاء منكبيه؛ لما سبق من حديث أبي حميد، ولتكن الأصابع منشورة، ومضمومة مستطيلة في جهة القبلة؛ لما روي عن وائل بن حجر -﵁-، أن النبي -ﷺ- "كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ" (٤).
قال الأئمة: وسنة أصابع اليدين إذا كانت منشورة في جميع الصلاة التفريج، المقتصد، إلا في حالة السجود، وينبغي أن لا يفرش زراعيه، بل يرفعهما، وأما أصابع القدمين فيوجهها إلى القبلة، وينصب قدميه، وتوجيهها إلى القبلة إنما يحصل بالتحامل عليها، والاعتماد على بطونها.
وقال في "النهاية": الذي صححه الأئمة، أنه يضع أطراف الأصابع على الأرض من غير تحامل، والأول أظهر، والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا (ح) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ قرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابعِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليَ واجْبُرْنِي وَعَافِني وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي.
قال الرافعي: يجب أن يعتدل جالسًا بين السجدتين، خلافًا لأبي حنيفة، ومالك
_________________
(١) في ط بينا.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٣)، وأبو داود (٨٩٦) والنسائي (٢/ ٢١٢)، وخوى يعني جنح.
(٣) أخرجه مسلم (٤٩٦) من رواية ميمونة.
(٤) أخرجه ابن خزيمة (٦٤٢) وابن حبان (١٩١١) والبيهقي (٢/ ٢١٢)، والحاكم (١/ ٢٢٧)، وقال صحيح على شرط مسلم.
[ ١ / ٥٢٥ ]
حيث قال: لا يجب، بل يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة: يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة (١): يكفي أن يرفع رأسه قدر ما يمر السيف عرضًا، بين جبهته وبين الأرض.
لنا قوله -ﷺ- في خبر المسيء صلاته. "ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا" (٢).
ويجب فيه الطمأنينة؛ لأنه قد روي في بعض الروايات: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا".
وينبغي ألاّ يقصد بالارتفاع شيئًا آخر، وأن لا يطول الجلوس كما ذكرنا في الاعتدال عن الركوع، والسنة أن يرفع رأسه مكبرًا؛ لما تقدم من الخبر، وكيف يجلس؟ المشهور، وهو الذي ذكره في الكتاب أنه يجلس مفترشًا؛ لما روي عن أبي حميد الساعدي -﵁- في وصفه صلاة النبي -ﷺ- "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأُولَى ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا" (٣)، وحكى قول آخر أنه يضجع قدميه، ويجلس على صدرهما، ويروى ذلك عن ابن عباس -﵄- فليعلم قوله: (مفترشًا) بالواو (٤) لذلك؛ وبالميم أيضًا؛ لأن أصحابنا حكوا عن مالك: أنه أمر بالتورك في جميع جلسات الصلاة، ويضع يديه على فخذيه قريبًا من ركبتيه منشورة الأصابع.
قال في "النهاية": ولو انعطف أطرافها على الركبة فلا بأس؛ ولو تركها على الأرض من جانبي فخذيه كان كإرسالها في القيام، ويقول في جلوسه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ، واجْبُرْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي". وقال أبو حنيفة: لا يسن فيه ذكر.
لنا ما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- كان يقول ذلك، ويروي: "وَارْحَمنِي" بدل قوله: "وَاجْبُرْنِي".
قال الغزالي: ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى مِثْلَهَا، ثُمَّ يَجْلِسُ جَلْسَةً خَفِيْفَةً لِلْاسْترَاحَةِ، ثُمَّ يَقُومُ مُكَبِّرًا وَاضِعًا يَدَيْه علَى الأَرْضِ كَمَا يَضَعُ العَاجِنُ.
مضمون الفصل مسألتان:
إحداهما: أنه يسجد السجدة الثانية بعد الجلسة السجدة الأولى، في واجباتها، ومندوباتها بلا فرق.
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) متفق عليه من رواية أبي هريرة، وقد تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٣٠) والترمذي (٣٠٣) وقال: حسن صحيح.
(٤) في أبالقاف.
[ ١ / ٥٢٦ ]
الثانية: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في ركعة لا يعقبها تشهد، فما الذي يفعل؟ نص في "المختصر": أنه يستوي قاعدًا، ثم ينهض، وفي "الأم": أنه يقوم من السجدة وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين:
أحدهما: أنه يقوم من السجدة الثانية، ولا يجلس؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن وائل -﵁- أن النبي -ﷺ- "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَائِمًا" (١).
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم، وتسمى هذه الجلسة جلسة الاستراحة، ووجهة ما روي عن مالك بن الحويرث "أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا (٢)، وَوَصَفَ أَبُو حُمَيدٍ السَّاعِدِي فِي عَشْرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَجْمَعِينَ صَلاةَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَذَكَرَ هذِهِ الْجِلْسَةِ".
والطريق الثاني: قال أبو إسحاق: المسألة على حالتين: إن كان بالمصلي ضعف لكبر، وغيره جلس للاستراحة، إلا فلا. فإن قلنا: لا يجلس المصلي للاستراحة فيبتدئ التكبير مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائمًا، ويعود قول الحذف (٣) كما تقدم. فإن قلنا: يجلس فمتى يبتدئ التكبير؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يرفع رأسه غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالسًا، ويمده إلى أن يقوم؛ لأن الجلسة للفصل بين الركنين (٤)، فإذا قام منها وجب أن يقوم بتكبير، كلما إذا قام إلى الركعة الثالثة (٥)، ويحكى هذا عن اختيار القفال.
وأصحهما: أنه يرفع رأسه مكبرًا؛ لما روي أنه -ﷺ- "كانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ" (٦)، فعلى هذا، فمتى يقطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إذا جلس يقطعه، ويقوم غير مكبر؛ لأنه لو مد إلى أن يقوم لطال،
_________________
(١) قال الحافظ: هذا الحديث بيض له المنذري في الكلام على المهذب، وذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف، وذكره في شرح المهذب فقال: غريب ولم يخرجه، ظفرت به في سنة أربعين في مسند البزار في أثناء حديث طويل في صفة الوضوء والصلاة انظر التلخيص (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٣).
(٣) في ط الحبس.
(٤) في أالركعتين.
(٥) في ط الثالثة.
(٦) تقدم.
[ ١ / ٥٢٧ ]
ويتغير النظم، وبهذا قال أبو إسحاق والقاضي الطَّبَرِي.
وأصحهما: أنه يمده إلى أن يقوم، ويخفف الجلسة حتى لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر؛ وهذان الوجهان الأخيران كأنهما مفرعان على أن التكبير يمد ولا يحذف، وإذا لم يميز الابتداء عن الانتهاء حصل في وقت التكبيل ثلاثة أوجه، وصاحب الكتاب أورد منها في "الوسيط":
الأول: الذي اختاره القفال. والثاني: الذي قال به أبو إسحاق، ولم يورد.
الثالث: الذي هو الأظهر عند جمهور الأصحاب، وكذلك فعل إمام الحرمين والصيدلاني. وقوله هاهنا: (ثم يقوم مكبرًا) بعد، قوله: (ثم يجلس) جوابٌ على اختيار القفال وهو أبعد الوجوه عند الأكثرين، ويجب أن يعلم قوله: (مكبرًا) بالواو، إشارة إلى الوجه الثاني، وهو أنه يقوم عن الجلسة غير مكبر، وإلى الوجه الثالث أيضًا، فإنه عند القائلين به لا يقوم مكبرًا، إنما يقوم متممًا للتكبير، ولا خلاف في أنه لا يُكَبِّر تكبيرتين.
والسُّنة في هيئة جلسة الاستراحة الافتراش، كذلك رواه أبو حميد (١)، ثم سواء قام من جلسة الاستراحة أو من السجدة، فإنه يقوم معتمدًا على الأرض بيديه، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يقوم معتمدًا على صدور قدميه، ولا يعتمد بيديه على الأرض.
لنا ما روي عن مالك بني الحويرث -﵁- في صفة صلاة رسول الله -ﷺ- "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَاسْتَوى قَاعِدًا قَامَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ بِيَدَيْه" (٢). وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- "كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يَضَعُ الْعَاجِنُ" (٣). قال صاحب "المجمل" (العاجن) (٤) هو الذي إذا نهض اعتمد على يديه كأنه يعجن أي الخمير، ويجوز أن يكون معنى الخبر كما يضع عاجن الخمير، وهما متقاربان.
قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّادِسُ: التَّشَهُّدُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالقُعُودُ فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ الافْتِرَاشِ (م) لأنَّهُ مُسْتَوفِزُ لِلْحَرَكَةِ، وَالمَسْبُوقُ يَفْتَرِشُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ لاسْتِيفَازِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ هَلْ يَفْتَرِشُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالافْتِرَاشُ أَنْ يَضَعَ الرَّجْلَ اليُسْرَى وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا وَيَنْصِبَ القَدَمَ الْيُمْنَى؛ وَيَضَعَ أَطْرَافَ الأَصَابِعِ عَلَى الأَرْضِ، وَالتَّوَرُّكُ سُنَّةٌ فِي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٤).
(٣) قال ابن الملقن: غريب لا يعرف ولا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به كما قال ابن الصلاح وقال النووي: ضعيف باطل لا أصل له. انظر الخلاصة (١/ ١٣٧).
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٥٢٨ ]
التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، (ح) وَهُوَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَيْهِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُخْرِجَهُمَا مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُمَكِّنُ ورْكَهُ مِنَ الأَرْضِ.
قال الرافعي: أدرج في هذا الركن أركانًا ثلاثة: القعود، والتشهد، والصلاة على النبي -ﷺ-، ولو فصل القعود والتشهد، والصلاة على النبي -ﷺ- عنهما لجاز، كما فصل القيام عن القراءة، فإن القيام للقراءة كالقعود لهما، وهكذا فعل في ترجمة الأركان، وعدها ثلاثة:
وفقه الفصل: أن التشهد والقعود ينقسمان إلى واقعين في آخر الصلاة، كتشهد الصبح، وتشهد الركعة الرَّابعة من الظهر إلى واقعين لا في آخر الصلاة، كالتشهد بعد الثانية من الظهر.
فالأول: من القسمين مفروض.
والثاني: مسنون، ثم لا يتعين للقعود هيئة متعينة فيما يرجع إلى الأجزاء، بل يجزئه القعود على أي وجه كان، لكن السُّنَّة في القعود في آخر الصلاة التورك، وفي القعود الذي لا يقع في آخرها الافتراش، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ذات تشهدين تَوَرَّكَ في الأخير وإن كانت ذات تشهد واحد افترش فيه، والافتراش أن يضجع الرِّجْلَ اليسرى، بحيث يلي ظهرها الأرض، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع أطراف أصابعها على الأرض متوجهة إلى القبلة. والتورك: أن يخرج رجليه وهما على هيأتهما في الافتراش من جهة يمينه، وبمكن الورك من الأرض. وقال أبو حنيفة: السُّنة في القعودين الافتراش. وقال مالك: السنة فيهما التَّورُّكَ.
لنا ما روي عن أبي حميد الساعدي أنه وصف صلاة رسول الله -ﷺ- فقال: "فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ على رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مِقْعَدَتِهِ (١).
والفرق من جهة المعنى أن المصلي في التشهد الأول مستوفز (٢) للحركة، يبادر إلى القيام عند تمامه، وذلك عن هيئة الافتراش أهون، وأما الجَلْسَة الأخيرة فليس بعدها عمل فيناسبها التورك الذي هو هيئة السكون والاستقرار، ويترتب على هذه القاعدة مسألتان:
إحداهما: المسبوق إذا جلس مع الإمام في التشهد الأخير يفترش ولا يتورك، نص عليه؛ لأنه مستوفز يحتاج إلى القيام عند سلام الإمام، ولأنه ليس آخر صلاته،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٢٨) وقد تقدم.
(٢) في ط مستوفى.
[ ١ / ٥٢٩ ]
والتورك إنما ورد في آخر الصلاة. وحكى الشيخ أبو محمد وجهًا عن بعض الأصحاب أنه يتورك متابعة للإمام. وذكر أبو الفرج البزاز: أن أبا طاهر الزيادي، حكى في المسألة هذين الوجهين، ووجهًا ثالثًا أنه إن كان محل تشهد المسبوق كان أدرك ركعتين من صلاة الإمام جلس منتصبًا وإلا جلس متوركًا؛ لأن أصل الجلوس لمحض المتابعة، فيتابعه في هيئته أيضًا، والأكثرون على الوجه الأول.
الثانية: إذا قعد في التشهد الأخير وعليه سجود سهو فهل يفترش أم يتورك؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتورك؛ لأنه قعود آخر الصلاة.
قاله الروياني في "التلخيص" وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يفترش، ذكره القفال، وساعده الأكثرون؛ لأنه يحتاج بعد هذا القعود، إلى عمل وهو السجود، فأشبه التشهد الأول، بل السجود عن هيئة التورك أعسر من القيام عنها، فكان أولى بأن لا يتورك، وأيضًا فلأنه جلوس يعقبه سجود، فأشبه الجلوس بين السجدتين، وينبغي أن يعلم قوله: (والتشهد الأول مسنون) بالألف، لأن أحمد يقول بوجوبه.
لنا أنه -ﷺ- "قَامَ مِنَ اثْنَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ النَّاسُ لَهُ، فَلَمْ يُعِدْ، فَلَمَّا كَانَ آَخِرَ صَلاَتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ". ولو كان واجبًا لعاد إليه، ولما جبره السجود، ولا تخفى سائر المواضع المستحقة للعلامات.
وقوله: (ويضع أطراف الأصابع على الأرض) كذلك، أي منتصبة.
وقوله في التورك: (أن يضع رجليه كذلك) أي على هيئتهما في الافتراش، فاليمنى منصوبة مرفوعة العقب، واليسرى مضجعة.
قال الغزالي: ثُمَّ يَضَعُ اليَدَ الْيُسْرَى عَلَى طَرَفِ الرُّكْبَةِ مَنْشُورَةً مَعَ التَّفْرِيجِ الْمُقْتَصِدِ، وَاليَدُ اليُمْنَى يَضَعُهَا كَذلِكَ لَكِنْ يَقْبِضُ الخِنْصَرَ وَالبِنْصَرَ وَالْوُسْطَى وَيُرْسِلُ المُسَبِّحَةَ، وَفِي الإِبْهَامِ أَوْجُهٌ قِيلَ يُرْسِلُهَا وَقِيلَ: يُحَلِّقُ الإِبْهَامَ وَالوُسْطَى، وَقِيلَ يَضُمُّهَا إلَى الوُسْطَى المَقْبُوضَةِ كَالقَابِضِ ثَلاَثًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ يَرْفعُ مُسَبِّحَتَهُ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: اِلاَّ الله، وَفِي تَحْرِيكِهَا عِنْدَ الرَّفْعِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: السنة في التشهدين جميعًا، أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى؛ لما روي أنه -ﷺ- كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ، وَضعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى" (١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٨٠).
[ ١ / ٥٣٠ ]
وينبغي أن ينشر أصابعه، ويجعلها قريبة من طرف الركبة، بحيث تسامت رؤوسها الركبة، وهل يفرج بين أصابع اليسرى أو يضمها؟ الذي ذكره في الكتاب أنه يفرج تفريجًا مقتصدًا، وهذا هو الأشهر، ألا تراهم قالوا: لا يؤمر بضم الأصابع مع نشرها إلا في السجود على ما قدمناه، وحكى الكرخي وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يضم بعضها إلى بعض حتى الإبهام؛ ليتوجه جميعها إلى القبلة، وهكذا ذكر القاضي الروياني، فليكن قوله: (مع التفريج) معلمًا بالواو، وأما كونه مقتصدًا فليس من خاصية هذا الموضع، بل لا يؤمر بالتفريج المتفاحش في موضع ما.
وأما اليد اليمنى فيضعها على طرف الركبة اليمنى كما ذكرنا في اليسرى، وهو المراد من قوله: (فيضعها كذلك) ولكن لا ينشر جميع أصابعه، بل يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة، وفيما يفعل بالإبهام والوسطى، وثلاثة أقاويل:
أحدها: "أَنَّهُ يَقْبِضُ الْوُسْطَى مَعَ الخنْصر والْبنْصَرِ وَيُرْسِلُ الإبْهَامَ مَعَ المُسَبِّحَةِ، لِمَا روي أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِي، وَصَفَ صَلاَة رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَذَكَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هكَذَا" (١).
والثاني: "أَنَّهُ يُحَلِّقُ بَيْنَ الإبْهَام وَالْوُسْطَى، لِمَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- فَعَلَ هكَذَا" (٢). وفي كيفية التحليق وجهان:
أحدهما: أنه يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإِبهام.
وأصحهما: أنه يحلِّق بينهما برأسيهما.
والقول الثالث، وهو الأصحّ: أنه يقصهما لما روي عن ابن عمر -﵄-، أن النبي -ﷺ- "كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِالْأُصْبَعِ الَّتِي تَلِي الإبْهَامَ" (٣).
وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:
أحدهما: أنه يضعهما على أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين، لما روي عن ابن الزبير -﵁- أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عِنْدَ الْوُسْطَى" (٤).
وأظهرهما: أنه يضعها بجنب المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين، لما روي عن
_________________
(١) قال الحافظ: لا أصل له في حديث أبي حميد، ويغني عنه حديث ابن عمر عند مسلم ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثًا وخمسين. انظر التلخيص (١/ ٢٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٥٧) وابن ماجة (٩٢٢) والنسائي (٢/ ١٢٦)، والدارقطني (١/ ٢٩٠) والبيهقي (١/ ١٣١)، وابن حبان (١٨٥١) وصححه.
(٣) أخرجه مسلم (٥٨٠).
(٤) أخرجه مسلم (٥٧٩).
[ ١ / ٥٣١ ]
ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- "كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ" (١).
ثم قال ابن الصباغ وغيره: وكيفما فعل من هذه الهيئات، فقد أتى بالسُّنة؛ لأن الأخبار قد وردت بها جميعًا، وكأنه -ﷺ- كان يضع مرة هكذا، ومرة هكذا، وعلى الأقوال كلها فيستحب له أن يرفع مسبحته في كلمة الشهادة إذا بلغ همزة: "إلا الله"، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يرفعها.
لنا ما سبق، أنه كان يشير بالسبابة، وهل يحركها عند الرفع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لما روي عن وائل -﵁ - قال: "ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا" (٢).
وأصحهما: لا؛ لما روي عن ابن الزبير -﵁- "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلاَ يُحَرِّكُهَا، وَلاَ يُجَاوِزُ بَصَرَهُ إِشَارَتَهُ" (٣).
وقوله في الكتاب: (ويقبض الخنصر، والبنصر والوسطى) إن أراد بالقبض هاهنا القدر الذي يشارك فيه الوسطى الخنصر، والبنصر، وهو ترك البسط والإرسال، فهذا لا خلاف فيه؛ وإن أراد أن يصنع بالوسطى ما يصنع بالخنصر، والبنصر فهذا، تنازع فيه قول التحليق فاعرفه.
وأما التعبير عن الخلاف المذكور بالأوجه فإنما اقتدى فيه بإمام الحرمين، وعامة الأصحاب حكوه أقوالًا منصوصة للشافعي -﵁-، معزية إلى كتبه.
وقوله: "أيرسلها" هو القول الأول، و"التحليق" الثاني، والذي ذكره آخرًا أحد الوجهين على القول الثالث. وقوله: (ثم يرفع) معلم بالحاء.
وقوله: (عند قوله إلا الله) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن أبا القاسم الكرخي حكى وجهين في كيفية الإشارة بالمسبحة:
أصحهما: أنه يشير بها وقت التَّشَهُّد، وهو الذي ذكره الجمهور.
والثاني: أنه يُشِيرُ بها في جميع التَّشَهُّدِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٨٠).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٧١٤) وابن الجارود (٢٠٨) وابن حبان (١٨٥١) والنسائي (٢/ ١٢٦) وأحمد (٤/ ٣١٨)، والدارمي (١٣٦٣). والبيهقي (٢/ ١٣٢) بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٩٧٤) وأحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه، وأصله في مسلم دون قوله: "ولا يجاوز بصره إشارته" انظر التلخيص (١/ ٢٦٢).
[ ١ / ٥٣٢ ]
قال الغزالي: أَمَّا التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ فَواجِبٌ (ح م) وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ ﵇ وَاجِبَةٌ مَعَهُ (ح م) وَعَلَى الآلِ قَوْلاَنِ، وَهَل تُسَنُّ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّسُولِ فِي الأَوَّلِ؟ قَوْلاَنِ:
قال الرافعي: القعود للتشهد الأخير، والتَّشهد فيه واجبان خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: القعود بقدر التشهد واجب، ولا يجب قراءة التشهد فيه، ولمالك حيث قال: لا يجب لا هذا ولا ذاك.
لنا أن ابن مسعود -﵁- قال: "كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلاَم عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ" إلى آخره (١)، دل على أنه قد فرض، ثم التشهد الأخير، إنما يكون لصلاة لها تشهد أول، وقد تكون الصلاة بحيث لا يشرع فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة، فحكمه حكم التشهد الأخير، في ذات التشهدين، والعبارة الجامعة أن يقال: التشهد الذي يعقبه التحلل عن الصلاة واجب.
وتجب الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد الواجب، خلافًا لأبي حنيفة ومالك.
لنا ما روي عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: "لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةً إِلاَّ بِطُهُورٍ وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ" (٢).
وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان وبعضهم يقول: وجهان:
أحدهما: تجب لظاهر ما روي أنه قيل: يا رسول كيف نصلي عليك؟ فقال: "قُولُوا اللَّهُمَّ صَلّي عَلَى محَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ" (٣).
وأصحهما: لا؛ وإنما هي سنة تابعة للصلاة على النبي -ﷺ- وهل يسن الصلاة على الرسول في التشهد الأول؟ فيه قولان:
أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وأحمد- لا؛ لأنها مبنية على التخفيف؛ روى أن النبي -ﷺ- "كان في التشهد الأول (٤) كمن يجلس على الرضف" (٥) وهي الحجارة المحماة، وذلك يشعر بأنه ما كان يطول بالصَّلاَةِ والدعاء.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٥٠)، والبيهقي (٢/ ١٣٨) وقال إسناده صحيح.
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٥٥) والبيهقي وضعفاه.
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة والبخاري (٣٣٦٩) ومسلم (٤٠٧) ومن حديث أبي حميد.
(٤) سقط في ب.
(٥) أخرجه الشافعي (٢٦١) وأبو داود (٩٩٥) والترمذي (٣٦٦) والنسائي (٢/ ٢٤٣)، قال ابن الملقن: ذكره ابن السكن في صحاحه، وفي ذلك وقفة؛ لأن أبا عبيدة إذا لم يسمع من أبيه يكون الحديث منقطعًا.
[ ١ / ٥٣٣ ]
وأصحهما: ويروى عن مالك: أنها تسن؛ لأنها ذكرت، يجب في الجلسة الأخيرة، فيسن في الأولى كالتشهد، وأما الصلاة فيه على الآل، فتبنى على إيجابها في التشهد الأخير، إن أوجبناها ففي استحبابها في الأول الخلاف المذكور في الصلاة على النبي -ﷺ-، وإن لم نوجبها -وهو الأصحّ- فلا نستحبها في الأول، وإذا قلنا: لا تسن الصلاة على النبي -ﷺ- في الأول فصلى عليه كان ناقلًا للركن إلى غير موضعه، وفي بطلان الصلاة به كلام يأتي في "باب سجود السهو" وكذا إذا قلنا: لا يصلي على النّبي
-ﷺ- في القنوت، وهكذا الحكم إذا أوجبنا الصلاة على الآل في الأخير، ولم نستحبها في الأول فأتى بها. وآل النبي -ﷺ- بنوا هاشم، وبنوا المطلب، نص عليه الشَّافعي -﵁-. وفيه وجه: أن كل مسلم آله.
قال الغزالي: ثُمَّ أَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ، وَأَقَلُّهُ التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ الْقَدْرُ المُتَكَرِّرُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَأَوْجَزَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ: التَّحِيَّات لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيَنَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ اِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ.
قال الرافعي: الكلام في أكمل التشهد، ثم في أقله: أما أكمله، فاختار الشافعي -﵁- ما رواه ابن عباس -﵄- وهو: "التَّحِيَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ، وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" هكذا روى الشافعي -﵁- (١).
وروى غيره: "السَّلاَمُ عَلَيْكَ"، "السَّلاَمُ عَلَيْنَا"، بإثبات الألف واللام، وهما صحيحان، ولا فرق وحكى في "النهاية" عن بعضهم؛ أن الأصل إثبات الألف واللام.
وقال أبو حنيفة وأحمد: والأفضل ما رواه ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- وهو: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطِّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" (٢).
وقال مالك: الأفضل أن يتشهد بما علمه عمر بن الخطاب -﵁- الناس على المنبر وهو: "التَّحِيَّات لله، الزَّاكِيَات لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢).
[ ١ / ٥٣٤ ]
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ" إِلَى آخره (١). كما رواه ابن مسعود -﵁-، ووجه اختيار الشافعي -﵁-، يستوي في الخلاف على أن الأمر فيه قريب، فإن الفضيلة تتأدى بجميع ذلك، ثم جمهور الأصحاب على أنه لا يقدم التسمية، لما روي أنه -ﷺ- كان أول ما يتكلم به عند القعدة: "التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ" (٢) وعن أبي على الطبري، وغيره من أصحابنا، أن الأفضل أن يقول: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ التَّحِيَّاتُ" ويروى: "بِسم اللهِ خَيرِ الأَسمَاءِ" (٣)، نقل عن جابر -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، وعن بعَض أصحابنا أن الأفضل: أن يقول: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الزَّاكِيَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ" (٤)؛ ليكون آتيا بما اشتملت عليه الروايات كلّها.
وأما الأقل: فالمنقول عن نص الشافعي -﵁- أن أقل التشهد: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" هكذا روى أصحابنا العراقيون، وتابعهم القاضي الروياني، وكذا صاحب "التهذيب" إلا أنه نقل: "وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ"، وأسقط الصيدلاني في نقل نصه كلمة وبركاته، وجعل صيغة الشهادة الثانية: "وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" وهذا هو الذي أورده في الكتاب وحكاية القاضي ابن كج؛ فإذا حصل الخلاف في المنقول عن الشافعي -﵁- في ثلاثة مواضع:
أحدها: في كلمة "وبركاته".
والثاني: في كلمة "وأشهد" في الكرة الثانية.
والثالث: في لفظ "الله" في الشهادة الثانية، فمنهم من اكتفى بقوله: (رسوله) ثم نقلوا عن ابن سريج في الأقل، طريقة أخرى، وهي: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، سَلاَمٌ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، [أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ".
هذا ما ذكره في الكتاب، ورواه طائفة، وأسقط بعضهم لفظ السلام الثاني واكتفى بأن يقول: "أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين] (٥)، وأسقط بعضهم لفظ "الصالحين"
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٨٦)، والحاكم (١/ ٢٦٦)، وقال صحيح على شرط مسلم.
(٢) أخرجه البيهقي (٢/ ١٤٤) من رواية عائشة بإسناد جيد.
(٣) قال ابن الملقن: رواه الطبراني من رواية ابن الزبير، وقال لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد وتفرد به ابن لهيعة. انظر الخلاصة (١/ ١٤١).
(٤) أخرجه النسائي (٢/ ٢٤٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٤١)، وابن ماجة (٩٠٢).
(٥) سقط في ب.
[ ١ / ٥٣٥ ]
ويحكى هذا عن الحليمي، ووجه ذلك بأن لفظ العباد، مع الإضافة ينصرف غالبًا إلى "الصالحين"، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (١) ونظائره، فاستغنى بالإضافة عنه ثم قال الأئمة: كأن الشافعي -﵁- اعتبر في حد الأقل ما رأه مكررًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وما انفردت به الروايات، أو كان تابعًا لغيره جوز حذفه (٢)، وابن سريج نظر إلى المعنى، وجوز حدف ما [لا] يتغير به المعنى، واكتفى بذكر السَّلام عن الرحمة والبركة، وقال بدخولهما فيه.
وقوله في الكتاب: "وهو القدر المتكرر في جميع الروايات، وأوجز ابن سريج بالمعنى" (إشارة إلى هذا الكلام، لكن لم يتعرض إلا للتكرر في جميع الروايات) (٣) ولا بد من التعرض للوصف الأخير، وهو أن يكون تابعًا للغير، إلا فالصلوات والطيبات متكررة في جميع الروايات، وقد جوز حذفها.
واعلم أن ما ذكره الأصحاب من اعتبار التكرر وعدم التبعية أن جعلوه ضابطًا لحد الأقل فذاك، وإن عللوا حد الأقل به ففيه إشكال؛ لأن التكرر في الروايات، يشعر بأنه لا بد من القدر المتكرر، فأما إنه مجزئ فلا، ومن الجائز أن يكون المجزي هذا القدر مع ما تفردت به كل رواية.
ولك أن تعلم قوله في طريقة الشافعي -﵁- "وأشهد" في الكرة الثانية]
بالواو (٤) وكذا كلمة "السلام" الثاني، و"الصالحين"، في طريقة ابن سريج إشارة إلى ما سبق من الخلاف.
قال الغزالي: وَيَقُولُ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُ مَسْنُونٌ إِلَى قَوْلهِ: إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، ثُمَّ الدُّعَاءُ بَعْدَهُ مَسْنُونٌ، وَلْيَخْتَرْ كُلٌّ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: أقل الصلاة على النبي -ﷺ- أن يقول: اللهم صل على محمد، ولو قال: صلَّى الله على محمد، أو صلى الله على رسوله جاز.
وفي وجه: يجوز أن يقتصر على قوله: "ﷺ" والكناية ترجع إلى ذكر محمد -ﷺ- في كلمة الشهادة، وهذا نظر إلى المعنى، وأقل الصلاة على الآل أن يقول: "وآله"، ولفظ الكتاب يشعر بأنه يجب أن يقول: وعلى آل محمد؛ لأنه ذكر ذلك، ثم حكم بأن ما بعده مسنون:
_________________
(١) سورة الإنسان، الآية ٦.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ب.
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٥٣٦ ]
والأول: هو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره.
والأولى أن يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آَلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْراهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
روى كعب بن عجرة أن النبي -ﷺ- سئل عن كيفية الصلاة عليه، فأمرهم بذلك (١).
قال الصيدلاني: ومن الناس من يزيد: "وارحم محمدًا وآل محمد، كما رحمت على آل إبراهيم" وربما يقول: كما ترحمت على إبراهيم، قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح، فإنه لا يقال: ترحمت عليه، وإنما يقال: رحمته، وأما الترحم، ففيه معنى التكلف والتصنع، فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى.
ثم يستحب الدعاء في التشهد الأخير، بعد الصلاة على النبي -ﷺ- وعلى آله وله أن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والآخرة، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن، وبالأدعية المأثورة عن النبي -ﷺ-، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ومن أصحابه من قال: يجزئ الدعاء بما لا يطلب إلا من الله تعالى، فأما إذا دعا بما يمكن أن يطلب من الآدميين بطلت صلاته.
وقال أحمد: إذا قال: "اللهم ارزقني جاريةً حسناءَ ونحو ذلك " فسدت صلاته؛ لما روي عن ابن مسعود -﵁- في آخر حديث التشهد أن النبي -ﷺ- قال: "ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" (٢). وروي أنه قال: "وَلْيَدْعُ بَعْدَ ذلِكَ بِمَا شَاءَ" (٣).
والأفضل أن يكون دعاؤه لأمور الآخرة، وما ورد في الخبر أحب من غيره.
ومن ذلك: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَّدِمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ. وأيضًا: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَاب القَبْرِ، وَفِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ" (٤).
وأيضًا: "اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْتَمِ وَالْمَغْرَمِ" (٥)، "اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِيَ مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (٦) وقوله: (ثم الدعاء بعده مسنون) أي في التشهد الأخير، فأما في الأول
_________________
(١) متفق عليه وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (٨٣٥) ومسلم (٤٠٢).
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه مسلم (٥٨٨).
(٥) أخرجه البخاري (٨٣٢) وسلم (٥٨٩).
(٦) أخرجه البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥).
[ ١ / ٥٣٧ ]
فيكره، بل لا يصلي على الآل أيضًا على الصحيح، كما سبق، ويجوز أن يعلم قوله: (مسنون) بالواو لأنه يقتضي الاستحباب مطلقًا، وقد ذكر الصيدلاني في طريقته: أن المستحب للإمام أن يقتصر على التشهد والصلاة على النبي -ﷺ- ليخفف على من خلفه، فإن دعا جعل دعاؤه دون قدر التشهد، ولا يطول. وأما المنفرد: فلا بأس له بالتطويل، هذا ما ذكره، والظاهر الذي نقله الجمهور: أنه يستحب للإمام الدعاء، كما يستحب لغيره، ثم الأحب أن يكون الدعاء أقل من التشهد، والصلاة على النبي في لأنه تبع لهما فإن زاد لم يضر، إلا أن يكون إمامًا فيكره له التطويل. وقوله: (وليتخير) مُعَلَّم بالحاء والألف؛ لما روينا، ويجوز أن يعلم بالواو أيضًا، لأن إمام الحرمين حكى في "النهاية" عن شيخه: أنه كان يتردد في مثل قوله: اللهم ارزقني جارية صفتها (١) كذا، ويميل إلى المنع منه وأنه يبطل الصلاة.
قال الغزالي: فَرْعٌ العَاجِزُ عَنِ التَّشَهُّدِ يَأْتِي بِتَرْجَمَتِهِ كَتَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ، وَالعَاجِزُ عَنِ الدُّعَاءِ بِالعَرَبِيَّةِ لاَ يَدْعُو بِالْعَجَمِيَّةِ بِحَالٍ، وَفِي سَائِرِ الأَذْكَارِ هَلْ يَأْتي بِتَرْجَمَتِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: لا يجوز لمن أحسن التشهد بالعربية أن يعدل إلى ترجمته كالتكبير، وقراءة الفاتحة، فإن عجز أتى بترجمته كتكبيرة الإحرام بخلاف القرآن، لا يأتي بترجمته؛ لأن نظمه معجز كما سبق، والصلاة على النبي -ﷺ- وعلى الآل إن أوجبناها كالتشهد، وأما ما عدا الواجبات من الألفاظ المشروعة في الصَّلاَةِ إذا عجز عنها بالعَرَبية، فقد قَسَّمَهَا المُصَنِّفُ قسمين:
أحدهما: الدعاء، فمنعه من أن يدعو بالعجمية مطلقًا.
والثاني: سائر الأذكار كثناء الاستفتاح، والقنوت، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع، والسجود، فقد روي منها في "الوسيط" ثلاثة أوجه:
أحدها: ليس له أن يأتي بترجمتها، لأنها مسنونة لا ضرورة إلى الإتيان بها.
والثاني: أنه يأتي بمعانيها، ويقيمها مقام العربية، كالتكبير والتشهد.
والثالث: ما يجيز تركه بالسجود يأتي بترجمته، وما لا فلا.
وقضية هذه الطريقة المنع من أن يأتي بالترجمة عند القدرة على العربية بطريق الأولى، ولم يجعل إمام الحرمين الدعاء قسمًا على إطلاقه لكن قال: ليس للمصلي أن يخترع دعوة بالعجمية ويدعو بها في صلاته، وإن كان له أن يدعو بغير الدعوات
_________________
(١) في أحسناء.
[ ١ / ٥٣٨ ]
المأثورة بالعربية، ثم حكى الوجوه الثلاثة في "الأذكار المسنونة"، وإيراده يشعر بالمنع من الذكر المخترع، كالدعاء المخترع، وتطرد الوجوه في الدعاء المسنون كما في سائر الأذكار المسنونة، ولا فرق، وصرح سائر الأصحاب بهذا الذي أشعر به كلامه، فقالوا: إذا عجز عن الأذكار العربية والأدعية المَسْنُونَةِ، هل يأتي بترجمتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرورة إليها بخلاف الواجبات.
وأصحهما: نعم. ليجوز فضلها، ولو أحسن العربية فهل يجوز له أن يأتي بالترجمة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز، كما في التكبير، والتشهد، ولو فعل تبطل الصلاة وذكر في "التهذيب" هذين الوجهين فيما إذا دعا بالعَجَمِيَّةِ مع القدرة على العربية، وأْطلقها في بعض التعاليق في جميع الأذكار.
إذا عرفت ذلك فقوله: (والعاجز عن الدعاء لا يدعو بالعجمية بحال) إن أراد به الدعاء المخترع الذي لم يؤثر -كما ذكره إمام الحرمين- فلا يلزم منه المنع من أن يأتي العاجز بترجمة الدعاء المسنون بعد التشهد جزمًا؛ بل يجري فيه الخلاف المذكور في سائر الأذكار، وإن أراد به مطلق الدعاء فما الفرق بين الدعاء المسنون، وبين التسبيح المسنون، ولم يمنع من ترجمة أحدهما جزمًا، ويجعل ترجمة الآخر على الخلاف، ويلزم على ذلك أن لا يأتي بترجمة: "اللهم اغفر لي وارحمني". في الجلوس بين السجدتين، وظاهر لفظه الاحتمال الثاني، ولذلك أعلم بالواو؛ إشارة إلى الوجه المجوز للترجمة مع القدرة على العربية، فإنه أولى بتجويزها عند العجز، ويجوز أن يعلم بالحاء أيضًا؛ لأن أبا حنيفة يجوز ترجمة القرآن، وإن كان قادرًا على نظمه، فترجمة الدعاء عند العجز أولى، بأن يجوزها، واعلم أنه إذا حمل كلامه على المحمل الثاني أشبه أن يكون هو منفردًا بنقل الفرق بين الدعاء وغيره، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّابِعُ السَّلاَمُ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَلاَ يَقُومُ (ح) مَقَامَهُ أَضْدَادُ الصَّلاَةِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَقُولَ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، وَلَو قَالَ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَوَجْهَانِ، وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الخُرُوجِ وَجْهَانِ، وَأكْمَلُهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ مَرَّتَيْنِ (ح م) فِي الجَدِيدِ مَعَ الالْتِفَاتِ مِنَ الجَانِبَيْنِ بِحَيْثُ تُرَى خَدَّاهُ وَمَعَ نِيَّةِ السَّلاَمِ عَلَى مَنْ عَلَى جَانِبَيْهِ مِنَ الجِنِّ وَالإنْسِ وَالمَلاَئِكَةِ، وَالمُقْتَدِي يَنْوِي الرَّدَّ عَلَى إِمَامِهِ بِسَلاَمِهِ.
قال الرافعي: لما وصف السلام بكونه ركنًا، فلو لم يقل -وهو واجب- لما ضره؛ لأن ركن الصلاة لا بد وأن يكون واجبًا، وإذا ذكرهما، فينبغي أن يعلما بالحاء، وكذلك قوله: (ولا يقوم مقامه أضداد الصلاة). لأن عند أبي حنيفة لو أتى بما ينافي
[ ١ / ٥٣٩ ]
الصلاة اختيارًا من حدث، أو كلام خرج به عن الصَّلاَةِ، وقام مقام السلام.
قال: ولو كان ناسيًا فلا يخرج به من الصلاة، ولا تبطل صلاته، لكي يتوضأ ويبني، ولو وقع ذلك من غير اختياره كانقضاء مدة المسح، ورؤية المتيمم الماء في الصلاة، تبطل صلاته.
لنا قوله -ﷺ-: "وَتَحْلِيلُهَا للتَّسْلِيمُ" (١) جعل التحليل بالتسليم (٢) فوجب ألا يحصل بغيره، ثم القول في أقل السلام وأكمله.
أما الأقل: فهو أن يقول: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ"، ولا بد من هذا النّظم؛ لأن النبي -ﷺ- كذلك كان يسلم، وهو كاف؛ لأنه تسليم، وقد قال -ﷺ-: "وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ". ولو قال: سلامٌ عليكم، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجزئه؛ لأنه نقص الألف واللام، فأشبه ما لو قال: سلام عليكم من غير تنوين.
وأظهرهما: أنه يجزئه، ويقوم التنوين مقام الألف واللام كما في التشهد يجزئه السلام، وسلام، ولو قال عليكم السلام فقد سبق حكمه في فصل التكبير، ولا يجزئه قوله: السلام عليك، ولا سلامي عليكم، ولا سلام الله عليكم، ولا: السلام عليهم، وما لا يجزئ فيبطل الصلاة إذا قاله عمدًا، سوى قوله: السلام عليهم، فإنه دعاء لا على وجه الخطاب، وهل يجب أن ينوي الخروج عن الصلاة بسلامه فيه وجهان: أحدهما: نعم، وبه قال ابن سريج، وابن القاص، ويحكى عن ظاهر نصه في البويطي؛ لأنه ذكر واجب في إحدى طرفي الصلاة، فتجب فيه النية، كالتكبير ولأن نظم السلام يناقض الصلاة في وصفه، من حيث هو خطاب الآدميين، ولهذا لو سلم قصدًا في الصلاة بطلت صلاته، فإذا لم يقترن به نية صَارِفَة إلى قصد التحلل كان مناقضًا.
والثاني: لا (٣) يجب ذلك وبه قال أبو حفص بن الوكيل، وأبو الحسين بن القطان، ووجهه القياس على سائر العبادات لا يجب فيها نية الخروج؛ لأن النية تليق بالإقدام دون التَّرْكِ، وهذا هو الأصح عند القفال. واختيار معظم المتأخرين، وحملوا نصه على الاستحباب.
_________________
(١) تقدم.
(٢) في أتحليلها بالسلام.
(٣) قياسًا على سائر العبادات، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة، ولكن تسن خروجًا من الخلاف. قاله في "المغني" ويستثنى من هذا مسألة واحدة استثناها الإمام وهي ما إذا سلم المتطوع في أثناء صلاته قصدًا، فإن قصد التحلل يفيد الاقتصار على بعض ما نرى، وإن سلم عمدًا ولم يقصد التحلل وإن كلامًا عمدًا مبطلًا، وحينئذ فلا بُدَّ من قصد التحلل في حق المتنفل الذي يريد الاقتصار على بعض ما نواه.
[ ١ / ٥٤٠ ]
فإن قلنا: تجب نية الخروج فلا تحتاج إلى تعيين الصلاة عند الخروج، بخلاف حالة الشُّرُوع، فإن الخروج لا يكون إلا عن المشروع فيه، ولو عين غير ما هو فيه عمدًا لبطلت صلاته على هذا الوجه، ولو سها سجد للسهو وسلم ثانيًا مع النية، بخلاف ما إذا قلنا: لا تجب نية الخروج، فإنه لا يضر الخطأ في التعيين، وعلى وجه الوجوب ينبغي أن ينوي الخروج مقترنًا بالتسليمة الأولى، فلو سلم ولم ينو بطلت صلاته، ولو نوى الخروج -قبل السلام- بطلت صلاته أيضًا.
ولو نوى قبله الخروج عنده، فقد قال في "النهاية": لا تبطل صلاته بهذا ولكنه لا يكفيه، بل يأتي بالنية مع السلام، ويجب على المصلي أن يوقع السلام في حال القعود إذا قدر عليه. وأما الأكمل فهو أن يقول: الكلام عليكم ورحمة الله. وهل يزيد على مرة واحدة؟ الجديد: أنه يستحب أن يقوله المصلي مرتين، لما روي عن ابن مسعود -﵁- "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُسَلِّمْ عَنْ يَمِينِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ" (١). ويحكى عن القديم قولان:
أحدهما: أن المستحب تسليمة واحدة؛ لما روي عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- "كَانَ يُسَلِّمُ تسليمة وَاحِدَةً، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ" (٢).
والثاني: أن غير الإمام يسلم تسليمة واحدة، ويفرق في حق الإمام بين أن يكون في القوم كثرة، أو كان حول المسجد لغط، فيستحب أن يسلم تسليمتين؛ ليحصل الإبلاغ، وإن قلوا: ولا لغط ثم فيقتصر على تسليمة واحدة؛ فإن قلنا: يقتصر على تسليمة واحدة (٣) فتجعل تلقاء وجهه، كما روي عن عائشة -﵂- وإن قلنا بالصحيح -وهو أنه يسلم تسليمتين، فالمستحب أن يلتفت [في الأولى عن يمينه، وفي الأخرى عن شماله، وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت] (٤) بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات، وكيف يلتفت؟ قال الشافعي -﵁- في "المختصر" حتى يرى (٥) خداه، وحكى الشارحون أن الأصحاب اختلفوا في معناه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٥) وأبو داود (٩٩٦) والنسائي (٣/ ٦٣)، وابن ما جة (٩١٤) والدارقطني (١/ ٣٥٦)، وابن حبان (١٩٨١) وأصله في الصحيحين.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٦) وابن ماجة (٩١٩) والدارقطني (١/ ٣٥٧)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، وابن حبان (١٩٨٦) والبيهقي (٢/ ١٧٩)، وضعفه الترمذي والبيهقي وأبو حاتم الرازي وابن عبد البر والدارقطني والبغوي، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين. انظر الخلاصة (١/ ١٤٣ - ١٤٤).
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ب.
(٥) في ط تدل.
[ ١ / ٥٤١ ]
منهم من قال: معناه حتى يرى خداه من كل جانب.
ومنهم من قال: حتى يرى من كل جانب خده، وهو الصحيح؛ لما روي أن النبي -ﷺ- "كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ" (١).
ثم المصلي إن كان إمامًا فيستحب له أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من على يمينه من الملائكة، وعلى [ومسلمي] الجن والإنس، وبالثانية السلام على من على يساره منهم، والمأموم ينوي مثل ذلك.
ويختص بشيء آخر: وهو أنه إن كان على يمين الإمام ينوي بالتسليمة الثانية الرد على الإمام، وإن كان على يساره ينويه بالتسليمة الأولى، وإن كان في محاذاته ينويه بأيهما شاء، وهو في التسلمية الأولى أحب، ويحسن أن ينوي بعض المأمومين الرد على البعض، وروي عن سمرة قال: "أَمَرَنَا رَسُول اللهِ -ﷺ- أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وأنْ يَنْوِيَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضَ" (٢)، وقال علي -﵁-: "كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيم عَلَى الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَربِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" (٣). وأما المنفرد فينوي بهما السلام على من على جانبيه من الملائكة، وكل منهم ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة أيضًا إن لم نوجبها. فقوله في الكتاب: (مرتين) ينبغي أن يعلم بالميم؛ لأن المنقول عن مالك أن الاختيار للإمام والمنفرد الاقتصار على تسيلمة واحدة، وأما المأموم فيسلم تسليمتين، ويروي عنه استحباب الاَقتصار على التسليمة الواحدة مطلقًا.
وقال أحمد في أصح الروايتين: التسليمتان جميعًا واجبتان مطلقًا، فيجوز أن يعلم قوله: (مرتين) بالألف؛ لأن عنده ليس ذلك من حد الكمال، ويجوز أن يعلم به قوله: (وأقله السلام عليكم) أيضًا.
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣/ ٦٣)، والدارقطني (١/ ٣٥٦) وقد تقدم.
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٠١) وابن ماجة (٩٢٢) والحاكم، وقال صحيح الإسناد وهو من رواية الحسن عن سمرة واختلف في سماعه منه فقال قوم: نعم مطلقًا، وهم علي بن المديني، والبخاري، والترمذي. وقوم قالوا: لا مطلقًا، وهم يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد القطان/ وابن حبان والبرديجي. وقوم قالوا: لم يسمع منه إلا حديث الحقيقة قاله النسائي، وابن عساكر، وادعى عبد الحق أن هذا هو الصحيح.
(٣) أخرجه الترمذي (٥٩٨) والنساني (٥٩٨) والنساني (٢/ ١١٩)، وابن ماجة (١١٦١) وقال الترمذي: حسن وقال إسحاق بن إبراهيم: إنه أحسن شيء روى في تطوع النبي -ﷺ- بالنهار، انظر الخلاصة (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
[ ١ / ٥٤٢ ]
وقوله: (بحيث يرى خداه) أراد به المعنى الثاني الصحيح على ما صرح به في "الوسيط"، فليكن مرقومًا بالواو للوجه الأول.
قال الغزالي: خَاتمَةٌ: لاَ تَرْتيبَ فِي قَضَاءِ الفَوَائِتِ، لَكِنَّ الأَحَبَّ تَقْدِيمُ الفَائِتَةَ عَلَى المُؤَدَّاة إِلاَّ إِذَا ضَاقَ وَقْتُ الأَدَاءِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةٌ وَهُوَ فِي المُؤَدَّاةِ أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالقَضَاءِ.
قال الرافعي: إذا فاتت الفريضة وجب قضاؤها، قال رسول الله -ﷺ-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (١).
أمر المعذور بالقضاء، ويلزم مثله في حق غير المعذور بطريق الأولى، وينبغي أن يقضي على الفور؛ محافظةً على الصلاة وتبرئة الذمة، وهل يجب ذلك؟ فيه كلام أخرناه إلى كتاب الحج؛ لأن صاحب الكتاب أورد المسألة ثم. وإذا قضى فائتة الليل بالليل جهر فيها، وإن قضى فائتة النهار بالنهار لم يجهر فيها، وإن قضى فائتة الليل بالنهار أو بالعكس؟ فالاعتبار بوقت القضاء في أصح الوجهين، وبوقت الأداء في الثاني، وإذا فاتته صلاة فالمستحب في قضائها الترتيب؛ لأن النبي -ﷺ- فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فقضاها على الترتيب (٢)، ولا يستحق في قضائها الترتيب، وكذا لا يستحق الترتيب بين الفائتة وصلاة الوقت، خلافًا لمالك وأبي حنيفة وأحمد:
لنا أنها عبادات مستقلة، والترتيب فيها من توابع الوقت وضروراته، فلا يبقى معتبرًا في القضاء، كصيام أيام رمضان، ولنفصل المذاهب فيه:
أما عندنا: فيجوز تقديم الفائتة المؤخرة على المقدمة، وتأخير المقدمة، ولو دخل عليه وقت فريضة، وتذكر فائتة نظر، إن كان وقت الحاضرة واسعًا فالمستحب له أن يبدأ بالفائتة، ولو عكس صحتا. وإن كان الوقت ضيقًا -بحيث لو بدأ بالفائتة لفاتته الحاضرة-، فيجب أن يبدأ بالحاضرة كيلا تفوت، ولو عكس صحتا أيضًا، وإن أساء ولو أنه تذكر الفائتة بعد شروعه في صلاة الوقت - أتمها، سواء كان الوقت واسعًا أو ضيقًا، ثم يقضي الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا تبطل بتذكر الفائتة الصلاة التي هو فيها، وروي أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاةً فَذَكَرَهَا، وَهُوَ فِي صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَلْيَبْدَأْ بِالَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإذَا فَرَغَ مِنْهَا صَلَّى الَّتِي نَسِيَ" (٣).
وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يدخل في حد التكرار،
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٢١)، والبيهقي (٢/ ٢٢٢)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٦٨٢) وضعفه.
[ ١ / ٥٤٣ ]
[بأن لا يزيد على صلوات يوم وليلة] (١)، فإن زادت جاز التنكيث، [وكذا لو كان عليه فائتة ودخل وقت الحاضرة، إن دخلتا مع ما بينهما في حد التكرار] (١) لم يجب إعادة الترتيب، إلا وجب الترتيب ولم يجز تقديم الحاضرة مع تذكر الفائتة، إلا أن يخشى فوات الحاضرة، فله تقديمها، وإن تذكرها في خلال صلاة الوقت بطلت إن وسع الوقت، فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت، وإن كان الوقت ضيقًا فلا تبطل، وإن تذكرها بعد ما فرغ من صلاة الوقت، فقد مضت على الصحة، ويشتغل بقضاء الفائتة.
ومذهب مالك يقرب من هذا، لكن نقل عنه أنه يستحب إذا تذكر الفائتة في خلال الحاضرة، أن يتمها، ثم يقضي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة؛ ونقل أيضًا أنه إذا تذكرها بعد الفراغ من الحاضرة، فعليه قضاء الفائتة، وإعادة الحاضرة، ولا يجعل النسيان عذرًا في سقوط الترتيب. وقال أحمد: يجب الترتيب في قضاء الفوائت وإن كثرت، حتى لو تذكر فائتة، ولم يعدها حتى طالت المدة، وهو يأتي بصلاة الوقت، فعليه قضاء تلك الفائتة، وإعادة جميع ما صلى بعدها. قال: ولو تذكر فائتة، وهو في الحاضرة، يجب عليه إتمامها، وقضاء الفائتة، وإعادة الحاضرة. إذا عرفت ذلك لم يخف عليك إعلام قوله: (لا ترتيب في قضاء الفوائت) بعلامتهم جميعًا، وكذا إعلام قوله: (أتم التي هو فيها) بالحاء؛ لأنها تبطل عنده؛ وبالميم؛ لأنا نعني بقولنا: (أتم)، أنه يجب عليه الإتمام، ومالك لا يوجبه، ولا حاجة إلى إعلامه بالألف. وقوله: (لكن الأحب تقديم الفائتة على المؤداة، إلا إذا ضاق وقت الأداء) أي فيجب تقديم المؤداة، ولا يجوز تقديم الفائتة، وليس الغرض مجرد سلب الأحبية.
واعلم أن هذه المسائل لا اختصاص لها بباب صفة الصلاة، لكن طرفًا منها مذكور في "المختصر" في أواخر هذا الباب، فتبرك المصنف بترتيب المزني -﵀- أو الشافعي -﵁- وجعلها خاتمة الباب.
تم الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني، وأوله:
الباب الخامس من كتاب الصلاة: "في شرائط الصلاة"
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٥٤٤ ]
فهرس محتويات
الجزء الأول
من
العزيز شرح الوجيز
[ ١ / ٥٤٥ ]
العزيز
شرح الوجيز
المعروف بالشرح الكبير
تأليف
الإمام أبي القاسم عبدالكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي
المتوفي سنة ٦٢٣ هـ
تحقيق وتعليق
الشيخ على محمد معوض الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الجزء الثاني
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة الصلاة - صلاة الجماعة - صلاة المسافرين - صلاة الجمعة
صلاة الخوف - صلاة العيدين - صلاة الخسوف - صلاة الاستسقاء
صلاة الجنائز - الزكاة
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
[ ٢ / ١ ]
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلميه بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا
الطبعة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
العنوان: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
تلفون وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٢ (٩٦١١).
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
[ ٢ / ٢ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ