قال الغزالي: فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَطَاهِرٌ إِذِ الأَوَّلُونَ لَمْ يَحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْهَارِ الصَّغِيرَةِ.
قال الرافعي: نشرح مسائل الماء الجاري. على ما ذكرها، ورواها في الأصل ثم [نورد] (١) فيها [إن شاء الله تعالى] ما ينبغي.
فنقول: الماء الجاري ينقسم إلى: ماء الأنهار المعتدلة، وإلى ماء الأنهار العظيمة.
القسم الأول: ماء الأنهار المعتدلة، والنجاسة الواقعة فيه، إما أن تكون مَائِعَةَ، أو جَامِدَةٌ، فإن كانت مائعة فينظر هل تغير الماء أم لا؟ فإن غيرته فالقدر المتغير نجس، وحكم غيره معه كحكمه مع النَّجَاسَةِ الجامدة، وإن لم تغيره، فينظر إن كان عدم التغير للموافقة في الأوصاف، فالحكم على ما ذكرنا في الراكد، وإن كان لقلة النجاسة وانمِحَاقِهَا فيه لم ينجس الماء، وإن كان قليلًا؛ لأن الأولين كانوا يَسْتَنْجُونَ على شُطُوطِ الأنهار الصغيرة، ولا يرون ذلك تنجيسًا لِمِيَاهها، وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب.
قال الغزالي: وَإِنْ كانَتْ جَامِدَةً تَجْرِي بِجَرْيِ المَاءِ فَمَا فَوْقَ النَّجَاسَةِ وَمَا تَحْتَهَا طَاهِرٌ لِتفَاصُلِ جَرَيَاتِ المَاءِ، وَمَا عَلَى جَانِبَيْهَا فِيهِ طَرِيقَانِ، قيلَ بِطَهَارَتهِ، وَقِيل بِتَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلِ التَّبَاعُدِ، وإِنْ كانَتِ النَّجَاسَةُ وَاقِعَةٌ فَالحُكْمُ مَا سَبَقَ إِلاَّ أَنَّ مَا يَجْرِي مِنَ المَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيَنْفَصِلُ عَنْهَا فَهُوَ نَجِسٌ فِيمَا دُونَ القُلَّتَينِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى القُلَّتَينِ أَعْنِي مَا بَيْنَ المُغتَرَفِ وَالنَّجَاسَةِ فَوَجْهَانِ: أَظْهَرَهُمَا: المَنْعُ إِلاَّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي حَوْضِ مُتَرَادًّا فإِنَّ الجَارِي لاَ تَرَادَّ لَهُ فَهِيَ مُتَفَاصِلَةُ الأَجْزَاءِ.
_________________
(١) في ط (نرد).
[ ١ / ٥٤ ]
قال الرافعي: أما إذا كانت النجاسة جامدة كَالمَيتَةِ، فإن غيرت شيئًا من الماء فهو نجس، وإن لم تغير فينظر أتجري مع الماء، أم هي واقفة، والماء يجري عليها؟ فإن كانت تجري مع الماء فما فوقها الذي لم يصل إلى النجاسة وما تحتها الذي لَمْ يَصِلْ إليه النجاسة طاهران لتفاصل أجزاء الماء الجاري، فإن كل جَرْيَةٍ منه طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها بخلاف الرَّاكِدِ، فإن أجزاءه مُتَرَادَّةٌ مُتَعَاضِدَةٌ. وأما ما على يمينها، وشمالها، وفي سمتها إلى العمق، أو وجه الماء. فيه طريقان:
أحدهما: القطع بالطهارة، لما ذكرنا من تفاصل الأجزاء.
والثاني: التخريج على قولي التباعد كالراكد، والتَّفَاصُلُ إنما يكون في طول النهر لانحدار الماء فيه لا في العَرْضِ، ومنهم من أجرى خلاف التَّبَاعُدِ فيما تحت النَّجَاسَةِ دون ما فوقها؛ لأن ما تحتها مستمد من موضعها. وفي كلام العراقيين ما يقتضي طرده في جميع الجوانب. فينبغي أن يعلم قوله: "فيما فوق النجاسة، وما تحتها طاهر" بالواو، إشارة إلى الخلاف المذكور، وإن كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها، فالحكم كما لو كانت جارية مع الماء، ونزيد هاهنا أن ما يجري من الماء على النجاسة، وهو قليل ينجس بملاقاتها، ولا يجوز الاغْتِرَافُ منها إذا كان بين النجاسة، وموقع الاغْتِرَافِ دُونَ القُلَّتَينِ، فإن بلغ قلتين في الطول فوجهان:
أحدهما: وبه قال صَاحِبُ "التَّلْخِيص"، وأبُو إسْحَاقَ -رحمهما الله، أنه طاهر يجوز الاغتراف منه لحيلولة قدر القلتين، ودفعه النَّجَاسَة، وأصحهما، وبه قال ابن سريج: أنه نجس، وإن امتد الجَدْوَلُ فَرَاسِخَ لما سبق أن أجزاء الماء الجاري مُتَفَاصِلَةٌ، فلا يتقوى البعض منها بالبعض، ولا تندفع النجاسة إلا بأن تجتمع في حَوْضٍ، أو حفرة مترادًا، وقد يسأل فيقال: ماء هو ألف قلة، وهو نجس من غير أن يتغير بالنجاسة هذا صورته.
قال الغزالي: هَذَا فِي الأَنْهَارِ المُعْتَدَلَةِ، فَأَمَّا النَّهْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّبَاعُدُ فِيهِ عَنْ جَوَانِبِ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ القُلَّتَينِ فَلاَ يُجْتَنَبُ فِيهِ إِلاَّ حَرِيمُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الَّذِي تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا الحَرِيمُ مُجتَنَبٌ أيْضًا في المَاءِ - الرَّاكِدِ.
قال الرافعي: بَيَّنَا انقسام الماء الجاري إلى ماء الأنهار المعتدلة، وإلى ماء الأنهار العظيمة وذكرنا حكم القسم الأول، أما النَّهْرُ العَظِيمُ فلا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة، ولا يعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في التَّبَاعُدِ عما حَوَالَى النجاسة، وحَكَى في البَسِيْطِ وجهًا آخر: أنه يجري الخلات فيه أيضًا، ولا بد من بيان العظيم، والحريم، وقد أشار إلى تفسيرهما في الكتاب. أما العظيم، فقد قال: هو الذي يمكن التباعد فيه عن جوانب
[ ١ / ٥٥ ]
النجاسة كلها بقدر القلتين. والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك، ويدخل فيه الجَدَاوِلُ الصَّغِيرَةُ التي يجري فيها الماء اليسير، والأنهار التي يبلغ ما بين حافتيها قدر قلتين، ولكن لا يمكن التباعد فيها بقدر قلتين من كل جانب، وذكر إمام الحرمين -﵁- أن النهر المعتدل هو الذي يفرض تغيره بالنَّجَاسَاتِ المُعْتَادَةِ، والعظيم ما لا يمكن تَغَيُّرُهُ بها (١). قال: والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي العظيم، وأما الحريم فقد فسّرَه بما يتغير شكله بسبب النجاسة، يعني ما ينسب إلى النجاسة بتحريكه إياها، وانعطافه عليها، أو التفافه بها، ولهذا اعتبر التغير في الشَّكلِ دون الرَّائِحَةِ، وسائر الصفات، وفي وجوب اجتناب الحريم، وجهان حكاهما في البسيط.
أحدهما: أنه لا يجتنب كغيره.
والثاني: وهو الذي ذكره هاهنا أنه يجتنب وإن لم يوجب التباعد [لأنه] في العِيَافَةِ وَالاسْتِقْذَارِ، كالمتغير بالنجاسة.
[ثم قال: "وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد" أيضًا] (٢) وذكر في "البسيط" أنه لا يجتنب في الماء الراكد، وفرق بينه وبين الجاري على أحد الوجهين، بأن الراكد لاَ حَرَكَةَ له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم، فكما يَجُوزُ الاغْتِرَافُ مما بعد من النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها، وهذه الاختلافات تقتضي إعلام المُسْتَثْنى والمُستَثْنَى منه، في قوله: "فلا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة"، لأن منهم من أوجب اجتناب غير الحريم، ومنهم من لم يوجب اجتناب [غير] الحريم أيضًا، وكذلك إعلام قوله: "وهذا الحريم يجتنب أيضًا في الماء الراكد" فهذا شرح ما ذكره، ونعود إلى المَوْعُودِ، ونذكر أمورًا من شرط محصل هذا الكتاب أن يعرفها.
أحدهما: حكمه بِطَهُورِيَّةِ القليل من الجاري إذا وقعت فيه نجاسة مائعة، ولم تغيره، كأنه اختيار القول القديم الذي حكاه صاحب التلخيص، وغيره في أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وذلك القول قد اختاره طَائِفَةٌ من الأصحاب، ووجهوه بشيء آخر سوى ما ذكره في الكتاب، وهو أن الماء الجاري وارد على النجاسة، فلا
_________________
(١) قال النووي: غير الماء من المائعات ينجس بملاقاة النجاسة، وان كثر. وإنما لا ينجس الماء لقوته. ولو توضأ من بئر، ثم أخرج منها دجاجة منتفخة، ولم يلزمه إن يعيد من صلاته إلا ما تيقن أنه صلاها بالماء النجس. ذكره صاحب (العدة) والله أعلم. وصورة المسألة. أن يكون ماء البئر قليلًا، أمَّا إذا كان كثيرًا ولم يفتت شيء من أجزائها، فالماء الذي ينزعه من البئر طاهر وصلاته صحيحة، وذكر الدجاجة مثال، وإنما وصفها بالنفخ ليدل على تقادم موتها. ينظر الروضة ١/ ١٣٧.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٥٦ ]
ينجس إلا بالتغير، كالماء الذي تزال به النجاسة، لكن المذهب الذي عليه الجمهور، الفرق بين القليل والكثير، كما في الرَّاكِد، ونجاسة القليل بمجرد الملاقاة، وتدل عليه الأخبار الفارقة بين القليل والكثير، فإنها تَعُمُّ الرَّاكِدَ والجاري.
والثاني: لم يتعرض في تفصيل النجاسة الجَامِدَةِ للفرق بين القليل من الماء والكثير، ولا بد منه لأنه لا يمكن أن تكون مَسَائِلُه كلها مفروضة في الكثير وحده، ولا في الكثير والقليل جميعًا، وإلاَّ كان الوجهان في نجاسة الماء الجاري على المَيْتَةِ جاريين في الكثير الذي تبلغ كل جَرْيَةٍ منه قلتين فصاعدًا، وهذا محال، ولا يمكن أن تكون كلها مفروضة في القليل وحده، وإلا كان خلاف التباعد جاريًا فيما على يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد؛ بَلِ الوَجْهُ الحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ عند القلة وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" (١) وغيره.
الثالث: قضية كلام الأكثرين تصريحًا، وتلويحًا، أنه لا فرق بين الحَرِيمِ وغيره لا فِي الرَّاكِدِ ولا في الجَارِي على خلاف ما ذكره. لأنه إما أن يكون طاهرًا في نفسه، أو نجسًا، إن كان طاهرًا، فلا معنى لوجوب الاجتناب، وإن كان نجسًا، فيلزم نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتى يتعدى إلى جميع [الراكد وإلى جميع] (٢) ما في عرض النهر في الماء الجاري.