قال الغزالي: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا ذَكَرًا، فَلاَ يَصِحُّ أَذَانُ كَافِرٍ وَامْرَأَةٍ وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ مُخَبطٍ، وَيصِحُّ أَذَانُ الصَّبِي المُمَيِّزِ.
[ ١ / ٤١٨ ]
قال الرافعي: الصفات المعتبرة في المؤذن تنقسم إلى مستحقة ومستحبة، فبدأ بالمستحقة وهي الإسلام، والعقل، والذكررة. أما الإسلام فلا يصح أذان الكافر؛ لأنه ليس من أهل العبادة، ولأنه لا يعتقد مضمون الكلمات، ولا الصلاة التي هي دعاء إليها فإتيانه به ضرب من الاستهزاء، ثم الكفار ضربان:
أحدهما: الدين يستمر كفرهم مع الإتيان بالأذان وهم العيسوية فرقة من اليهود، ويقولون: محمد رسول الله إلى العرب خاصة، فلا ينافي لفظ الأذان مقالتهم.
والثاني: سائر الكفار، وفي الحكم بإسلامهم بكلمتي الشهادة في الأذان وجهان نقلهما صاحب "البيان":
أحدهما: لا تحكم؛ لأنه يأتي به على سبيل الحكاية.
وأصحهما: وهو المشهور في الكتب: أنه يحكم بالإسلام، كما لو تكلم بالشهادتين باستدعاء غيره، فعلى هذا لا يستمر كفر هؤلاء مع الإتيان بالأذان، ولكنه لا يعتد بأذانهم؛ لوقوع أوله في الكفر.
وأما العقل: فهو شرط، فلا يصح أذان المجنون، لأنه ليس أهلًا للعبادة، وفي أذان السكران وجهان مبنيان على الخلاف في تصرفاته واعتبار قصده.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يلحق بالمجنون تغليظًا للأمر عليه، وإنما شرط كونه مخبطًا إشارة إلى أن الذي هو في أول النشو ومبادئ النشاط يصح أذانه كسائر تصرفاته لانتظام قوله وفعله.
وأما الذكورة فلا يصح من المرأة أن تُؤَذِّنَ للرجال كما لا يجوز أن تؤمهم، وكذلك لا يعتد بأذان الخنثى المشكل، للرجال، وأما أذان المرأة لنفسها ولجماعة النساء فقد سبق حكمه.
وقوله: "ولا يصح أذان كافر وامرأة" المراد منه ما إذا أذنت للرجال، وإن كان الكلام مطلقًا، ويصح الأذان من الصبي المميز، لوجود الشرائط الثلاث وصار كإمامته للبالغين وليكن قوله: "ذكرًا" وقوله: "وامرأة" مرقومًا بالحاء؛ لأن المحكي عن أبي حنيفة أنه يعتد بأذانها للرجال، وبالواو لأن صاحب التتمة روي وجهان مثل ذلك وليكن قوله: "ويصح أذان الصبي المميز" معلمًا بالواو أيضًا لأن صاحب التتمة روى أنه لا يعتد بأذانه. ومأخذ الوجهين الغريبين تنزيل الأذان منزلة الإخبار، لأنه بناء عن دخول الوقت وخبر المرأة مقبول، وخبر الصبي غير مقبول.
قال الغزالي: وَتُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ في الأَذَانِ، وَيَصِحُّ بِدُونِهَا، وَالكَرَاهِيَةُ فِي الجُنُبِ أَشَدُّ، وَفي الإِقَامَةِ أَشَدُّ.
[ ١ / ٤١٩ ]
قال الرافعي: يستحب الطهارة في الأذان ولا تجب خلافًا لأحمد وبعض أصحابه. لنا: ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "حَقٌّ وَسَنَّةٌ أَنْ لاَ يُؤَذِّنَ الرَّجَلُ إِلاَّ وَهُوَ طَاهِرٌ" (١). وهذا يقتضي الاستحباب وينفي الوجوب، وروي أنه -ﷺ- قال: "لاَ يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِئٌ" (٢).
وأيضًا: فإنه يدعو إلى الصلاة فينبغي أن يكون هو بصفة تمكنه أن يصلي، إلا فهو واعظ غير متعظ، فلو أذن، أو أقام جنبًا، أو محدثًا فقد فعل مكروهًا، ولكن يحسب أذانه؛ لحصول مقصوده وكونه أهلًا، وأذان الجنب أشد كراهةً من أذان المحدث؛ لأن الجنابة أغلظ، وما يحتاج إليه الجنب لتمكنه الصلاة فوق ما يحتاج إليه المحدث، والإقامة مع أي واحد من المحدثين اتفقت أشد كراهة من الأذان مع ذلك الحدث؛ لأن الإقامة يتعقبها الصلاة، وتكون بعد حضور القوم فإن انتظروه ليتطهر ويعود شق عليهم، إلا ساءت الظنون فيه واتهم بالكسل في الصلاة.
قال الغزالي: وَلْيَكُنِ المُؤَذِّنُ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِسَامِعِيهِ، وَلْيَكُنْ عَدْلًا ثِقَةً لِتَقَلُّدِهِ عُهْدَةَ المَوَاقِيتِ.
قال الرافعي: مما يستحب في المؤذن أن يكون صيّتًا لقوله -ﷺ-، في قصة عبد الله بن زيد: "أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ، فَإنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا" (٣).
والمعنى فيه: زيادة الإبلاغ والإسماع؛ ولهذا يستحب أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه لتنسد خروق الأذنين فيكون أجمع للصوت، وأن يؤذن على موضع عالٍ من منارة وسطح ونحوهما، ومما يستحب فيه أن يكون حسن الصوت "لأَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- اخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ" (٤) ولأن الدعاء إلى العبادة جذب للنفوس إلى خلاف ما تقتضيه طباعها، فإذا كان الداعي حلو المقال رقت قلوب السامعين فيكون ميلهم إلى الإجابة أكثر، ومما يستحب فيه أن يكون عدلًا لمعنيين:
أحدهما: أن السنة أن يؤذن على موضعٍ عالٍ، وحينئذ يشرف على العورات، فإذا كان عدلًا غض البصر وأُمِنَ منه.
والثاني: أنه يتقلد عهدة المواقيت، فإذا كان فاسقًا لم يؤمن أن يؤذن قبل الوقت، وهذا المعنى الثاني هو الذي ذكره في الكتاب، فإن قلت: قد قَدَّمْتُم فيما سبق خلافًا في
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٣٩٧) من قول وائل بإسناد منقطع.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٠ - ٢٠١) من رواية أبي هريرة مرفوعًا ومرسلا، وقال المرسل أصح، والبيهقي في السنن (١/ ٣٩٧).
(٣) وهو حديث عبد الله بن زيد المتقدم تخريجه.
(٤) أخرجه الدارمي (١١٩٩)، وابن خزيمة (٣٧٧) وصححه.
[ ١ / ٤٢٠ ]
أنه هل يجوز الاعتماد على أذان المؤذن أم لا؟ فإن جاز فربما يؤذن قبل الوقت فيفطر الصائم ويصلي المبادر، فيلزم المحذور، أما إذا لم يجز فكل يعمل بعمله واجتهاده فلا يستمر هذا المعنى، قلنا الأذان قبل الوقت غير محسوب ولا يؤمن أن نقدمه على الوقت فيكون القوم مصلين بغير أذان، وكل أحد وإن اجتهد للصلاة فلا يجتهد للآذان فظهر المحذور على التقدير الثاني أيضًا.
وأما قوله: "عدلًا ثقة" فلعلك تقول: لم جمع بين اللفظين؟ فاعلم أنهما جميعًا موجودان في كلام الشافعي -﵁-، واختلف الأصحاب منهم من قال: إنه تأكيد في الكلام، ومنهم من قال: أراد عدلًا في دينه ثقةً في العلم بالمواقيت، ومنهم من قال: أراد عدلًا إن كان حرًا، ثقة إن كان عبدًا؛ لأن العبد لا يوصف بالعدالة لكن يوصف بالثقة والأمانة.
قال الغزالي: والإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْذِينِ عَلَى الأَصَحِّ لِمُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَلَيْهَا.
قال الرافعي: كل واحد من الأذان والإمامة عمل فيه فضيلة، ثم لا يخلو إما أن تكون الإمامة أفضل من الأذان أو بالعكس أو لا يكون واحد منهما أفضل من الآخر، ورابع هذه الأقسام محال.
فأما القسم الثالث: وهو التسوية بينهما فهو وجه غريب لبعض الأصحاب حكاه صاحب "البيان" وغيره، وأما القسمان الأولان ففيهما وجهان مشهوران:
أحدهما: أن الإمامة أفضل؛ لأن الرسول -ﷺ- واظب عليها دون الأذان، وكذا الخلفاء بعده.
والثاني: أن الأذان أفضل لقوله -ﷺ-: "الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاء وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ فَأرْشِدِ اللَّهُمَّ الأَئِمَّةَ واغْفِرْ لِلْمُؤذِّنِينَ" (١)، والأمين أحسن حالًا من الضمين، والدعاء بالمغفرة خيرٌ من الدعاء بالإرشاد، واعتذر الصائرون إلى هذا الوجه عن ترك الرسول -ﷺ- الأذان بوجوه:
أحدها: أنه إذا قال: حي على الصلاة لزم أن يتحتم حضور الجماعة؛ لأنه أمر ودعاء وإجابة النبي -ﷺ- واجبة، فتركه شفقة على أمته.
والثاني: إنه لو أذن لكان إما أن يقول أشهد أن محمَّدًا رسول الله وليس ذلك يجزل والقائل محمد الرسول -ﷺ-، وإما أن يقول أشهد أني رسول الله وهو تغيير لنظم الآذان.
_________________
(١) أخرجه الشافعي (١٥٧) وأبو داود (٥١٧) والترمذي (٢٠٧) وأحمد في المسند (٢/ ٤١٩) قال ابن الملقن: قال أحمد ليس له أصل، وقال ابن المديني طرقه معلولة، وصححه ابن حبان والعقيلي، انظر الخلاصة (١/ ١٠٤ - ١٠٥).
[ ١ / ٤٢١ ]
والثالث: أنه ما كان يفرغ للمحافظة على الآذان لاشتغاله بسائر مهمات الدِّين، وغيره والصلاة لا بد من إقامتها بكل حال فأثر الإمامة فيها، وإلى هذا الوجه أشار عمر ﵁ بقوله: "لَوْلاَ الخِلَّيْفَى لَأذَّنْتُ" (١) ولمن نصر الوجه الأول أن يقول: لا أسلم أنه لو أذن لتحتم الحضور وإنما يلغ ذلك أن لو كان الأمر والدعاء في هذا الموضع للإيجاب، ومعلوم أن الأوامر منقسمة إلى ما يكون للإيجاب، وإلى ما يكون للاستحباب (٢).
وأما الثاني فلم قلتم: أنه لو قال أشهد أن محمدًا رسول الله لاختلت الجزالة ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٣) ونظائر ذلك (٤) لا تحصى، ثم ما قولكم في كلمة الشهادة في التشهد أكان يقول أشهد أن محمدًا رسول الله أو يقول أشهد أني رسول الله، فإن كان الأول فلا اختلال، وإن كان الثاني هو المنقول فلم احتمل تغيير النظم فيه، ولا يحتمل هاهنا.
وأما الثالث فلا نسلم أن الاشتغال بسائر المهمات يمنع من الأذان مع حضور الجماعة وإقامة الصلوات في أول الوقت بتقدير التسليم فلا شك أنه كان له أوقات فراغ فينبغي أن يؤذن في تلك الأوقات.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي اختاره كثيرون من أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه أن الأذان أفضل وَغلَّطُوا من صار إلى تفضيل الإمامة وبالغوا فيه وتابعهم صاحب "التهذيب" وعكس المصنف ذلك فجعل تفضيل الإمامة أصح، والذي فعله أولى وإليه ذهب صاحب "التقريب" والقفال، والشيخ أبو محمد وغيرهم. ورجحه القاضي الرّوياني أيضًا، وحكاه عن نص الشافعي -﵁- في كتاب "الإمامة" وعلل بأن الإمامة أشق فيكون الفضل فيها أكثر، وتوسط بعض علمائنا بين المذهبين، منهم أبو علي الطبري والقاضي ابن كج، والمسعودي، والقاضي الحسين، فقالوا: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وما ينوب فيهما واستجمع خصالها فالإمامة أفضل له، وإلا فالآذان
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٦) بإسناد جيد.
(٢) الوجوب في اللغة، السقوط والثبوت والإستقرار، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي سقطت ثابتة على الأرض لازمة محلها، والواجب: الساقط والثابت والمستقر. واصطلاحًا ما لزم تاركه شرعًا على بعض الوجوه، وقيل الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا سواء كان ذلك بدليل قطعي، أو بدليل ظني خلافًا للأصناف والاستحباب اصطلاحًا: ما طلبه الشارع طلبًا غير جازم، انظر القاموس المحيط (٢/ ٣٣٩)، المحصول (١/ ١١٧) الابهاج (١/ ١٥٥) منتهى الوصول لابن الحاجب بن المستصفى (١/ ٤٢)، الإحكام للطومدي (١/ ١٣٨).
(٣) سورة يس: الآية ١١.
(٤) فقط في ب.
[ ١ / ٤٢٢ ]
أفضل، وأما الجمع بين الآذان والإمامة فلا يستحب [لأنه] لم يفعله الرسول -ﷺ-، ولا أمر به، ولا السلف الصالح بعده (١)، وأغرب القاضي ابن كج فقال: الأفضل لمن يصلح لهما أن يجمع بينهما، ولعله أراد الآذان لقوم والإمامة لآخرين والله أعلم.
قال الغزالي: وَللإمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى الأَذَانِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَهَلْ لِآحَادِ النَّاسِ ذَلِكَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المؤذن يستحب له التطوع بالأذان، لما روي أنه -ﷺ- قال: "مَنْ أذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ" (٢).
فإن لم يتطوع وطمع في شيء ففيما يصرف إليه؟ طريقان:
أحدهما: إدرار رزق عليه.
والثاني: أن يعطي أجرة في إجارة، والمذكور في الكتاب هو الثاني، فأما الطريق الأول فللإمام أن يرزق المؤذن من مال المصالح وهو خمس خمس الفيء، والغنيمة المضاف إلى الله تعالى ورسوله، ولا يرزقه من أربعة أخماس خمسها؛ لأنها لأقوام مخصوصين كالزكاة، وكذا لا يرزقه من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنها للغانمين، وفي أربعة أخماس الفيء قولان يأتي ذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى، إن جعلناها للمصالح جاز أن يرزقه منها، وإلا فلا، ثم إنما يرزق عند الحاجة وعلى قدر الحاجة، فلو وجد فاسقًا يتطوع بالأذان [وأمينًا لا يتطوع] فله أن يرزق أمينًا لا يتطوع.
وفيه وجه: بعيد، ولو وُجِدَ أمينًا يتطوع وثَمَّ آخر حسن صوتًا منه فهل يجوز أن يرزقه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينسب إلى ابن سريج: نعم.
_________________
(١) قال الحافظ: كذا قال وقد روي قوله: وأما الجمع بين الأذان والإقامة فلا يستحب، لأنه لم يفعله رسول الله -ﷺ- ولا أمر به، ولا السلف الصالح بعده، كذا قال وقد روى الترمذي وأحمد. والدارقطني من حديث يعلى بن مرة: أن النبي -ﷺ- أذن وهو على راحلته، وأقام وهو على راحلته، ولفظ الترمذي: أنهم كانوا مع النبي -ﷺ- في مسير فانتهوا إلى مضيق، وحضرت الصلاة فمطروا، فإذن رسول الله -ﷺ- وأقام، فتقدم على راحلته فصلى بهم، يومئ إيماء وقال: تفرد به عمر بن الرماح وقال عبد الحق: إسناده صحيح، والنووي: إسناده حسن، وضعفه البيهقي وابن العربي وابن القطان، لحال عمر بن عثمان، وقد رواه الدارقطني من هذا الوجه بلفظ: فأمر المؤذن فأذن وأقام، أو أقام بغير أذان ثم تقدم فصلى بنا على راحلته، ورجح السهيلي هذه الرواية لأنها بينت ما أجمل في رواية الترمذي: وإن كان الراوي له عن عمر بن الرماح عنده شديد الضعف.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٦) وابن ماجه (٧٢٧) من رواية ابن عباس، وقال الترمذي غريب وجابر الجعفي ضعفوه.
[ ١ / ٤٢٣ ]
والثاني: ويحكى عن القفال: لا، وإذا كان في البلد مساجد: فإن لم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عددًا من المؤذنين تحصل بهم الكفاية ويتأدى الشعار، وإن أمكن فوجهان.
أحدهما: يجمع ويقتصر على رزق واحد نظرًا لبيت المال.
والثاني: يرزق الكل حتى لا تتعطل المساجد ولو لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالأهم وهو رزق مؤذن الجامع، وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره، وكما يجوز الرزق من بيت المال يجوز للإمام أن يرزق من مال نفسه، وكذلك للواحد من الرعايا وحينئذ لا حجر، يرزق كما شاء ومتى شاء.
وأما الطريق الثاني: وهو أن يستأجر على الأذان ويعطي أجرة عليه فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه لا يجوز، لأنه عمل يعود نفعه إلى الأجير، فلا يصح الاستئجار عليه كالاستئجار على القضاء لا يجوز وإن جاز أن يرزق القاضي من بيت المال، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، ويقال: إن ابن المنذر نقله عن الشافعي -﵁-.
وأصحهما: أنه يجوز، وبه قال مالك؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فيجوز أخذ الأجرة عليه ككتبة المصاحف، وعلى هذا فهل يختص الجواز بالإمام أم يجوز لكل واحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يختص بالإمام، أو من أذن له الإمام؛ لأنه من الشعائر والمصالح العامة، والإمام هو القوام بها فيصرف مال بيت المال إلى هذه الجهة.
وأظهرهما: إنه يجوز لآحاد الناس من أهل المحلفة وغيرهم الاستئجار عليه من مالهم، كالاستئجار على الحج، وتعليم القرآن، ويحصل من هذا الترتيب ثلاثة أوجه:
المنع المطلق، والجواز المطلق والفرق بين الإمام وغيره، وقد ذكرها المصنف جميعًا في باب "الإجارة" من الكتاب وإن لم يذكر في الإمام خلافًا في هذا الموضع، فلو أعلمت قوله: "وللإمام أن يستأجر" بالواو مع الحاء والألف لكان صحيحًا، والمذكور في الإجارة يشتمل على القدر المذكور هاهنا مع زيادة، فلو طرحه لما ضر، وإذا فرعنا على جواز الاستئجار فإنما يجوز للإمام الاستئجار من بيت المال حيث يجوز له الرزق منه خلافًا ووفاقًا، وذكر في "التهذيب" أنه لا يحتاج إلى بيان المدة إذا استأجر من بيت المال؛ بل يكفي أن يقول: استأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا، وإن استأجر من مال نفسه أو استأجر واحد من عرض الناس ففي
[ ١ / ٤٢٤ ]
اشتراط بيان المدة وجهان. قال: والإقامة تدخل في الاستئجار للأذان، فلا يجوز الاستئجار على الإقامة إذ لا كلفة فيها، وفي الآذان كلفة لمراعاة الوقت، وليست هذه الصورة بصافية عن الإشكال.
قال الغزالي: فَرْعٌ: إِذَا كَثُرَ المُؤَذِّنُونَ فَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَاسَلُوا بَلْ إنْ اتَّسَعَ الوَقْتُ تَرَتَّبُوا، ثُمَّ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا فَهُوَ يُقِيمُ فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرعَ بَيْنَهُمْ، وَوَقْتُ الإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْإمَامِ، وَوَقْتُ الأَذَان بِنَظَرِ المُؤَذِّنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: الفرع يشتمل على قاعدتين:
أحدهما يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان كما "كَانَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺبِلاَلٌ وَابْنُ أَمَّ مَكْتُومٍ".
ومن الفوائد فيه: أن يؤذن أحدهما لصلاة الصبح قبل الفجر والآخر بعده كما تقدم، وتجوز الزيادة لكن الأحب أن لا يزاد على أربعة، فقد اتخذ عثمان -﵁- أربعةً من المؤذنين، ولم يزد الخلفاء الراشدون على هذا العدد (١)، وإذا ترشح للأذان اثنان فصاعدًا فلا يستحب أن يتراسلوا بالأذان إذ لم يفعله مؤذنا رسول الله -ﷺ- ولكن ينظر إن وسع الوقت ترتبوا فإن تنازعوا في البداية أقرع بينهم، وإنضاق الوقت فإن كان المسجد كبيرًا أذنوا متفرقين في أقطار المسجد فإنه أبلغ في الإسماع، وإن كان صغيرًا وقفوا معًا وأذنوا، وهذا إذا لم يؤدّ اختلاف الأصوات إلى تشويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد، فإن تنازعوا أقرع بينهم، روي أنه -ﷺ- قال: "لَوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (٢).
وإذا انتهى الأمر إلى الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أولى بالإقامة لما روى عن زياد الصدائي قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ فَأَرَادَ بِلاَلُ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ -ﷺ-: إِنَّ أَخَا صَدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" (٣).
وهذا إذا لم يكن مؤذنًا راتبًا أو كان السابق هو المؤذن الراتب، فأما إذا سبق غير المؤذن الراتب فأذن فهل يستحق ولاية الإقامة؟ فيه وجهان:
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢١٢) هذا الأثر ذكره جماعة من فقهاء أصحابنا، منهم صاحب المهذب وبيض له المنذري والنوري، ولا يعرف له أصل.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٥) ومسلم (٤٣٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٢٤) والترمذي (١٩٩)، وابن ماجه (٧١٧) وقال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث، وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي، وفي رواية الطبراني وابن شاهين ما ظاهرها أن بلالًا كان غائبًا، وكان أذان زيادة في صلاة الصبح كما روياه أيضًا، قال ابن الملقن في الخلاصة (١/ ١٠٥ - ١٠٦).
[ ١ / ٤٢٥ ]
أحدهما: نعم لإطلاق الخبر.
وأظهرهما: لا؛ لأنه مسيء بالتقدم، وفي القصة المروية كان بلال غائبًا وزياد أذن بإذن رسول الله -ﷺ-.
وإذا قلنا: ولاية الإقامة لمن أذن أو لا فليس ذلك على سبيل الاستحقاق، بل لو أذن واحد، وأقام غيره اعتد به روى أن عبد الله بن زيد: "لَمَّا أَلْقَى الأَذَانَ عَلَى بِلاَلٍ فَأذَّنَ قَالَ عَبْدُ اللهِ أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أرِيدُهُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَأَقِمْ أَنْتَ" (١).
وحكى صاحب "التتمة" وغيره وجهًا أنه لا يعتد به تخريجًا من قول الشافعي -﵁- أنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر، فهذا إذا أذنوا على الترتيب.
أما إذا أذنوا معًا فإن اتفقوا على إقامة واحد فذاك، وإلا أُقرع بينهم، ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، فإنها لاستنهاض الحاضرين، إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد.
وقيل: لا بأس، وبأن يقيموا معًا أيضًا إن لم يؤد إلى التشويش.
ونعود إلى لفظ الكتاب قوله: (فلا يستحب أن يتراسلوا بل إن وسع الوقت ترتبوا) نفي لاستحباب التراسل مطلقًا وبيان لما يتسحب على أحد التقديرين، وهو سعة الوقت، وكان اللائق أن يبين معه حكم التقدير الثاني، فالتعرض لأحدهما والسكوت عن الثاني ترك غير مستحسن لا إيجاز. فإن قلت: تقدير للترتيب بما إذا وسع الوقت يفيد أن الحكم بخلافه فيما إذا لم يسع الوقت. قلنا: نعم، لكن لا يفيد إلاَّ أنهم يترتبون، ولا يعرف من ذلك أنهم يؤذنون جميعًا؛ لأن هاهنا قسمًا آخر وهو: أنه لا يؤذن إلا أحدهم، وبتقدير أنه يفيد أنهم يؤذنون جميعًا إما وحده أو بقرينة قوله بعد ذلك: "فإن استووا أقرع بينهم" لكنه لا يفيد أنهم يؤذنون مجتمعين أو متفرقين في نواحي المسجد، فإذا القدر المذكور لا يفيد معرفة الحكم المطلوب، وأما الإقامة فقد بين حكمها على التقديرين. وأما إذا أذنوا مرتبًا فحيث قال: "ثم من أذن أو لا فهو يقيم" وأما إذا أذنوا معًا فحيث قال: فإن استووا أقرع بينهم" والمعنى فإن استووا في الأذان وتنازعوا في الإقامة وإلا فلو سلموها لواحد فلا حاجة إلى القرعة.
وقوله: "من أذن أو لا فهو يقيم" وإن كان مطلقًا لكنه محمول على ما إذا لم يكن السابق مسيئًا بمبادرة [المؤذن] (٢) الراتب كما قدمناه، ثم الحكم بأنه يقيم استحقاق أو استحباب قد ذكرناه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥١٢) والحازمي في الاعتبار (٩٥ - ٩٦) قال ابن الملقن: وهو حسن وفي إسناده مقال. انظر الخلاصة (١/ ١٠٦).
(٢) في ط الإمام.
[ ١ / ٤٢٦ ]
الثانية: وقت الأذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام، ووقت الإقامة منوط بنظر الإمام، فإنما يقيم المؤذن عند إشارته لما: روى أنه -ﷺ- قال: "الْمُؤَذِّنُ أمْلَكُ بِالأَذَانِ وَالإمَامُ أَمْلَكُ بِالإقَامَةِ" (١). والمعنى فيه أن الإقامة سببها أن تعقبها الصلاة على الاتصال، والصلاة إلى الإمام فينبغي أن يكون عازمًا على الشروع عند تمامها ولهذا لم يقولوا بترتيب الإقامة عند كثرة المؤذنين، لأن ما سوى الإقامة الأخيرة لا يتصل بها الصلاة. ونختم الباب بذكر محبوبات مما يتعلق بالأذان، أهملها المصنف.
منها: أن يكون المؤذن ممن جعل رسول الله -ﷺ-، أو بعض صحابته الآذان في أبائهم إذا وجد وكان عدلًا صالحًا له، وأن يصلي المؤذن ومن يسمح الأذان على رسول الله -ﷺ- بعد الأذان، ويقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ" (٢).
وأن يجيب من يسمح الآذان المؤذن فيقول مثل ما يقول. وإن كان السامع جنبًا أو محدثًا، إلا في الحَيْعَلَتَيْنِ فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في كلمة الإقامة فإنه يقول أقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها، وإلا في التثويب، فإنه يقول: "صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ" (٣) وفي وجه يقول: "صَدَقَ رَسُول اللهِ -ﷺ- الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم" فإن كان في قراءة أو ذكر، فيستحب أن يقطعهما ويجيب، فإن ذلك لا يفوت، ولو كان في الصلاة فالمستحب لا يجيب حتى يفرغ منها، بل يكره أن يجيب في أظهر القولين، لكن لو أجاب بما استحببناه لم تبطل صلاته، لأنها أذكار، نعم لو قال حي على الصلاة، أو تكلم بكلمة التثويب بطلت صلاته؛ لأنه كلام، ولو أجاب في خلال الفاتحة استأنفها، فإن الإجابة في الصلاة غير محبوبة، ويستحب أن يقول من سمع آذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي" (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٢٧) من رواية أبي هريرة، وأشار إلى تفرد شريك بن عبد الله القاضي به، وقال صاحب الإمام: من يحتج به لا ينبغي أن يقدح هذا عنده. قلت: أخرجه له الأربعة ومسلم متابعة، ووثقه ابن معين وغيره، وقال النسائي لا بأس به، وقاله الدارقطني وغيره: ليس بالقوي. قاله ابن الملقن، انظر الخلاصة (١/ ١٠٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٤).
(٣) أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة، أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما بلغ "قد قامت الصلاة" قال النبي -ﷺ-، أقامها الله وأدامها، وضعفه الحافظ في التلخيص، وقال الزيادة فيه لا أصل لها، وكذا لا أصل لما ذكره في "الصلاة خير من النوم" انظر التلخيص (١/ ٢١١).
(٤) أخرجه أبو داود (٥٣٠) والترمذي (٣٥٨٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٩٩) وصححه وأقره الذهبي من حديث أم سلمة -﵂- قالت: علمني رسول الله -ﷺ- أن أقول عند أذان المغرب اللهم هذا الخ.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ويستحب الدعاء بين الآذان والإقامة، وأن يتحول المؤذن، إلى موضع آخر للإقامة.