النادرة؟ ولكلامه في "الوسيط" إشعار به أيضًا، لكن الذي يشتمل عليه كتب الأصحاب قديمها وحديثها عده من النجاسات النادرة من غير التعرض لخلاف فيه، وطرح بعضهم لهذا السبب لفظة قيل: من الكتاب، وقد أحسن، ولك أن تستدرك فنقول ما ذكره في الضَّابط لا يحوي جملة الشرائط المعتبرة في جواز الاقْتِصَار على الحجر؛ لأن منها أن لا تَجِفَّ النجاسة على الموضع ولا تنتقل عنه، ولا تصيبه نجاسة أخرى كما سبق، وقد سكت عنها.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يُسْتَنْجى بِهِ: وَهُو كُلُّ عَيْنِ طَاهِرَةٍ مُنَشِّفَةٍ غَيْرِ مُحْتَرَمةٍ فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّوْثِ وَالزُّجَاج الأَمْلَسِ وَالمَطْعُومِ وَفِي سُقُوطِ الفَرْضِ بِالمَطْعُومِ وَجْهَانِ، وَالعَظْمُ مَطْعُومٌ، وَالجِلْدُ الطَّاهِرُ يَجُوزُ الاسْتِنْجَاءُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ.
قال الرافعي: قوله: فيما يستنجى به أي: من الجَامِدَات، وله شروط:
أحدها: أن يكون طاهرًا خلافًا لأبي حنيفة.
لنا ما روى: أنه -ﷺ- "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالرَّوَثِ (١)، وَالرِّمَّةِ، ولأن النجاسة لا تزال بالنَّجس، كما لا تزال بالماء النجس، ولا فرق بين نجس العَيْنِ كالرَّوَثِ، وما تنجس بِعَارِض، ألا ترى أن الشافعي -﵁- قال: ولا يستنجى بحجر قد مسح به مَرَّة إلا أن يكون قد طهر بالماء، فلو استنجى بنجس هل يتعين استعمال الماء بعد ذلك؟ أم له الاقتصار على الحجر؟ كما قبل استعماله؟ فيه وجهان:
أحدهما: له الاقتصار على الحجر؛ لأن النجس لا يتأثر بالنجاسة، فيبقى حكمه كما كان، وأظهرهما أنه يتعيَّن الماء؛ لأن المحل قد أصابته نجاسة أجنبية باستعماله فيه، والاقتصار على الحجر تخفيف فيما تَعُمُّ به البَلْوَى، فلا يلحق به.
والثاني: أن يكون منشفًا قالعًا للنجاسة، فما لا يقلع لملاسته كالزَّجَاج الأملس وَالقَصَبِ، والحديد المملس لا يجوز الاسْتِنْجَاء به؛ لأنه لا يزيل النجاسة، وينقلها عن موضعها، وكذلك ما لا يقلع لِلُزوجَتِهِ، أو لِتَنَاثُرِ أجزائه كالحمَمة الرَّخوة، والتراب لا يجوز الاستنجاء به، وقد نقل عن الشافعي -﵁- جواز الاستنجاء بالمقابس، ونقل أنه لا يجوز بالحممة فمنهم من أثبت قولين، والأصح: تنزيلهما على حالين إن بقيت فيه صلابة، إما لضعف تأثير النار فيه، أو لقوة في جوهره كالغَضَا، فيجوز الاسْتِنْجَاء به، وهو المراد بالمَقَابسِ، وإن كان يَتَنَاثَرُ عند الاعتماد فلا يجوز، وهو المراد بالحممة، وكذلك نقل اختلاف النص في التراب، وأثبت بعضهم فيه قولين، وإن
_________________
(١) والرمة قطعة من الحبل. المصباح المنير ١/ ٣٢٧ وتقدم.
[ ١ / ١٤٤ ]
كان يتناثر، والأصح أنه حيث جوز أراد المَدَرَ المتماسك، وحيث منع أراد المتناثر؛ لأنه يلتصق بالنجاسة، ولا يتأتى التحامل عليه ولو تحامل لتعدت النجاسة موضعها، وانتشرت، ثم لو استنجى بما لا يقلع لم يسقط الفرض به، وإن انقى، ويتعين بعده الإزالة بالماء إن نقل النجاسة من موضع إلى موضع، وإن لم ينقل جاز الاقتصار على الحَجَرِ، وخرجوا على الشرط الأول.
والثاني: امتناع الاستنجاء بالحجر الرَّطْبِ، ونحوه؛ لأن البَلَلَ الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، ويعود شيء منه إلى مَحِلِّ النَّجْو، فيحصل عليه نجاسة أجنبية، ويكون كاستعمال الحجر النجس؛ ولأن الشيء الرطب لا يزيل النجاسة، بل يزيد التلوث والانتشار. وحكى القاضي ابن كج وغيره وجهًا آخر، أنه يجوز الاستنجاء بالشيء الرطب، ولمن نصره أن يقول لا نسلم أن البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، وإنما ينجس عندي بالانفصال كالماء الذي يغسل به النجاسات، وأما قوله: إنه لا يزيل النجاسة ممنوع، نعم لو كان عليه شيء محسوس من الماء فربما كان كذلك، أما مجرد البلل فلا.
والثالث: أن لا يكون محترمًا فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها، والعَظْمُ معدود من المَطْعُومَاتِ، لأن النبي -ﷺ- "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالْعَظْمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ زاد إخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ" (١). وليس له حكم طعامنا في تحريم الربا، فيه وغيره، وعند مالك لَا منع من الاسْتِنْجَاء بالعَظْمِ الطاهر، والخبر حُجَّةٌ عليه، ومن الأشياء المحترمة ما كتب عليه شيء من العلم، كالحديث والفقه، وفي جزء الحيوان المتصل به كَاليَدِ وَالعَقِب من المستنجى وغيره كَذَنَبِ الحمار وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز الاستنجاء به؛ لحرمته، ومنهم من فرق بين أن يستنجى بيد نفسه [أو يد غيره، فقال: لا يجوز أن يستنجى بيد نفسه] (٢) ويجوز أن يستنجى بيد غيره، كما يجوز أن يسجد على يد غيره دون يد نفسه، وعكس إمام الحرمين ذلك، فقال: له أن يستنجى بيد نفسه دون يد غيره، لأنه لا حرج على المرء في تعاطي النجاسات، ومهما جرى الخلاف في جزء الحيوان، ففي جملة الحيوان أولى، وصورته: أن يستنجى بعصفورة حية، وما في معناها، ولا يلحق بالمحترمات في هذا الحكم للذهب، والفضة في أظهر الوجهين فيجوز الاستنجاء بالقطعة الخَشِنَةِ من الذهب، والجواهر النفيسة، كما يجوز أن يستنجى بالقطعة من الدِّيْبَاج، ثم إذا استنجى
_________________
(١) أخرجه البخاري ١٥٥، ٣٨٦٠ من حديث أبي هريرة، مسلم ٢٦٢ من حديث سلمان ٢٦٣، ومن حديث جابر عند أبي داود ٣٦، والنسائي ٨/ ١٣٥، ١٣٦، وأحمد ٤/ ١٠٨، ١٠٩.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ١٤٥ ]
بشيء محترم من مَطْعُومٍ وغيره عصى، وهل يجزئه ذلك عن الفرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المقصود، قلع النجاسة، وقد حصل فصار كالاستنجاء باليمين.
وأظهرهما: أنه لا يجزئه، لأن الاقتصار على الأحجار [من قبيل الرُّخَصِ، والرخص لا تُنَاط بالمعاصي؛ وعلى هذا فله أن يقتصر على الأحجار] (١)، كما لو لم يستعمل شيئًا إلا إذا نقل النجاسة عن موضعها، كما في الأَمْلَسِ، ويلتحق بهذا الشرط القول في الجِلْدِ، والطاهر منه ضَرْبانِ غير المدبوغ، وهو جلد المَأْكُول المُذكَّى، والمدبوغ من المأكول وغيره، أما غير المدبوغ ففي جواز الاستنجاء به قولان:
أحدهما: الجواز كالثياب وسائر الأعيان، وإن كان فيه حرمة فليست هي، بحيث تمنع الاستعمال في سائر النجاسات فكذلك في هذه النجاسة.
وأصحهما: المنع لأمرين:
أحدهما: أن فيه دُسُومَةً تمنع التَّنْشِيفِ.
والثاني: أنه مأكول ألا ترى أنه يؤكل على الرؤوس والأَكَارعِ، فصار كسائر المَطْعُومَاتِ، ومنهم من قال: لا يجوز بلا خلاف، وإليه مال الشَيخ أبو حامد، وكثيرون، وحملوا ما نقل من تَجْوِيزِ الاستنجاء على ما بعد الدِّبَاغِ.
وأما الضرب الثاني: وهو المدبوغ، ففيه قولان أيضًا:
أصحهما: الجواز؛ لأن الدِّباغ يزيل ما فيه من الدُّسُومة، وبقلبه عن طَبْعِ اللحوم إلى طبع الثياب والثاني لا يجوز؛ لأنه من جنس ما يؤكل، ويجوز أكله إذا دبغ، وإن كان جلد ميته على اختلاف فيه قد قدمناه، ومنهم من قال: يجوز هاهنا بلا خلاف، وما نقل من المنع محمول على ما قبل الدّباغ، وإذا جرينا على الطريقة الظاهرة، وهي إجراء القولين في الصورتين، واعتبرنا مُطْلَق الجلد انتظم ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب المنع مطلقًا، والتجويز مطلقًا؛ والفرق بين المدبوغ وغيره، وهو الأصح في المذهب، وإن جعل صاحب الكتاب الثاني أصح، وليس من شرط المستنجى به أن لا يكون قد استنجى به مرة أخرى، بل إن تلوث وتنجس جاز استعماله مرة أخرى إذا طهر وَجَفَّ، وإن لم ينجس كالحجر الثاني.
والثالث: إذا لم يبق على الموضع شَيْءٌ جاز استعماله في الحال، وفيه وجه: أنه لا يجوز كالتراب المستعمل، ولو كان كذلك لما جاز أيضًا بعد غسله، ولم يختلفوا في جواز استعماله بعد الغسل.
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ١٤٦ ]