قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّاني في المَاءِ الرَّاكِد وَالقَلِيلُ مِنْهُ يَنْجُسُ بِمُلاَقاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَم يَتَغَيَّرْ، وَالكَثِيرُ لاَ يَنْجُسُ إلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ وَلَوْ تَغَيّرًا يَسِيرًا فَإِنْ زَالَ التَّغيُّرُ بِطُولِ المُكْثِ عَادَ طَهُورًا، وَإنْ زَالَ بِطَرْحِ المِسْكِ وَالزَّعْفَرانِ فَلاَ، وَإِنْ زَالَ بِطَرْحِ التُّرَابِ فَقَوْلاَنِ لِلتَّرَدُدِ فِي أنَّهُ مُزِيلٌ أوْ سَاتِرٌ.
قال الرافعي: والماء قسمان: راكد وجار وبينهما بعض الاختلافات في كيفية قبول النجاسة وزوالها فلا بد من التمييز بينهما. أما الراكد فينقسم إلى قليل وكثير. وسيأتي معناهما. أما القليل فينجس بملاقاة النجاسة تغيّر بها أم لا، روى أنه -ﷺ- قال: "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل خَبَثًا" (١) وُيرْوَى "نَجِسًا".
والمعنى أنه يدفعه ولا يقْبلُه فدل أن ما دون القُلَّتَيْنِ يقبله، وقد استوى حكم القليل والكثير عند التغير فيرجع الفرق إلى النجاسة من غير التغير، ويدل عليه أنه يستحب غسل اليدين للمستيقظ من النوم قبل إدخالهما الأواني، وفي الخبر تعليل ذلك باحتمال النجاسة، وهو قوله -ﷺ-:" فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ" (٢). ولولا أن نفي النجاسة يؤثر في الماء القليل، لما كان لهذا الاستحباب معنى وقال مالك: لا ينجس القليل إلا بالتغير كالكثير، لقوله -ﷺ-: "خُلِقَ المَاءُ طَهُورًا لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غُيّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيْحَه" (٣) واختاره القاضي الرُّوَيانيُّ في الحِلْيَةِ، والشافعي -﵁- حمل هذا الخبر على الكثير؛ لأنه ورد في بِئْرِ بُضَاعَةَ وكان ماؤها كثيرًا.
_________________
(١) تقدم.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وله طرق منها للبخاري من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه بلفظ: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، كذا أورده ليس فيه ذكر العدد، وفي رواية للترمذي (إذا استيقظ أحدكم من الليل) والتقييد بالليل يؤيد ما ذهب إليه أحمد بن حنبل أنه مخصوص بنوم الليل، وقال الرافعي في شرح المسند: يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس إذا نام ليلًا أشد، لأن احتمال التلويث فيه أظهر، وفي رواية لابن عدي: فليرقه وقال: إنها زيادة منكرة، ورواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي بزيادة (أين باتت يده منه) وقال ابن منده: هذه الزيادة رواتها ثقات، ولا أراها محفوظة، وفي الباب عن جابر رواه الدارقطني وابن ماجة وعن عبد الله بن عمر رواه ابن ماجة، وابن خزيمة، والدارقطني، وزاد: فقال رجل: أرأيت إن كان حوضًا؟ فحصبه عبد الله بن عمر وقال: أخبرك عن رسول الله -ﷺ- ولفظه (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده) وعن عائشة رواه ابن أبي حاتم في العلل، وحكى عن أبيه أنه وهم، والصواب حديث أبي هريرة. انظر التلخيص ١/ ٣٤.
(٣) تقدم.
[ ١ / ٤٣ ]
وأما الكثير فينجس إذا تغير بالنجاسة لقوله -ﷺ-: "خُلِقَ المَاءُ طَهُورًا" الخبر نص على الطَّعْم، والريح، وقاس الشافعي -﵁- اللون عليهما (١)، وإن لم يتغير نُظِر إن كانَ ذلك لِقِلَّةِ النجاسة واستهلاكها فيه لم ينجس الماء لقوله -ﷺ-: "لَمْ يَحْمِل خَبَثًا" (٢) وهل يستعمل جميع ذلك الماء أم يبقى قدر النجاسة؟ فيه الوجهان المذكوران من قبل، وإن كان عدم التغير لموافقتها الماء في الأوصاف فيقدر بما يخالف على ما سبق، ثم لو طال مُكْثُ الماء وزال تغيره بنفسه، عاد طهورًا؛ لأن الأصل في الماء الطهورية، وإنما حكمنا بنجاسة الكثير منه لمكان التغير، فإذا زال سبب النجاسة عمل المقتضى للطهارة عمله، وحكى في التَّتِمَّةِ (٣) وجها عن الإصْطَخرِيِّ أنه إذا زال التغير بنفسه لا يطهر وكما لم ينجس إلا بوارد عليه لا يطهر إلا بوارد عليه، ولو طرح فيه المسك (فلم توجد رائحة النجاسة، أو الزعفران) (٤)، فلم يوجد لونها، أو الخَلّ فلم يوجد طعمها، فلا يعود طهورًا، لأنا لا ندري أنَّ أوصاف النجاسة زالت أم غلب عليها المطروح فيه فسترها؛ بل الظاهر الاستتار ألا ترى أن ذكاء رائحة المسك يغلب الروائح الكريهة بحيث لا يحس بها ثم إذا فَتَرَت رائحةُ المِسْكِ حصل الإحساس بها، وإن طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهورًا؟ فيه قولان: أحدهما -ويروى عن المزني- نعم؛ لأن التراب لا يغلب عليه شيء من الأوصاف الثلاثة حتى يفرض ستره إياها، فإذا لم يصادف تغييرًا أشعر ذلك بالزوال، وأصحهما: أنه لا يعود طهورًا؛ لأنه وإن لم تغلب عليه هذه الأوصاف إلا أنه يكدر الماء، والكُدُورَةُ من أسباب السّتْرِ، فلا يدري معها أن التغير زائل، أو مَغْلُوبٌ. ووجه بعضهم القول الأول بأن التراب يوافق الماء في الطُّهُورِيةِ فيتعاونان في دَفعِ النَّجَاسَةِ، ولهذا يجمع بينهما في إزالة النجاسة المُغَلَّظَةِ.
_________________
(١) وهذا مردود إنما ورد من رواية الشافعي -﵁- وغيره.
(٢) تقدم.
(٣) عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم النيسابوري الشيخ أبو سعد المتولي تفقه بمرو على الفوراني وبمرو الروذ على القاضي الحسين وببخارا على أبي سهل الأبيوردي وبرع في الفقه والأصول والخلاف. قال الذهبي: وكان فقيهًا محققًا وحبرًا مدققًا. وقال ابن كثير: أحد أصحاب الوجوه في المذهب، وصنف "التتمة" ولم يكمله، وصل فيه إلى القضاء، وأكمله غير واحد ولم يقع شيء من تكملتهم على نسبته.، قال الأذرعي: ونسخ "التتمة" تختلف كثيرًا وصنف كتابًا في أصول الدين، وكتابًا في الخلاف ومختصرًا في الفرائض. توفي في شوال سنة ثمان وسبعون وأربعمائة ببغداد ودفن بمقبرة باب أبرز. ومولده بنيسابور سنة ست، وقيل: سبع وعشرين وأربعمائة. قال ابن خلكان ولم أقف على المعنى الذي به سمي المتولي. انظر ط. ابن قاضي شهبة ١/ ٢٤٧، ٢٤٨، وانظر ط. ابن السبكي ٣/ ٢٢٣، العبر ٣/ ٢٩٠، البداية والنهاية ١٢/ ١٢٨، ووفيات الأعيان ٢/ ٣١٤، مرآة الجنان ٣/ ١٢٢.
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٤٤ ]
وهذا التوجيه يليق بمن يزعم اختصاص القولين بالتراب، لكن الطريقة الصحيحة طرد القولين في الجَصِّ، وَالنُّورَةِ التي لم تُطْبَخْ، وغير ذلك مما لا يكون الوصف المتغير من الماء غالبًا عليه. هذا فقه الفصل.
ثم نتكلم فيما يتعلق بألفاظ الكتاب من الفوائد:
أما قوله: "والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير" يدخل فيه النجاسة المُجَاوِرَةُ، وَالمُخَالِطَةُ، ولا يدخل فيه: ما إذا تَرَوَّحَ الماء بِجيفَةٍ مُلْقَاةٍ على شَطِّ النهر، لأنه لا ملاقاة. واعلم أنه ليس المراد تأثر الماء القليل بملاقاة كل نجاسة فإن من النجاسات ما لا يؤثر فيه كميتة ما لا نفس له سائلة على الجديد كما سبق، والنجاسة التي لا يدركها الطرف، وكما إذا وَلَغَتِ الهِرَّةُ بعد نجاسة فمها في ماء قليل، وفيها خلاف سيأتي، وإنما الغرض بيان كيفية التأثر، وأن التغير غير معتبر فيه، وأما أن النجاسة المؤثرة أية نجاسة، فذلك شيء آخر.
وأما قوله: "والكثير لا ينجس إلا إذا تغير تغيرًا يسيرًا"، هكذا في أكثر النُّسَخ، ورأيت في بعضها طرح قوله: "تَغَيُّرًا يَسِيرًا"؛ لأنه يوهم التقييد باليسير ومتى كان [التغير] (١) اليسير قَادِحًا فالفاحش أولى أن يكون قادحًا، فيستحيل التقيد باليسير، فإن طرح فذاك. وقوله "إلا إذا تغير"، يشمل اليسير والفاحش، وإن لم يطرح فالمراد إلا إذا تغير وإن كان تغيُّرًا يسيرًا، لا كالتغير بالطاهرات فإنه إنما يَسْلُبُ الطهورية إذا تَفَاحَشَ، ثم ننبه لأمور:
أحدها: قوله: "والكثير لا ينجس إلا إذا تغير" لا يمكن العمل بظاهره؛ لأنه يقتضي أن لا ينجس إذا لم يتغير أصلًا؛ وليس كذلك لما ذكرنا أنه لو لم يتغير للموافقة في الأوصاف تعذر كونه مخالفًا، فان كان بحيث تغير لو كان مخالفًا فالماء نجس وإن لم يتغير، فإذًا اللفظ محتاج إلى التَّأوِيلِ.
الثاني: قوله: "إلا إذا تَغَيَّر" يعم التغير بالنجاسة المخالطة والمجاورة، والنوعان يسلبان الطهارة على ظاهر المذهب، وفي وجه: التغير بالنجاسة المجاورة لا يسلب الطهارة كما أن التغير بالطاهر المجاور لا يسلب الطهورية، فلو علم قوله: "إلا إذا تغير" بالواو إشارة إلى هذا الوجه لم يكن ممتنعًا.
الثالث: قضية اللفظ أنه لا ينجس إلا إذا تغير كله، أما إذا تغير بعضه فلا؛ لأن قوله: "إذا تغير" صفة الكثير، وذلك يتناول الكل، ألا ترى أنه إذا تغير البعض يصح أن
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٤٥ ]
يقال: ما تغير هذا المال وإنما تغير بعضه أو طرف منه، ولكن ظاهر المذهب نجاسة الكل، وإن كان المتغير البعض وهو المذكور في المُهَذَّب (١) وغيره، وخرج وجه أنه لا ينجس إلا القدر المتغير، وهذا يوافق ظاهر اللفظ. وأمَا قوله: وإن زال بطرح التراب فقولان للتردد في أنه مُزِيلٌ أو سَاتِرٌ، ففيه استدراك لفظي، وهو أن قوله: "وإن زال" فرض المسألة في الزوال ومع الفرض في الزوال كيف ينتظم التردد في أن الحاصل زوال أم لا، وأشد من هذا قوله في الوَسِيطِ: وإن زال بِطَرحِ المسكِ وَالزَّعْفَرانِ فلا؛ لأنه استتار لا زوال؛ فطريق الجواب التأويل، إما بحمل الزوال الأول على فقد التغير وحمل الثاني على الحقيقة، وإما بإضمار، بأن يقال: المعنى وإن اعتقد الزوال أو ما أشبه ذلك. وذكر بعضهم: أن هذا الخلاف في مسألة التراب مفروض في تغير الرائحة، أما لو تغير اللَّوْنُ لم يؤثر طرح التراب فيه بحال، والأصول المعتمدة ساكنة عن هذا التفصيل (٢).
قال الغزالي: وَالكَثِيرُ قُلَّتَانِ (ح) لِقَولِهِ عَلَيهِ السَّلاَمُ: إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَم يَحْمِل (٣) خَبثًا، وَالْأَشبَهُ أنَّهُ ثُلاَثُمائَةِ مَن تَقرِيبًا لاَ تَحدِيدًا.
قال الرافعي: وروينا الخبر الوارد في اعتبار القلتين وفي بعض الروايات "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلاَلِ هَجَرَ" ثم روى الشافعي -﵁- عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر فَالقُلَّة منها تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أو قِرْبَتَينِ وشيئًا، واحتاط الشافعي -﵁- فحسب الشيء نصفًا؛ لأنه لو كان فوق النصف لقال: تَسَعُ ثلاث قِرَب إلا شيئًا
_________________
(١) للإمام إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. شيخ الإعلام علمًا وعملًا وزهدًا وتصنيفًا واشتغالًا وتلمذة. قال الذهبي: لقبه جمال الإسلام. ولد بفيروزآباد قرية من قرى شيراز في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وقيل: في سنة خمس، وقيل: سنة ست ونشأ بها ثم دخل شيراز سنة عشر، وقرأ الفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعلى ابن رامين تلميذي الداركي، ثم دخل البصرة، وقرأ بها على الجزري، ثم دخل بغداد في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة فقرأ الأصول على أبي حاتم القزويني، والفقه على جماعة منهم، أبو علي الزجاجي، والقاضي أبو الطيب إلى أن استخلفه في حلقته سنة ثلاثين. قال أبو بكر الشاشي: الشيخ أبو إسحاق حجة الله تعالى على أئمة العصر. توفي في جمادى الآخرة -وقيل: الأولى- سنة ست وسبعين وأربعمائة، ودفن بباب أبرز. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩ - ٢٤٠. وانظر ط. ابن السبكي ٣/ ٨٨ وابن خلكان ١/ ٩، والنووي في التهذيب ٢/ ١٧٢، وابن الجوزي في المنتظم ٩/ ٧، والذهبي في العبر ٣/ ٢٨٣.
(٢) قال النووي: بل قد صحح المحاملي والفوراني وآخرون: يجريان الخلاف في التغير بالصفات الثلاث. الروضة ١/ ١٣١، ١٣٢.
(٣) تقدم.
[ ١ / ٤٦ ]
وهذا عادة أهل اللسان: فإذًا جملة القُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَب واختلفوا في تقدير ذلك بالوزن على ثلاثة أوجه:
أحدها: ذهب أبو عبد الله الزبيري -رحمة الله عليه- إلى القلتين ثلاثمائة مَنٍّ (١)، لأن القلة ما يقله البعير، ولا يُقِل الواحد من بعران العرب .. غالبًا أكثر من وسق، الوَسْقُ سِتُّونَ (٢) صاعًا، وذلك مائة وستون مَنًّا، فالقلتان ثلاثمائة وعشرون يحط منها عشرون للظروف والحبال، يبقى ثلاثمائة وهذا اختيار القَفَّال، والأشبه عند صاحب الكتاب (٣).
والثاني: أن القلتين أَلْفُ رَطلٍ؛ لأن القربة قد تسع مائتي رطل، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، ويحكى هذا عن أبي زيد.
والثالث: هو المذهب أن القلتين خمسمائة رطل مائتان وخمسون مَنًّا بالبغدادي؛
لأِن القِرْبَةَ الوَاحِدَةَ لا تزيد على مائة رطل في الغالب ويحكى هذا عن نص الشافعي -﵁- ثم ذلك معتبر بالتقريب أم بالتحديد؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب: أنه معتبر بالتقريب؛ لأن ابن جريج رد القُلَّة إلى القرب تقريبًا، والشافعي -﵁- حمل الشيء على النصف احتياطًا وتقريبًا، وَالقِلاَلُ في الأصل تكون متفاوتة أيضًا كما نعهده اليَوْمَ في الحبَابِ وَالكِيزَانِ.
والثاني: أنه معتبر بالتحديد كَنِصَابِ المشرفة (٤) ونحو ذلك. فإن قلنا: بهذا، لم نسامح بنقصان شيء. وإن قلنا بالأول فنسامح بالقدر الذي لا يتبين بنقصانه تفاوت في التغير بالقدر المعين من الأشياء المغيرة، وعند أبي حنيفة وأصحابه لا اعتبار بالقِلاَلِ، وإنما الكثير هو الذي إذا حرك جانب منه لم يتحرك الثاني. هذه رواية ولهمَ رِوَايَاتٌ سِوَاهَا (٥).
قال الغزالي: فُرُوعٌ خَمْسَةٌ: الأَوَّلُ- مَا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنَ النَّجَاسَةِ اضْطَرَبَ فِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَالأَقْرَبُ أَنَّ مَا انْتهَت قُلَّتُهُ إِلَى حدٍّ لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مَعَ
_________________
(١) المَنُّ: معيار قديم كان يُكال به أو يوزن. ينظر المعجم الوسيط ٢/ ٨٩٥.
(٢) انظر مقدمتنا على هذا الكتاب.
(٣) حجة الإسلام -﵀- الغزالي.
(٤) وهو ربع دينار أو ما يساوي ذلك.
(٥) قال في الهداية: ثم عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال وهو قول أبي يوسف -رحمه الله تعالى- وعنه التحريك باليد، وعن محمد -رحمه الله تعالى- بالتوضئ، ووجه الأول أن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد منها إلى التوضأ وبعضهم قدّروا بالمساحة عشرًا في عشرٍ بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى، والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف هو الصحيح. ينظر الهداية ١/ ١٩، فتح القدير ١/ ٧٠.
[ ١ / ٤٧ ]
مُخَالَفَةِ لَوْنِهِ للون مَا يَتَّصلُ بِهِ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ للتَّحفُّطِ عَنْهُ، وَمَا يُدْرَكُ عِنْدَ اختِلاَفِ اللَّوْنِ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُعْفَى عَنْهُ لاَ فِي الثَّوْب وَلاَ فِي المَاءِ.
قال الرافعي: النجاسة التي لا يدركها الطَّرْفُ كَنُقْطَةِ الخَمْرِ وَالبَوْلِ التي لا تبُصر وَالذُّبَابَةِ تقع على النجاسة ثم تطير عنها، هل تؤثر كالنَّجَاسَةِ المُدْرَكَةِ أم يعفى عنها؟ لفظة في المختصر يشعر بأنها لا تؤثر، ونقل عن الأُمِّ أنَّه لا فرق بينها وبين النجاسة المدركة؛ وعن الإملاء التسوية بينهما في الثوب. واختلف الأصحاب فيه على سبعة طرق:
أحدها: أن في تَأثِيرِهَا في الماء والثوب قَوْلَيْنِ.
والثاني: أنها تؤثر فيهما بلا خلاف.
والثالث: لا تؤثر فيهما بلا خلاف.
والرابع: تؤثر في الماء وفي الثوب قولان.
والخامس: تؤثر في الثوب وفي الماء قولان.
والسادس: تؤثر في الماء دون الثوب بلا خلاف (١).
السابع: تؤثر في الثوب دون الماء بلا خلاف.
فهذا هو اضطراب النص ومقالات الأصحاب، وأما التوجيه فمن ألحق هذه بما يدركه الطرف، قال: الظواهر المقتضية لاحتساب النجاسة عامة تتناول التي يدركها الطرف والتي لا يدركها، ومن سامح بهذه النجاسة، علل بتعذر الاحْتِرَازِ فإن الذُّبَابَ يقع على النجاسات، ثم يطير ويقع في الماء، وعلى الثياب فأشبه دَمَ الَبَراغِيتِ، وسائر ما يتعذر الاحتراز عنه. ومن قال: تُؤَثِّرِ في الماء دون الثوب، فرق من وجهين:
أحدهما: أن صون الماء بتغطية رأس الإناء ممكن بخلاف الثياب.
والثاني: أن الذبابة إذا ارتفعت عن النجاسة، جَفَّ ما نجس منها بالهواء، فلا يؤثر في الثوب ويؤثر في الماء، فلو كان الثوب رَطْبًا، كان كالماء، ومن قال: يؤثر في الثوب دون الماء، قال: الماء أقوى على دفع النجاسات، بدليل الماء الكثير. وأما ما ذكره حجة الإسلام -﵀- من أنه إن انتهت القُلَّةُ إلى حد لا يدرك مع مخالفة لونه للون ما يتصل به، فهو معفو عنه في الماء وغيره وإلا فلا. فَهَذَا تَفْصِيلٌ لاَ نَرَاهُ لغيره،
_________________
(١) قال النووي بعد نقله اختيار الغزالي العفو فيها المختار عند جماعة من المحققين ما اختاره الغزالي وهو الأصح. الروضة ١/ ١٣٢.
[ ١ / ٤٨ ]
ووجهه في غير الوجيز (١): بأن قال: إذا بلغت القُلَّةُ الحَدُّ المذكور، كانت هذه النجاسة، كما تحملها الرياح من النجاسات مثل الذَّرِّ وتبثها على المياه والثياب، ومعلوم أن ذلك مما لا يبالي به فكذلك هاهنا ولك أن تقول: غير هذا التفصيل أجود منه؛ لأن الكلام فيما لا يدركه الطرف، لقلته لا للموافقة في اللون، وما لا يدرك لقلته لا يدرك اختلف اللون أو اتفق. فأحد القسمين، وهو أن يكون بحيث يدرك عند اختلاف اللون، خارج عن صورة المسألة وإنما صورتها القسم الثاني، ثم القول فيه بالعفو اختيار القول المنقول في عدم تأثير هذه النجاسة في الماء والثوب جميعًا. وظاهر المَذْهَب عند المعظم خلافة، ثم في عبارة الكتاب بسط وتطويل، ولا يخفى إيراد الغَرَض فيَ أقصر منها لمن يبتغي الإيجاز.
قال الغزالي: الثَّانِي- قُلَّتَانِ نَجِسَتَانِ غَيْرُ مُتَغَيِّرَتَيْنِ إذَا جُمعَتَا لاَ تَغَيُّرِ عَادَتَا طَاهِرَتَينِ فَإذَا فُرِّقَتَا بَقِيَتَا عَلَى الطَّهارَةِ وَلَمْ يَضُرَّ التَّفْرِيقُ إلاَّ إذَا كَانتِ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَبَقِيَتْ (٢) في إحْدَى القُلَّتَيْنِ.
قال الرافعي: الماء القليل النجس إذا كُوثِرَ حتى بلغ قلتين، هل يعود طهورًا؟ نُظِر إن كوثر بغير الماء فلا؛ بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بِمَاءِ وَرْدٍ وصار مستهلكًا فيه، ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وإن لم يتغير، وإنما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء على ما قال -ﷺ-: "إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْن لَم يَحْمِل خَبَثًا" (٣)، وإن كُوثِرَ بالماء نُظِر إن كان مستعملًا ففي عَوْدِ الطهورية وجهان:
أحدهما: لا يعود لاِنْسِلاَبِ قوة المستعمل، والتحاقه بسائر المائعات.
وأظهرهما: تعود، لأن الأصل فيه الطهورية، والضعف الذي عرض له ليس بأكثر من أن تعرض له النجاسة.
ولو كُوثِرَ الماء النجس بماء نجس ولا تغير، عادت الطهورية، ومأخذ هذا الخلاف كمأخذ الخلاف في أن المستعمل هل يعود بالكثرة طهورًا؟ وإن لم يكن مستعملًا عادت الطُّهُورِيَّةُ، فإن الأصل في الماء الطهورية، والنجاسة عرضت لعلة القلة، فإذا كثر عمل الأصل عمله، ثم التفريق بعد عود الطهورية لا يضر كما لو كان الماء قُلَّتَيْنِ عند وقوع النجاسة فيه، ولم يتغير ثم فرق ولا فرق بين أن يقع التَّكْمِيلُ بماء طاهر، أو نجس في عود الطهورية.
_________________
(١) كالوسيط والبسط.
(٢) في أفوقعت.
(٣) تقدم.
[ ١ / ٤٩ ]
وصورة مسألة الكتاب ما إذا كان كل واحد من المُكَمِّلِ وَالمُكَمَّلِ نجسًا، ثم لا يخفى أن عود الطهورية إنما يكون بشرط عدم التغير في المجموع، وهل يشترط أن لا يكون فيه نجاسة جامدة؟ فيه خلاف التباعد، ولو كوثر الماء القليل بما يغلب عليه ويغمره، ولكن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ فهل تزول نجاسته؟ فيه وجهان:
أظهرهما: [أنه] (١) لا تزول (٢): وإن قلنا: بالزوال، فهو طاهر غير طهور، وذلك بشروط
أحدها: أن يكون التكميل بماء طاهر لا ينجس.
والثاني: أن يورد الطاهر على النجس.
الثالث: أن يكون المُكمَّل أكثر من المكمِّل مما لا يكون فيه نجاسة، وكل ذلك فيما إذا بلغ قُلَّتَيْنِ بخلافه. ويشترط أيضًا أن لا يكون فيه نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ لا محالة.
وقوله: في الكتاب "جمعتا" عادتا طاهرتين، في لفظ الجمع إشارة إلى ما ذكره الأصحاب أن المعتبر في المُكَاثَرةِ الضَّمُّ وَالجَمْعُ دون الخَلْطِ، حتى لو كان أحد البعضين صافيًا والآخر كدرًا، وانضما تزول النجاسة من غير توقف على الاختلاط المانع من التميز، وقوله: "عادتا" معلم بالألف لما روى عن أحمد، وعن أصحابه، أنه لا تعود الطهارة. وليس المراد من قوله "عادتا طاهرتين"، مجرد الطهارة، بل مع الطهورية.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ كَثِيرٍ يَجُوزُ الاغْتِرافُ مِنْ جَوَانِبِها عَلَى القَوْلِ القَدِيمِ وَهُوَ الأَقْيَسُ، وَيجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقَدْر القُلَّتَينِ فِي القَوْلِ الجدِبدِ.
قال الرافعي: إذا وقع في الماء الكثير الراكد نجاسة جامدة كَالمَيْتَةِ، فهل يجوز الاغْتِرَافُ مما حوالى النجاسة، أم يجب التباعد عنها بقدر القلتين؟ فيه قولان: القديم: وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب، أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء، ولا حاجة إلى التباعد؛ لأنه طاهر كله، فيستعمله المستعمل كيف شاء.
والدليل على أنه طاهر كله، قوله -ﷺ-: "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ" (٣) الخبر والجديد: أنه
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) قال النووي: هذا الذي صححه هو الأصح، وعند الخراسانيين: وهو الأصح والأصح عند العراقيين: الثاني: الروضة ١/ ١٣٣.
(٣) تقدم.
[ ١ / ٥٠ ]
يبعد عن النجاسة بقدر قلتين، ثم يغترف؛ لأن ما دون القلتين مما يجاور النجاسة، لو كان وحده لكان مجتنبًا، فكذلك إذا كان معه غيره، وأثره الكثرة دفع النجاسة عما وراء ذلك القدر، وقال مَنْ نصر المذهب: ذلك القدر المجتنب لو كان وحده محكوم له بالنجاسة في حالة الانفراد، فإما أن يكون محكومًا له بالنجاسة هاهنا أيضًا أو لا يكون، وإن لم يكن فقد تَغَيَّرَ حُكْمُهُ عما كان عليه وحده، وإن كان فلينجس ما يجاوره بمجاورته، كما ينجس هو بمجاورة النجاسة، وهكذا حتى تنتشر النَّجَاسَةُ إلى الكُلِّ.
لا يقال: هذا مائع، وذلك جامد، وحكم النجاسة الجامدة أخف، ألا ترى أن النجاسة المائعة لو وقعت في ماء كثير، وانغمرت فيه، جاز استعمال الكل، لأنَّا نقول: إذا كان حكم النجاسة المائعة ما ذكرتم، فنأخذ حكم الطهارة هاهنا أيضًا؛ لاتصاله بالماء الكثير، وحصوله فيه، لماذا كان طاهرًا واجب أن يجوز الاغتراف والاستعمال.
واعلم أن من أصحابنا العِرَاقِيِّينَ مَنْ حَكَى خلاف التباعد وجهين، ونَقْلُ القولين أثبت؛ فإن فرعنا على وجوب التباعد، فلا يكفي أن يبعد في البحر بقدر شبر على حد العمق في حساب القلتين، بل يتباعد بقدر القُلَّتَيْنِ في أبعاد متماثلة طولًا وعرضًا وعمقًا، فإن كان الماء في موضع لا يتأتى فيه ذلك، كما لو وقف في موضع مُنْبَسِطًا من غير عمق يتباعد فِي الطُّولِ وَالعَرْضِ قدر ما يبلغ قلتين في ذلك العمق.
وقال الإمام محمد بن يحيى (١) -﵁- لا يغني التباعد بقدر قلتين في هذه الصورة؛ بل يبعد إلى حيث يعلم أن النَّجَاسَةَ لا تنتشر إليه كما يعتبره أبو حنيفة - رحمة الله عليه- في بعض الروايات في الماء الكثير، ولو كان الماء قُلَّتَينِ بلا زيادة فعلى الجديد: لا يجوز الاغتراف منه، وعلى القديم: يجوز ذلك في أصح الوجهين، كما في الحالة الأولى والثانية؛ لا، لأن المَأْخُوذَ بَعْضُ البَاقِي، والباقي نجس بالانفصال فكذلك المأخوذ، وينبغي أن يبحث عن القولين في مسألة التباعد، أهما في جواز الاستعمال وعدمه بعد الاتِّفاق على الطهارة، أم في الطهارة والنجاسة؟
_________________
(١) محمد بن يحيى بن منصور العلامة محيي الدين أبو صعد النيسابوري تفقه على أبي حامد الغزالي، وأبي المظفر الخوافي وبرع في الفقه وصنف في المذهب والخلاف، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء بنيسابور. رحل الفقهاء من النواحي للأخذ عنه، واشتهر اسمه ودرس بنظامية نيسابور. وقال ابن خلكان: هو أستاذ المتأخرين وأوحدهم علمًا وزهدًا مولده سنة ست وسبعين بتقديم السين - وأربعمائة، وقتله الغز في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة حين دخلوا نيسابور دسوا في فيه التراب حتى مات. وقال ابن السمعاني: إنه قتل في شوال سنة تسع. قال: ورأيته في المنام فسألته عن حاله فقال: غفر لي انظر ابن قاضي شهبة ١/ ٣٢٥. وانظر ابن السبكي ٤/ ١٩٧، وابن خلكان ٣/ ٣٥٩، وابن العماد ٤/ ١٥١، ومرآة الجنان ٣/ ٢٩٠، والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٠٥.
[ ١ / ٥١ ]
وذلك يترتب عليه فإن كان الثاني، فلم يتكلم الأكثرون في الاغْتِرَافِ والاستعمال نفيًا وإثباتًا؟ واشتهرت المسألة بالتباعد وَهَلاَّ تَكَلَّمُوا فِي الطَّهَارَةِ والنجاسة على المعهود في نظائره، ثم يتفرع عليه جواز الاستعمال وعدمه، وإن كان الأول فِيِمَ يوجه المنع من الاسْتِعْمَالِ مَعَ الحُكْم بالطهارة؟ ولم يتكلم بعضهم في النجاسة ونفيها، وفرض فيها الخلاف؟ وهل هما طريقتان؟ وهذا موضع نظر وتأمل، ويدل على الاحتمال الأول أخبار القُلَّتَيْنِ، فإنها تنفي نجاسة الماء الكثير، وأيضًا فقد صرح بعض المُعَلِّقِينَ عن الشيخ أبي محمد، بأنه لا خلاف في الطهارة، وإنما الخلاف في جواز الاستعمال (١).
وأما لفظ الكتاب فاعلم أن قضية كلامه في وُجُوب اجتِنَابِ الحَرِيمِ في الفصل الثالث يقتضي أن يكون مراده من قوله هاهنا يجوز الاغتراف من جوارها على القول القديم ما وراء الحريم، وإلا أن المَذهَبَ أنَّ حُكمَ الحريم حكم غيره [كما سيأتي] (٢).
قال الغزالي: الرَّابعُ- كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ نَجِسٌ غَيرُ مُتَغَيِّر طَرِيقَ (٣) تَطْهِيرِهِ أَنْ يُغْمَسَ في مَاءٍ كثِيرٍ فَإِذَا اسْتَوَى عَلَيْهِ المَاءُ صَارَ طَهُورًا لِلاتِّصَالِ بِهِ.
قال الرافعي: إذا غُمِسَ كُوزٌ فيه ماء نجس في ماء طاهر هل يعود طهورًا؟ إن كان الكُوزُ ضَيِّق الرَّأسِ فوجهان: أحدهما: نعم، لحصول الكثرة والاتصال، وأصحهما: لا؛ لأنه لا يحصل به اتصال يفيد تأثير أحدهما في الآخر؛ لأنَّ مَاءَ الكُوزِ كالمودع بطرفيه فيه، وليس معدودًا جزءًا منه، وإن كان واسع الرأس، فعلى هذين الوجهين لكن الأظهر هاهنا الطهارة، لتأثر كل واحد منهما بالآخر عند سَعَةِ رَأْسِ الإِنَاءِ، وحيث يحكم بعود الطهارة فتعود على الفور أم بعد أن تمكث زمانًا؟
فيه وجهان: أظهرهما: لا تعود على الفَورِ؛ بل لا بد من مضي زمان يزول فيه التغير، لو كان متغيرًا، ولاَ شَكَّ أن ذلك الزمان يكون في ضيق الرأس أطول منه في واسعه (٤). وإذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب، وأعلم قوله: "صار طهورا" بالواو،
_________________
(١) قال النووي: هذا التوقف من الإمام الرافعي عجب، فقد جزم وصرح بالاحتمال الأول جماعات من كبار أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب وصاحب الحاوي والمحاملي، وصاحبا الشامل والبيان وآخرون من العراقيين والخراسانيين، وقطع جماعة من الخراسانيين على قول التباعد بأن يكون المجتنب نجسًا كذا قال حسين، وإمام الحرمين والبغوي وغيرهم حتى قال هؤلاء الثلاثة: لو كان قلتين فقط ما كان نجسًا على هذا القول، والصواب: الأول والله أعلم. الروضة ١/ ١٣٤.
(٢) في ط (على ما سيأتي).
(٣) في ط (طريق).
(٤) قال النووي: إلا أن يدخل فيه كثر من الذي فيه فيكون حكمه ما سبق في المكاثرة، قال القاضي حسين صاحب (التتمة): ولو كان ماء الكوز طاهرًا فغمسه في ماء نجس ينقص عن القلتين بقدر ماء الكوز، فهل يحكم بطهارة النجس؟ فيه الوجهان. والله أعلم. الروضة ١/ ١٣٥. =
[ ١ / ٥٢ ]
للوجه الثاني كعود الطهارة والطَّهُورِيْةَ. وقوله: "فإذا استوى عليه الماء" أيضًا إشارة إلى الوجه الصائر إلى اشتراط المُكثِ، ثم تنبه لأمور:
أحدهما: قوله: "غير متغير" ليس مذكورًا لِلتَّقْيِيدِ، فإنه لو كان متغيرًا فزال التغير بِالاتِّصَالِ، عادت الطهورية أيضًا، وكأنه تعرض لهذا الوصف؛ لأنه حُكِمَ بَعَوْدِ الطُّهُورِيَّةِ بمجرد استواء الماء عليه، وبتقدير التغير لا تعود الطهورية بمجرد استواء الماء؛ بل لا بد من زوال التغير.
الثاني: قوله: "فإذا استوى عليه الماء" ينبه على أنه لو لم يَكُنِ الكُوزُ مَلْآنَ وغمسه فيه فما دام يدخل فيه فلا اتصال، وهو على نجاسته.
الثالث: حكم بالطهورية من غير التعرض للخلاف، فإن كان يختار ذلك سواء ضاق رَأسُ الكُوزِ، أم اتسع فهو معمول بظاهره، وان قال بالمنع عند ضيق الرأس كما حكينا أنه ظاهر المذهب، فَفِي الكَلاَمِ إضمَارٌ تقديره كُوزٌ وَاسِعُ الرَّأسِ فِيهِ مَاءً نَجِسٌ والاحتمال الثاني، هو قضية كلامه في سائر كتبه.
قال الغزالي: الخَامِسُ- فَأرَةٌ وَقَعَتْ فِي بِئْرِ فَتَمَعَّطَ شَعْرُهَا فَالطَّرِيقُ أَنْ يُسْتَقَى المَاءُ المَوْجُودُ فِي البِئْرِ فَمَا يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إِن رُئِيَ فِيه شَعْرٌ فَنَجِسٌ وَإِلاَّ فَطَهُورٌ إِذَا الاَّصْلُ طَهَارَتُهُ وَوُقُوعُ الشَّعْرِ فِيهِ مَشكُوكٌ فِيهِ وَإِخرَاجُ جَمِيعِهِ هُوَ الغَالِبُ بِاسْتِقَاءِ المَاءِ.
قال الرافعي: مَاءُ البِئْرِ في البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها، لكن ضرورة النزح للاستقاءِ منها قد يخصه لضرب من العسر، فإن كان قليلًا وقد تنجس بوقوع نَجَاسَةٍ فيه فليس من الرأي أن ينزح لينبع بعده الماء الطهور، لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسًا، وقد يُفْضِي النَّزْحُ إلَى تَنْجِيسِ جُدْرَانِ البئر أيضًا؛ بل ينبغي أن يترك ليزداد فيبلغ حَدَّ الكثرةِ، فإن كانت قليلة الماء لايتوقع كثرته، صُبَّ فيها ماء من خارج حتى يكثر ويزول التغير أيضًا لو كان متغيرًا، فإن كان ماؤها كثيرًا وقد تنجس بالتغير فتكاثر إلى زوال التغير، أو يترك بحاله حتى يزول التغير بِطُولِ المُكْثِ، أو بازدياد الماء فلو تفتت الشيء النجس فيه كَالفَأرَةِ تمعط شعرها، فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير، لكن يتعذر استعماله بسبب أنه لا ينزح منه دلو إلا وفيه شيء من أجزاء النجاسة، فينبغي أن يستقى الماء كله لتخرج الشعور في صحبته، فإن [كانت] (١) العَيْنُ فوّارة وتعذر اسْتِقَاءُ الكُلِّ، فينزح بقدر ما يغلب على الظن، إن الشعر قد خرج معه كله، فما يبقى بعد ذلك في البئر وما يحدث فيه فهو طهور، لأنه ماء غير مستيقن النجاسة، ولا مظنون
_________________
(١) في ط (كان).
[ ١ / ٥٣ ]
النجاسة، ولا أثر للشك والتردد في بقاء الشعر فيه، ووقوعه فيما حدث لحصول الظن بإخراج الجميع، ثم إن تحقق شَيْءٌ بعد ذلك على خلاف الغالب اتبعه.
وقيل: لم ينزح إلى الحد المذكور، فإذا غلب على ظنه أنه لا يَخلُو كل دلو عن شيء من النجاسة، ولكنه لم يره، ولا تيقنه فجواز الاستعمال على القولين في الأصل والغالب إذا تعارضا كما سيأتي نظائر ذلك.
واعلم أن فَرْضَ المَسْأَلَةِ في تَمَعُّط الشعور مبنى على نجاسة شعور الحيوانات بالموت، فإن لم ينجسها، فليقع الفرض في سائر الأجزاء.