الكتاب، لكن للمتأمل وقفة عند قوله: "فإذا أخبر لا يقبل رجوعه إلا إذا كذبه الحِسِّ" لأن ظاهر الاسْتِثْنَاء يقتضي قبول الرجوع عند الوِلاَدة، وإذا ولدت فلا عبرة بالرُّجُوع، ولا معنى له، بل يبطل الحكم السابق سواء، وجد الرجوع أم لا، وكأنه أراد أن لا يقبل رجوعه، ويجري عليه حكم قوله الأول، إلا أن يكذبه الحس بالولادة، فالاستثناء يرجع إلى إجزاء حكم القول الأول عليه، لا إلى عدم قبول الرجوع، وكذلك أورد إمام الحرمين -﵀- هذه اللفظة.
الخامس: ذكرنا أن الاختيار إنما يرجع إليه عند فقد الأمارات الظاهرة، فلو رجعنا إليه لفقدها، ثم وجد بعض تلك الأمَارَات يجوز أن يقال: لا نُبَالِي به ونستصحب الحكم الأول، إلا أن توجد دَلاَلَةٌ قاطعة (١) وهذا قضية قوله: (إلا أن يكذبه الحس) إذا قدرنا عَوْدَ الاستثناء إلى ما بيَّناه، ويجوز أن يقال: يعدل إلى الأمارة الظاهرة، ويحكم بها كما إذا تداعى اثْنَانِ مَوْلُودًا، ولم يكن قائفًا (٢) فانتسب بعد البلوغ، واختار ثم وجدنا القائف تقدم القِيَافَةِ على اختياره -والله أعلم-.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الحَدَثِ وَهُوَ المَنْعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَمَسِّ المُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَيَسْتَوِي (ح) فِي المَسِّ الجَلْدُ وَالحَوَاشِي وَمَحِلّ الكِتَابَةِ، وَفِي مَسِّ الخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ (ح) وَالعِلاقةِ وَتَقْلِيب الأَوْرَاقِ بقَضِيب وَحَمْلِ صُنْدُوقٍ فِيهِ أَمْتِعَةٌ سِوَى المُصْحَفِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَحْرُمُ مَسُّ كِتَاب الفِقْهِ وَالتَّفْسِير وَالدَّرَاهِمِ المَنْقُوشَةِ، إلاَّ مَا كُتِبَ لِلدرَاسَةِ كَلَوْحِ الصِّبيَانِ (و) وَالأصَحُّ أنَّهُ لاَ يَجِبُ علَى المُعَلِّمِ تكْلِيفُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ الطَّهَارَةَ لِمَسِّ اللَّوْحِ وَالمُصْحَفِ.
قال الرافعي: المحدث ممنوع من الصلاة، قال -ﷺ-: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" (٣) وكذلك من الطَّوَافِ، قال -ﷺ-: "الطَوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ اللهَ ﷾ أَبَاحِ فيه الْكَلاَمَ" (٤). وَسَجْدَةُ الشكر والتلاوة كالصلاة في أن المحدث ممنوع منهما، ويحرم عليه
_________________
(١) قال النووي: لو حكمنا بقوله ثم ظهرت علامة غير الحمل، فيحتمل أن يرجع إليها، ويحتمل أن يبقى على قوله. وقال: الاحتمال الثاني هو الصواب، وظاهر كلام الأصحاب، قال أصحابنا: وإذا أخبر بميله عملنا به فيما له وعليه ولا نرده لتهمة، كما لو أخبر صبي ببلوغه للإمكان -والله أعلم- الروضة (١/ ١٩٠).
(٢) القائف: هو متتبع الآثار والأشباه، والجمع قافة كبائع وباعة انظر تحرير التنبيه (٣٠٣).
(٣) أخرجه مسلم من رواية ابن عمر مرفوعًا (٢٢٤) بلفظ (لا تقبل صلاة بغير طهور) والترمذي (١) بلفظ (إلا بطهور) انظر التخيص (١/ ١٢٩).
(٤) أخرجه الدارمي (٢/ ٤٤) والترمذي (٩٦٠) وقال: قد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاووس عن ابن عباس موقوفًا، وابن خزيمة (٢٧٣٩) وابن حبان (٢٤٧) والحاكم في =
[ ١ / ١٧٣ ]
أيضًا مس المصحف، وحمله، قال الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) وروي أنه -ﷺ- قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلاَّ طَاهِرًا" (٢) وروي أنه قال: "لاَ تَحْمِلِ المُصْحَفَ، وَلاَ تَمَسَّهُ إِلاَّ طَاهِرًا" (٣) ثم فيه مسائل:
إحداها: إذا كان المصحف مجلدًا، فهل يحرم مس الجِلْدِ؟ كمس الموضع المكتوب؟ فيه وجهان:
أصحهما (٤): [وهو الذي ذكره في الكتاب] (٥) نعم؛ لأنه كالجزء من المصحف، ألا ترى أنه لو باعه دخل الجلد فيه.
والثاني: لا؛ لأنه ظرف ووعاء لما كتب عليه القرآن، فصار كالكِيْسَ والجراب الذي فيه المصحف.
الثانية: لا فرق في حكم المس بين موضع الكتابة وبين الحَوَاشِي، والبياض في خلال السطور، لأن اسم المصحف يقع على جميع ذلك وقوعًا واحدًا.
الثالثة: في مس الخريطة والصُّنْدُوق والعِلاَقة (٦) وجهان إذا كان المصحف فيها:
أظهرهما: أنه يحرم؛ لأنها متخذة للقرآن منسوبة إليه، فإذا اشتملت على القرآن اقتضى التعظيم أن لا يمس إلا على الطهارة.
والثاني: لا، لأن الظواهر واردة في المصحف وهذه الأشياء غير المصحف، وهذا الخلاف قريب من الخلاف من الجِلْدِ، ولذلك جمع بعض الأصحاب بينهما جميعًا، وحكى فيهما الوجهين، ومنهم من جزم بالجواز في غير الجِلْدِ وخصص الخلاف بالجلد، ومنهم من جزم بالمَنْعِ في الجلد، وخصص الخلاف بما سواه، وكلامه في الكتاب أوفق لهذه الطريقة، أو هو هي، وفي كتب أصحابنا عن أبي حنيفة:
_________________
(١) = المستدرك (١/ ٤٥٩) وقال صحيح الإسناد، وقد أوقفه جماعة، وأقره الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن مرفوعًا وموقوفًا (٥/ ٨٧) وقال ابن الملقن: بعد غزوه للحاكم من رواية ابن عباس: وهذا من طريق غريب عزيز لم يعثر به أحد من مصنفي الأحكام، وإنما ذكره الناس من الطريق المشهور في جامع الترمذي، وقد أكثر الناس القول فيها إن كان أمرها آل إلى الصحة فهذه ليس فيها مقال. انظر الخلاصة (١/ ٥٧).
(٢) سورة الواقعة، الآية ٧٩.
(٣) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣١) أخرجه الدارقطني.
(٤) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١١٢) هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا يوجد ذكر حمل المصحف في شيء من الروايات.
(٥) في ب: أحدهما.
(٦) سقط في ب.
(٧) العِلاقة: ما يعلق به السيف ونحوه انظر المعجم الوسيط (٢/ ٦٢٨).
[ ١ / ١٧٤ ]
أنه يجوز للمحدث مس غير المكتوب من الحَوَاشِي، وظهر المصحف، وغيرهما: نعم لا يجوز ذلك للجنب والحائض. وعنه أيضًا: أنه يجوز للمُحْدِث الحمل، والمس مطلقًا، ولا يجوز للجنب والحائض. وعنه أيضًا: أنه يجوز له حمل المصحف بعِلاقته، وبه قال أحمد، وحكَى بعضهم عن مالك أنه يجوز له حمل المصحف ومسه من غير طهارة، والمشهور أن هذا قول داود، ولا يخفى موضع العلاقة من هذه الاختلافات.
الرابعة: لو وضع المصحف بين يديه وهو يقلب أوراقه بقضيب وغيره، ويقرأ منه، هل يجوز فيه؟ وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لم يحمل المصحف ولا مسه، فقد حافظ على شرط التعظيم.
وأصحهما: أنه لا يجوز، لأنه حمل بعض المصحف مقصودًا، فإن الورقة بحمله تنتقل من جانب إلى جانب (١).
الخامسة: المَنْعُ من الحَمْلِ حيث كان المصحف هو المقصود بالحمل، فأما إذا حمل صندوقًا فيه ثياب وأمتعة سواه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه حامل للمصحف. وحكم الحمل لا يختلف بين أن يكون هو المحمول، أو يكون محمولًا مع غيره، ألا ترى أنه لو حمل نجاسة في صلاته لم تصح صلاته، سواء حملها وحدها، أو مع غيرها.
وأصحهما: الجواز؛ لأن المنع من الحمل المُخِلِّ بالتعظيم والإجلال، ويفارق حمل الصندوق والخريطة، فإن ذلك تبع للمصحف، وهنا بخلافه:
السادسة: المصحف مكتوب لدراسة القرآن منه، فحكمه في المس والحمل ما ذكرنا. وفي لوح الصبيان وجهان:
أصحهما: هو الذي ذكره في الكتاب أنه في معنى المصحف؛ لأنه أثبت فيه القرآن للتعلم منه ولدراسته.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقصد لإثباته الدوام، بل هو كالمِسْوَدَّة التي تتخذ وسيلة، ولا يُعْتَنَى بها، وأما ما أثبت فيه شيئًا من القرآن لا للدراسة، كالدراهم الأحديةِ والعِمَامَةِ المُطَرَّزَةِ بآيات القرآن، والحيطان المَنْقُوشَةِ به وكتب الفقه والأصول والتفسير ففيه وجهان:
_________________
(١) قال النووي: قطع العراقيون بالجواز وهو: الراجح، فإنه غير حامل ولا ماس، ولو لف كمه على يده، وقلب به الورق، حرم عند الجمهور وهو الصواب، وقيل: وجهان. الروضة (١/ ١٩٠) -والله أعلم -.
[ ١ / ١٧٥ ]
أحدهما: أنها كالمصحف في حرمة المس والحمل؛ تعظيمًا للقرآن.
وأصحهما: أنه لا مانع، لما روي: "أَنَّهُ -ﷺ- كَتَبَ كِتَابًا إِلَى هِرَقْلَ وَكَانَ فِيهِ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية (١) ولم يأمر الحامل بالمحافظة على الطهارة، ولأن هذه الأشياء لا يقصد بإثبات القرآن فيها قراءته، فلا تجري عليها أحكام القرآن، ولهذا يجوز هَدْمُ الجِدَارِ المنقوش عليه، وأكل الطعام، وهذا الوجه هو المذكور في الكتاب (٢) وذهب بعض الأصحاب إلى تفصيل في الكتب.
فقال: إن كان القرآن أكثر حرم المس والحمل، وإلا فوجهان ذكروا ذلك في كتاب التفسير، ولا شك في أن غيره في معناه، ومنهم من قال: إن كتب القرآن بخط غليظ والتفسير بخط دقيق وميّز بينهما حَرُمَ الحمل، وإن كان الكل بخط واحد فوجهان:
السابعة: كل ما ذكرناه في العاقل البالغ، أما الصبي المميز هل يجب على الولي والمعلم منعه من مس المصحف وحمله إذا كان محدثًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن البالغ إنما يمنع منه تعظيمًا للقرآن، والصبي أنقص حالًا منه، فأولى أن يمنع، وأصحهما لا، لأن تكليفهم استصحاب الطهارة مما يعظم فيه المشقة، والوجهان جاريان في اللوح أيضًا وفيه تكلم في الكتاب، وهو بناء على أن اللوح حكمه حكم المصحف كما تقدم هذه مسائل الكتاب ونختمها بفروع:
الأول: كتابة القرآن على الشيء الموضوع بين يديه من غير مس ولا حمل جائز للمحدث في أصح الوجهين.
الثاني: لا يحرم مس التوراة والإنجيل وحملهما في أصبح الوجهين، وكذا حكم ما نسخ قراءته من القرآن.
الثالث: حديث رسول الله -ﷺ-، لا يلحق بالقرآن فيما نحن فيه، لكن الأولى أن يكون على الوضوء إذا مسّه.
قال الغزالي:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) من حديث أبي سفيان بن صخر بن حرب.
(٢) قال النووي: ويكره إحراق الخشبة المنقوشة به. ويكره كتابته على الحيطان، سواء المسجد وغيره، وعلى الثياب، ويحرم كتابته بشيء نجس، ولو كان على بعض بدن المتطهر نجاسة حرم مس المصحف بموضعها، ولا يحرم بغيره على المذهب، ومن لم يجد ماء ولا ترابًا يصلي لحرمة الوقت، ويحرم عليه مس المصحف وحمله، ولو خاف على المصحف من غرق أو حرق أو نجاسة كافر، ولم يتمكن من الطهارة، أخذه مع الحدث للضرورة. الروضة (١/ ١٩٢).
[ ١ / ١٧٦ ]