قال الغزالي: وَنَعْنِي بِالعُذْرِ مَا يُسْقِطُ القَضَاءَ كَالْجُنُونِ وَالصِّبَا وَالحَيْضِ وَالكُفْرِ، وَلَهَا ثَلاَثةُ أَحْوَال: الأُولَى أَنْ يَخْلُو عَنْهَا آخِرَ الوَقْتِ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ كَمَا لَوْ طَهُرَتِ الحَائِضُ قَبْلَ الغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ يَلْزَمهَا العَصْرُ (ز) وَكَذَا بِقَدْرِ تكْبِيرَةٍ (م ز) عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ.
القول في وقت أصحاب الأسباب المانعة من وجوب الصلاة:
قال الرافعي: ذكرنا في أول الباب أن الغرض من هذا الفصل هو الكلام في الوقت الذي سماه الشافعي -﵁- وقت الضرورة، سواء قلنا إنه ووقت العذر شيء واحد أم لا، والمراد من وقت الضرورة الوقت الذي يصير فيه الشخص من أهل لزوم الصلاة عليه بزوال الأسباب المانعة من اللزوم، وهي الصِّبا، والجنون، والكفر، والحيض، وفي معنى الجنونِ الإغماءُ، وفي معنى الحيضِ النفاسُ.
ثم لهذه الأسباب أحوال ثلاثة، لأنها إما ألاَّ تستغرق وقت الصلاة، أو تستغرقه، وإن لم تستغرقه، فإما أن يوجد في أول الوقت ويخلو عنها في آخره، أو يكون بالعكس من ذلك:
الحالة الأولى: أن يوجد في أول الوقت، ويخلو عنها آخره، كما لو طهرت عن الحيض أو النفاس في آخر الوقت، فننظر إن بقي من الوقت قدر ركعة فصاعدًا لزمها فرض الوقت. واحتجوا عليه بقوله -ﷺ- "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ".
والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد، وإنما يلزم فرض الوقت بإدراك قدر ركعة بشرطٍ وهو أن تمتد السلامة عن الموانع، قدر إمكان فعل الطهارة وتلك الصلاة، أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا.
مثاله: إذا بلغ الصبي في آخر وقت العصر، ثم جن، أو فاق المجنون ثم عاد
[ ١ / ٣٨٤ ]
جنونه، أو طهرت حائض ثم جنت، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت، فإن مضى في حال السلامة، قدر ما يسع أربع ركعات بعد الطهارة لزم العصر، وإلا فلا، هذا إذا كان الباقي من الوقت مقدار ركعة، أما إذا كان الباقي مقدار تكبيرة، أو فوقها ودون ركعة، ففي لزوم فرض الوقت به قولان في الجديد:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة، نعم؛ لأنه أدرك جزءًا من الوقت، فصار كما لو أدرك قدر ركعة؛ ولأن الإدراك الذي تعلق به الإيجاب - تستوي فيه الركعة وما دونها.
ألا ترى أن المسافر إذا اقتدى بمقيم في جزء يسير من الصلاة لزمه الإتمام كما لو اقتدى به في ركعة ثم اللزوم على هذا القول، إنما يكون بالشرط الذي ذكرناه فيما إذا بقي قدر ركعة.
والقول الثاني: وبه قال المزني أنه لا يلزم به فرض الوقت، لأن الإدراك في الخبر منوط بمقدار ركعة، وصار كما إذا أدرك من الجمعة ما دون ركعة، لا يكون مدركًا لها، هذا مذهبه في القديم. ويحكي عن مالك مثل ذلك، وقد نقل الناقلون عن الجديد اللزوم، والقديم منعه اقتصارًا من قولي الجديد، على ما يقابل القديم.
وقوله في الكتاب: "ونعني بالعذر ما يسقط القضاء" أي: إذا استغرق الوَقْتَ، واستبشع بعضهم عد الكفر من الأعذار، وقال: الكافر غير معذور بكفره ولا معنى للاستبشاع بعد العناية، وتفسير العذر بما يسقط القضاء، ولا شك أن القضاء ساقط عن الكافر، ويجوز أن يعد عذرًا بعد الإسلام؛ لأنه غير مؤاخذ بما تركه في حال الكفر.
وقوله: (وكذا بقدر تكبيرة) معلم بالميم والزاي.
قال الغزالي: وَهَل يَلْزَمُهَا (ح) الظُّهْرُ بِمَا يَلْزَمُ بِهِ العَصْرُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: فَعَلَى قَوْلٍ يَلْزَمُ (م ح)، وَعَلَى الثَّانِي لاَ بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُتَصَوَّرَ الفَرَاغُ مِنَ الطُّهْرِ فِعْلًا ثُمَّ يُفْرَضُ لُزُومُ العْصَرِ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ فِي مُقَابَلَةِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ.
قال الرافعي: ما ذكرناه من لزوم فرض الوقت، بإدراك ركعة، أو بما دونها على أحد القولين -يشمل الصلوات كلها، ثم الصلوات التي يتفق في آخر وقتها زوال العذر إما أن تكون صلاة لا يجمع بينها وبين ما قبلها، أو صلاة يجمع بينها وبين ما قبلها- على ما سيأتي كيفية الجمع في بابه-.
فالقسم الأول: هو الصبح والظهر والمغرب، فلا يلزم بزوال العذر في آخر وقت الواحدة من هذه الصلوات سوى تلك الصلاة.
[ ١ / ٣٨٥ ]
والقسم الثاني: هو العصر والعشاء، فيجب على الجملة بإدراك وقت العصر الظهر، وبإدراك وقت العشاء المغرب، خلافًا لأبي حنيفة والمزني. قال صاحب "المعتمد" وقول مالك يشبه ذلك. لنا ما روي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس -﵄- أنهما قالا: في الحائض تطهر قبل طلوع الفَجْر بِرَكْعَةٍ يَلْزُمُهَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ (١). وأيضًا فإن وقت العصر وقت الظهر في حالة العذر، ففي حالة الضرورة -وهي فوق العذر- أولى. لماذا عرفت ذلك، فينبغي أن يعرف أن صاحب الكتاب إنما فرض الكلام في وقت العصر حيث قال في الفصل السابق: "كما لو طهرت الحائض قبل الغروب" لأن العصر من القسم الثاني، فأراد أن يرتب لزوم الظهر عليه بعد بيان حكم العصر، فقال: "وهل يلزمها الظهر بما يلزم به العصر " إلى آخره.
وشرح ذلك أن الشافعي -﵁- بعد الجزم بأن الظهر قد يلزم إدراك وقت العصر اختلف قوله: في أنه بماذا يلزم فأصح قوليه: أنه يلزم بما يلزم به العصر، وذلك ركعة على قول، وتكبيرة على قول:
ووجهه: أنا جعلنا وقت العصر وقتًا للظهر، ومعلوم أنه لو أدرك من وقت الظهر ركعة أو تحريمة يلزمه الظهر، فكذلك إذا أدرك من وقت العصر، لأنا لا نعتبر إمكان فعل الصلاتين، فيكفي إدراك وقت مشترك.
والقول الثاني: أنه لا يلزم بل لا بد من زيادة أربع ركعات بعد ذلك القدر؛ لأنَّا إنما نجعلها مدركة للصلاتين حملًا على الجمع، وإنما يتحقق سورة الجمع، إذا تمت إحدى الصلاتين وبعض الأخرى في الوقت.
ثم الأربع الزائدة تقع في مقابلة الظهر أو العصر؟ فيه قولان: وليسا بمنصوصين لكنهما مخرجان، ولذلك عبر الصيدلاني وغيره عنهما بوجهين:
أصحهما: أن الأربع في مقابلة الظهر؛ لأنها السابقة، وعند الجمع لا بد من تقديمها وجوبًا أو استحبابًا على ما سيأتي في موضعه؛ ولأنه لو لم يدرك إلا قدر ركعة أو تحريمة -لما لزمه الظهر- على هذا القول الذي عليه تفرع وإذا زال قدر الأربع لزم الظهر، فدل على أن هذه الزيادة في مقابلة الظهر.
والثاني: أنها في مقابلة العصر لأن الظهر هاهنا تابعة للعصر في الوقت واللزوم،
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٩٢)، رواه الأثرم والبيهقي في المعرفة من رواية محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن جده، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف عنه بهذا وزاد: وإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس، صلت الظهر والعصر جميعًا، ومحمد بن عثمان وثقه أحمد ومولى عبد الرحمن لم يعرف حاله.
[ ١ / ٣٨٦ ]
فإذا اقتضى الحال الحكم بإدراك الصلاتين وجب أن يكون الأكثر في مقابلة المتبوع، والأقل في مقابلة التابع. وفائدة هذا الخلاف الأخير لا يظهر في هذه الصورة، وإنما يظهر في المغرب والعشاء، وذلك أن في لزوم المغرب بما يلزم به العشاء قولين، كما في لزوم الظهر بما يلزم به العصر، أصح القولين: أنه يلزم به.
والثاني: لا بد من زيادة على ذلك.
فإن قلنا في الصورة الأولى: الأربع في مقابلة الظهر كفى هاهنا قدر ثلاث ركعات للمغرب، زيادة على ما يلزم به العشاء، وإن قلنا إنها في مقابلة العصر وجب أن يزيد قدر أربع ركعات. وقوله في الكتاب: "حتى يتصور الفراغ من الظهر فعلًا، ثم يفرض لزوم العصر بعده". المراد منه ما قدمناه أن سورة الجمع، إنما يتحقق إذا تمت إحدى الصلاتين، وبعض الأخرى (في الوقت) وتعيين الظهر ولزوم العصر بعده (١)، كأنه مبني على أن الظهر لا بد من تقديمه عند الجمع.
قال الغزالي: وَهَل تُعْتَبَرُ مُدَّةُ الوُضُوءِ مَعَ الوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: وهل يعتبر مع القدر المذكور للزوم الصلاة الواحدة أو صلاتي الجمع إدراك زمان الطهارة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن الصلاة إنما تمكن بعد تقديم الطهارة.
وأصحهما: لا، لأن الطهارة لا تختص بالوقت، ولا تشترط في الإلزام، وإنما تشرط في الصحة ألا ترى أن الصلاة تلزم على المحدث ويعاقب على تركها.
وإذا جمعت بين الأقوال التي حكيناها حصل عندك في القدر الذي تلزم به كل صلاة من إدراك آخر وقتها أربعة أقوال:
أصحها: قدر تكبيرة. وثانيها: هذا مع زمان طهارة. وثالثها: قدر ركعة. ورابعها: هذا مع زمان طهارة، وفيما يلزم به الظهر مع العصر؟ ثمانية أقوال، هذه الأربعة. وخامسها: قدر أربع ركعات مع تكبيرة. وسادسها: هذا مع زمان طهارة. وسابعها: قدر خمس ركعات. وثامنها: هذا مع زمان طهارة.
وفيما يلزم به العشاء مع المغرب -مع هذه الثمانية- أربعة أخرى.
أحدها: ثلاث ركعات وتكبيرة. والثاني: هذا مع زمان طهارة. والثالث: أربع ركعات. والرابع: هذا مع زمان طهارة -والله أعلم-.
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٣٨٧ ]
قال الغزالي: وَإِنْ زَالَ الصِّبَا بَعْدَ أَدَاءِ وَظِيفَةِ الوَقْتِ فَلاَ يَجِبُ (ح وز) إِعَادَتُهَا، وَكَذَا يَوْمُ الجُمُعَةِ وَإِنْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الظُّهرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بالسِّنِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا وَقَعَ عَنِ الفَرْضِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا فيما إذا كان زوال العذر قبل أداء وظيفة الوقت؟ وهكذا يكون حال ما سوى الصِّبا من الأعذار، فإنها كما تمنع الوجوب تمنع الصحة.
فأما الصِّبا فيجوز أن يزول بعد أداء وظيفة الوقت، أو في أثنائها، لأنها لا تمنع الصحة وإن منع الوجوب، فإذا صلى الصبي وظيفة الوقت ثم بلغ وقد بقي شيء من الوقت إما بالسن أو بالاحتلام، فيستحب له أن يعيد وهل يجب عليه الإعادة؟ ظاهر المذهب -وهو المذكور في الكتاب- أنه لا يجب، لأنه أدى وظيفة الوقت وَصَحَّت منه فلا تلزمه الإعادة، كالأمة إذا صلت مكشوفة الرأس ثم عتقت والوقت باق -لا تعيد، وخرج ابن سريج أنه يجب الإعادة لأن ما أداه في حال الصغر واقع في حال النقصان، فلا يجزئ عن الفرض بعد حصول الكمال في الوقت، والمفعول مع النقصان كغير المفعول، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزني، ورواه القاضي الروياني- عن مالك.
قال: وعن أحمد روايتان، ولا فرق عند ابن سريج، بين أن يكون الباقي من الوقت حين بلغ قليلًا أو كثيرًا. وعن الإصطخري أنه إن بلغ، والباقي من الوقت ما يسع لتلك الصلاة لزمت الإعادة، وإلا فلا. ولو بلغ في أثناء الصلاة -وإنما يكون ذلك بالسن- فقد قال الشافعي -﵁- "أحببت أن يتم ويعيد، ولا يتبين لي أن عليه الإعادة". واختلفوا في معناه بحسب الاختلاف فيما إذا بلغ بعض الصلاة.
فقال جمهور الأصحاب: يجب الإتمام وتستحب الإعادة، أما وجوب الإتمام فلأن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب فيها فيلزمه إتمامها، وقد تكون العبادة تطوعًا في الابتداء ثم يجب إتمامها كحج التطوع، وكما إذا ابتدأ الصوم وهو مريض، ثم شفي، وكما لو شرع في صوم التطوع ثم نذر إتمامه يجب عليه الإتمام.
وأما استحباب الإعادة فليؤدي الصلاة في حال الكمال، ومعنى قوله: "أحببت أن يتم ويعيد" عند هؤلاء، هو استحباب الجمع بينهما، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: "وقع عن الفرض".
وقال ابْنُ سُرَيجٍ: الإتمام يستحب والإعادة واجبة وهذا خلاف قوله، ولا يبين لي أن عليه الإعادة، والإصطخري جرى على التفصيل الذي سبق.
وقال: إذا كان الباقي قدرًا لا يسع للصلاة أشبه ما إذا بلغ في أثناء صوم يوم من رمضان لا يجب عليه القضاء؛ لأن الباقي لا يسع صوم يوم.
[ ١ / ٣٨٨ ]
واعلم أن مسألة الصوم قد سلم فيها أبو حنيفة. والمزني نفى القضاء، تعليلًا بما ذكره الإصطخري، واختلف سائر أصحابنا في تعليله، منهم من ساعدهم على هذا التعليل، وقال: بقية اليوم لا يسع الصوم ولا يمكن إيقاع بعضه في الليل بخلاف الصلاة يمكن إيقاع بعضها بعد خروج الوقت، ومنهم من علل بأن الصوم المأتي به صحيح واقع عن الفرض، وينبني على هاتين العلتين ما إذا بلغ وهو مفطر، فعلى التعليل الأول: لا قضاء عليه، وعلى الثاني: يجب.
وعن ابْن سريج: أنه يجب القضاء في الصوم كما في الصلاة بلغ مفطرًا أو صائمًا، هذا في غير الجمعة من الصلوات، أما إذا صلى الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ -والجمعة غير فائتة بعد- هل يلزمه حضورها؟ من قال في سائر الصلوات تلزم الإعادة أولى أن يقول باللزوم هاهنا، ومن نفى الإعادة في سائر الصلوات، اختلفوا هاهنا على وجهين:
أحدهما: -وبه قال ابْن الحداد-: أنه يجب عليه الجمعة لأنه لم يكن من أهل الفرض حين صلى الظهر، وقد كمل حاله بالبلوغ بخلاف سائر الصلوات؛ لأنه بالبلوغ لا ينتقل إلى فرض أكمل مما فعل هاهنا ينتقل إلى الجمعة وهو أكمل من الظهر، ألا ترى أنها تتعلق بأهل الكمال، وبخلاف المسافر والعبد إذا صليا الظهر ثم أقام المسافر، وعتق العبد، وأدركا الجمعة لا تلزمهما جمعة، لأنهما حين صليا الظهر، كانا من أهل الفرض.
والوجه الثاني: وهو الأصح أنها لا تلزم كسائر الصلوات، ومنعوا قوله: "إنه ليس من أهل الفرض"؛ لأنه مأمور بالصلاة مضروب على تركها، ولا يعاقب أحد على ترك التطوع. وعن الشيخ أبي زيد يُخَرَّج هذا الخلاف على الخلاف في أن المتعدي بترك الجمعة، هل يعتد بظهره قبل فوات الجمعة (لأن الصبي مأمور بحضور الجمعة، فإذا بلغ، ولم يصل الجمعة كان مؤديًا للظهر قبل فوات الجمعة) (١). ولا يخفى بعد حكاية هذه المذاهب، الحاجة إلى إعلام قوله: (فلا يجب إعادتها) بالحاء والميم والألف والزاي وبالواو أيضًا لما ذكره ابن سريج، والإصطخري، وكذا إعلام قوله: "وقع عن الفرض" بهذه العلامات، وكذا إعلام قوله: "وكذا يوم الجمعة" ما سوى الواو من العلامات.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَخْلُوَ أَوَّلُ الوَقْتِ، فَإذَا طَرَأَ الحَيْضُ وَقَدْ مَضَى مِنَ الوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ لَزِمَتْهَا وَلاَ يَلْزَمُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لاَ يَلْزَم مَا لَمْ تُدْرِكْ جَمِيعَ الوَقْتِ فِي صُورَة الطَّرَيَانِ، وَأَمَّا العَصْرُ فَلاَ يَلْزَمُ بِإدْرَاكِ أَوَّلِ الظُّهْرِ، لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لاَ يَصْلُحُ لِلْعَصْرِ فِي حَقِّ المَعْذُورِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ.
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٣٨٩ ]
قال الرافعي: هذه الحالة الثانية عكس الأولى، وهي: أن يخلو أول الوقت عن الأعذار المذكورة، ثم يطرأ منها في آخر الوقت ما يمكن أن يطرأ منها -وهو الحيض، والنفاس، والجنون والإغماء، فأما الصِّبا فلا يتصور عروضه (والكفر) (١) وإن تصور عروضه، لكنه ردة (٢) لا تسقط القضاء- كما سيأتي، فإذا حاضت في أثناء الوقت، نظر في القدر الماضي من الوقت إن كان قدر ما يسع لتلك الصلاة استقرت في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت، لأنها أدركت من الوقت ما يمكن فيه فعل الفرض، فلا يسقط بما يطرأ بعده، كما لو هلك النصاب بعد الحول وأمكن الأداء فلا تسقط الزكاة.
وعن مالك أنه لا تلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت، وبه قال أبو حنيفة.
قال الكرخي في "مختصره": وإن كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت، فلا قضاء عليها. وخرج ابن سريج مثل ذلك على أصل الشافعي -﵁- وقال: لا يلزم القضاء ما لم تدرك جميع الوقت، أخذًا مما لو سافر الرجل في أثناء الوقت، يجوز له القصر، وإن مضى من الوقت ما يسع الصلاة الثانية.
واعلم أن في تلك المسألة أيضًا تخريجًا مما نحن فيه، لأنه لا يقصر، وقد ذكر الاختلاف في المسألتين جميعًا في الكتاب في "باب صلاة المسافرين" نشرحه في موضعه -إن شاء الله تعالى- ثم على ظاهر المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة، حتى لو طولت في صلاتها، فحاضت في أثنائها والماضي من الوقت يسمع تلك الصلاة لو خففت لزمها القضاء، ولو كان الرجل مسافرًا فطرأ عليه جنون أو إغماء بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين -لزمه قضاؤها، لأنه لو قصر لأمكنه أداؤها، ولا يعتبر مع إمكان فعل الصلاة زمان إمكان الطهارة من الوقت؛ لأن الطهارة يمكن تقديمها على الوقت إلا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة على الوقت كالتيمم، وطهارة المستحاضة وإن كان الماضي من الوقت دون ما يسع لتلك الصلاة- لم تلزم تلك الصلاة. وقال أبو يحيى البلخي (٣) من أصحابنا: إذا أدرك من أول الوقت قدر ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين المذكورين في آخر الوقت لزمه القضاء، اعتبارًا لأول
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ط.
(٣) أبو يحيى زكريا بن أحمد بن يحيى البلخي، قال ابن باطيش: ذكره المطوعي في كتابه "المذهب" فقال: فارق وطنه لأجل الدين، ومسح عرض الأرض، وسافر إلى أقاصي الدنيا في طلب الفقه، وكان حسن البيان في النظر، عذب اللسان في الجدل، وذكره ابن عساكر في (تاريخ الشام) فقال: كان أبوه وجده عالمين، وولاه المقتدر في ربيع الآخر، وقال في (العبر) توفي سنة ثلاثين ولم يزد عليه. طبقات العبادى ص ٥٠، العبر (٢/ ٢٢٢)، تهذيب ابن عساكر (٥/ ٣٨١) طبقات الأسنوي (١٦٥).
[ ١ / ٣٩٠ ]
الوقت بآخره، حكاه أبو علي صاحب "الإفصاح" فمن بعده عنه، وخطأه فيما قال؛ لأنه لم يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الفرض، فأشبه ما لو هلك النصاب بعد الحول، وقبل إمكان الأداء، ويخالف آخر الوقت؛ لأنه إذا أدرك جزءًا من الوقت أمكن البناء على ما أوقعه فيه بعد خروج الوقت، ثم ذكرنا في الحالة الأولى أن من الصلوات ما إذا أدرك صاحب العذر آخر وقتها لزمه التي قبلها معها، كالظهر يلزم بإدراك آخر وقت العصر، والمغرب يلزم بإدراك آخر وقت العشاء، وأما هاهنا فالعصر لا يلزم بإدراك وقت الظهر، ولا العشاء بإدراك وقت المغرب خلافًا لأبي يحيى البلخي، حيث قال: "إذا أدرك من وقت الظهر ثماني ركعات، ثم طرأ العذر لزمه الظهر والعصر، كما لو أدرك ذلك من وقت العصر، لزمه الصلاتان معا".
والفرق على ظاهر المذهب أن الحكم بلزوم الصلاتين إذا أدرك وقت العصر مأخوذ من الجمع بينهما عند قيام سببه، ولأن كل واحدة منهما مؤداه في وقت الأخرى، ومعلوم أن وقت الظهر إنما يكون وقتًا للعصر على سبيل تبعية العصر للظهر، ألا ترى أنه إذا جمع بالتقديم لم يجز له تقديم العصر على الظهر، فإذا لم يفعل الظهر فليس وقتها بوقت العصر، وأما وقت العصر فليس وقتًا للظهر على سبيل تبعية الظهر للعصر. ألا ترى أنه إذا جمع بالتأخير جاز له تقديم الظهر على العصر، بل هو أولى على وجه، ومتعين على وجه كما سيأتي في "باب الجمع" وكان وقت العصر وقتًا للظهر من غير التوقف على فعل العصر، فلهذا المعنى افترق الطرفان. جئنا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "فإذا طرأ الحيض، وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع للصلاة" وليس المراد منه مطلق الصلاة، بل المراد أخف ما يمكن من الصلاة بصفة العصر، إن وجد المعنى المجوز للقصر على ما بيناه.
قوله: (لزمتها) معلم بالحاء والميم، لما قدمناه، ولا حاجَة إلى إعلامه بالواو إشارة إلى تخريج ابن سريج؛ لأن قوله بعد ذلك، وقيل: لا يلزم ما لم يدرك جميع الوقت في صورة الطريان، وهو ذلك التخريج.
ثمن اعلم أن الحكم بلزوم الصلاة إذا أدرك من الوقت ما يسعها لا يختص بما إذا كان المدرك من أول الوقت، بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة أيضًا.
ونظيره ما إذا أفاق مجنون في أثناء الوقت، وعاد جنونه في الوقت، أو بلغ صبي ثم جن أو أفاقت مجنونة، ثم حاضت.
وقوله: "لا يلزم بأقل من ذلك" معلم بالواو للوجه المشهور عن البلخي. وقد حكاه القاضي ابن كج عن غيره من الأصحاب أيضًا، وكذلك قوله: "فأما العصر فلا يلزم بإدراك أول الظهر" وليس لفظ الأول في قوله: "بإدراك أول الظهر" لتخصيص
[ ١ / ٣٩١ ]
الحكم به، فإن العصر لا يلزم بإدراك آخر وقت الظهر أيضًا؛ بل بإدراك جميعه، وإنما جرى لفظ الأول في مقابلة الآخر في الحالة الأولى.
وقوله: "لأن وقت الظهر لا يصلح للعصر " إلى آخره المراد منه ما شرحناه في الفرق بين الأول والآخر، وأراد بالمعذور هاهنا الذي يجمع لسفر أو مطر، بخلاف ما في أول الفصل، فإنه أراد بالمعذور، ثم صاحب الضرورة على ما سبق إيضاحه.
واعلم أن الأخيرة من صلاتي الجمع، وإن لم يلزم بإدراك وقت الأولى، لكن الأولى منهما قد يلزم بإدراك وقت الأخيرة، كما أنها تلزم بإدراك آخر وقتها.
مثاله: إذا أفاق المغمى عليه في أول وقت العصر قدر ما يسع للعصر، والظهر جميعًا لزمتاه، فإن كان مقيمًا، فالمعتبر قدر ثماني ركعات، وإن كان مسافرًا يقصر كفى قدر أربع ركعات، ويقاس المغرب والعشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر والعصر والله الموفق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّالِثَةُ، أَنْ يَعُمَّ الْعُذْرُ جَمِيعَ الوَقْتِ فَيَسْقُطَ القَضَاءُ، وَلاَ تَلْتَحِقُ الرِّدَّةُ بِالكُفْرِ بَلْ يَجِبُ (م ح) القَضَاءُ عَلَى المُرْتَدِّ (م ح)، والصَّبِيُّ يُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينٍ، ويُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ الْعَشْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ علَيْهِ قَضَاءٌ، والإِغْمَاءُ فِي مَعْنَى الجُنُونِ (ح) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرِ أَوْ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لاَ يُسْقِطُ القَضَاءَ، وَلَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ فَلاَ يَقْضِي أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ قَضَى أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لاَ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ أَيَّامِ الحَيْضِ، لِأَنَّ سُقُوطَ القَضَاءِ عَنِ المَجْنُونِ رُخْصَةٌ وَعَنِ الحَائِضِ عَزِيمَةٌ.
قال الرافعي: قوله: أن يعم العذر جميع الوقت فيه شيئان:
أحدهما: أنه فسر العذر قبل بما يسقط القضاء، والمراد ما إذا استغرق جميع الوقت كما تقدم فكأنه قال: إن يعم ما يسقط القضاء فيسقط، وغير هذا أجود منه، وليس في قولنا إذا وجد ما يسقط القضاء يسقط القضاء [وليس] في مثل هذا المقام كثير فائدة.
والثاني: أن قوله: "جميع الوقت" ليس المراد منه الأوقات المخصوصة بالصلوات وكيف وقد ذكرنا أنه إذا زالت الضرورة في آخر وقت العصر لزم الظهر أيضًا مع أنه عم العذر جميع وقت الظهر، فإذًا المراد منه وقت الرفاهية والضرورة جميعًا.
وغرض الفصل أن الأسباب المانعة من لزوم الصلاة -وقد عددناها من قبل- مسقطة للقضاء. أما الحيض فإنه يمنع وجوب الصلاة وجوازها، ويسقط القضاء على ما سبق في "كتاب الحيض".
[ ١ / ٣٩٢ ]
وأما الكافر الأصلي مخاطب بالشرائع على أشهر وجهي أصحابنا في الأصول، لكن إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات أيام الكفر لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) المعنى فيه أن إيجاب القضاء ينفره عن الإسلام، والردة لا تلحق بالكفر بل يجب على المرتد قضاء صلوات أيام الردّة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: الردة تسقط قضاء الصلوات أيام الردة والصلوات المتروكة قبلها أيضًا.
لنا أنه التزم الفرائض بالإسلام فلا يسقط عنه بالردة كحقوق الأدميين.
فأما الصبي فلا تجب عليه الصلوات قال -ﷺ-: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ" (٢) فلا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه الصلاة بفعلها سوى الصبي فإنه يؤمر بها إذا بلغ سبع سنين، ويضرب على تركها إذا بلغ عشرًا لما روي أنه -ﷺ- قال: "مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" (٣).
قال الأئمة: فيجب على الآباء والأمهات تعليم الأولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السَّبْعِ، والضرب على تركها بعد العشر، وذكروا في اختصاص الضرب بالعشر معنيين:
أحدهما: أنه زمان احتمال البلوغ بالاحتلام فرُبَّمَا بلغ ولا يصدق.
والثاني: أنه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب.
واحتج بعض أصحابنا بهذا على أنه لا يجوز أن يختن الصبي قبل العشر؛ لأن ألم الختان فوق ألم الضرب، ويؤمر بالصَّوْمِ أيضًا إن أطاقه كما يُؤمر بالصَّلاَةِ، وأجرة تعليم الفرائض من مال الطفل، فإن لم يكن له مال فعلى الأب، وإن لم يكن فعلى الأم.
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية ٣٨.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٩ - ٤٤٠٠) والترمذي (١٤٤٣) وابن ماجة (٢٠٤٢) وأحمد (١/ ١١٦ - ١١٨ - ١٤٠) وابن خزيمة (١٠٠٣) وابن حبان (١٤٩٧) والحاكم (٢/ ٥٩) من طرق من حديث علي -كرم الله وجهه-، قال ابن الملقن: أخرجه البخاري موقوفًا معلقًا بصيغة جزم، ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، من رواية عائشة قال الحاكم على شرط مسلم قال صاحب الإمام: هو أقوى إسنادًا من رواية علي، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٩١) تغليق التعليق (٤/ ٤٥٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٥) والحاكم (١/ ١٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو أبو داود (٤٩٤) والترمذي (٤٠٥) وأحمد في المسند (٣/ ٤٠٤) والطبراني في الكبير (٦٥٤٦ - ٦٥٤٧ - ٦٥٤٨) والبيهقي (٢، ١٤، ٣/ ٨٣ - ٨٤) وقال الحاكم والبيهقي صحيح على شرط مسلم، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٩٢).
[ ١ / ٣٩٣ ]
وهل يجوز أن تعطى الأجرة من مال الطفل على تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من القرآن والأدب؟ فيه وجهان (١).
وأما المجنون فلا صلاة عليه أيضًا؛ للخبر، والأصل أن من لا تجب عليه العبادة لا يجب قضاؤها، وإنما خالفنا ذلك في حق النائم والناسي؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (٢)، والإغماء في معنى المجنون يستوي قليله وكثيره في إسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا تسقط الصلاة بالإغماء ما لم يزد على يوم وليلة، ولأحد حيث قال: إنه لا يسقط القضاء قَلَّ أو كثرَ.
لنا القياس على المجنون، ولا يلحق بالجنون زوال العقل بسبب محرم كشرب مسكر، أو دواء مزيل للعقل، بل يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معذور وهذا إذا تناول الدواء وهو عالم بأنه مزيل للعقل من غير حاجة كما إذا شرب المسكر وهو عالم (٣) أنه مسكر، أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل، وأن الشراب مسكر فلا قضاء عليه كما في الإغماء، ولو عرف أن جنسه مسكر لكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر لقلته فليس ذلك بعذر. ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه، وإن فعله عبثًا قضى، ثم في الفصل فرعان:
أحدهما: لو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون وما قبلها إذا أفاق وأسلم تغليظًا على المرتد. ولو سكر ثم جن قضى بعد الإفاقة صلوات المدة التي ينتهي إليها السكر لا محالة. وهل يقضي صلوات أيام المجنون؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كما يغلظ على المرتد، وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يقضي أيام المجنون.
والفرق أن من جن في ردته مرتد في جنونه حكمًا، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعًا.
الثاني: لو ارتدت المرأة ثم حاضت أو سكرت فلا تقضي أيام الحيض، ولا فرق بين اتصالها بالرّدة واتصالها بالسكر، بخلاف المجنون، حيث افترق الحال بين اتصاله بالردة وبين اتصاله بالسكر.
_________________
(١) قال النووي: الأصح، من مال الصبي، وهذا كله إذا كان الصبي، والصبية مميزين -والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٣٠١).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٦٩٨) من حديث أبي قتادة ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بلفظ "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها".
(٣) في ط (يعلم).
[ ١ / ٣٩٤ ]
والفرق أن سقوط القضاء عن الحائض ليس من باب الرخص والتخفيفات بل هو عزيمة، فإنها مكلفة بترك الصلاة، والمجنون ليس مخاطبًا بترك الصلاة، كما ليس مخاطبًا بفعلها، وإنما أسقط القضاء عنه تخفيفًا، فإذا كان مرتدًّا لم يستحق التخفيف، ومما يوضح الفرق أنها لو شربت دواء حتى حاضت لا يلزمها القضاء، بخلاف ما لو شربت دواء يزيل العقل، وكذلك لو شربت دواء حتى ألقت الجنين ونفست، لا يجب عليها قضاء الصلوات على المذهب الصحيح؛ لأن سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمة. فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفًا. ومن أمر بالترك فامتثل الأمر، لا يتوجه أن يؤمر بالقضاء (١)، وهذا يشكل لفصل الصوم، فإن الحائض مأمورة بترك الصوم ثم تؤمر بالقضاء؛ إلا أن ذلك معدول به عن القياس اتباعًا للنص. والمواضع المستحقة للعلامات من الفصل بينة، والذي لا بأس بذكره قوله: "ولو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون" ينبغي أن يعلم: قوله: "قضى" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا قضاء في الرّدة فكيف يؤثر في إيجاب قضاء أيام المجنون؟