ومنها: أن لا يستصحب شيئًا عليه اسم الله تعالى، كالخاتم والدراهم التي عليها اسم الله تعالى، "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ" (١)؛ لأنَّه كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُولُ الله (٢)، وألحق باسم الله تعالى اسم رسوله -ﷺ-، تعظيمًا؛ وتوقيرًا له كذلك يحترز عن اسْتِصْحَاب ما عليه شَيْءٌ من القرآن، وهل يختص هذا [الأدب] (٣) بالبنيان، أم يعم البُنْيَان وَالصَّحَارِي؟ فيه اختلاف للأصحاب، والأظهر التعميم. ورأيت للصيمري: أنه إذا كان على فص الخاتم ذكر الله تعالى، خلعه قبل دخول الخلاء، أو ضم كفه عليه فخير بينهما، وكلام غيره يشعر بأنه لا بد من النَّزْع، نعم قيل: إنه لو غفل عن النزع حتى اشتغل بفضاء الحاجة، ضم كفه عليه حتى لا يظهر.
ومنها: أن يُقَدِّمَ رجله اليُسْرَى في دخول الخَلاَءِ، واليمنى في الخروج على العكس من دخول المسجد، والخروج منه؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لغيره، وهل يختص ذلك بالبنيان، أم لا؟ اختلف فيه كلام الأصحاب، والذي ذكره في "الوسيط" يقتضي الاختصاص، لكن الأكثرين على أنه لا يختص، حتى يقدم رجله اليسرى إذا بلغ مَوْضِعَ جلوسه في الصَّحَرَاء، أيضًا، وإذا فرغ قدم اليمنى.
ومنها: أن يستبرئ من البول بالتَّنَحْنُحِ عند انقطاعه، وبالنَّتْرِ ثلاثًا بأن يمر بعض أصابعه على أسفل الذَّكَرِ ويدلكه لإخراج ما هنالك من البقايا؛ وهذا للاسْتِنْزَاه من البول أيضًا، ويروى: أَنَّه -ﷺ- قَالَ: "فَلْيَتنُزْ ذَكَرَهُ" (٤) ولو استبرأ بالمشي عُقَيْبَ البول فلا بأس، وأكثره فيما قيل: سبعون خطوة، ويكره حشو الإِحْلِيلِ بالقُطْنَةِ ونحوها.
قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُسْتَنْجَى عَنْهُ: وَهَي كُلُّ نَجَاسَةٍ ملَوثَةٍ خَارِجَةٍ عَن المَخْرَجِ المُعْتَادِ نَادِرةً كَانَتْ أَوْ مُعْتَادَة جَازَ الاقتِصَارُ فِيهَا عَلَى الحَجَرِ مَا لَمْ تَنْتَشَرْ إِلاَّ مَا يَنْتَشِرُ مِنَ العَامَّةِ وَلاَ يُقْتَصَرُ عَلَى الحَجَرِ فِي دَمِ الحَيْضِ، وَفِي النَّجَاسَاتِ النَّادِرَةِ قَولٌ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ المَاءُ وَقِيلَ: المَذْيُ نَادِرٌ، وَاِذَا خَرَجَتْ دُودَةٌ لَمْ ثلوِّثْ فَفِي وُجُوبِ الاسْتِنْجَاءِ وَجْهَانِ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود ١٩، وقال: هذا حديث منكر، والترمذي ١٧٤٦ وقال: حسن غريب، وللنسائي ٨/ ١٨٧، وابن ماجة ١/ ١١٠ (٣٠٣)، وابن حبان ١٤٠٠، والحاكم ١/ ١٨٧، وقال ابن حبان: ولا يقبل قول من ضعفه.
(٢) ورد هذا في الحديث السابق.
(٣) سقط في ب.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود في مراسيله، وابن ماجة والبيهقي من رواية يزداد ويقال: ازداد ابن فساءة الفارسي مولى بجير بن ريسان اليماني، قال العقيلي: لا يصح، وقال ابن أبي حاتم: يزداد مجهول وولده عيسى مثله. انظر خلاصة البدر ١/ ٤٧، والتلخيص ١/ ١٠٨.
[ ١ / ١٤٠ ]
قال الرافعي: الخارج من البدن إما ريحٌ فلا اسْتنْجَاءَ منها، أو عين، فإن وجبت بخروجها الطهارة الكبرى كالمَنِيِّ والحَيْضِ، فيجب الغَسْلُ، ولا يمكن الاقتصار على الحِجَارَة (١) وإن لم تجب به الطهارة الكبرى نظر، إن لم تجب به الصغرى فإن كان طاهرًا فذاك، وإن كان نجسًا كدم الفَصْدِ والحِجَامة فيزال، كما تزال سائر النجاسات، ولا مدخل للجحر فيه، وإن وجبت به الطهارة الصغرى، فإن خرج من الثقبة التي تنفتح، ويحكم بانتفاض الطهارة بالخارج منها على ما سيأتي، فتزال كسائر النجاسات، أم للحجارة فيه مدخل. فهي وجوه ثلاثة قد ذكرها في الكتاب في باب الأحداث، ونذكرها في موضعها إن شاء الله -تعالى- وإن خرج من السَّبَيْلَيْنِ نظر، إن لم يكن مُلَوَّثًا كالدُّودَة والحَصَاة التي لا رطوبة معها، ففي وجوب الاستنجاء منه قولان:
أصحها: لا يجب. لا بالماء، ولا بالحجر؛ لأن المقصود من الاستنجاء إزالة النجاسة، أو تخفيفها عن المحل، فإذا لم يتلوث المحل، ولم يتنجس فلا معنى للإزالة، ولا للتخفيف.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يخلو عن رطوبة (٢) وإن قلت: وخفيت، وإن كان ملوثًا فينظر إن كان نادرًا كالدم والقَيْحِ، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يتعين إزالته بالماء، رواه الربيع حيث حُكِيَ عن نصه: أنه إن كان في جوف مَقعَدَتِه بَوَاسير يخرج منها الدَّمَ والقَيْحُ يجب غسله بالماء، ووجهه أن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس، ورد فيما يعم به البلوى، فلا يلحق به غيره.
والثاني: رواه المزني، وحرملة، وهو الأصح: أنه يجوز فيه الاقتصار على الحجر، نظرًا إلى المخرج المعتاد، فإن خروج النجاسات منه على الانقسام إلى الغالبة والنادرة مما يتكرر ويعسر البحث عنها، والوقوف على كيفياتها، فيناط الحكم بِالمَخْرَج، ومنهم من قطع بهذا، وحمل ما رواه الربيع على ما إذا كان بين الإِلْيَتَيْنِ لا في الداخل.
ومن جملة النجاسات النادرة المذي، فيجيء فيه هذا الاختلاف، وحكى عن القَفَّال تفصيل في النجاسات النادرة، وهو: أن ما يخرج منها مَشُوبًا بالمعتاد كفى الحجر
_________________
(١) قال النووي: قد صرح صاحب (الحاوي) وغيره: بجواز الاستنجاء بالحجر من دم الحيض. وفائدته فيمن انقطع حيضها واستنجت بالحجر، ثم تيممت لسفر أو مرض صلت ولا إعادة. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٨.
(٢) قال في النووي: والبعرة اليابسة كالحصاة وصرح به صاحب الشامل وآخرون. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٨.
[ ١ / ١٤١ ]
فيه، وإن تمحض النادر فلا بد من الماء، هذا في الخارج النادر: أما المعتاد فإن لم يعد المخرج فعليه أحد الأمرين، إما إزالته بالماء كسائر النجاسات، وإما التخفيف بجامد على الشرط المذكور في الفصل الثالث، وذلك أن الأصل في النجاسات الإزالة بالماء بحيث لا يبقى عَيْنٌ ولا أَثَرٌ، فإن جرى على الأصل فذاك، وإلا أجزأه الاقتصار على الأحجار؛ تخفيفًا. روى عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيُذْهِبْ مَعَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، يَسْتَطِبُّ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجزِئُ (١) عَنْهُ".
وإن عدا المخرج نظر، إن لم ينتشر أكثر من القدر المعتاد، فكذلك يتخير بين الأمرين، وذلك القدر من الانتشار يتعذر، أو يتعسر الاحتراز عنه، ونقل المزنى -﵀- أنه إذا عدا المخرج لا يجزي فيه إلا الماء، فمنهم من أثبته قولًا آخر، وزعم أن الضرورة تختص بالمحرج، فلا تسامح فيما عداه بالاقتصار على الأحجار، والأكثرون امتنعوا من إثباته قولًا، وانقسموا إلى مغلط ومؤول، وإن انتشر أكثر من القدر المعتاد، وهو أن يعدو المخرج وما حواليه، فينظر، إن لم يجاوز الغائط الألْيَتَينِ ففي جواز الاقتصار فيه على الأحجار قولان:
أظهرهما: الجواز رواه الربيع، واحتج الشافعي -﵁- لهذا القول بأن قال: "لم يزل في زمان رسول الله -ﷺ- وإلى اليوم رقَّة البطون". وكان أكثر أقواتهم التمر، وهو مما يرقق البطن، ومن رق بطنه انتشر خلاؤه عن الموضع، وما حَوَالَيْهِ، ومع ذلك أمروا بالاسْتِجْمَار.
والثاني: ذكره في القديم: أنه لا يجوز؛ لأنه انتشار لا يعم ولا يغلب، فإذا اتفق وجب غسله كسائر النجاسات، وفيه طريقتان أخريان:
إحداهما: القطع بالقول الأول، رواها الشيخ أبو محمد، والمسعودي.
والثانية: القطع بالقول الثاني، حكاها كثيرون من الأئمة. وأما البول فالحَشَفَةُ فيه بمثابة الإِلْيَتَيْنِ في الغائط، والأمر فيه على هذا الاختلاف، وعن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إذا جاوز البول الثُقْب لم يَجُزْ فيه الحجر قولًا واحدًا، والخلاف والتفصيل في الغائط. والفرق أن البول ينفصل على سبيل التزريق، فيبعد فيه الانْتِشَارُ، وإن جاوز الغائط الإليتين، والبول الحَشَفَة، تعيَّنت الإزالة بالماء كسائر النجاسات؛ لأنه نادر نحوه؛ ولا فَرْقَ بين القَدْرِ المجاوز وغيره، ومنهم من جعل ما لم يجاوز على الخلاف، ثم حيث يجوز الاقتصار على الحجر فذاك، بشرط أن لا تنتقل النجاسة عن الموضع
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٨، ١٣٣ والدارمي ٦٧٦، وأبو داود ٤٠، ٤١، والنسائي ١/ ٤١، ٤٢، والدارقطني ١/ ٥٤، وفيه وإسناده صحيح والبيهقي ١/ ١٠٣، وابن ماجة ٣١٥.
[ ١ / ١٤٢ ]
الذي أصابته عند الخروج، فلو قام وانضمت إليتاه عند الخطو، وانتقلت النجاسة تعين الماء، ويشترط أن لا يصيب موضع النَّجْو نجاسة من خارج حتى لو عاد إليه رَشَاش، ما أْصاب الأرض تعين الماء، ويشترط في النادر أن لا يَجِفَّ الخارج على الموضع، فإن جف تَعَيَّن الماء، وحكى القاضي الروياني: أنه إن كان يُقْلِعُهُ الحجر يجزي فيه الحجر، وإلا فلا، وأختار هذا الوجه -والله أعلم-. هذا فقه مَسَائِل [الفصل.
وألفاظ الكتاب في بعض المواضع من الفصل تفتقر إلى مزيد بيان، فنقول: أما قوله] (١): الفصل الثاني فيما يستنجى عنه، فلفظ الاستنجاء يشمل الإزالة بالماء، والتَّخْفِيف بالأحجار؛ لأنه مشتق من النَّجْو وهو القَلْع، إلا أن المراد هاهنا إنما هو الاستنجاء بالحجر لا مطلق الاستنجاء، وإلا فلا يشترط في مطلق الاستنجاء كونه خارجًا من المَخْرَج المعتاد، ولا كونه غير مُنْتَشِرٍ، لكن قوله: في آخر الفصل: فإذا خرجت دُودَةٌ لم تلوَث ففي وجوب الاستنجاء وجهان، ليس المراد منه الاسْتِنْجَاء بالحجر؛ بل مطلق الاستنجاء على ما بينا المسألة من قبل، وقد عبر عن الخلاف في المسألة بالوجهين، وكذلك نقل الشيخ أبو محمد، والصيدلاني، والإمام، والأكثرون نقلوا قولين، ومنهم من حكاهما عن الجامع الكبير، والله أعلم. وأما قوله: كل نجاسة، يخرج عنه الأشياء الطاهرة، وقوله: مُلَّوَثَةٌ، يخرج عنه ما لا يلوث، واشتراط هذا القيد على الخلاف المذكور. وقوله: خارجة عن المخرج عن دَم الفَصْدِ والحِجَامَةِ، وكذا الخارج عن الثقبة المنفتحة، وإن حكمنا بانتفاض الطهر بالخارج منها، وفيه الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، لكن الأظهر أنه لا يقتصر فيه على الحجر، فلا بأس بخروجه عن الضابط. وقوله: نادرة كانت أو معتادة، جرى على أصح القولين في النَّجَاسَاتِ النَّادرة، وهو: أنه يقتصر فيها على الحجر، وقد ذكر القول الثاني بعد ذلك.
وقوله: ما لم ينتشر إلا ما ينتشر من العامَّة، يَنْبَغِي أن تكون كلمة الاستثناء منه مرقوم بالواو؛ إشارة إلى مَذْهَب من جعل منقول المزني قولًا، فإن عدم الانتشار شرط عنده من غير استثناء، وكذلكَ قوله: ما ينتشر من العامة؛ إشارة إلى القول الذي رواه الربيع: أنه وإن زاد على ذلك جاز الاقْتِصَار فيه على الحَجَرِ ما لم يجاوز الإلْيَتَيْنِ، والذي ذكره جواب على القول المنسوب إلى القديم، واختيار له، وقد رجّحَه إمامُ الحرمين وكثيرون، لكن منقول الربيع أظهر كما سبق، وكذلك ذكره المسعودي، والقاضي الرُّوياني وآخرون، وبه أجاب المحاملي في المقنع.
وأما قوله: المَذْيُ نادر فيقتضي إثبات خلاف في أنه هل يعد من النجاسات
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ١٤٣ ]