قال الغزالي: فَإِنْ كَانَتْ حُكمِيَّةَ فَيَكْفِي إِجْرَاءُ المَاءِ عَلَى مَوْرِدِهَا، وَإنْ كَانَتْ عَيْنِيَّةً فَلاَ بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ عَيْنَها، فَإِنْ بَقِيَ طَعْمٌ لَمْ يَطهُرْ لأنَّ إِزَالَتَة سَهْلٌ، وَإاِنْ بَقِيَ لَوْنٌ بَعْدَ الحَتِّ وَالقَرْضِ فَمَعْفُوٌ عَنْهُ، وَالرَّائِحَةُ كَاللَّوْنِ عَلَى الأَصَّحِّ.
_________________
(١) الحسين بن مسعود بن محمد العلامة محيي السنة أبو محمد البغوي، ويعرف بابن الفراء تارة، وبالفراء أخرى. أحد الأئمة تفقه على القاضي الحسين. وكان دينًا عالمًا عاملًا على طريقة السلف، وكان لا يلقى الدرس إلا على طهارة، وكان قائمًا باليسير يأكل الخبز وحده، فعدل في ذلك فصار يأكله بالزيت. قال الذهبي: كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه. بورك له في تصانيفه، ورزق القبول لحسن قصده وصدق نيته. له التهذيب، وشرح السنة وغير ذلك. توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨١. ووفيات الأعيان ١/ ٤٠٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٥٨، والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٢٤، وشذرات الذهب ٤/ ٤٨. وانظر ابن خلكان ١/ ٤٠٢، وابن السبكي ٤/ ٢١٢، البداية والنهاية ١٢/ ١٩٣، والتهذيب لابن عساكر ٤/ ٣٤٥.
(٢) سقط في ط.
[ ١ / ٥٧ ]
قال الرافعي: الشيء النجس يَنْقَسِمُ إلَى نَجِسِ العَيْنِ وغيره، أما نجس العين فلا يطهر بحال إلا الخمر تطهر بالتَحَلُّلِ، وجلد الميتة يطهر بالدِّبَاغِ، والعَلَقَةُ والمُضْغَةُ، والدم الذي هو حَشْوُ البيض إذا نجسناها فاستحالت حَيَوَانًا. وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حُكْمِيَّةٍ وإِلى عَيْنِيَّةٍ:
أما الحكمية فهي: التي لا تحس مع تَيَقُّنِ وجودها، كالبول إذا جَفَّ على المحل ولم توجد له رائحة، ولا أثر فيكفي إجراء الماء على موردها إذ ليس ثم ما يزال ولا يجب في الإجراء عدد خلافًا لأبي حنيفة حيث شرط في إزالة النجاسة الحكمية الغسل ثلاثًا في رواية. وفي رواية الشرط أن يغلب على ظن الغَاسِلِ طهارته، ولأحمد حيث قال في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ: يشترط الغسل سَبْعًا في جميع النجاسات كما في نجاسة الكلب. لنا قوله -ﷺ- لأسماء -﵂-: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" (١) أمرها بالغسل من غير اعتبار عدد.
وأما العَينِيَّةُ فلا يكفي فيها إجزاء الماء؛ بل لا بد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة: الطعم، واللون، والرائحة، أو ما وجد منها، فإن بقي طعم لم يطهر سواء بقي مع غيره من الصفات، أو وحده، لأن الطعم سَهْلُ الإِزَالَةِ، ويظهر تصويره فيما إذا دَمِيَتْ لَثَتُهُ، أو تنجس (٢) فوه بنجاسة أخرى، فغسله فهو غير طاهر ما دام يجد طعمه في
_________________
(١) قال الحافظ أخرجه الشافعي ثنا سفيان عن هشام عن فاطمة عن أسماء قالت: سألت النبي -ﷺ- عن دم الحيضة يصيب الثوب فقال: حتيه ثم اقرصيه بالماء ورشيه وصلي فيه، ورواه عن مالك عن هشام بلفظ: أن امرأة سالت، وهذه الرواية في الصحيحين، وفي الأربعة بهذا اللفظ، وأما بلفظ: ثم اغسليه بالماء فذكره الشيخ تقي الدين في الإمام من رواية محمد بن إسحاق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء. قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال: اغسليه. قلت: ورواه ابن ماجة بلفظ (اقرصيه، واغسليه، وصلي فيه). ولابن أبي شيبة (اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه) وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن (أنها سألت رسول الله -ﷺ- عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: حكيه بصلع واغسليه بماء وسدر) قال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة، ولا أعلم له علة. قال الحافظ ابن حجر: (تنبيه) زعم النووي في شرح المهذب أن الشافعي روى في الأم أن أسماء هي السائلة بإسناد ضعيف، وهذا خطأ بل إسناده في غاية الصحة، وكأن النووي قلد في ذلك ابن الصلاح، وزعم جماعة ممن تكلم على المهذب أنه غلط في قوله أسماء هي السائلة، وهم الغالطون والله أعلم. انظر التلخيص ١/ ٣٥.
(٢) والفم من الإنسان والحيوان أصله فَوَه بفتحتين، ولهذا يجمع على أفواه مثل سبب أسباب، ويثنى على لفظ الواحد فيقال: فمان، وهو من غريب الألفاظ التي لم يطابق مفردها جمعها، وإذا أضيف إلى الياء مثل فِيّ وإلى غير الياء أعرب بالحروف، فيقال: فُوه وفَاه وفيه. ويقال: أيضًا فَمُه. المصباح المنير ٢/ ٦٦٤.
[ ١ / ٥٨ ]
فيه، وإن لم يبق الطعم نظر، إن بقي اللون وَحْدَهُ وكان سهل الإزالة فلا يطهر [حتى يزول] (١) وإن كان عسر الإزالة كَدَم الحَيْضِ يُصِيبُ الثوب، وربما لا يزول بعد المُبَالَغَةِ وَالاسْتِعَانَةِ بِالحَتِّ، وَالقَرْصِ فيطهَر، لما روي "أَنَّ نِسْوَةَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- سَأَلْنَهُ عَنْ دَمِ الحَيْضِ، يُصِيبُ الثَّوْبَ، وَذَكَرْنَ أَنَّ لَوْنَ الدَّم يَبْقَى، فَقَالَ الْطَخْنَهُ بِزَعْفَرَانِ" (٢)، المعنى: أن اللون الباقي لا أثر له، فإن كرهتن رؤيتهَ فَالطَخنَهُ بزعفران. وعن خولة بنت يسار قالت: "سألت رسول الله -ﷺ- عن دم الحيض فقال: "اغسِلِيهِ" فقلت: أَغْسِلُهُ فَيَبْقَى أَثَرهُ [فَقَالَ -ﷺ-: [الْمَاءُ] يَكفِيكِ وَلاَ يَضُرُّكِ أَثْرُهُ (٣)] " وإن بقيت الرائحة وحدها، وهي عَسِرَةُ الإزالة كرائحة الخمر، فهل يطهر المحل؟ فيه قولان: وقيل: وجهان:
والأول أصح، أحدهما: لا، لأن بقاء الرائحة يدل على بقاء العين، فصار كَالطَّعْمِ، وهذا هو القياس في اللون، لكن منعنا عنه الأخبار.
والثاني: وهو الأصح أنه يطهر؛ لأنَّا إنما احتملنا بقاء اللون لمكان المشقة في إزالته، وهذا المعنى موجود في الرائحة، وروى في اللون أيضًا وجه، أنه لا يطهر المحل ما دام باقيًا، ذكره في "التتمة" ونسبه إمام الحرمين إلى صاحب التَّلْخيص، فلو أعلمت قوله "فمعفو"، إشارة إلى هذا الوجه لما كان به بأس.
لمان بقي اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ معًا، فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين، وفيه وجه ضعيف، ويتبين لك بما حكيناه أن قوله: "فإن بقي طعم لم يطهر" هذا لا يجري على إطلاقه، لأنه لا فرق بين أن يبقى وحده، أو مع غيره، من الصفات الثلاثة.
وقوله في الرائحة، واللون، غير محمول على إطلاقه؛ بل المراد ما إذا كان كل واحد منهما وحدة. ثم لك في قوله: "وإن بقي لون بعد الحَتِّ، والقَرْصِ فمعفو" مبحثان:
إحداهما: الاسْتِعَانَةُ بِالحَتِّ وَالقَرْصِ، وهل هي شرط أم لا؟ ظاهر كلامه يقتضي الاشتراط وبه يشعر نقل بعضهم، لكن الذي نص عليه المعظم خلافه، واحتجوا عليه بحديث خولة واقتصروا على الاسْتِحبَابِ.
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث لا أعلم من أخرجه هكذا. لكن روى موقوفًا فروى الدارمي في مسنده عن معاذة عن عائشة أنها قالت: إذا غسلت الدم فلم يذهب فلتغيره بصفرة، أو زعفران، ورواه أبو داود بلفظ: قلت لعائشة في دم الحائض يصيب الثوب قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة موقوف. انظر التلخيص ١/ ٣٦.
(٣) أخرجه أبو داود في رواية ابن الأعرابي والبيهقي من طريقين عن خولة، وفيه ابن لهيعة قال إبراهيم الحربي: لم يسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث، ورواه الطبراني في الكبير من حديث خولة بنت حكيم وإسناده أضعف من الأول. انظر التلخيص ١/ ٣٦.
[ ١ / ٥٩ ]
الثانية: لم قال: فَمَعْفُوٌّ، ولم يقل: فطاهر أهو نجس، لكن يعفى عنه، أم كيف الحال؟ أطلق الأكثرون القول بالطهارة، ويجوز أن يقال: إنه نجس لكن يعفى عنه كما في أثر محل الاستنجاء ودم البراغيث وليس في الأخبار تصريح بالطهارة وإنما تقتضي العفو والمسامحة، وقد تعرض في "التتمة" لمثل هذا في الرائحة، فقال: إن قلنا: لا يطهر فهو معفو عنه، كدم البراغث.
قال الغزالي: ثُمَّ يُسْتَحَبُّ الاسْتِظهَارُ بِغَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ وَفِي وُجُوبِ العَصْرِ وَجْهَانِ فَإنْ وَجَبَ العَصْرُ فَفِي الاكْتِفَاءِ بِالجَفَافِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قوله: "ثم يستحب الاستظهار" يجوز أن يقرأ بالطاء والظاء - فالاستطهار طلب الطهارة، والاستظهار طلب الاحتياط، وهذا كما قال الشافعي -﵁- في المبتدأة المميزة إذا استحيضت "لا يجوز لها أن تستظهر بثلاثة أيام"، قُرِئَ بها جميعًا، والغرض أن التَّثْلِيثَ مستحب في إزالة النجاسة، كما في رفع الحدث، واحتجوا عليه بأن النبي -ﷺ-: "أَمَرَ المُسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ بِأَنْ لاَ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاثًا" (١) لتوهم النجاسة، فعند تحققها أولى، وإنما يَتَأَدَّى الاستحباب إذا وقعت المرة الثانية، والثالثة، بعد زوال النجاسة. أما الغَسَلاَت المحتاج إليها لإزالة النجاسة فلا بد منها واستحباب الاستظهار يشمل النجاسة الحُكْمِيَّةَ، والعَيْنِيَّةَ، وقد حكينا عن مذهب أحمد أن العدد واجب في إزالة النَّجَاسَاتِ مطلقًا، فينبغي أن يكون قوله: "ثم يستحب" معلمًا بالألف، وأما [مسألة] (٢) العصر، فقد اختلفوا في حصول الطَّهَارَةِ قبله على وجهين، وبنوهما على أن الغسالة طاهرة، أم نجسة؟ إن قلنا: إنها طاهرة فلا حاجة إلى العصر، وهو الأصح، وإلا فَالغُسَالَة باقية فلا تطهر، وعلى هذا هل يكتفي [قبل العصر] (٣) بالجفاف؟ فيه وجهان:
أصحهما نعم: لأن زوال الغُسَالَةِ بِالجَفَافِ أبلغ منه بالعَصْرِ.
والثاني: لا، لأنا بالعصر نَتَوَهَّمُ انتقال أجزاء النجاسة [في صحبة الماء، وعند الجَفَافِ لا يزول إلا بَلَلُ الماء، وتبقى أجزاء النجاسة]، وقد يستدرك على العبارة التي ذكرها في تفريع الوجهين في الجفاف على وجوب العصر، لأن التَّفْرِيعَ على الشيء لا ينبغي أن يرفع الأصل. ومن قال: تطهر بالجفاف، لا ينتظر منه القول بوجوب العصر، واشتراطه؛ بل الشرط عنده زَوَال البلل، إما بالعصر، أو بالجفاف فالعبارة السليمة أن يقال: إذا غسل المَحِلُّ، ولم يعصر، هل يطهر مع بقاء البلل؟ فيه وجهان: إن قلنا: لا يطهر، فهل يطهر إذا جفّ؟ فيه وجهان.
_________________
(١) تقدم وهذا اللفظ عند الدارقطني من حديث ابن عمر بسند حسن انظر التلخيص ١/ ٣٦.
(٢) (٣) سقط في ط.
[ ١ / ٦٠ ]
قال الغزالي: فُرُوعٌ سَبْعَةٌ: الأوَّلُ- إِذَا أُوْردَ الثَّوْبُ النَّجِسُ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ نَجسَ المَاءُ وَلَمْ يَطْهُرِ الثَّوْبُ عَلَى الأَظهَرِ.
قال الرافعي: ما سبق من طهارة المَحِلِّ بالغسل، إما مع العصر، أو دونه فيما إذا كان الماء واردًا على المحل، إما لورود المحل النجس كالثوب يغمس في إجانة فيها ماء، ويغسل فيه، فهل يطهر؟ فيه وجهان: قال ابْنُ سُرَيُج: يطهر كما لو كان الماء واردًا عليه. وقال الأكثرون: وهو الأصح لا يطهر، لأن الملاقاة بين الماء القليل، والنجاسة يَقتضي نجاسة الماء خالفناه فيما إذا كان الماء واردًا، فإن الوارد عامل، والقوة للعامل، ويدل على الفرق أنه -ﷺ- منع المُسْتَيْقِظَ من النوم من غَمْس اليَدِ فِي الإنَاءِ قبل الغسل ثلاثًا، ولولا الفرق بين الوارد، والمورود لما انتظم المنع من الغمس والأمر بالغسل، والوجه الأول فيما إذا قص بالغمس إزالة النجاسة، فاما لو ألقته الريح فيه، والماء قليل نجس الماء بلا خلاف، قال الأئمة ﵏: ومن هذا نشأ ظن من نقل عن ابن سريج أن يشترط النِّيَّةَ في إزالة النجاسة.
قال الغزالي: الثَّانِي- إِذَا أَصَابَ الأَرْضَ بَوْلٌ فَأُفِيضَ عَلَيْهِ المَاءُ حَتَّى صَار مَغْلُوبًا وَنَضَبَ المَاءُ طَهُرَ (ح). وَكَذَا إِذَا لَمْ يَنْصُبْ إِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الغُسَالَةِ وَأَنَّ العَصْرَ لاَ يَجِبُ.
قال الرافعي: إذا أصابَ الأرْضَ بَوْلٌ، فصب عليها من الماء ما يغمره، وتستهلك فيه النجاسة، طهرت بعد نُضُوب الماء وقبله وجهان: إن قلنا: إن الغُسَالَةَ طاهرة والعصر لا يجب فنعم. وإن قلناَ: إنها نجسة، والعصر واجب فلا، وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطَّهَارَةِ على الجَفَافِ؛ بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب المعصور لا يشترط فيه الجفاف، والنُّضُوبُ كَالعَصْرِ. وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النَّدَاوَةُ وينقل التراب. لنا ما روى:" أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ" (١)، ولم يأمر بنقل التراب.
وقوله: "حتى صار مَغْلُوبًا" إشارة إلى أن المعتبر أن يكون الماء المَصْبُوبُ على
_________________
(١) أخرجه البخاري ٢٢١، ومسلم ١٠٠/ ٢٨٥، والنسائي ١/ ٤٨، والترمذي ١٤٨، والشافعي في المسند بزيادة فيه ١/ ٢٥ (٥٢) وأما قوله ولم يأمر بنقل التراب. لكن قد ورد أنه أمر بنقله من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات. قال الدارقطني ثنا ابن صاعد ثنا عبد الجبار بن العلا ثنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أنس أن أعرابيًا بال في المسجد فقال النبي -ﷺ-: (احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء، وأعله الدارقطني بأن عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأن عند ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلًا وفيه: احفروا مكانه وعن يحيى بن سعيد عن أنس موصولًا وليست فيه الزيادة، وهذا =
[ ١ / ٦١ ]
الموضع غالبًا على النجاسة، غامرًا لها، ولا بأس لو أعلمته أو أعلمت قوله "طهر" بالواو، ولوجهين رويا على خلاف ظاهر المذهب:
أحدهما: يجب أن يكون الماء سبعة أضعاف البول.
الثاني: يجب أن يُصَبَّ على بول الواحد ذَنُوبٌ، وعلى بول الاثنين ذَنُوبَانِ، وعلى هذا أبدًا، ثم الخَمْر، وسائرِ النَّجَاسَاتِ المَائِعَةِ، كَالبَوْلِ تطهر الأرض عنها بالمُكَاثَرَةِ، ولا تقدير على ظاهر المذهب. وقوله: "إذا حكمنا بطهارة الغُسَالَةِ، وأن العصر لا يجب"، لا ضرورة إلى الجمع بينهما؛ بل لو اقتصر على نفي وجوب العصر لحصل الغرض، فإن الخلاف في العصر مبني على الخلاف في الغُسَالَةِ.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- اللَّبَّنُ المَعْجُونُ بِمَاء نَجِسٍ يَطهُرُ إِذَا صُبَّ عَلَيهِ المَاءُ الطَّهُورُ فَإِنْ طُبِخَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ المَاءِ دُونَ بَاطِنِهِ.
قال الرافعي: اللَّبَنُ النجس ضربان:
أحدهما: أن يختلط بالتراب نجاسة جامدة من روث، أو عظام ميتة (١)، أو غيرهما، فيضرب منه لبن، فهو نجس، ولا سبيل إلى تطهيره بحال لما فيه من عين النجاسة. فَلَوْ طُبِخَ فالمذهب الجديد: أنه على نجاسته، وَالنَّارُ لا تطهر شيئًا؛ بل الطَّهُورِيةُ مخصوصة بالماء، وفي القديم قول أن الأرض النجسة تطهر إذا زال أثر النجاسة بالشمس، والرّيْحِ، ومرور الزمان (٢)، فخرج أبو زيد، والخضري، وآخرون،
_________________
(١) = تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو عن طاوس، وكذا رواه سعيد ابن منصور عن ابن عيينة فمن شواهد هذا المرسل مرسل آخر رواه أبو داود، والدارقطني من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني وهو تابعي. قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال فيها، فقال النبي -ﷺ-: (خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء قال أبو داود: روي مرفوعًا يعني موصولًا، ولا يصح. قلت: وله إسنادان موصولان أحدهما عن ابن مسعود رواه الدارمي والدارقطني ولفظه (فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء) وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي قاله أبو زرعة وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة: هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم لا أصل له ثانيهما عن وائلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني وفيه عبيد الله بن حميد الهذلي وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم. انظر التلخيص ٣٧/ ١.
(٢) في ب: الميتة.
(٣) وحديث ذكاة الأرض يبسها احتج به الحنفية ولا أصل له في المرفوع، نعم ذكره ابن أبي شيبة موقوفًا عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ورواه عبد الرزاق عن أبي قلابة من قوله بلفظ (جفوف الأرض طهورها).
[ ١ / ٦٢ ]
منه قولًا في تأثير النار، وقالوا: تأثير النار أشد وأقوى من تأثير الشمس. فعلى هذا يطهر ظاهره بالطبخ، لأن النار تحرق ما عليه من النجاسة، وإن قلنا: بالجديد الصحيح، فلو غسل هل يطهر ظاهره؟ المنصوص في الأم أنه لا يطهر لانْتِشَارِ أجزاء النجاسة والْتِصَاقِهَا بِالمَحِلِّ، وزوال الجميع غير معلوم.
وقال أبو الحسن بن المرزبان (١)، والففال: يطهر؛ لأن عين النجاسة قد زالت، فإذا ورد عليه الماء طهر محله النجس، والظاهر الأول.
الضرب الثاني: أن لا يختلط به نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، ولكن يعجن بماء نجس، أو بول، وهو الذي ذكره في الكتاب، فهذا اللبن يمكن تطهيره كسائر الأعيان التي أصابتها نجاسة مائعة، وطريق تطهير ظاهره إفاضة الماء عليه على سبيل غسل سائر الأعيان، وطريق تطهير باطنه أن ينقع في الماء حتى يصل الماء إلى [سائر] (٢) أجزائه كالعجين بمائع نجس، إنما يطهر بوصول الماء إلى جميع أجزائه، [هذا] (٣) أحكم، (٤) ما لم يطبخ فإن طبخ فعلى التخريج الذي سبق يطهر ظاهره، وكذلك باطنه في أظهر القَوْلَيْن، لتأثره بالنار، وعلى الجديد: هو على نجاسته، وإذا غسل طهر ظاهره دون باطنه، لأنه استحجر بالطبخ، فلا يتغلغل الماء فيه، وإنما يطهر الكل إذا دق، حتى صار كالتراب، ثم أفيض الماء عليه، ولو كان رَخْوًا لا يمتنع، نفوذ الماء فيه بعد الطَّبْخ، فهو كما قبل الطبخ (٥)، وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: "يطهر إذا صب عليه المَاء الطهور" ليس
_________________
(١) علي بن أحمد البغدادي أبو الحسن ابن المرزبان صاحب أبي الحسين بن القطان أحد أئمة المذهب، وأصحاب الوجوه. قال الخطيب البغدادي: كان أحد الشيوخ الأفاضل، قال: ودرس عليه الشيخ أبو حامد أول قدومه بغداد. وقال الشيخ أبو إسحاق. وكان فقيهًا ورعًا حكى عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد عليّ مظلمة. وقد كان فقيهًا. توفي في رجب سنة ست وستين وثلاثمائة بعد شيخه ابن القطان بسبع سنين. والمرزبان معناه كبير الفلاحين. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) في ط: جميع وهما بمعنى واحد.
(٣) في ط: هكذا.
(٤) في ط: حكمه.
(٥) قال النووي: إذا أصابت النجاسة شيئًا صقيلًا كسيف وسكين ومرآة لم يطهر بالمسح عندنا، بل لا بد من غسلها، ولو سقيت سكين ماء نجسًا ثم غسلها طهر ظاهرها، وهل يطهر باطنها بمجرد الغسل أم لا يطهر حتى يسقيها مرة ثانية بماء طهور؟ وجهان. ولو طبخ لحم بماء نجس صار ظاهره وباطنه نجسًا، وفي كيفية طهارته وجهان: أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط. والثاني: يشترط أن يغلي بماء طهور. وقطع القاضي حسين والمتولي في مسألتي السكين واللحم. بأنه يجب سقيها مرة ثانية وإغلاؤه. واختار الشاشي الاكتفاء بالغسل وهو المنصوص. قال الشافعي -﵁- في (الأم) في (باب صلاة الخوف) لو أحمى حديدة ثم صب =
[ ١ / ٦٣ ]
المراد منه طَهَارَةُ الظَّاهِر وحده، بدليل قوله بعده: "فإن طبخ طهر ظاهره دون باطنه"، فإنه بين إرادة طهارة الكل [بإفاضة الماء] (١) في الأول، وحينئذ فمجرد الصَّبِّ لا يكفي؛ بل في الكلام إضمار.
المعنى: إذا صب فيه الماء الطهور حتى ينتقع فيه، ويصل الماء إلى جميع أجزائه. وفي بعض النسخ: إذا نضب، وهو: عبارة الوسيط، وتقييد الماء بالطَّهُورِيَّةِ في هذا الموضع كالمستغنى عنه لوضوح اشتراط الطهورية في الماء الذي تزال به النَّجَاسَاتِ مطلقًا، وعدم اختصاصه بهذا الموضع، وقوله: "فإن طبخ طهر ظاهره بإفاضة الماء" جاز أن يعلم قوله بإفاضة الماء بالواو، إشارة إلى التَّخْرِيج المذكور، فإن من صار إليه قال بأنه يطهر بالطَّبْخِ، لا بإفاضة الماء عليه؛ وكذلك قولَه: "دون باطنه" لما ذكرنا أن أحد القولين على قاعدة القول المُخَرَّج طهارة الباطن أيضًا.
قال الغزالي: الرَّابعُ- بَوْل الصَّبِيِّ قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ يَكْفِي فِيهِ رَشٌّ المَاءِ (ح م) وَلاَ يَجِبُ الغَسْلُ بِخلاَفِ الصَّبِيَةِ للْحَدِيثِ.
قال الرافعي:- الواجب في إزالة النجاسات الغسل إلا في بول الصبي الذي لم يَطْعَمْ، ولم يشرب سوى اللبن، فيكفي فيه الرَّشُّ، ولا يجب الغُسْلُ (٢) خلافًا لأبي حنيفة، ومالك [وأحمد] لنا: ما روى أنه -ﷺ- قال: "إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وُيرَشُّ عَلَى بَوْلِ الغُلاَمِ" (٣).
وعن "أُمِّ قَيْسٍ أَنَّهَا أَتَتْ رَسَولَ اللهِ -ﷺ- بِصَبِيٍّ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَتهُ فِي
_________________
(١) = عليها سمًا نجسًا أو غمسها فيه فشربته، ثم غسلت بالماء طهرت، لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف هذا نصه بحروفه. قال المتولي وإذا شرطنا سقي السكين جاز أن يقطع بها الأشياء الرطبة قبل السقي كما يقطع اليابسة. ولو أصابت الزئبق نجاسة فإن لم يتقطع طهر بصب الماء عليه، وإن تقطع كالدهن لا يمكن تطهيره على الأصح ذكره المحاملي والبغوي. وإزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليست على الفور، وإنما يجب عند إرادة الصلاة ونحوها. ويستحب المبادرة بها. قال المتولي وغيره: للماء قوة عند الورود على النجاسة فلا ينجس بملاقاتها، بل يبقى مطهرًا فلو صبه على موضع النجاسة من ثوب فانتشرت الرطوبة في الثوب لا يحكم بنجاسة موضع الرطوبة، ولو صب الماء في إناء نجس ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور. فإذا أداره على جوانبه طهرت الجوانب كلها. قال: ولو غسل ثوب عن نجاسة فوقعت عليه نجاسة عقب عصره. هل يجب غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة؟ وجهان: الصحيح: الثاني والله أعلم. الروضة ١/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) سقط من ط.
(٣) قال النووي: وفي (التتمة) وجه شاذ: أن الصبي كالصبية فيجب الغسل. قال البغوي: وبول الخنثى كالأنثى من أي فرجية خرج. والله أعلم. الروضة ١/ ١٤١.
(٤) هكذا في الأصل هنا وفي ط: "من بول الصبية"، ولم يقع هذا اللفظ في الحديث فقط رواه أبو =
[ ١ / ٦٤ ]
حِجْرِه فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغسِلْهُ (١). واعلم أنه لا بد من أن يصيب
_________________
(١) = داود والبزار والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي السمح قال: كنت أخدم رسول الله -ﷺ- فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام، قال البزار وأبو زرعة ليس لأبي السمح غيره، ولا أعرف اسمه، وقال غيره يقال اسمه إياد؛ وقال البخاري: حديث حسن ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حجر رسول الله -ﷺ- فبال عليه فقلت: البس ثوبًا جديدًا وأعطني إزارك حتى أغسله فقال: (إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) ورواه الطبراني من حديثها مطولًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -ﷺ- قال في بول الرضيع: (ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية)، قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا لفظ الترمذي، وقال: حسن، رفعه هشام ووقفه سعيد. قلت: إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني، وقال البزار: تفرد برفعه معاذ ابن هشام عن أبيه، وقد روى هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة، وأحسنها إسنادًا حديث علي، وروى أحمد وابن ماجة والطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أم كرز قالت: أتي النبي -ﷺ- بصبي فبال عليه، فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل وفيه انقطاع، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فقيل عنه عن أبيه عن جده كالجادة أخرجه الطبراني في الأوسط، وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني وإسناده ضعيف، فيه إسماعيل بن مسلم المكي لكن رواه أبو داود من طريق الحسن عن أمه أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية وسنده صحيح، ورواه البيهقي من وجه آخر عنها موقوفًا أيضًا وصححه، وعن أنس وفي إسناده نافع أبو هرمز وهو متروك، وعن زينب بنت جحش رواه عبد الرزاق، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وعن امرأة من أهل البيت رواه أحمد بن منيع في مسنده. قال: حدثنا ابن علية ثنا عمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز عن حسين بن علي أو ابن حسين بن علي حدثتنا امرأة من أهلنا، وعن ابن عمر وابن عباس نحو ذلك، وفي أحاديث أكثر هؤلاء أن صاحب القصة حسن أو حسين بن علي، وروى الدارقطني من حديث عائشة قالت: بال ابن الزبير على رسول الله -ﷺ- فأخذته أخذًا عنيفًا فقال: (إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله)، وإسناده ضعيف، وأصله في البخاري بلفظ (أتي رسول الله -ﷺ- بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسل)، وروى الطبراني في الأوسط من حديث الحسن البصري عن أمه أن الحسن أو الحسين بال على بطن رسول الله -ﷺ- فذهبوا ليأخذوه فقال: (لا تزرموا ابني) الحديث، وفي المصنف وصحيح ابن حبان عن ابن شهاب مضت السنة أنه يرش على بول من لم يأكل الطعام من الصبيان. قال البيهقي: الأحاديث المسندة في الفرق بين بول الغلام والجارية إذا ضم بعضها إلى بعض قويت، وكأنها لم تثبت عند الشافعي حتى قال: ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، قلت: قد نقل ابن ماجة عن الشافعي فرقًا من حيث المعنى، وأشار في الأم إلى نحوه. انظر التلخيص ١/ ٣٧، ٣٨، ٣٩.
(٢) متفق عليه وأم قيس اسمها آمنة قاله السهيلي وقيل: جذامة.
[ ١ / ٦٥ ]
الماء جميع موضع البول، ثم لا يراده ثلاث درجات:
إحداها: النَضْحُ المُجَرَّدُ.
الثانية: النَّضْحُ مع الغَلَبَةِ والمُكَاثَرَةِ.
الثالثة: أن ينضم إلى ذلك الجَرَيانُ، والسَّيَلاَنُ، ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة، وهل يحتاج إلى الثانية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، [والرش، وَالغُسلُ يفترقان في أمر السَّيَلاَن، والتَّقَاطُر، وهل يلحق بول الصبية ببول الصبي؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم] (١)، كما يستوي بول الرجل والمرأة في الحكم.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يلحق به، للخبر، ويفرق بينهما من جهة المعنى، بأن بول الصبي، كالماء، وبول الصبية أصفرُ ثَخِينٌ، وأيضًا بأن طبعها أحَرُّ فبولها ألصَقُ بِالمَحِلِّ.
قال الغزالي: الخَامِسُ- وُلُوغُ الكَلْبِ يُغسَلُ سبعًا إِحْدَاهُن بالتَّرَاب وَعَرَقُهُ وَسَائِرُ أجزَائِهِ كَاللُّعَابِ وَفِي إِلْحَاقِ (م) الخِنْزِيرِ بِهِ قَوْلاَنِ: وَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقومُ الصَّابُونُ والأَشْنَانُ (ز) مَقَامَ التُّرَابِ وَلاَ الغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ نَجِسًا أَوْ مُزجَ بالخَلِّ فَوَجهَانِ وَلو ذُرَّ التُّرَابُ عَلَى المَحَلِّ لَمْ يَكْفِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ مَائِع يُعَفَّرُ بِهِ فَيُوصِلُهُ إِلَيهِ.
قال الرافعي: وُلُوغُ الكَلْب ما ولغ فيه، والولوغ: المصدر، وقاعدة الفرع: أنه يغسل من ولوغ الكلب سَبْعًا، إحَداهن بالتراب خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: حكمه حكم سائر النجاسات ولأحمد حيث قال في رواية: يغسل ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ. لنا ما روى أبو هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيُرِقْهُ، وَليَغسِلُهُ سَبعًا أُولاَهُنَّ، أَوْ إحْدَاهُن بِالتُّرَابِ" (٢). ثم فيه مسائل:
إحداها: عَرَقهُ، وسائر أجزائه، وَفَضَلاته كاللُّعَاب، إذا تنجس الشيء بها، وجب العدد وَالتَّعْفِيرُ؛ لأن فمه أنظف من غيره كما سبق، فإذا ورد التَّغْلِيظُ فيه، ففي غيره أولى، وفي وجه أن غير اللعاب كسائر النجاسات، قياسًا، وعند مالك -﵀- لا يغسل من غير الولوغ؛ لأن الكلب طاهر عنده، والغُسْلُ من الوُلُوغ تعبد.
الثانية: في إلحاق الخنزير بالكلب في هذا التَّغْلِيظِ قولان: الجديد: أنه يلحق به؛
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) أخرجه مسلم ٩١/ ٢٧٩ وأبو داود (٧١)، والترمذي (٩١).
[ ١ / ٦٦ ]
لأنه حيوان نجس العين، والسؤر كالكلب، فهو أولى بالتغليظ؛ لأنه لا يجوز اقتناؤه بحال، والقديم: أنه لا يلحق به؛ لأن القياس يقتضي الاقتصار على المرة الواحدةِ، وإنما ورد التغليظ في الكلاب فطمًا لهم عن عادة مخالطتها، ومنهم من قطع بإلحاق الخِنْزِيرِ بِالكَلْب، ولم يثبت القول القديم ذلك أن تعلم قوله "قولان" بالواو، وتشير إلى هذه الطريقة الثانية.
الثالثة: هل يقوم الصابون والأَشْنَانُ مقام التراب؟ فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: لا لظاهر الخبر؛ ولأنها طهارة متعلقة [بالتراب] (١)، فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم.
والثاني: نعم كَالدِّبَاغ يقوم فيه غَيْرُ الشّب وَالقَرَظِ (٢) مقامهما، وكالاسْتنْجَاءِ يقوم فيه غير الحِجَارَةِ مقامها.
الثالث: إن وجد التراب لم يعدل إلى غيره، وإن لم يجده جاز إقامة غيره مقامه للضرورة، ومنهم من قال: يجوز إقامة غير التراب مقامه فيما يفسد باستعمال التراب فيه، كالثياب، ولا يجوز فيما لا يفسد كالأواني.
الرابعة: لو اقتصَر على الماءِ، وزاد في عدد الغَسَلاَتِ على السَّبْعِ، هل يطهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا. لظاهر الخبر؛؟ ولأنه غلظ أمر هذه النجاسة بالجمع فيه بين جنسين، فلا يجوز الاقتصار على أحدهما، كَزِنَا البِكْرِ لَمَّا غِلُظَ أمره بالجمع بين الجلد وَالتَّغْرِيب، لا يقتصر على أحدهما.
والثاني: نعم؛ لأن المقصود التطهير، والماء أبلغ في التطهير من التراب، ثم منهم من رتب هذا الخلاف على أن الصابون والأشنان ونحوهما، هل تقوم مقام التراب أم لا؟ إن قلنا: لا، فكذلك الغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ، وإن قلنا: نعم، فهاهنا وجهان؛ لأن ثَمّ استعان بشيء آخر سوى الماء، ومنهم من بَنَاهُ على الخلاف فيما إذا غمس الإناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء كثير، هل يطهر أم لا يعتد بذلك إلا غسلة واحدة؟ ويجب غسله ستًا إحداهن بالتراب، فإن قلنا بالأول طهر بالغسلة الثامنة، وإن قلنا بالثاني فلا، وحكى القاضي الروياني في المسألة وجهًا ثالثًا: أن الغَسْلَةَ الثامنة تقوم مقام التراب عند عدمه، ولا تقوم مقامه عند وجوده، وزهو نظير القول الثالث في المسألة السابقة.
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) حب يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاه، وبعضهم يقول القرظ ورق السلم يدبغ به الأديم، وهو تسامح فإن الورق لا يدبغ به، وإنما يدبغ بالحب المصباح ٢/ ٦٨٤.
[ ١ / ٦٧ ]
الخامسة: لو كان التراب نجسًا ففيه وجهان:
أحدهما: يُجزِئُ كالدَّبْغِ بالشيء النجس فإن المقصود الاسْتِعَانَةُ على القلع بشيء آخر، وأصحهما: لا، كما لو تيمم بالتراب النجس وهذه المسألة تناظر مسألة أخرى وهي: أن الأرض الترابية لو تنجست بإصابة الكلب إياها، هل يحتاج في تطهيرها إلى التراب؟ أم يكفي مَحْض الماء، إن قلنا: يجوز التطهير بالتراب النجس، فلا حاجة إلى تراب آخر، وإن قلنا: لا يجوز، فلا بد من استعمال ترابٍ آخر، والأظهر في هذه المسألة أنه لا حاجة إلى استعمال التراب؛ لأنه لا معنى للتعفير في التراب.
السادسة: لا يكفي ذَرُّ التراب على المحل وإن غسله سبعًا؛ بل لا بد من مائع يمزجه به، ليصل التراب بوساطته إلى جميع أجزاء المحل، ثم ذلك المائع إن كان ماءً حصل الغرض، وإن كان غيره كَالخَلِّ وَمَاءِ الوَرْدِ وغسله ستًا بالماء، فوجهان:
أحدهما: يكفي؛ لأن المقصود من تلك الغَسْلَةِ التراب، وأصحهما: لا، لقوله -ﷺ-: "فَلْيَغسِلْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ".
المعنى: فليغسله بالماء سبعًا، وإلا لجاز الغسل [سبعًا] (١) بغير الماء وبَنى طبقةٌ من الأئمة، ومنهم صاحب الكتاب الخلاف في المسائل [الأربعة] (٢) الأخيرة على النظر في أن التعفير لماذا روعي؟ فمنهم من قال: هو تَعَبُّدٌ يتبع فيه ظاهر النقل وقيل: سببه الاستظهار بغير الماء، وقيل: سببه الجمع بين نوعي الطهور فعلى الأول: لا يغني استعمال غير التراب [وعلى الثاني يجوز استعمال غير التراب] (٣) والتراب النجس، والممزوج بسائر المائعات، لكن لا تجزى الغسلة الثامنة. وعلى الثالث يمنع الكل إلا المزج بسائر المائعات، وقد يتوقف المتأمل في بعض هذه التفاريع.
وقوله: في الأصل "بل لا بد من مائع يغيره لِوصله إليه" يجوز أن يقرأ بالياء من التغيير، أي: يغير التراب ذلك المائع، فيوصل المائع التراب إليه، ويمكن أن يجعل الفعل للمائع على معنى أنه يغير التراب عن هيئته فيتهيأ للنفوذ، والوصول إلى جميع الأجزاء، وفي بعض النسخ "يغير به" وكل جائز (٤).
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) في ط الأربع.
(٣) سقط في ط، وفي ط غير التراب، ولا الغسلة الثامنة.
(٤) قال النووي: لو ولغ في الاناء كلاب أو كلب مرات فثلاثة أوجه: الصحيح يكفيه للجميع سبع، والثاني: يجب لكل ولغة سبع، والثالث: يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع، ولو وقعت نجاسة أخرى في الإناء الذي ولغ فيه الكلب كفى سبع، ولو كانت نجاسة الكلب عينية كدمه فلم تزل إلا بست غسلات مثلًا فهل يحسب ذلك ستًا أم واحدة أم لا =
[ ١ / ٦٨ ]
قال الغزالي: السَّادِسُ- سُؤرُ الهِرَّةِ طَاهِرٌ فَإِنْ أكَلَتْ فَأَرَةً ثِم وَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ تَلِغَ فِي الحالِ أَوْ بَعْدَ غَيْبَةٍ مُحْتَمَلَةٍ للُولُوغِ فِي المَاءِ الكَثِيرِ وَالأحْسَنُ (١) تَعْمِيمُ العَفْوِ لِلحَاجَةِ.
قال الرافعي: سُؤْرُ الهِرَّةِ طاهر؛ لأنها طاهرة العين، وما هو طاهر العين، فهو طاهر السؤر، ولذلك لما تعجبوا من إصغاء رسول الله -ﷺ- الإناء للهرة قال: "أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، إِنَّهَا مِنَ الطوْافِينَ عَلَيْكُمْ" (٢).
_________________
(١) = يحسب شيئًا؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: واحدة، ويستحب أن يكون التراب في غير السابعة، والأولى أولى. ولو ولغ في ماء لم ينقص برلوغه عن قلتين فهو باق على طهوريته، ولا يجب غسل الإناء. ولو ولغ في شيء نجسه فأصاب ذلك الشيء آخر وجب غسله سبعًا. ولو ولغ في طعام جامد، ألقى ما أصابه وما حوله وبقي الباقي على طهارته وإذا لم يرد استعمال الإناء الذي ولغ فيه لا يجب إراقته على الصحيح الذي قطع به الجمهور. وفي (الحاوي) وجه أنه يجب إراقته على الفور للحديث الصحيح بالأمر بإراقته، ولو ولغ في ماء كثير متغير بالنجاسة ثم أصاب ذلك الماء ثوبًا قال الروياني: قال القاضي حسين: يجب غسله سبعًا إحداهن بالتراب، لأن الماء المتغير بالنجاسة كخل تنجس، ولو ولغ حيوان تولد من كلب أو خنزير وغيره أو من كلب وخنزير فقد نقل فيه صاحب (العدة) الخلاف في الخنزير، لأنه ليس كلبًا. والله أعلم. الروضة ١/ ١٤٣.
(٢) في ط: والأقرب.
(٣) قال الحافظ أخرجه مالك والشافعي وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث أبي قتادة قال مالك عن إسحاق بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيدة عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة أنها أخبرتها أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشه: فرآني انظر إليه فقال أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: قلت نعم، فقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوفات. ورواه الباقون من حديث مالك، ورواه الشافعي عن الثقة عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، ورواه أبو يعلى من طريق حسين المعلم عن إسحاق بن أبي طلحة عن أم يحيى امرأته، عن خالتها ابنة كعب بن مالك، فذكره تابعه همام عن إسحاق، أخرجه البيهقي قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: هي حميدة تكنى أم يحيى، وصححه البخاري والترمذي والعقيلي، والدارقطني وساق له في الإفراد طريقًا غير طريق إسحاق فروى من طريق الدراوردي عن أسيد بن أبي أسيد عن أبيه أن أبا قتادة كان يصغي الأناء للهرة فتشرب منه، ثم يتوضأ بفضلها فقيل له: أنتوضأ بفضلها؟ فقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم) وأعله ابن منده بأن حميدة وخالتها كبشة محلهما محل الجهالة، ولا يعرف لهما إلا هذا الحديث انتهى. فأما قوله إنهما لا يعرف لهما إلا هذا الحديث فمتعقب بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس رواه أبر داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم في "المعرفة"، =
[ ١ / ٦٩ ]
جعل طهارة العين علة طهارة السؤر، فلو أكلت فأرة، أو تنجس فمها بسببٍ آخر، ثم ولغت في ماء قليل، ونحن نتيقن نجاسة فمها بعد، فهل ينجس؟ فيها وجهان:
أحدهما: لا، لكثرة اختلاطها وعسر الاحتراز، "وَلأنَّهُ -ﷺ- كَانَ يُصْغِيَ للهِرَّةِ لها الإنَاءَ" ولا شك أنه تعتري النجاسة لفيها، ولم يكن بقرب جحر رسول اللهﷺ- ماء كثير ترده الهرة.
وأصحهما: نعم، كسائر النجاسات، والاحتراز وإن عسر، فإنما يعسر عن مطلق الولوغ فأما عن الوُلُوغِ بعد تيقن نجاسة الفم فممنوع.
_________________
(١) = وأما حالهما فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين وأما كبشة فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها. والله أعلم. وقال ابن دقيق العيد: لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك، وإن كل من خرج له فهو ثقة عند ابن معين، وأما كما صح عنه فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه أعني تخريج مالك وإلا فالقول ما قال ابن منده. جعل الرافعي تبعًا للمتولي: الذي أصغى الاناء للهرة هو النبي -ﷺ- لأنه قال: لما تعجبوا من إصغاء الرسول الاناء للهرة قال: (إنها ليست بنجسة) انتهى. والمعروف في الروايات ما تقدم نعم روى البيهقي من حديث عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة يصغي الاناء للهرة فتشرب، ثم يتوضأ به، فقيل له في ذلك فقال: ما صنعت إلا ما رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع، وروى ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من طريق محمد بن إسحاق عن صالح عن جابر قال: كان رسول الله -ﷺ- يضع الاناء للسنور فيلغ فيه، ثم توضأ من فضله. ورواه الدارقطني من طريق أبي يوسف القاضي عن عبد ربه بن سعيد المقبري عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- تمر به الهرة فتصغي لها الاناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها، وعبد ربه هو عبد الله متفق على ضعفه، واختلف عليه فيه فقيل عنه هكذا، وقيل عنه عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة، ورواه الدارقطني من وجه آخر عن عروة عن عائشة، وفيه الواقدي، وقد روى عن النبي -ﷺ- من وجه آخر رواه أبو داود من طريق الدراودي عن داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة قالت: فوجدتها تصلي فأشارت إليّ أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، وقالت: إن رسول الله -ﷺ- قال: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) ورواه الدارقطني، وقال: تفرد برفعة داود بن صالح، وكذا قال الطبراني والبزار وقال: لا يثبت ورواه الدارقطني والعقيلي من حديث سليمان بن مسافع عن منصور ابن صفية عن أمه عن عائشة، ومن طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الشعبي عن عائشة، وفيه انقطاع، ورواه الدارقطني، وابن ماجة من طريق أخرى عن عمرة عن عائشة قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك، وفيها حارثة بن محمد، وهو ضعيف قال الدارقطني تفرد به عن مصعب، بل ماهان عن الثوري ورواه الخطيب من وجه آخر وفيه سلم بن المغيرة وهو ضعيف. قال الدارقطني: تفرد به عن مصعب بن عاهان عن الثوري عن هشام عن أبيه عن عائشة والمحفوظ عن الثوري عن حارثة. انظر التلخيص ١/ ٤١ - ٤٢ - ٤٣.
[ ١ / ٧٠ ]
وتغطية رأس الإناء هينة، وإصغاء النبي -ﷺ- يحتمل أنه كان عند العلم بالطهارة، أو عدم العلم بالنجاسة، وإن لم يتيقن عند الولوغ أن فمها نجس، بعدُ، فإن غابت، واحتمل ولوغها في ماء كثير، أو ماء جارٍ (١) فهل ينجس؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ماء معلوم الطهارة، فلا يحكم بنجاسته بالشك.
والثاني: نعم استصحابًا لنجاسة الفم، إذ لم تتيقن طهارته، والأول: أظهر، وصاحب الكتاب قد جمع بين الحالتين، وجعل المسألة على ثلاثة أوجه، وهو حسن لكن اختار تعميم العفو هو خلاف ما صححه معظم الأصحاب والله أعلم.