قال الرافعي: قد سبق من نظم الكتاب ما يعرف كون الوتر سنة، وهو إدراجه في الرواتب، وعد الرواتب بأسرها من صلاة التطوع، والغرض من التنصيص على كونه سنة هاهنا التدريج إلى بيان أحكامه، والتعرض لمذهب أبي حنيفة حيث قال: وهو واجب.
قال الكرجي: وروي عنه أنه فرض. لنا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "الوَتْرُ حَقٌّ مَسْنُونٌ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَل" (٢) وروي أنه قال: "حَقٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ" (٣).
ثم في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: يجوز أن يوتر بواحدة، وثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، أما الواحدة والثلاث والخمس؛ فلما روي عن أبي أيوب -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بثَلاَثٍ فَلْيَفعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفعَلْ" (٤) وأما السبع؛ فلما روي عن أبي أمامة: أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يُؤترُ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ" (٥).
وأما التسع والإحدى عشرة؛ فلما روي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "أوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ تِسْعٍ، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ" (٦).
_________________
(١) في أوجهان.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٢) والنسائي (٣/ ٢٣٨) وابن ماجة (١١٩٠) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (٦٧٠) والحاكم (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣) والدارقطني (٢/ ٢٢ - ٢٣).
(٣) انظر التخريج السابق.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٥) والطبراني في الكبير (٨٠٦٤، ٨٠٦٥، ٨٠٦٦) وانظر الخلاصة (١/ ١٧٥).
(٥) تقدم.
(٦) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤ - ٢٥) والحاكم (١/ ٣٠٤) وقال صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي (٣/ ٣١) وقال الدارقطني رجاله ثقات.
[ ٢ / ١١٩ ]
وأما الإيتار (١) بثلاث عشرة، فقد حكي في "النهاية" ترددًا في ثبوت النقل فيه، والمذكور في الكتاب. أن غاية ما نقل إحدى عشرة، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج، ومن تابعهما، قالوا: أكثر الوتر إحدى عشرة، وذكر صاحب "التهذيب"، وأخرون أن الغاية ثلاث عشرة ركعة، ورووا عن عائشة -﵂- أنها قالت: "لَمْ يَكُنْ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ " (٢). وعن أم سلمة -﵂- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُوتِرُ بِثَلاَثِ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ" (٣).
وهل يجوز الزيادة على الغاية المنقولة، أما الإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن اختلاف فعل النبي -ﷺ- في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى [خيبرة] (٤) المصلي، وأن له أن يزيد ما أمكنه.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره؛ اقتصارًا على ما ورد النقل به، كما لا تجوز الزيادة في ركعتي الفجر وسائر الرواتب (٥).
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: الوتر ثلاث ركعات، بلا زيادة ولا نقصان.
وقال مَالِكٌ: أقل الوتر ثلاث ركعات، لكن أبا حنيفة يقول: هي بتسليمة واحدة كالمغرب، إلا أنه يجهر فيها جميعًا.
وقال مَالِكٌ: هي بتسليمتين لكن لا يتكلم بعد الكلام لولا يحتاج إلى تجديد النية للثالثة، وسلم أنه لو أحدث في الثالثة لم تبطل الركعتان.
قال: ولو كان مع الإمام أوتر بوتره، ولا يخالفه، وحكي في "البيان" عنه أن أقل
_________________
(١) في "ب" الإتيان.
(٢) أخرجه أبو داود (١٣٦٢) بإسناد صحح.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٥٧) وقال حسن، والنسائي (٣/ ٢٣٧) والحاكم (١/ ٣٠٦).
(٤) سقط من "ب".
(٥) قال الأسنوي: إذا لم تصحح وتره فهل تبطل الصلاة من أصلها أم لا. والقياس أنه إن علم المنع وتعمد الفعل بطلت وإلا انعقدت نافلة نظرًا إلى عموم الصلاة كما قلنا في الإحرام بالظهر قبل الزوال ونحو ذلك إلى آخر ما ذكره في أصل الروضة أنه لو صلى العشاء ثم أوتر بركعة قبل أن ينتفل صح وتره على الصحيح وقيل لا يصح حتى يتقدمه نافلة فإذا لم يصح وترًا كان تطوعًا كذا قاله إمام الحرمين، وينبغي أن يكون على الخلاف فيمن صلى الظهر قبل الزوال غالطًا هل تبطل صلاته أم تكون نفلًا.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الوتر ركعة، وأقل الشفع ركعتان، وفي هذا المعنى كالأول، ونقل عنه أنه ليس للأكثر حد، وذكر بعضهم: أن الأكثر عنده ثلاث عشرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم قوله: (من الواحدة) بالحاء والميم، وقوله: (إلى إحدى عشرة) بهما وبالواو، ثم في قوله: (وعدده من الواحدة إلى إحدى عشرة) استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد، والحساب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد، ويقولون: العدد نصف حاشيته اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان.
المسألة الثانية: إذا زاد على ركعة واحدة وأوتر بثلاث فصاعدًا، فظاهر المذهب: أن له أن يتشهد في الركعة الأخيرة لا غير. وله أن يتشهد في الركعتين الأخيرتين؛ لأن كل منهما منقول، وروي عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، وَلاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهُنَّ" (١).
وروى عنها أيضًا: "أَنَّهُ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَبِسَبْع، لَمْ يَجْلِسْ بها إِلاَّ في السَّادِسَة وَالسَّابِعَةِ" (٢).
وحكي في "النهاية" عن بعض التصانيف: أن من أصحابنا من لم ير الاقتصار في التشهد على الواحد مجزئًا، وحمل ما روي من التشهدين على ما إذا فَصَل بين الركعة الأخيرة وما قبلها بالسَّلاَمِ، ونقل بعضُهم عن "طريقة" القاضي الحُسَين، أن الوتر بثلاث كصلاة المَغْرِب بتشهدين وتسليمة لا يجوز، وربما يقول: تبطل صلاته؛ لما روي أنه -ﷺ-: "كَانَ يُوتِرُ بثَلاَثٍ لا يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهِنَّ" (٣) وروي أنه قال: "لاَ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ فَتَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبَ" (٤).
والظاهر الأول؛ وهو أنهما سائغان وهو الذي ذكره في الكتاب، ورد الخلاف إلى الأولى، ففي وجه الاقتصار على تشهد واحد أول؛ فَرْقًا بين صلاة المغرب والوتر إذا أوتر بثلاث، وهذا ما اختاره القاضي الروياني في الحلية، وفي وجه الإتيان بتشهدين أولى كيلا يخرج عن وضع سائر الصلوات، وقد أطلق كثيرون منهم صاحب "التهذيب": أنه إن شاء فعل هكذا، وإن شاء هكذا، ومطلق التخيير يقتضي التسوية بينهما.
وقوله في الكتاب: (وإذا زاد على واحدة) أي: ووصل وقوله: (والكلام في الأولى) ينبغي أن يعلم بالواو، لما حكينا من الوجهين، ولو زاد على تشهدين فجلس
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٣٧).
(٢) أخرجه النسائي (٣/ ٢٤٠).
(٣) تقدم وهو بعض الحديث.
(٤) انظر التخريج السابق.
[ ٢ / ١٢١ ]
في كل ركعتين، ولم يتحلل وجلس في الأخيرة أيضًا، لم يكن له ذلك، فإنه خلاف المنقول، وذكر في "التهذيب" وجهًا آخر: أن له ذلك، كما في النافلة الكثيرة الركعات:
المسألة الثالثة: الإيتار بثلاث مفصولة أفضل أم بثلاث موصولة؟ ففيه وجوه:
أظهرها -وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون والصيدلاني-: أن المفصولة أفضل، لما روي عن ابن عمر، وابن عباس -﵃- أن النبي -ﷺ- قال: "والْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" (١).
وعن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٢)، وَكَانَ ابْنِ عُمَرَ -﵄- يُسَلِّمُ، وَيأْمُرُ بَيْنَهُمَا بِحَوَائِجِهِ" (٣).
والثاني: وبه قال أَبُو زَيْد، [ويحكى عن نصه في القديم-: أن الثلاث الموصولة أفضل، لأن العلماء اتفقوا على جوازها واختلفوا في إفراد الواحدة فالاحتراز عن الخلاف أولى.
والثالث-] (٤) ونسبه الموفق ابن طاهر إلى الخضري، والشريف ناصر العمري (٥) -﵁- أن الثلاثة الموصولة أفضل؛ لأن العلماء اتفقوا على جوازها، واختلفوا في إفراد الواحدة، فكان الوصل أولى.
والثالث: ويحكى عن الشافعي، ونصه في القديم-: أنه إن كان منفردًا، فالفصل أفضل، وإن كان يصلي بقوم فالوصل أفضل؛ لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب المختلفة، فالإيتار (٦) بالمجمع عليه أولى، وعكس القاضي الروياني هذا فقال: أنا أصل إذا كنت منفردًا، وإذا كنت في الجماعة أفضل؛ كيلا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر مسلم (٧٥٢) ومن حديث ابن عباس (٧٥٣).
(٢) أخرجه أحمد (٥٤٨١) وابن حبان أورده الهيثمي في الموارد (٦٧٨، ٦٧٩).
(٣) أخرجه البخاري (٩٩١).
(٤) سقط من "ب".
(٥) أبو الفتح، ناصر بن الحسين بن محمد المعروف بالشريف العمري، من ولد عمر بن الخطاب -﵁-. تفقه بمرو على القفّال، ونيسابور على الزيادي وأبي الطيب الصعلوكي، ودرس في حياتهما، وتفقه به خلق كثير وصار عليه مدار الفتوى والتدريس والمناظرة وصنف كتبًا كثيرة، وكان فقيرًا، قانعًا باليسير متواضعًا، خيرًا. توفي بنيسابور في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ذكره عبد الغافر في "الذيل" وذكر في "العبر" نحوه، وذكره النووي فيما زاده على "طبقات ابن الصلاح" ولد سنة سبع عشرة وأربعمائة، وتوفي يوم الجمعة بعد الصلاة، سنة سبع وسبعين وأربعمائة. الأسنوي (٨٠٣). راجع ترجمته في طبقات العبادي ص ١١٢، العبد (٣/ ٢٠٨).
(٦) في "ب" الإتيان.
[ ٢ / ١٢٢ ]
-﵁- وهو صحيح ثابت بلا شك، وهل الثَّلاثُ الموصولة أفْضَلُ من ركعة فردة لا شيء قبلها أم هي أفضل؟ فيه وجوه أيضًا:
أصحها -وبه قال القفال-: أن الثلاث أفضل؛ لزيادة العبادة.
والثاني: أن الركعة الفردة أفضل؛ لِمُوَاظَبَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى الإيتَارِ (١) بِوَاحِدَةٍ، قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة ركعة موصولة.
والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق.
قال الغزالي: وَمِنْ شَرْطِ الوَتْرَ أَنْ يُوتَرَ مَا قَبْلَهُ وَلاَ يَصِحُّ (ح) قَبْلَ الفَرْضِ، وَفِي صِحَّتِهِ بَعْدَ الفَرْضِ وَقَبْلَ النَّفْلِ وَجْهَانِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ آخِرَ تَهَجُّدِهِ بِاللَّيْلِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ هُوَ التَّهَجُّدَ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل في كيفية الوتر، وغرض هذا الفصل بيان وقته، وهو من حينِ يصلي العشاء إلى طلوع الفجر، لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، الوَتْرُ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ" (٢).
فلو أوتر قبل صلاة العشاء لم يعتد به، سواء كان عامدًا أو ساهيًا، بأن ظن أنه صلى العشاء، أو صلى العشاء على ظن أنه متطهر، ثم أحدث وتوضأ وأوتر، ثم بأن له أنه كان محدثًا في فرض العشاء.
وعند أبي حنيفة: لو أوتر قبل العشاء سهوًا اعتد به.
لنا: القياس على ما لو ظن دخول وقت الفريضة فصلَّى، ثم تبين أنه لم يدخل، وحكي في "النهاية" عن بعض أصحابنا: أنه يعتد بالوتر قبل العشاء، سواء كان عامدًا، أو ساهيًا. وعند هذا القائل يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء لا بفعل العشاء، وظاهر المذهب ما تقدم، ولو صَلَّى العشاء وأوتر بعدها بركعة فردة قبل أن ينتقل، ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وغيره.
أحدهما: لا يعتد به؛ لأن صفة الوتر أن يوتر ما تقدم عليه من السنن الواقعة بعد العشاء، فإذا لم يوجد غيره لم يكن موترًا.
_________________
(١) في "ب" الإتيان.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢) وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وضعفه البخاري وعبد الحق وصححه الحاكم (١/ ٣٠٦)، وأخرجه الدارقطني (٢/ ٣٠ - ٣١).
[ ٢ / ١٢٣ ]
وأظهرهما: أنه يعتد به؛ لما تقدم من الخبر، وما ادعاه الأول فلا نسلم أن صفة الوتر ذلك، بل يكفي كونه وترًا في نفسه، وعلى التسليم فإنه يوتر ما قبله من فريضة العشاء، فإذا قلنا: لا يعتد به وترًا فقد ذكر إمام الحرمين أنه تَطَوُّعٌ، وإن لم يكن الوتر المشروع، وهذا ينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال، هل يكون تطوعًا، أم يبطل من أصله.
واعلم أن المصنف قيد المسألتين في "الوسيط" أعني الإيتار قبل فرض العشاء وبعده بما إذا أوتر بركعة، وهذا القيد لا حاجة إليه في المسألة الأولى بل أطلق الأئمة المنع، وعليه يدل الخبر، وأما في المسألة الثانية فهو محتاج إليه؛ لأن الناقلين للوجهين إنما نقلوهما فيما إذا أوتر بركعة واحدة وليس بينهما وبين فرض العشاء شيء.
وقوله في الكتاب: (وفي صحته بركعة (١) بعد الفرض وقبل النقل وجهان) يحتاج إلى التقييد والإضمار. معناه: وفي صحة الإيتار بركعة بعد الفرض وقبل أن يتنفل بشيء سواء كان راتبة العشاء، أو الشفع، أو صلاة الليل، والذي يسبق إلى الفهم من ظاهر اللفظ راتبة العشاء، ومطلق الوتر دون الإيتار بركعة.
وقوله: (من شروط الوتر أن يوتر ما قبله) يبين أنه لا بد من تقدم صلاة عليه، ثم هل يكفي تقدم الفرض؟ فيه الخلاف وقوله: (فلا يصح قبل الفرض) معلم بالحاء والواو؛ لما روينا.
وأما قوله: (ويستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل) ففي لفظ (التهجد) ما يغني عن قولهْ (بالليل)؛ لأن صلاة النهار لا تسمى تهجدًا بحال، ثم فيه مباحثة، وهي أن التهجد يقع على الصلاة بعد الهجود، -وهو النوم- يقال تهجد: إذا ترك الهجود وأما الصلاة قبل النوم فلا تسمى تهجدًا (٢)، وإذا كان كذلك فاللفظ لا يتعرض إلا لمن تهجد، فمتى يوتر من لا تهجد له، ثم لفظ الكتاب يقتضي تأخير المتهجد الوتر إلى أن يقوم ويصلّي، فَهَلْ هو كذلك أم لا؟ إن قلتم: لا. فكيف يفعل أيوتر مرة قبل النوم، ومرة بعد ما نام وتهجد، وهذا خلاف ما روي أنه -ﷺ- قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ" (٣)، أم يقتصر على ما قبل النَّوْمِ وحينئذٍ لا يكون الوتر آخر التهجد.
_________________
(١) سقط من "ب".
(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة من طريق الأعرج عن كثير بن العباس عن الحجاج بن عمرو قال الحافظ ابن حجر في التلخيص بإسناده حسن (١/ ١٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٣٩) والترمذي (٤٧٠) وقال حسن غريب والترمذي (٤٧٠) والنسائي (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (٦٧١).
[ ٢ / ١٢٤ ]
وإن قلتم: إنه يؤخر الوتر إلى أن يقوم ويصلي، كما يقتضي لفظ الكتاب، فهذا خلاف ما نقله في "الوسيط"؛ لأنه نقل الخبر المشهور أن أبا بكر -﵁-: "كَانَ يُوتِرُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيتَهَجَّدُ، وَأَنَّ عُمَرَ -﵁- كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيُصَلِّي، وُيوتِرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِأَبي بَكْرٍ -﵁- أَنَّهُ أَخَذَ بالْحَزْمِ، وَقَالَ لِعُمَرَ -﵁- أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ" (١).
ثم ذكر أن الشافعي -﵁- أختار فعل أبي بكر -﵁- وكذلك نقل صاحب "النهاية"، والجواب أنه يستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، روي عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا" (٢).
فإن كان الرجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، ويكون وتره آخر صلاته بالليل، وأما من له تهجد فقد ذكر أصحابنا العراقيون أن الأفضل له أن يؤخر الوتر، كما نقل عن فعل عمر -﵁-، واحتجوا له بما روي عن جابر - ﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَسْتَيْقِظُ مِنْ آخِرَ اللَّيْل، فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَيقِظَ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" (٣). وهذا هو الموافق للفظ الكتاب، وأما ما نقله في "الوسيط" فيجوز أن يجمع بينهما بحمله على من لا يعتاد قيام الليل، فيقال: إن الأفضل له أن يقدم؛ لأنه من الانتباه على خطر ظاهر، ويجوز أن يقدر فيه اختلاف وجه أو قول، وبالجملة فالأمر فيه قريب، وكل سَائِغٌ، روي عن عائشة -﵂- أنها قالت: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ثُمَّ قَامَ، وَتَهَجَّدَ لَمْ يُعِدِ الْوِتْرَ" (٤). وكذلك روي عن فعل أبي بكر -﵁-، ومن أصحابنا من قال: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعًا، ثم يتهجد ما شاء، ثم يوتر ثانيًا، ويروى ذلك عن ابن عمر -﵄- يسمى ذلك نقض الوتر.
وأما قوله: (ويشبه أن يكون [الوتر هو التهجد)]، (٥) فهذا قريب من لفظ الشافعي - ﵁- في "المختصر" و"الأم" قال الشارحون: معناه أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- بالتهجد، وأوجبه عليه فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (٦) نَافِلَةً لَكَ﴾ وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ (٧)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٣٤) والحاكم (١/ ٣٠١) وقال صحيح على شرط مسلم.
(٢) أخرجه البخاري (٩٩٨) ومسلم (٧٥١).
(٣) أخرجه مسلم (٩٦٩).
(٤) أخرجه البخاري (٩٩٦) ومسلم (٧٤٥).
(٥) في "ب" أن يكون هذا التهجد.
(٦) سورة الإسراء، الآية ٧٩.
(٧) سورة الإسراء، الآية ٧٩.
[ ٢ / ١٢٥ ]
أي: زيادة لك وفضيلة لك، ويشبه أن يكون المراد من هذا الأمر الوتر؛ لأن النبي -ﷺ- كان يحيي اللَّيْلَ بوتره، وكان الوِتْرَ وَاجِبًا عليه، روي أنه -ﷺ- قال: "كُتِبَ عَلَيَّ الْوِتْرُ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ، وَكُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ" (١).
وهذا الذي ذكره يبين أنه ليس قوله: (ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد) لحصر التهجد في الوتر، حتى يكون كل تهجد وترًا، وإنما الذي يلزم منه أن يكون كل وتر تهجدًا مأمورًا به، ويجوز أن يعلم ذلك بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: الوتر غير التهجد وأوّل كلام الشافعي -﵁-.
واعلم أن حمل التهجد في الآية على الوتر مع ما سبق أن التهجد إنما يقع على الصلاة بعد النوم مقدمتان يلزم منهما اشتراط كون الوتر بعد النوم، ومعلوم أنه ليس كذلك، فليترك أحدى الدعوتين في الآية.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ القُنُوتُ فِي النِّصْفِ الأخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ.