قال الرافعي: أركان الصلاة وشروطها لا تختلف بين أن تؤدى على سبيل الانفراد، أو بالجماعة، لكن الأداء بالجماعة أفضل، وهي تختص باعتبار أمور تنقسم إلى معتبرة في نفس الإمام، إلى غيرها، فأدرج لذلك مسائل هذا الكتاب في ثلاثة فصول.
أحدها: فيما يتعلق بفضلها.
وثانيها: في الأمور المعتبرة في نفس الإمام، إما اعتبار اشتراط أو استحباب.
وثالثها: في سائر المعتبرات.
فأما الفصل الأول.
فاعلم أن الأصل في فضلها الإجماع والأخبار، نحو ما روي عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ [الْفَرْدِ] (١) بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٢).
والفرائض الخمس تنقسم إلى صلاة الجمعة وغيرها فأما في صلاة الجمعة، فالجماعة فرض عين، كما سيأتي في بابها، وأما في غيرها فليست بفرض عين خلافًا لأحمد حيث قال: بأنها فرض عين، وبه قال ابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن
_________________
(١) في أالفذ.
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٥، ٦٤٩) ومسلم (٦٥٠).
[ ٢ / ١٤٠ ]
خزيمة (١) من أصحابنا، وفي بعض التعاليق أن أبا سليمان الخطابي (٢) ذكر أنه قول للشافعي -﵁-.
لنا: حديث ابن عمر -﵄- وأيضًا روي أنه -ﷺ- قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْوَاحِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ مَعَ الْوَاحِدِ، وَحَيْثُمَا كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ فَهُوَ أَفْضَلُ" (٣).
والاستدلال أنه لا يحسن أن يقال: الإتيان بالواجب أفضل من تركه، وتفضيل أحد الفعلين على الآخر يشعر بتجويزهما جميعًا، وهل هي فرض كفاية أم سنة؟ وجهان:
أظهرهما: عند المصنف، وصاحب "التهذيب": أنها سُّنة؛ لأن الجماعة خصلة مشروعة في الصَّلاة، لا تبطل الصلاة بتركها، فلا تكون مفروضة كسائر السنن المشروعة في الصلاة، وفي ما سبق من الأخبار ما يشعر بأن سبيلها سبيلْ الفضائل، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، والثاني وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق إنها فرض كفاية، لما روي أنه -ﷺ- قال: "مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الْجَمَاعَةَ إِلاَّ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ" (٤): وذكر المحاملي وجماعة أن هذا ظاهر المذهب، فإن قلنا: إنها فرض على الكفاية، فلو امتنع أهل بلدة، أو قرية عن إقامتها، قاتلهم الإمام عليها ولا يسقط الحرج، إلا إذا
_________________
(١) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، الملق بإمام الأئمة، تفقه على الربيع والمزني، وصار إمام زمانه بخراسان. رحلت إليه الطلبة من الآفاق. قال شيخه الربيع: استفدنا من ابن خزيمة أكثر ما استفاد منا، وكان متقللًا، له قميص واحد دائمًا، فإذا جدد آخر وهب ما كان عليه. ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي في ثاني ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلثمائة، قاله الذهبي في "العبرة" وغيره. طبقات الشيرازي ص ١٥٠، طبقات العبادي ص ٤٤٥.
(٢) أبو سليمان حَمْد بفتح الحاء، وسكون الميم، بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، البستي، المعروف بالخطابي. وإن فقيهًا، رأسًا في علم العربية والأدب، وغير ذلك، أخذ الفقه عن القفال الشاشي، وابن أبي هريرة وغيرهما. وصنف التصانيف النافعة المشهورة، توفي ببلدة بُست سنة ثمان وثمانين وثلثمائة. قاله النووي في "طبقاته" وزاد غيره في ربيع الآخر. وبُست: بباه موحدة مضمومة، ثم سين مهملة ساكنة، بعدها تاء مثناة. والخطابي نسبة إلى جده المذكور، وقيل: إنه كان من ذرية زيد بن الخطاب، أخي عمر -﵁-. طبقات العبادي ص ٩٤، وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤)، العبر (٣/ ٣٩).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٠ - ١٤١) وأبو داود (٥٥٤) والنسائي (٢/ ١٠٤ - ١٠٥) وابن حبان (٢٠٤٧، ٢٠٤٨) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٧ - ٢٥٠) وصححه يحيى بن سفيان وابن المديني، والذهلي، والعقيلي.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٤٧) وأحمد (٥/ ١٩٦) والنسائي (٢/ ١٠٦ - ١٠٧) وابن حبان (٢٠٩٢) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٦) وقال: صحيح الإسناد.
[ ٢ / ١٤١ ]
أقاموها، بحيث يظهر هذا الشعار فيما بينهم ففي القرية الصغيرة يكفي إقامتها في موضع واحد، وفي القرى الكبيرة والبلاد تقام في محلها، ولو أطبقوا على إقامة الجماعة في البيوت، فعن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يسقط الفرض بذلك، لأن الشعار في البلد لا يظهر به، ونازعه فيه بعضهم، إذا ظهر ذلك في الأصوات وأما إذا قلنا: إنها سنة، فهل يقاتلون على تركها؟ فيه وجهان كما ذكرناهما في الأذان:
وأصحهما: لا (١) وكل ما ذكرناه في حق الرجال.
أما النساء فلا تفرض عليهن الجماعة، لا فرض عين ولا فرض كفاية، وتستحب لهن ولكن فيه وجهان ذكرهما القاضي الروياني:
أحدهما: أن [استحبابها لهن] (٢) كاستحبابها للرجال؛ لعموم الأخبار.
وأظهرهما -الذي ذكره المعظم-: أنه لا يتأكد تأكده في حق الرجال فلا يكره لهن تركها ويكره للرجال ذلك.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة، وبه قال أَحْمَدُ في رواية، والأصح عنه مثل مذهبنا. لنا ما روي أن النبي -ﷺ-: "أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةٍ أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا" (٣) ثم إذا صلين جماعة، فالمستحب أن تقف التي تَؤَمُّهُنَّ وسطهن، كَذَلِكَ فَعَلَتْ عَائِشَةُ -﵂- وَأُمُّ سَلَمَةَ -﵄- لَمَّا أمَّتَا" (٤).
وجماعتهن في البيوت أفضل، فإن أردن حضور المسجد في جماعة الرجال كره ذلك للشَّوَابّ لخوف الفتنة ولم يكره للعَجَائِزِ، روي أنه -ﷺ-: "نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الْخُرُوجِ
_________________
(١) قال في زياداته: قول أبي إسحاق أصح، لو أقام الجماعة طائفة يسيرة من أهل البلد، وأظهروها في كل البلد، ولم يحضرها جمهور المقيمين بالبلد حصلت الجماعة، ولا إثم على المتخلفين، كما إذا صلى على الجنازة طائفة يسيرة، وأما أهل البوادي فقال إمام الحرمين: عندي فيهم نظر، فيجوز أن يقال: لا يتعرضون لهذا الغرض، ويجوز أن يقال: يتعرضون له إذا كانوا ساكنين. قال: ولا شك أن المسافرين لا يتعرضون لهذا الغرض، وكذا إذا قل عدد ساكني قرية، هذا كلام الإمام، والمختار أن أهل البوادي الساكنين كأهل القرية، للحديث الصحيح ما من ثلاثة في قرية أو بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان. الروضة (١/ ٤٤٤).
(٢) سقط في "ب".
(٣) أخرجه أبو داود (٥٩١ - ٥٩٢) والدارقطني (١/ ٤٠٣) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٣) والبيهقي (٣/ ١٣٠) وقال الحاكم: قد احتج مسلم بالوليد بن جميع، وهذه سنة غريبة، لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غيره.
(٤) أما أثر عائشة -﵂- أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٤) والبيهقي (٣/ ١٣١) وأثر أم سلمة -﵂- أخرجه الشافعي (٣٧٩) والدارقطني (١/ ٤٠٥) والبيهقي (٣/ ١٣١).
[ ٢ / ١٤٢ ]
إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي جَمَاعَةِ الرِّجَالِ إِلاَّ عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا" والمنقل الخف (١).
وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء، لكن لا يجوز أن يخلو بهن من غير ذي محرم (٢) ثم لو صَلَّى الرجل في بيته برقيقه أو زوجته وولده نال أصل فضيلة الجماعة، لكنها في المسجد أفضل؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ".
وحيث كان الجمع أكثر من المساجد فالفضل أكثر لما سبق، فلو كان بالقرب منه مسجد قليل الجمع وبالبعد مسجد كثير الجمع، فالأفضل أن يذهب إلى المسجد البعيد إلا في حالتين:
أحدهما: أن تتعطل الجماعة في المسجد القريب بعدوله عنه إما لكونه إمامًا، أو لأن الناس يحضرون بحضوره، فإقامة الجماعة في المسجد القريب أفضل.
الثانية: أن يكون إمام المسجد البعيد مبتدعًا كالمعتزلي وغيره (٣)، وإمام المسجد القريب بريئًا عن البدعة، فالصلاة في المسجد القريب أولى. قال الْمُحَامِلِيُّ وغيره: وكذا لو كان إمام المسجد البعيد (٤) حنفيًا، لأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان، بل
_________________
(١) غريب وفي سنن البيهقي (٣/ ٣١) عن ابن مسعود: ﵁- أنه قال: والله الذي لا إله غيره، ما صلت امرأة صلاة أفضل من صلاة في بيتها، إلا مسجد مكة والمدينة، إلا عجوز في منقلها. وانظر التلخيص (٢/ ٢٧).
(٢) قال النووي: الخلاف في كون الجماعة فرض كفاية أم عين أم سنة، هو في المكتوبات المؤديات، أما المنذورة فلا يشرع فيها الجماعة، وقد ذكره الرافعي في أثناء كلامه في باب الآذان، في مسألة لا يؤذن لمنذوره، وأما المقضية فليست الجماعة فيها فرض عين ولا كفاية قطعًا، ولكنها سنة قطعًا، وفي الصحيح أن رسول الله -ﷺ- صلى بأصحابه الصبح جماعة حين فاتتهم بالوادي، وأما القضاء خلف الأداء وعكسه؛ فجائز عندنا كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- لكن الأولى الانفراد للخروج من خلاف العلماء، وأما النوافل فقد سبق في باب صلاة التطوع ما يشرع فيها الجماعة وما لا يشرع، وبعض قولهم لا يشرع لا تستحب، فلو صلى هذا النوع جماعة، جاز ولا يقال مكروه، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك. الروضة (١/ ٤٤٥).
(٣) وهو المنسوب إلى طائفة المعتزلة، أصحاب واصل بن عطاء وعمر بن عبيد.
(٤) هذا التعليل يقتضي طرد الحكم في المالكي وغيره من المخالفين وصرح به في شرح المهذب وبان الفاسق كالمبتدع لأنه يكره إمامته وادعى في الكفاية الاتفاق على استثناء المبتدع والحنض وسواء في المسجد الكبير البعيد والقريب. وقيل: مسجد الجواز مع قلة الجماعة أولى وقال البغوي: يصلي فيه ثم يلحق الأكثر جماعة ليحرز الفضيلتين. وقال في التنبيه: وإن كان في جواره مسجد ليس فيه جماعة فإن فعلها من مسجد الجوار أفضل لكن قال في شرحه لا خلاف أن الذهاب لمسجد الجماعة أولى بل الجماعة في بيته أولى من الانفراد في المسجد واستثنى الأستاذ ما لو كان أحد الإمامين أولى بالإمامة فالحضور عنده أولى وهو أولى من الانفراد وما سبق =
[ ٢ / ١٤٣ ]
حكوا عن أبي إسحاق المروزي أن الصلاة منفردًا أولى من الصلاة خلف الحنفي، وهذا مبني على جواز الصلاة خلفه، وفيه خلاف يأتي من بعد، وفي المسألة وجه آخر حكاه في "النهاية" أن رعاية حق الجوار أولى على الإطلاق، لأنا لو جوزنا العدول عن المسجد القريب، ولا شك أن يعدل عنه واحد بعد واحد، فيفضي إلى تعطيله.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وليست بواجبة) يعني به الوجوب على الأعيان، وهو معلم بالألف والواو وقوله: (تستحب للنساء) معلم بالحاء والميم وبالألف أيضًا لإحدى الروايتين عن أحمد، والمراد أصل الاستحباب [ثم في كيفية الاستحباب] (١) ما سبق من الخلاف.
وقوله: (إلا إذا تعطل في جواره مسجد) ليس فيه إلا استثناء الحالة الأولى، وقد استثنى كثير من الأصحاب الحالة الثانية أيضًا كما ذكرنا، ويجوز أن يعلم قوله: (في الجمع الكثير أفضل) بالواو، لأنه يدخل فيه ما إذ كان في جواره مسجد ولم يتعطل إذا لم يستثن إلا إذا تعطل، وقد ذكرنا وجهًا أن الأفضل رعاية حق الجوار، وإن لم يتعطل.
قال الغزالي: وَفَضِيلَةُ الجَمَاعَةِ لاَ تَحْصَلُ إِلاَّ بِإدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَ الإِمَامِ، وَفَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِشُهودِ تَحْريِمَةِ الإِمَامِ وَاتْبَاعِهِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: فيما يحصل للمأموم به فضيلة الجماعة، الذي ذكره في الكتاب أنها لا تحصل إلا بإدراك ركعة مع الإمام، ووجهه في "الوسيط" بأن إدراك ما دون الركعة ليس محسوبًا من صلاته، فلا ينال بها الفضيلة، والذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم وتابعهم صاحبا "المهذب" و"التهذيب" أن من أدرك الإمام في التشهد الأخير حصل له فضيلة الجماعة، وقد يوجه ذلك بأن هذه البقية إذا لم تكن محسوبة من صلاته، فلو لم ينل بها الفضيلة لمنع من الاقتداء والحالة هذه؛ لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها، وبالجملة فظاهر المذهب الذي ذكره الجمهور خلاف ما في الكتاب.
المسألة الثانية: وردت أخبار في إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام نحو ما روي أنه -ﷺ- قال: "مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأوْلَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ،
_________________
(١) = استثناؤه في المبتدع الفاسق والمخالف فإن الانفراد أولى من الصلاة خلفه. صرحوا به في الأوليين وأبو إسحاق في الثالثة، وقال السبكي، إن لم تحصل الجماعة إلا مع هذه الأحوال فكلامهم يشعر بأنه أفضل من الانفراد. قال: وقد صرحوا به في تفضيل المسجد القريب وما قدمناه أقرب إلى كلامهم وتصريحهم بكراهة الاقتداء بالفاسق ونحوه.
(٢) سقط في "ط".
[ ٢ / ١٤٤ ]
بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ" (١) ولما في إدراكها من الفضل صار أبو إسحاق المروزي إلى أن الساعي إلى الجماعة يسرع إذا خاف فواتها؛ لكن الصحيح عند الأكثرين أن لا يسرع بحال لقوله -ﷺ-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ" (٢).
ثم بماذا يكون مدركًا للتكبيرة الأولى؟ فيه وجوه:
أظهرها: أن من شهد تكبيرة الإمام واشتغل عقيبها بعقد الصلاة كان مدركًا لفضيلة التكبيرة الأولى، وإلا لم يكن مدركًا لها؛ لأنه إذا أجرى التبكير في غيبته لم يسم مَدْرِكًا.
والثاني: أن تلك الفضيلة تدرك بإدراك الركوع الأول.
والثالث: أن إدراك الركوع لا يكفي، بل يشترط إدراك شيء من القيام أيضًا.
والرابع: إن شغله أمر دنيوي لم يكن بإدراك الركوع مدركًا للفضيلة، وإن منعه عذر واشتغال بأسباب الصلاة كالطهارة وغيرها كفاه إدراك الركوع.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَحَسَّ الإمَامُ بِدَاخِلٍ فَفِي اسْتِحْبَابِ الانْتِظَارِ لِيُدْرِكَ الدَّاخِلُ الرُّكُوعَ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُطَوِّلَ وَلاَ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ.
قال الرافعي: مما يحتاج إلى معرفته في المسألة أن المستحب للإمام تخفيف الصلاة من غير ترك الأبعاض والهيئات، لما روي عن أنس -﵁- قال: "مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَام قَطّ أَخَفَّ صَلاَةٍ وَلاَ أَتَمِّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-" (٣).
فإن رضي القوم بالتطويل، وكانوا منحصرين لا يدخل عليهم غيرهم فلا بأس حينئذ بالتطويل، ثم قال الأئمة: انتظار الإمام في الصلاة وتطويله بها يفرض على وجوه:
منها: أن يصلي في مسجد سوق، أو محله، فيطول الصلاة ليلحق قوم آخر وتكثر الجماعة، فهذا مكروه لما فيه من سقوط الخشوع، وشغل القلب، ومخالفة قوله -ﷺ-: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ فَليُخَفِّفْ" (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١) وانظر التلخيص (١/ ٢٧ - ٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٦) (٩٠٨) ومسلم (٦٠٢).
(٣) البخاري (٧٠٨) ومسلم (٤٦٩، ٤٧٠، ٤٧٣).
(٤) أخرجه مسلم (٤٦٨).
[ ٢ / ١٤٥ ]
ومنها: أن يؤم في مسجد بحضرة رجل شريف فيطول الصلاة على الحاضرين ليلحق ذلك الرجل، فهذا مكروه أيضًا؛ لأنه ينفر الحاضرين ويُشَوِّشُ عليهم.
ومنها: أن يَحِس في صلاته بمجيء رجل يريد الاقتداء به، فله أحوال:
أحدها: أن يكون في الركوع، وهي مسألة الكتاب فهل ينتظر ليدرك الركوع؟ فيه قولان:
أصحهما -عند إمام الحرمين وآخرين-: أنه لا ينتظره؛ لمطلق قوله -ﷺ-: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ بِقَوْمٍ فَلْيُخَفِّفْ" ولأن انتظاره يطول الصلاة على الحاضرين، والتطويل على الحاضرين لمسبوق وقد يكون مقصرًا بتخلفه لا وجه له (١).
والثاني: ينتظره؛ لما روي أنه -ﷺ-: "كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صَلاَتِهِ مَا سَمِعَ وَقَعَ نَعْلٍ" وهذا كما أنه ينتظر في صلاة الخوف ذهاب قوم ومجيء قوم لينالوا فضيلة الجماعة، ثم ذكر الأئمة للقولين شرطين:
أحدهما: أن يكون الرجل الجائي حين ينتظر داخل المسجد، أما لو كان بعد خارجه فلا ينتظر قولًا واحدًا.
والثاني: أن يقصد به الاحتساب والتقرب إلى الله تعالى، فأما لو قصد التودد إليه واستمالته فلا ينتظر قولًا واحدًا، ثم اختلفوا في أن القولين فيما إذا؟ على طرق قال معظم الأصحاب: ليس الخلاف في استحباب الانتظار، ولا في أنه لو انتظر هل تبطل صلاته أم لا؟ وإنما الاختلاف (٢) في الكراهة، فأحد القولين: إنه يكره وبه قال أبو حنيفة، ومالك، واختاره المزني.
والثاني: لا يكره، وبه قال أحمد، وهو أصح القولين عند القاضي الروياني.
وقال بعض الأصحاب: القولان في أنه هل يستحب الانتظار، ويحكى هذا عن القاضي أبي الطيب، وقال آخرون: في المسألة قولان:
أحدهما: أنه يكره.
والثاني: أنه يستحب، وهذا ما أورده صاحب "المهذب"، وقال: الأصح الثاني، وهذه الطريقة كالمركبة من الطريقتين الآخريين، ثم إذا قلنا: لا ينتظر فلو فعل هل تبطل صلاته؟ منهم من قال: فيه قولان كما لو زاد في صلاة الخوف على انتظارين، وقطع المعظم بأنها لا تبطل، وركب في "الوسيط" من القول بالبطلان، ومما تقدم ثلاثة أقوال:
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٥٦) وأبو داود (٨٠٢) وفي إسناده مجهول، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٨٧).
(٢) في "ب" الخلاف.
[ ٢ / ١٤٦ ]
أحدها: أنه يستحب الانتظار.
والثاني: أنه يكره.
والثالث: أنه لا يجوز، وتبطل الصلاة.
إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكتاب. واعلم أن في لفظ "الداخل" من قوله: (وإذا أحس الإمام بداخل) ما ينبه على الشرط الأول، وهو تقييد الخلاف بانتظار من دخل المسجد، أو الموضع الذي تقام فيه الصلاة، فأما من لم يدخل بعد فلا ينتظر.
وأما الشرط الثاني وهو أن يكون قصده التقرب إلى الله تعالى فليس في لفظ الكتاب تعرض له، لكن الواقف على مقاصد الكلام يفهمه من قوله: (ولا أن يميز بين داخل وداخل) كما سيأتي.
وقوله: (ففي استحباب الانتظار لدرك الداخل الركوع قولان) جواب على طريقة فرض الخلاف في الاستحباب، ثم المقابل لقول الاستحباب إنما هو عدم الاستحباب، ويمكن إدراج الحاصل من باقي الاختلافات فيه بأن يقال: إذا قلنا: لا يستحب، فهل يكره؟ فيه قولان: إن قلنا: يكره فهل يبطل الصلاة؟ فيه قولان، ويجوز أنه يعلم قوله: (قولان) بالواو، لأن القاضي ابن كج حكى طريقة عن بعض الأصحاب أن موضع القولين هو الانتظار في القيام، أما في الركوع فلا ينتظر قولًا واحدًا، وعلل بأن القيام موضع تطويل، والركوع ليس موضع تطويل.
وأما قوله: (ولا ينبغي أن يطول) فهذا إشارة إلى أن الخلاف مفروض فيما إذا لم يطوِّل الانتظار، فأما التطويل فيجتنبه، وهذا قد ذكره الصيدلاني وغيره وهو شرط ثالث مضموم إلى الشرطين السابقين.
قال إمام الحرمين: وليس المراد أصل التطويل، فإن الانتظار لا يوجد صوره إلا إذا طول وزاد على القدر المعتاد، ولكن ضبطه أن يقال: إن طول تطويلًا لو وزع على جميع الصلاة لظهر له أثر محسوس في الكل، فهذا ممنوع مه لإفراطه، وإن كان بحيث يظهر في الركوع، ولكن لا يظهر في كل الصلاة لو وزع، فهذا موضع الاختلاف، ويجوز أن يعلم قوله: (ولا ينبغي أن يطول) بالواو، لأن أبا علي قال في "الإفصاح" (١): إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين، ولا يدخل عليهم مشقة، جاز كانتظار النبي -ﷺ- في حَمْلِ أُمَامَةَ، وَوَضْعِهَا فِي الصَّلاَةِ (٢)، وإن كان ذلك مما يطول ففيه الخلاف.
وقوله: (ولا أن يميز بين داخل، وداخل) المراد منه أن يعم انتظاره الداخلين، فلا
_________________
(١) وهو شرح على المختصر وهو متوسط، انظر ابن قاضي شهبة (١/ ٢٨).
(٢) تقدم.
[ ٢ / ١٤٧ ]
يخص به بعض القوم لصداقة، أو سيادة، وإذا عم فلا يقصد استمالة قلوب الناس، والتودد إليهم، بل التقرب إلى الله تعالى كما تقدم، ويجوز الوسم بالواو هاهنا أيضًا لأمرين:
أحدهما: لأن أبا سعيد المتولي حكى عن بعض الأصحاب: أنه إن عرف الداخل بعينه لم ينتظره إذ لا يخلو عن تقرب إليه، وإن لم يعرفه بعينه انتظره.
والثاني: أن صاحب "البيان" حكى عن بعضهم أنه إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره، وإن كان غريبًا لم ينتظره، وكلا الوجهين يوجب التمييز بين الداخل والداخل.
الحالة الثانية: أن تكون الإمام حين أحس بالداخل في التشهد الأخير، فهل يؤخر الكلام انتظارًا له بما سبق من الشرائط؟ ذكر معظم الأصحاب أن الخلاف يطرد فيه، لأن هذا الانتظار يفيده أيضًا من حيث إنه ينال من فضيلة الجماعة، وإن لم يدرك باللحوق فيه شيئًا من الركعات، وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام أن يكون حكم الانتظار هاهنا حكمه في القيام ونحوه.
الحَالَةُ الثالثة: أن يكون في سَائِر الأركان من القيام والسجود وغيرهما، قطع الأكثرون بأنه لا ينتظره، لأنه لا فائدة للداخل في انتظاره، فإنه بسبيل من إدراك الركعة، أو فضيلة الجماعة، وإن لم ينتظره، وذلك لأنه إن كان قبل الركوع فهو بإدراك الركوع يدرك الركعة، وإن كان بعد الركوع فبإدراكه في التشهد ينال فضيلة الجماعة، وحكى إمام الحرمين عن بعضهم طرد الخلاف في سائر الأركان لإفادة الداخل بركة الجماعة، وروينا عن ابن كج أن بعضهم خصص الخلاف بحالة القيام، وحيث قلنا: لا ينتظر، فلو انتظر ففي البطلان ما سبق من الطريقين.
قال الغزالي: وَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَأَدْرَكَ جَمَاعَةً يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَتُهَا ثُمَّ يَحْتَسِبُ اللهُ تَعَالَى أَيَّهُمَا شَاءَ.
قال الرافعي: من انفرد بصلاة من الصلوات الخمس، ثم أدرك: جماعة يصلونها، فالمستحب له أن يعيدها معهم؛ لينال فضيلة الجماعة، وقد روي أن النبي -ﷺ-: "صَلَّى الصُّبْحَ فَلَمَّا فَرَغَ رَأَى رَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْم لَمْ يُصَلَّيَا مَعَهُ، فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمَا، فَجِيءَ بهِمَا فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا، فَقَالاَ كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا قَالَ: فَلاَ تَفْعَلاَ إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" (١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٧٥، ٥٧٦) والترمذي (٢١٩) والنسائي (٢/ ١١٢ - ١١٣) والدارقطني (١/ ١٣) وابن حبان، أورده الهيثمي في الموارد (٤٣٤، ٤٣٥) والحاكم (١/ ٣٤٥ - ٢٤٦) وقال: إسناده صحيح.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وعند أبي حنيفة: يعيد الظهر والعشاء، ولا يعيد الصبح والعصر والمغرب، وذكر في "النهاية" أن شيخه حكى مثل ذلك وجهًا لبعض أصحابنا.
ووجهه: أن الصبح والعصر يستعقبان الوقت المكروه، فلا يصلي بعدهما، والمغرب وتر النهار، فلو أعيدت لصارت شفعًا، ونقل العراقيون وجهً أنه يعيد ما سوى الصبح والعصر، وظاهر المذهب الأول والوجهان ضعيفان، وعند مالك يعيد كلها إلا المغرب، وبه قال أَحْمَدُ وفي رواية يعيد المغرب أيضًا، لكن إذا سلَّم الإمام قام إلى ركعة أخرى فجعلها شَفْعًا، وإذا وقفت على ما ذكرناه علمت أنه لم أعلم قوله: (يستحب له إعادتها) بالحاء والميم والألف والواو، ولو صلى إحدى الخمس في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فهل يعيدها معهم؟ فيه وجوه:
أصحها: عند عامة الأصحاب أنه يعيد كما لو كان منفردًا؛ لإطلاق الخبر.
والثاني: وهو الأصح عند الصَّيْدَلاني، وبه قال المصنف في "الوسيط": أنه لا يستحب الإعادة؛ لأن فضيلة الجماعة حَصَلَتْ، فلا معنى للإعادة بخلاف المنفرد.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وعلى هذا يكره إعادة الصُّبْحِ والعصر، دون غيرهما؛ لأنهما وقتا كراهة، والصلاة المعادة تَطَوُّعٌ مَحْضٌ، على هذا الوجه قال، وعلى هذا فلو أعاد المغرب فينبغي أن يضم إليها ركعة أخرى، لأن ما أتى به تطوع محض، فليكن شفعًا، واعلم أن المعاد إن كان تطوعًا محضًا، فقياس المذهب أن تمتنع الإعادة بنية المغرب، وسائر الوظائف الخمس، ولو فعل يكون صحة التطوع على الخلاف المذكور في التطوع بنية الظهر قبل الزّوال.
والوجه الثالث: أنه إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الإمام أعلم أو وأورع، أو لكون الجمع أكثر، أو لكون المكان أفضل، فيستحب الإعادة، وإلا فلا.
والرابع: أنه يستحب إعادة الظهر والمغرب والعشاء، ولا يستحب إعادة الصبح والعصر، وقد سبق في المنفرد مثله، ثم إذا استحببنا الإعادة في هذه المسألة وفيما إذا صلى منفردًا فأعاد، فالفرض منهما ماذا؟ فيه قولان:
الجديد- وبه قال أَبُو حَنِيفَة (٧) وَأَحْمَدُ: أن الفريضة هي الأولى لما سبق من الحديث.
والقديم: أن الفريضة أحدهما لا بعينها، والله تعالى يحتسب بما شاء منهما، وربما قيل: يحتسب بأكملهما، ويروى هذا القول عن "الإملاء"، وبه قَالَ مَالِكٌ.
ووجه، بأنه لو كانت الثانية نفلًا على التعيين لما ندب إلى إقامتها بالجماعة، والذي ذكره في الكتاب هذا القول القديم، لكن الأكثرين قالوا بأن المذهب الجديد،
[ ٢ / ١٤٩ ]
وحكي في "التتمة": أن بعض الأصحاب صار إلى أنهما جميعًا يقعان عن الفرض.
وعن الشَّيْخِ أبي محمد: أن بعضهم؛ قال: فيما إذا صلى منفردًا؛ إن الفريضة هي الثانية لكمالها بالجماعة، فتبين بالآخرة أن الأولى نفل، فحاصل ما في المسألة قولان، ووجهان:
التفريع إن فرعنا على غير الجديد نوى الفرض في المرة الثانية، ولو كانت الصلاة مغربًا أعادها مثل المرة الأولى، وإن فرعنا على الجديد فهل ينوي الفرض؟ فيه وجهان: قَالَ الصَّيْدَلاَنِيّ الصحيح أنه ينوي الفرضَ، وبه قال الأكثرون واستبعده إمام الحرمين، وقال: كيف ينوي الفرض مع القطع بأن الثانية ليست بفرضة (١)، بل الوجه أن ينوي الظُّهْرَ والعصر ولا يتعرض للفريضة، ويكون ظهره نفلًا كظهر الصَبِيِّ، وهذا ما ذكره في "الوسيط" وفيه مباحثة قدمتها في أول "صفة الصلاة" وإذا كانت الصلاة مغربًا ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه يعيدها كما فعل في المَرَّةِ الأولى (٢).
والثاني: أن المستحب أن يقوم إلى ركعة أخرى إذا سلم الإمام حق لا يصير وتره شفعًا (٣).
قال الغزالي: وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إلاَّ بِعُذرٍ عَامٍّ كَالمَطَرِ وَالرِّيحِ العَاصفَةِ بِاللَّيْلِ، أَوْ عُذْرٍ خَاصٍّ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ مُمَرِّضًا أَوْ خَائِفًا مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ مِنَ الغَرِيمِ وَهُوَ مُعْسِرٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصاصٌ يَرْجُو العَفْوَ عَنْهُ أَوْ كَانَ حَاقِنًا أَوْ جَائِعًا أَوْ عَارِيًا.
قال الرافعي: لا رخصة للمتدين في ترك الجماعة، سواء جعلناها سنة، أو فرض كفاية إلا إذا كان ثَمَّ عُذْر، لما روي أنه -ﷺ- قال: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يَأْتِهِ فَلاَ صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ" (٤) ثم الأعذار قسمان: عامة وخاصة.
_________________
(١) في "ب" بفريضة.
(٢) قال في المهمات عن هذا الوجه قد نقله الترمذي في جامعة عن الشافعي وما نقله الترمذي بعضه رواه البويطي وبعضه رواه أبو الوليد المكي وأما غير ذلك فنقله أبو ثور وحينئذ فيكون الشافعي -﵁- نصّ عليه في الجديد لأنه المكي صحب الشافعي بمصر ثم عاد إلى مكة، وتوفي بها واسمه عبد الله بن الزبير وعلل الغزالي في الوسيط هذه المقالة بعد تعليل الرافعي فقال: وقيل إن كان في المغرب يزيل رفعه حق لا يبقى وترًا فإن الأحب في النوافل الشفع والتعليلان صحيحان.
(٣) قال النووي: الراجح: اختيار إمام الحرمين. ويستحب لمن صلى إذا رأى من يصلي تلك الفريضة وحده، أن يصليها معه ليحصل له فضيلة الجماعة. والله أعلم. روضة الطالبين (١/ ٤٤٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٥٥١) وإسناده ضعيف، وابن ماجة (٧٩٣) وابن حبان (٢٠٥٥) والحاكم (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين، انظر التلخيص (٢/ ٣٠ - ٣١).
[ ٢ / ١٥٠ ]
فمن الأعذار العامة المطر ليلًا كان أو نهارًا، لما روي أنه -ﷺ- قال: "إذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ" (١).
ومنها الريح العاصفة بالليل دون النهار، روى أنه -ﷺ-: "كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمطِيرَةِ، وَاللَّيْلَةِ ذَاتِ الرَّيحِ أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" (٢).
والمعنى فيه أن المشقة التي تلحق بها في الليل أكثر، وبعض الأصحاب يقول: الريح العاصفة في الليلة المظلمة، وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة -والله أعلم-.
ويتبين بما ذكرنا أن قوله: (بالليل) في نظم الكتاب يرجع إلى الريح وحدها، ولا يرجع إلى المطر المعطوف عليه، ومن الأعذار الخاصة المرض "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْعُذْرُ؟ في الخبر الذي سبق فقال: "خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ".
ولا يشترط أن يبلغ مبلغًا يجوز القعود في الفريضة، لكن المعتبر أن تلحقه مشقة مثل ما يلقاه الماشي (٣) في المطر، قاله في "النهاية" ومنها: أن يكون ممرضًا، وللتمريض تفصيل يذكر في "كتاب الجمعة".
ومنها: أن يخاف على نفسه أو ماله أو على من يلزمه الذَّب عنه من سلطان أو غير سلطان يظلمه، أو يخاف من غريمٍ يلازمه، أو يحبسه إن رآه، وهو معسر ولا يجد وفاء لدينه فله التخلف، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه، بل عليه الحضور، وتوفية ذلك الحق، ويدخل في صور الخوف على المال ما إذا كان خبره في التنور، وقدره على النَّارِ، وليس ثَمَّ من يَتَعَهَّدُهَا لو سعى إلى الجماعة. ومنها: أن يكون عليه قصاص، ولو ظفر به المستحق لقتله وكان يرجو العفو مجانًا، أو على مال لو غيب الوجه أيامًا وسكن الغليل فله التخلف بذلك، وفي معناه حد القذف دون حد الزنا، وما لا يقبل العفو.
قال إمام الحرمين: وفي هذا العذر إشكال عندي؛ لأن موجب القصاص من الكبائر، فكيف يستحق صاحبه التخفيف، وكيف يجوز تغييب الوجه عن المستحق.
ومنها: أن يدافع أخبثيه، أو يدافع الريح بل الصلاة مكروهة في تلك الحالة، والمستحب أن يفرغ نفسه، ثم يصلي [وإن] (٤) فاتت الجماعة فلا بأس، روي أنه -ﷺ-
_________________
(١) غريب بهذا اللفظ، نعم في مستدرك الحاكم (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) عن أبي سعيد مرفوعًا (إذا كان مطر وابل فصلوا في رحالكم) وصححه، وفيه نظر.
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري (٦٦٦) ومسلم (٤٩٧).
(٣) في "ط" المنشئ.
(٤) في أفإن.
[ ٢ / ١٥١ ]
قال: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الأَخْبَثَيْنِ" (١). وروي أيضًا: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلْيَبدَأْ بِالْغَائِطِ" (٢).
وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن كان يخرج الوقت لو قضى حاجته ففي "التهذيب" حكاية وجهين:
أظهرهما: أنه يبدأ بالصلاة.
والثاني: أنه يقضي حاجته وإن فات الوقت ثم يقضي، كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء يلزمه الوضوء، ويشبه أن يكون هذا الوجه ذهابًا من صاحبه إلى أنه لا تصح الصَّلاة إذا ضاق الأمر عليه لانسلاب الخشوع، وقد حكى إمام الحرمين الذهاب إلى البطلان عن القاضي الحسين، وصاحب "البيان" عن أبي زيد المروزي، لكن أبا سعيد المتولي جعل الخلاف في أن الأولى أن يفرغ نفسه، أو أن يصلي لا في بطلان الصلاة على المدافعة.
وقوله في الكتاب: (أو كان حاقنًا) يجوز أن يقرأ بالباء، ويجوز أن يقرأ بالنون فالحاقب هو الذي احتاج إلى الخلاء، فلم يتبرز حق حضر غائطه، والحاقن في البول كالحاقب في الغائط، قاله في الغريبين (٣).
ومنها: أن يكون به جوع شديد، أو عطش شديد، وقد حضر الطَّعَام والشراب ونفسه تَنُوقُ إليه فيبدأ بالأكل والشرب، لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ" (٤).
قال الأئمة: وليس المراد منه أن يستوفي ما يشبع لكن يأكل لُقمًا يكسر سورة جوعه، ويؤخر الباقي إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه دفعة واحدة كالسويق واللبن استثناه المحاملي وغيره، فإن خاف فوات الوقت لو اشتغل بالأكل حكى في "التتمة" (٥) [فيه] وجهين في أن الأولى ماذا كما في مدافعة الأخبثين.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٢٦٠٤، ٢٦٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٨) والترمذي (١٤٢) والنسائي (٢/ ١١٠) وابن ماجة (٦١٦) وابن حبان (٢٠٦٢) والحاكم ١/ ٦٨ وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٣) للهروي.
(٤) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر (٦٧٣) (٦٧٤، ٥٤٦٤) ومسلم (٥٥٩) ومن حديث عائشة عند البخاري (٦٧١، ٥٦٥) ومسلم (٥٥٨) ومن حديث أنس عند البخاري (٦٧٢، ٥٤٦٣) ومسلم (٥٥٧).
(٥) سقط في "ط".
[ ٢ / ١٥٢ ]
ومنها: أن يكون عاريًا لا لباس له (١) فيعذر في التخلف، سواء وجد قدر ما يستر به العورة، أو لم يجد، هذه هي الأعذار المذكورة في الكتاب، ويلتحق (٢) بها أعذار أُخَر.
فمن العامة الوحل، وسيأتي في "كتاب الجمعة" ومنها: السموم وشدة الحر في وقت الظهر فإن الإبراد بها محبوب كما سبق، فلو أقاموا الجماعة ولم يبردوا كان له أن يتخلف.
ومنها: شدة البرد.
قال في "التهذيب": إنها عذر، ولم يفرق بين الليل والنهار، وعلى هذا فشدة الحر في معناها، وربما يبقى العذر وإن أبردوا، ومن الأعذار الخاصة أن يريد السفر وترتحل الرفقة، فله أن يتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم.
ومنها: أن يكون مُنْشِدَ ضَالَّةٍ يرجو الظفر بها لو ترك الجماعة، أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده منه.
ومنها: أن يكون قد أكل بصلًا أو كراثًا (٣) ونحوهما ولم يمكن إزالة الرائحة بغسل، ومعالجة، فهو عذر في التخلف عن الجماعة، فإن كان مَطْبُوخًا فلا، وذلك القدر محتمل.
ومنها: غلبة النوم عدها صاحب "العدة" وغيره من الأعذار.
_________________
(١) علله النووي في شرح المهذب بأن عليه مشقة في مشيه بغير ثوب يليق به ويؤخذ من هذا التعليل أمران: أحدهما: إن المعتبر في هذا اللباس هو عادته التي يشق عليها تركها. الثاني: إن ما لا يليق به كالقباء في حق الفقيه يكون كالمعدم وقد صرح به بعضهم. قال الزركشي: حكاه في البحر عن بعض الأصحاب.
(٢) في "ب" ويلحق.
(٣) عدها صاحب العدة وغيره من الأعذار قد أوضح ذلك في شرح المهذب فقال: من الأعذار غلبة النعاس والنوم إن انتظر الجماعة ومن الأعذار الزلزلة نقله النووي في الروضة وشرح المهذب عن الماوردي والسمن المفرط الذي يمنع الشخص من حضور الجماعة كذا ذكره ابن حبان في صحيحه ثم روى بإسناد صحيح إلى أنس بن مالك أن رجلًا من الأنصار كان رجلًا ضخمًا فقال لرسول الله -ﷺ- إني لا أستطيع الصلاة معك فلو أتيت منزلي نصلي فيه فاقتدي بك فصنع الرجل له طعامًا ودعاه إلى بيته فبسط له طرف حصير لهم فصلى عليه ركعتين.
[ ٢ / ١٥٣ ]