قال الرافعي: مسائل الركن مبنية على النظر في موقف المصلي، وهو إما أن لا يكون وراء الكعبة، أو يكون وراءها وإن كان وراءها فإما أن يكون في المسجد الحرام أو وراءه، وإن كان وراءه فإما أن يكون بمكة أو المدينة أو غيرهما، والفصل يشتمل على القسم الأول وهو أن لا يكون وراء الكعبة وحينئذ له ثلاثة أحوال؛ لأنها إما أن تكون على هيئتها مبنية، أو تنهدم -والعياذ بالله- فيقف في عرصتها؛ وإذا كانت على هيئتها مبنية فإما أن يقف في جوفها أو على سطحها.
الحالة الأولى: أن يقف في جوفها فتصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافًا لمالك وأحمد في الفريضة.
لنا أنه صلى متوجهًا إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة، وكما لو توجه
[ ١ / ٤٤١ ]
إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدارٍ شاء؛ لأنها أجزاء البيت، ويجوز أن يستقبل الباب أيضًا إن كان مردودًا، فإن باب البناء معدود من أجزائه، ألا ترى أنه يدخل في بيعه، وإن كان مفتوحًا نظر في العتبة إن كانت قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته، وإن كانت دونها فلا، ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريبًا (١).
قال إمام الحرمين: وكأن الأئمة راعوا في اعتبار هذا القدر أن يكون في جلوسه يسامت بمعظم بدنه الشاخص ولكنه يكون في القيام خارجًا بمعظم بدنه عن المسامتة، فليخرج على الخلاف فيما إذا وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة، وليكون قوله: (والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل) معلمًا بالواو؛ لأنه مذكور قيدًا في الجواز وقد حكى في "البيان" عن الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أنه يكفي للجواز أن تكون العتبة شاخصة بأي قدر كان وإن قل؛ لأنه استقبل جزءًا من البيت، وكذا قوله (جاز) لأن إمام الحرمين حكى وجهًا آخر أنه لا يكفي أن يكون الشاخص قدر المؤخرة بل يجب أن يكون بقدر قامة المصلي طولًا وعرضًا ليكون مستقبل بجميع بدنه الكعبة، والعتبة لا تبلغ هذا الحد غالبًا فلا تصح الصلاة إليها على الوجه.
الحالة الثانية: أن تنهدم الكعبة -حاشاها- ويبقى وضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز؛ لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه يسمى مستقبلًا، وصار كمن صلى على جبل أبي (٢) قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت، ولو صلى فيها فالحكم فيه كالحكم في الحالة الثالثة وهو: أن يقف على سطحها، فينظر إن لم يكن بين يديه شيء شاخص من نفس الكعبة ففيه وجهان:
أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وابن سريج- يجوز كما لو وقف خارج العرصة متوجهًا إلى هواء البيت.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجزئه، لما روي أنه -ﷺ- "نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ" (٣)، ولأنه والحالة هذه مصل على البيت لا إلى البيت وخص بعضهم نقل الجواز عن ابن سريج بصورة العرصة دون السَّطح، لكن قال إمام الحرمين: لا شك أنه يجزئه في ظهر الكعبة وصرح في "التهذيب" بنقل الجواز عنه في الواقف
_________________
(١) في أالطرق.
(٢) في ط بني.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٦) وابن ماجه (٧٤٦) من حديث ابن عمر وأخرجه ابن ماجه (٧٤٧) من حديث عمر ليس إسناده بذاك القوي، قال وهو أشبه من حديث عمر، وقال أبو حاتم: هما جميعًا واهيان، وقال ابن الجوزي في علله: حديث ابن عمر لا يصح، وخالف في تحقيقه فمال إلى تصحيحه، قاله ابن الملقن في الخلاصة (١/ ١١٠).
[ ١ / ٤٤٢ ]
على ظهر الكعبة فلا فرق، وإن كان بين يديه شاخص من نفس الكعبة فإن كان قدر مؤخرة الرَّحْل جاز، وإلا فلا كما ذكرناه في العتبة، ويجري الوجهان الآخران المذكوران في العتبة فيما نحن فيه.
أحدهما: اشتراط كون الشاخص بقدر قامة المصلي.
والثاني: الاكتفاء بأي قدر كان.
ولذا عرفت ذلك فلو وضع بين يديه متاعًا لم يكفه، وإن استقبل بقية حائط أو شجرة نبتت في العرصة جاز، وكذا لو جمع ترابها واستقبله، أو حفر حفرة ووقف فيها، وكذا لو وقف في آخر السطح، أو العرصة وتوجه إلى الجانب الآخر وكان الجانب الذي وقف فيه أخفض من الجانب الذي استقبله يجوز، ولو نبتت حشيشة وعلت قال في "النهاية": لا حكم لها في الاستقبال، وألحق صاحب "التهذيب" الزرع بالشجرة، وما ذكره الإمام أظهر، ولو غرز عصا أو خشبة فوجهان:
أحدهما: يكفي لحصول الاتصال بالغرز، ولذلك تعد الأوتاد المغروزة من الدار وتدخل في البيح.
وأصحهما: لا كما لو وضع متاعًا بين يديه، ومطلق الغرز لا يوجب كون المغروز من البناء، والأوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من المصالح فقد تعد من البناء لذلك، والوجهان في الغرز المجرد، أما لو كانت مثبتة أو مسمرة كفت للاستقبال، نعم قال إمام الحرمين: الخشبة وإن كانت مثبتة فبدن الواقف خارج عن محاذاتها من الطرفين فيكون على الخلاف الذي يأتي ذكره فيمن وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة.
قال الغزالي: وَالوَاقِفُ فِي المَسْجِدِ لَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفٍ وَنصْفُ بَدَنِهِ فِي مُحَاذَاةِ رُكْنٍ، فَفِي صِحَّةِ صَلاَتِهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ امْتَدَّ صَفٌّ مُسْتَطِيلٌ قَرِيبٌ مِنَ البَيْتِ، فَالخَارجُ عَنْ سَمْتِ البَيْتِ لاَ صَلاةَ لَهُ، وَهَؤُلاَءِ قَد يُفْرَضُ تَرَاخِيهِمْ عَنْ أُخْرَيَاتِ المَسْجِدِ، فَتَصِحُّ صَلاتُهُمْ لِحُصُولِ اسْمِ الاسْتِقْبَالِ.
قال الرافعي: سنذكر اختلاف قول في أن المطلوب في الاستقبال عين الكعبة أو جهتها، وذلك الخلاف في حق البعيد عن الكعبة، أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه، وقد روينا أنه -ﷺ- "دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَقبَلَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هذِهِ الْقِبْلَةُ" (١) أشار إلى عين الكعبة
_________________
(١) تقدم.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وحصر القبلة فيها. وإذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث صور:
إحداها: لو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة ركن والباقي خارج ففي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه توجه إلى الكعبة بوجه وحصل أصل الاستقبال، وأصحهما لا تصح؛ لأنه يصدق أن يقال ما استقبل الكعبة إنما استقبلها بعضه.
الثانية: الإمام يقف خلف المقام والقوم يقفون مستدبرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مستقبلين، وذكر صاحب "التهذيب" وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يصحح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة، لأن الجهة كافية عندها وعلم لهذا قوله في الكتاب: (والخارج عن سمت البيت لا صلاة له) بالحاء، لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فَصَّلوا وقالوا: الفرض على المصلي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقًا.
الثالثة: لو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم؛ لأن المتبع اسم الاستقبال وهو يختلف بالقرب والبعد، ولهذا يزول اسم الاستقبال عن القريب بانحراف يسير، ولا يزول عن البعيد بمثلة، والمعنى فيه أن الحرم الصغير كلما ازداد القوم عنه بعدًا ازدادوا له محاذاة كغرض الرماة وغيره.
قال الغزالي: وَالوَاقِفُ بِمَكَّةَ خَارجَ المَسْجِدِ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ مِحْرَابَهُ بَنَاءً عَلَى عِيَانِ الكَعْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: المصلي بمكة خارج المسجد إن كان يعاين الكعبة كمن هو على جبل "أبي قبيس" صلى إليها بالمعاينة، ولو سوى محرابه بناء على العيان صلى إليه أبدًا؛ لأنه يستيقن الإصابة، ولا حاجة في كل صلاة إلى معاينة الكعبة، وفي معنى المعاين المكي الذي نشأ بمكة وتيقن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها حين يصلي، وأما إذا لم يعاين الكعبة ولا تيقن الإصابة فيستدل بما أمكنه ويسوي محرابه بناء على الأدلة، هذا ما ذكره في الكتاب، وحكاه في "النهاية" عن العراقيين، وأنهم قالوا: لا يكلف الرقي إلى سطح الدّار مع إمكان العيان، واعتمدوا فيه ما صادفوا أهل مكة عليه في جميع الأعصار.
قال: وفيه نظر عندي فإن اعتماد الاجتهاد بمكة مع إمكان البناء على العيان بعيد، وسنذكر في الركن الثالث -إن شاء الله تعالى- ما يزداد به هذا الفصل وضوحًا.
قال الغزالي: وَالوَاقِفُ بِالمَدِينَةِ يُنَزِّلُ مِحْرَابَ رَسُولِ الله -ﷺ- فِي حَقّهِ مَنْزِلَةَ الْكَعْبَةِ
[ ١ / ٤٤٤ ]
فَلَيْسَ لَهُ الاجْتِهَادُ فِيه بالتَّيَامُنِ والتَّيَاسُرِ، وَهَلْ لَه ذلِكَ فِي سَائِرِ البِلاَدِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: محراب الرسول -ﷺ- بالمدينة نازل منزلة الكعبة؛ لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعًا، وإذا كان كذلك فمن يعاينه يستقبله، ويسوي محرابه عليه، إما بناء على العيان أو استدلالًا كما ذكرنا في الكعبة، ولا يجوز العدول عنه إلى جهة أخرى بالاجتهاد بحال، وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله -ﷺ- إذا ضبط المحراب، وكذلك المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها، ولا يجوز الاجتهاد معها، وكذلك في القرية الصغيرة إذا نشأ فيها قرون من المسلمين، ولا اعتماد على العلامة المنصوبة في الطريق الذي يندر مرور الناس بها، أو يستوي فيه مرور المسلمين والكفار، وفي القرية الخربة التي لا يدري أنها من بناء المسلمين أو الكفار، ولا بد من الاجتهاد في هذه المواضع، وإذا منعنا من الاجتهاد في الجهة فهل يجوز الاجتهاد في التيامن والتياسر؟ أما في محراب الرسول -ﷺ- فلا، ولو تخيل عارف بأدلة القبلة أن الصواب فيه يتبامن أو يتياسر فليس له ذلك، وخياله باطل.
وأما في سائر البلاد فعلى وجهين أصحهما: -ولم يذكر الأكثرون- سواه أنه يجوز؛ لأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع، لكن الخطأ في الانحراف يمنة ويسرة مما لا يبعد، ويقال إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: "تياسروا يا أهل مرو".
والثاني: أنه لا يجوز احتمال إصابة الخلق الكثير أقرب وأظهر من احتمال إصابة الواحد، وهذا يستوي فيه الجهة والانحراف يمنة ويسرة، وفصل القاضي الرُّويَاني وغيره بين البلاد بعد المدينة، فجعلوا قبلة "الكوفة" صوابًا يقينًا كقبلة المدينة؛ لأنه صلى إليها الصحابة، ولم يجعلوا قبلة البصرة يقينًا، وقضية هذا الكلام جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة البصرة دون الكوفة، وفيما علق عن ابن يونس القزويني (١) مثل هذا الفرق فإنه قال: قبلة الكوفة قد صلى إليها عليٌّ -كرم الله وجهه- مع عامة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، ولا اجتهاد مع إجماع الصحابة -﵃-. قال: واختلف أصحابنا: في قبلة البصرة، فمنهم من قال: هي صواب أيضًا كقبلة الكوفة ومنهم من جوز فيها الاجتهاد وفرق بأن قبلة الكوفة نصبها علي -﵁- وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غزوان، والصواب في فعل علي -﵁- أقرب، ثم حكى في قبلة سائر البلاد وجهين، وجعل أصحهما جواز الاجتهاد فيها، وهذا إن عني به الاجتهاد في الجهة من أصلها فهو بعيد بمرة، بل الذي قطع به معظم الأصحاب منع
[ ١ / ٤٤٥ ]
ذلك في جميع البلاد في المحاريب المتفق عليها بين أهلها، وإن عني به الاجتهاد في التيامن والتياسر فالفرق بين الكوفة والبصرة كما نقله الروياني وهو بعيد أيضًا؛ لأن كل واحدة منهما قد دخلها الصحابة وسكنوها وصلوا إليها، فإن كان ذلك مما يفيد اليقين وجب استواؤهما فيه، وإن لم يفد اليقين فكذلك والله أعلم.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي المُسْتَقْبِلِ: فَالقَادِرُ عَلَى مَعْرِفةِ القِبْلَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهادُ، والقَادِرُ عَلَى الاجْتِهَادِ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَالأَعْمَى العَاجِزُ يُقَلِّدُ شَخْصًا مُكَلَّفًا مُسْلِمًا عَارِفًا بِأدِلَّةِ القِبْلَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّد غَيْرَهُ، وَإِنْ تَحَيَّرَ فِي الحَالِ فِي نَظَرِهِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَقَضَى، وَقِيلَ: يُقَلِّدُ وَيَقْضِي، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقَلِّدُ وَلاَ يَقْضِي، أَمَّا البَصِيرُ الجَاهِلُ بِالأَدِلَّةِ إنْ قَلَّدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ إلاَّ إذَا قُلْنَا: لاَ يَجِبُ تَعَلُّمْ أَدِلَّة القِبْلَةِ عَلَى كُلِّ بَصِيرٍ، فَعِنْدَ ذلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأَعْمى.
قال الرافعي: المصلي إما أن يقدر على معرفة القبلة يقينًا أو لا يقدر عليها، فإن قدر على اليقين فليس له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الاجتهاد، وحكى القاضي الروياني وجهين فيما إذا استقبل المصلي حجر الكعبة وحده بناء على هذا الأصل.
وقال: الأصح المنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه، فلا يجوز العدول عن اليقين إليه. ثم المعرفة يقينًا قد تحصل بالمعاينة، وقد تحصل بغير المعاينة كالناشئ بمكة يعرف القبلة بأمارات تفيده اليقين وإن لم يعاين كما سبق، وكما لا يجوز للقادر على اليقين الاجتهاد لا يجوز له الرجوع إلى قول الغير أيضًا، وإن لم يقدر على درك اليقين فلا يخلو: إما أن يجد من يخبره عن القبلة عن علم وكان المخبر ممن يعتمد قوله أَوْ لاَ يجد فإن وجد رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضًا كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبرًا يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء، ويشترط في المخبر أن يكون عدلًا يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد.
وفي وجه لا تشترط العدالة بل يقبل خبر الفاسق؛ لأنه لا يتهم في مثل ذلك، والمذهب الأول، ولا يقبل خبر الكافر بحال، وفي الصبي بعد التمييز وجهان كما في رواية إخبار الرسول -ﷺ-. والأكثرون على أنه لا يقبل. ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحًا وقد يكون دلالة. أما الصريح فلا يخفى.
وأما الدلالة فنصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها كما سبق في التفصيل، ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد
[ ١ / ٤٤٦ ]
وبين أن لا يكون، حتى إن الأعمى يعتمد بالمحراب إذا عرفه باللمس حيث يعتمد البصير بالرؤية، وكذا البصير إذا دخل المسجد في ظلمة الليل اعتمد المحراب باللمس، هكذا ذكر صاحب "التهذيب" وغيره، وقال في "العد" إنما يعتمد الأعمى على المس إذا شاهد محراب المسجد قبل العمى، أما لو (١) لم يشاهد فلا يعتمد عليه.
ولو اشتبهت عليه طيقان المسجد فلا شك أنه يصبر حتى يخبره غيره صريحًا، وإن خاف فوات الوقت صلى على حسب الحال وأعاد، هذا إذا وجد من يخبره عن علم وكان ممن يعتمد قوله، أما إذا لم يجد فلا يخلو: إما أن يكون قادرًا على الاجتهاد أو لا يكون، فإن قدر على الاجتهاد لزمه الاجتهاد والتوجه إلى الجهة التي يظنها جهة القبلة، ولا تحصل القدرة على الاجتهاد إلا بمعرفة أدلة القبلة وهي كثيرة صنفوا لذكرها كتبًا مفردة، وأضعفها الرياح، لأنها تختلف وأقواها القطب وهو نجم صغير في نبات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مسقبلًا للقبلة، هكذا يكون بناحية الكوفة وبغداد وهمذان (٢) وقزوين (٣) والري (٤) وطبرستان وجرجان (٥)، وما والاها إلى نهر الشاش، وليس على القادر على الاجتهاد أن يقلد غيره فيعمل باجتهاده كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء، ولا فرق بين أن يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد أو أتمه وبين أن لا يخاف في أنه لا يقلد، لكن عند ضيق الوقت يصلي لِحَقِّ الوقت كيفما كان ثم يجتهد ويقضي.
وقال ابن سريج: يقلد عند خوف الفوات.
وقال في "النهاية": لو كان في نظره وعلمه أن وقت الصلاة ينتهي قبل انتهاء نظره فيقلد ويصلي في الوقت أم يتمادى إلى إتمام الاجتهاد في نظره؟ وهذا كما لو تناوب جمع على بئر وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت، وقد ذكرنا خلافًا في أنه هل يصبر أو يتيمم ويصلي في الوقت؟ فتحصل من هذا الكلام وجه ثالث أنه يصبر إلى إتمام
_________________
(١) في ط إذا.
(٢) هَذَان: بالتحريك والذال معجمة، وآخره هون، مدينة من الجبال أعذ بها ماء وأطيبها هواء انظر معجم البلدان (٥/ ٤٧١).
(٣) قزوين بالفتح ثم السكون وكسر الواو وياء مثناة من تحت ساكنة ونون، وهي مدينة مشهورة. انظر مراصد الاطلاع (٣/ ١٠٨٩).
(٤) الرَّي بفتح أوله وتشديد ثانية، مدينة مشهورة من أمهات البلاد، وأعلام المدن كثيرة الخيرات قصبة بلاد الجبال. انظر مراصد الاطلاع (٢/ ٦٥١).
(٥) جُرْجان بالضم وآخره نون مدينة مشهورة عظيمة بين طبرسنان وخراسان، وهي قطعتان إحداهما المدينة، والأخرى بكر أباذ وبينها نهر كبير انظر مراصد الاطلاع (١/ ٣٢٣).
[ ١ / ٤٤٧ ]
الاجتهاد ولا يصلي وإن فات الوقت لا كيفما كان ولا بالتقليد.
وما ذكرناه من الاجتهاد يتصور في حق الغائب عن مكة، فأما الحاضر بمكة إذا لم يعاين الكعبة لحائل بينه وبين الكعبة نظر: إن كان الحائل أصليًا كالجبل فله الاجتهاد والاستقبال بالاستدلال، ولا يكلف صعود الجبل أو دخول المسجد لما فيه من المشقة، وإن كان الحائل حادثًا كالأبنية فوجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن الفرض في مثل هذا الموضع قبل حدوث البناء إنما هو المعاينة دون الاجتهاد فلا يتغير بما طرأ من البناء.
وأصحهما: الجواز كما في الحائل الأصلي لما في تكليف المعاينة من المشقة، وما ذكره في الكتاب قبل هذا الفصل أن الواقف بمكة خارج المسجد إذا لم يعاين الكعبة يستدل عليها بما يدل عليها كأنه جواب على هذا الوجه، ولو خفيت الدلائل على المجتهد إما لتغيم اليوم أو لكونه محبوسًا في ظلمة فتحير لذلك أو لتعارض الدلائل عنده ففي المسألة ثلاثة طرق:
أظهرها: أن فيها قولين:
أصحهما: عند الأكثرين: أنه لا يقلد لأنه قادر على الاجتهاد والتحير عارض وقد يزول عن قريب.
والثاني: -وهو اختيار ابن الصباغ-: أنه يقلد؛ لأنه عجز عن استبانة الصواب بنظره فأشبه الأعمى.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول.
والثالث: القطع بالثاني، فإذا قلنا: لا يقلد فيصلي كيف اتفق ويقضي كالأعمى لا يجد من يقلده يصلي لحق الوقت ويقضي، وإن قلنا: إنه يقلد فهل يقضي؟ ذكر في "النهاية" أنه على وجهين مبنيين على القولين في لزوم القضاء إذا صلى بالتيمم لعذر نادر، لا يدوم كما سيأتي نظائره.
وقضية هذا الكلام: أن يكون الأظهر وجوب القضاء على قولنا: إنه يقلد، كما أن الأظهر لزوم القضاء على من تيمم في الحضر لفقد الماء، ولكن الذي أورده الجمهور تفريعًا على قولنا: أنه يقلد أنه لا قضاء عليه كالأعمى إذا صلى بالتقليد، ثم قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-: الخلاف المذكور في تحير المجتهد موضعه ما إذا ضاق الوقت وخشي الفوات، فأما في أول الوقت ووسطه يمتنع التقليد لا محالة إذ لا حاجة إليه، ثم قال: وفي المسألة نوع احتمال وسببه الإلحاق بالتيمم في أول الوقت مع العلم بأنه ينتهي إلى الماء في آخر الوقت، وهذا آخر الكلام في القادر على الاجتهاد؛ أما
[ ١ / ٤٤٨ ]
العاجز عنه فينقسم إلى عاجز لا يمكنه تعلم الأدلة كالأعمى وإلى عاجز يمكنه التعلم.
أما الأول فالأعمى لا سبيل له إلى معرفة أدلة القبلة، لأنها تتعلق بالصبر فالواجب عليه التقليد كَالْعَاميِّ في الأحكام، وإنما يجوز تقليد المكلف المسلم العدل العارف بأدلة القبلة، يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد، وتقليد الغير هو قبول قوله المستند إلى الاجتهاد، حتى إن الأعمى لو أخبره بصير بمحل القطب منه وهو عالم بدلالته، أو قال: رأيت الخلق الكثير من المسلمين يصلون إلى هذه الجهة كان الأخذ بمقتضاه قبول خبر لا تقليد، ولو وجد مجتهدين واختلف اجتهادهما قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق والأعلم عنده. وقيل: يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده تخير.
وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، وفي معنى الأعمى البصير الذي لا يعرف الأدلة وليس له أهلية معرفتها، فيقلد كالأعمى؛ لأن عدم البصيرة أشد من عدم البصر.
القسم الثاني: العاجز الذي يمكنه التعلم فيبني أمره على أن تعلم أدلة القبلة هل هو من فروض الأعيان أم لا، فيه وجهان:
أحدهما: لا بل، هو من فروض الكفايات كالعلم بأحكام الشريعة، ولأن الحاجة إلى استعمالها نادرة فإن الاشتباه مما يندر وأصحهما أنه من فروض الأعيان كأركان الصلاة وشرائطها بخلاف تعلم الأحكام فإنه يحتاج (١) إلى زمن طويل وتحمل مشقة كبيرة. فإن قلنا لا يجب التعلم فله أن يصلي بالتقليد ولا يقضي كالأعمى. وإن قلنا: يتعين فليس له التقليد، فإن قلد قضى لتقصيره، وإذا ضاق الوقت عن التعلم فهو كالعالم إذا تحير في اجتهاده وقد قدمنا الخلاف فيه. وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة فأقول.
أما قوله: (فالقادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد) فاعلم: أن القادر على معرفتها وإن كان يمتنع عليه الاجتهاد لكن امتناع الاجتهاد لا يختص به، لأن من وجد عدلًا يخبره عن القبلة إخبارًا يستند إلى علم في زعم المخبر يمتنع عليه الاجتهاد، ومع أن قوله لا يحصل المعرفة فإن قلت: قوله: يحصل الظن وإن لم تحصل المعرفة، والفقهاء كثيرًا ما يعبرون بلفظ العلم والمعرفة عن الظن، وعن المشترك بين العلم والظن بالعلم في كونه معمولًا به في الشرعيات، فلعله أراد بالمعرفة ذلك، والجواب: أن لفظ المعرفة وإن كان يستعمل فيما ذكرت لكنه ما أراد به في هذا الموضع إلا العلم اليقيني، ألا تراه يقول في "الوسيط": فإن كان قادرًا على معرفة جهة القبلة يقينًا، لم يجز له الاجتهاد على أنه لا يمكن إرادة المشترك بين العلم والظن في هذا السياق؛ لأن الاجتهاد
_________________
(١) في أيفقتر.
[ ١ / ٤٤٩ ]
يفيد ضربًا من الظن، فإذا كان المراد من المعرفة المشترك دخل القادر على الاجتهاد في قوله: (فالقادر على معرفة القبلة) وحينئذ لا ينتظم الحكم بأنه لا يجوز له الاجتهاد.
وأما قوله: (والقادر على الاجتهاد، لا يجوز له التقليد فإنه يفيد بما يفيده.
قوله بعد ذلك: (وليس للمجتهد أن يقلد غيره) فالثاني تكرار والغالب (على الظن أنه) (١) إنما أعاده تمهيدًا لبناء مسألة التحير عليه، لكن المحوج إلى الإعادة لهذا الغرض توسيط حكم الأعمى بين الكلامين، فلو عقب الكلام الأول بمسألة التحير وأخر حكم الأعمى لاستغنى عن ذلك.
وأما قوله: "والأعمى العاجز يقلد شخصاَ مكلفًا " إلى آخره، فليعلّم المكلف بالواو؛ لأن في كلام الأصحاب وجهًا أنه يجوز تقليد الصبي، وهو كالخلاف المذكور في الرجوع إلى إخباره، ثم الصفات المذكورة غير كافية في المقلد، بل يشترط فيه شيء آخر وهو العدالة وليس لفظ العاجز للتقيد، فإن كل أعمى عاجز وإنما هو وصف له، وتنبيه على المعنى المجوز للتقليد، ومسألة التحير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكيناه من قبل.
وقوله: (أما البصير الجاهل بالأدلة إن قلد يلزمه القضاء) ليس مجرى على إطلاقه أيضًا؛ لأن البصير الجاهل إذا كان بحيث لا يمكنه التعلم فهو كالأعمى يقلد ولا يقضي كما تقدم.
قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا صَلَّى بالاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الخَطَأ وَبَانَ جِهَةُ الصَّوَابِ وَجَبَ (ح م) عَلَيْهِ القَضَاءُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الخَطَأ وَلَمْ يَظْهَرِ الصَّوَابُ إلاَّ بالاجْتِهَادِ، فَفي القَضَاءِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعَ صلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِأرْبَعِ اجْتِهَادَاتٍ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ الخَطَأَ فَلاَ قَضَاءَ (و) عَلَيْهِ.
قال الرافعي: المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يظهر له الخطأ قبل الشروع في الصلاة.
والثانية: أن يظهر بعد الفراغ منها.
والثالثة: أن يظهر في أثناءها.
أما الحالة الأولى فهي غير مذكررة في الكتاب وحكمها أن ننظر: إن تيقن الخطأ في اجتهاده أعرض عن مقتضاه وتوجه إلى الجهة التي يعلمها أو يظنها جهة الكعبة، وإن
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٤٥٠ ]
ظن الخطأ في اجتهاده وظن أن الصواب (١) جهة أخرى إن كان دليل الاجتهاد الثاني أوضح عنده من الأول أعرض عن مقتضى الأول، وإن كان دليل الأول أوضح عنده جرى على مقتضاه، وإن تساويا تخير. وقيل: يصلي إلى الجهتين مرتين.
وأما الحالة الثانية وهي: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فهذا الفصل مسوق لها، ولا يخلو، إما أن يظهر الخطأ يقينًا، أو ظنًا، والقسمان مذكوران في الكتاب. أما القسم الأول: وهو أن يظهر الخطأ يقينًا ففي وجوب القضاء قولان:
أصحهما: الوجوب، لأنه تعين له الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلا يعتد بما فعله كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه، واحترزوا بقولهم: فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة حيث لا يجب القضاء، لأن مثله غير مأمون في القضاء، ويمكن أن يقال في قولنا: تعين الخطأ ما يفيد هذا الاحتراز؛ لأن الأمر ثَمَّ مبني على رؤية الهلال ولا يقين يكون الرائيين مصيبين أو على استكمال العدد، وهو مبني على الرؤية في الشهور المتقدمة والإصابة فيها مظنونة، والمبني على المظنون مظنون.
والقول الثاني: أنه لا يجب القضاء؛ لأنه ترك القبلة بعذر فأشبه تركها في حالة المسايفة. قال الصيدلاني: ومعنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير، أو كلف التوجه إلى القبلة، فإن قلنا بالأول فلا قضاء، وإن قلنا بالثاني وجب القضاء، وبالقول الثاني قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني.
وقوله في الكتاب: (وجب القضاء) معلم برقمهم جميعًا. وللمسألة نظائر:
منها ما إذا اجتهد في وقت الصلاة فتبين بعد إنقضاء الوقت أنه أخطأ بالتقديم، أو اجتهد المحبوس في الصيام فوافق اجتهاده شعبان وتبين الحال بعد إنقضاء رمضان، ففي وجوب القضاء قولان:
قال إمام الحرمين: وهذا إذا لم يتأت الوصول إلى اليقين، فإن تأتى ذلك فالوجه القطع بوجوب القضاء، وإن اجتهاده إنما يغني بشرط الإصابة.
ومنها ما إذا رأوا سوادًا فظنوه عدوًا فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان الخطأ ففي القضاء قولان:
ومنها ما إذا دفع الزكاة إلى رجل ظنه فقيرًا فَبَانَ غنيًا ففي الضمان قولان؛ ثم اختلفوا في موضع القولين فيما نحن فيه على طريقين.
_________________
(١) في ط الجواب.
[ ١ / ٤٥١ ]
قال الأكثرون: القولان جاريان فيما إذا تبين الصواب يقينًا مع يقين الخطأ وفيما إذا لم يتبين الصواب يقينًا مع يقين الخطأ ولا فرق، ومنهم من قال: القولان فيما إذا بَانَ يقين الخطأ مع يقين الصواب.
أما إذا تيقن الخطأ دون الصواب فلا يجب القضاء بحال؛ لأنه لا يأمن الخطأ في القضاء أيضًا فأشبه خطأ الحجيج في الوقوف بعرفة، فإنهم لما لم يأمنوا مثله في القضاء لم يلزمهم القضاء، وهذا معنى قوله في الكتاب: (فإن تيقن الخطأ ولم يظهر الصواب إلا باجتهاد ففي القضاء قولان مرتبان، وأولى بأن لا يجب) ومتى رتب المذهبيون صورة على صورة في الخلاف وجعلوا الثانية أولى بالنفي أو الإثبات حصل في الصورة المرتبة طريقان: أحدهما: طرد الخلاف.
والثاني: القطع بما في الصورة الأخيرة أولى به من النفي أو الإثبات. وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى مثل أن يقال: فيما نحن فيه هل يجب القضاء عند تيقن الخطأ؟ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: يجب. الثاني: لا يجب.
الثالث: يفرق بين أن يتيقن معه الصواب فيجب وبين أن لا يتيقن فلا يجب، والأظهر طريقة طرد القولين، واعترض إمام الحرمين على التشبيه بخطأ الحجيج بأن قال: الخطأ ثَمَّ غير مأمون في السنين المستقبلة بحال، وهاهنا إن لم يأمن الخطأ في حالة الاشتباه فيمكنه الصبر حتى ينتهي إلى بقعة يستيقن فيها الصواب وما ذكرناه من الخلاف في أن المجتهد إذا بَانَ له يقين الخطأ هل يقضي بجري بعينه في حق الأعمى الذي قلده.
القسم الثاني: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة ظنًا وذلك لا يوجب القضاء؛ لأن الاجتهاد لا ينقصض بالاجتهاد، ألا ترى أن القاضي لو قضى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لا ينقض قضاؤه الأول، وينبني على هذا ما لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا يجب عليه قضاء واحدة منها؛ لأن كل واحدة منها مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ، هذا ظاهر المذهب وهو الذي ذكره في الكتاب وعن صاحب "التقريب" وجهان آخران:
أحدهما: إنه يجب عليه قضاء الكل؛ لأن الخطأ مستيقن في ثلاث صلوات منها، وإن لم يتعين فأشبه ما إذا فسدت عليه صلاة من صلوات، وحكي في "التتمة" هذا الوجه عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
والثاني: أنه يجب قضاء ما سوى الصلاة الأخيرة، ويجعل الاجتهاد الأخير ناسخًا
[ ١ / ٤٥٢ ]
لما قبله، وعلى هذا الخلاف لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين أو ثلاثًا إلى ثلاث جهات باجتهادات، فعلى ظاهر المذهب لا قضاء عليه، وعلى الوجه الثاني يقضي الكل، وعلى الثالث يقضي ما سوى الأخيرة وأعلم أنا سنذكر خلافًا في أنه إذا صلى بالاجتهاد هل يجب عليه تجديد الاجتهاد للصلاة الثانية، وحكم هذه الصورة لا يختلف بين أن نوجب تجديد الاجتهاد فيجدد وبين ألا نوجب لكن اتفق له ذلك.
قال الغزالي: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ اسْتَدْبَرَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَحَوَّلَ وَبَنى إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ القَضَاءُ عِنْدَ الخَطَإ، فَههُنَا أَولَى بِالإبْطَالِ كَيْلاَ يُجْمَعَ فِي صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ جِهَتَيْنِ، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الخَطَأ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَر جِهَةُ الصَّوَاب، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الدَّرْكِ بِالاجْتِهَادِ بَطُلَتْ صَلاَتهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذلِكَ عَلَى القُرْبِ، فَفِي البُطْلاَنِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَيَقُّن الصَّوَابِ، وَأَولَى بِالبُطْلاَنِ لِأَجْلِ التَّحَيُّرِ فِي الحَالِ.
قال الرافعي: هذا الفصل لبيان الحالة الثالثة وهي أن يظهر الخطأ في الاجتهاد في أثناء الصلاة ولا يخلو إما أن يظهر (له الصواب مقترنًا بظهور الخطأ) (١) وإما أن لا يكون كذلك. فهما ضربان:
الضرب الأول: أن يظهر له الصواب مقترنًا بظهور الخطأ فننظر: إن كان الخطأ مستيقنًا فنبني ذلك على القولين في وجوب القضاء عند ظهور يقين الخطأ بعد الصلاة إن قلنا: يجب بطلت صلاته هاهنا ولزمه الاستئناف، وإن قلنا: لا يجب فهاهنا وجهان، وربما قيل: قولان:
أحدهما: أنه يستأنف؛ لأن الصلاة الواحدة لا تؤدي إلى جهتين، كالحادثة الواحدة لا يتصور إمضاؤها بحكمين مختلفين.
وأصحهما: أنه ينحرف إلى جهة الصواب، ويبني على صلاته احتسابًا لما مضى من صلاته، كما يحتسب بجميع صلاته على هذا القول إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة، ولا ننكر إقامة الصلاة الواحدة إلى جهتين، ألا ترى أن أهل قباء كذلك فعلوا، وإن كان الخطأ ظاهرًا بالاجتهاد، فقد ذكرنا أنه إذا وقع ذلك بعد الصلاة لم يؤثر، فإذا اتفق في أثنائها فهو على هذين الوجهين أو القولين.
وأصحهما: أنه ينحرف ويبني، لأن الأمر بالاستئناف نقض لما أدى من الصلاة، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
_________________
(١) في ط الخطأ في الاجتهاد.
[ ١ / ٤٥٣ ]
والثاني: أنه يستأنف كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين، فعلى الوجه الأول لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا إعادة عليه كما ذكرنا في الصلاة، وخص في "التهذيب" رواية الوجهين بما إذا تغير اجتهاده وكان الدليل الثاني أوضح من الأول.
فأما إذا كان الدليل الثاني مثل الأول أو دونه قال: لا يتحول بل يتم صلاته إلى تلك الجهة ولا إعادة عليه، ولك أن تقول: إن كان الدليل الثاني دون الأول فلا يتغير الاجتهاد ولا يظهر الخطأ، لأن أقوى الظنين لا يترك بأضعفهما، وإنا كانا مثلين فقضيته التوقف والتحير، وحينئذ لا يكون الصواب ظاهرًا، فتكون الصورة من الضرب الثاني وسنذكر حكمه.
الضرب الثاني: أن لا يظهر الصواب مع ظهور الخطأ، فإن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته إذ لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ، ولا وقوف على جهة الصّواب لينحرف وإن قدر على ذلك على القرب، فهل يبني وينحرف أم يستأنف؟ فيعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في الضرب الأول بالترتيب، وهاهنا أولى بأن يستأنف؛ لأن ثمَّ يمكن من الانحراف إلى الصواب كما ظهر الخطأ وهاهنا بخلافه، فإنه متحير في الحال.
مثال هذا الضرب: عرف أن قبلته يسار المشرق [والسماء متغيمة فتوجه إلى جهة على ظن أنها يسار المشرق] (١) فانقشع الغيم بحذائه وظهر كوكب قريب من الأفق فقد علم الخطأ يقينًا إذ تبين له أنه مشرق أو مغرب، ثم قد يعرف الصواب على القرب بأن يرتفع الكوكب فيعلم أنه مشرق أو ينحظ فيعلم أنه مغرب، ويترتب على ذلك معرفة القبلة، وقد يعجز عن ذلك بأن يطبق الغيم، ويستمر الالتباس. ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب مما ذكرناه. واعلم: أنا قسمنا الضرب الأول قسمين:
أحدهما: أن يستيقن الخطأ.
والثاني: أنه لا يستيقنه فقوله: "وإن تيقن أنه استدبر" هو القسم الأول من هذا الضرب، فإن المستيقن للاستدبار عارف بالخطأ يقينًا وعارف بالصواب أيضًا مع معرفة الخطأ يقينًا، ولا فرق بعد تيقن الخطأ بين أن يظهر الصواب يقينًا أو ظنًا وإن كانت الصورة المذكورة في الكتاب هو يقين الصواب مع يقين الخطأ.
وقوله: (تحول وبني) جواب على قولنا أنه إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة لا يجب
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٤٥٤ ]
عليه القضاء، وقد روينا وجهين على هذا القول فما ذكره جواب على أصحهما، ثم أشار إلى التفريع على القول الثاني بقوله: (إلا إذا قلنا يجب القضاء عند الخطأ) أي إذا أوجبنا القضاء عند ظهور الخطأ يقينًا بعد الصلاة فنحكم ببطلان الصلاة عند ظهوره في أثنائها، ولا يعتد بما أتى به بل البطلان هاهنا أولى كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين:
وأما القسم الثاني من هذا الضرب فهو غير مذكور في الكتاب، وحكمه قريب من حكم القسم الأول؛ إنا وإن رتبنا الحكم ثم على القولين في أن تعين الخطأ بعد الصلاة هل يوجب القضاء كما سبق فلا يحصل إلا وجهان:
أحدهما: أنه يبني.
والثاني: أنه يستأنف، وهما جاريان في القسم الثاني على ما بينا، ولهذا قال في "الوسيط": وإن تبين بالاجتهاد أنه مستدبر فحكمه حكم المتيقن نعم يختلف التوجيه بحسب القسمين كما قدمناه. وأما قوله: "إذا ظهر الخطأ يقينًا أو ظنًا " إلى آخره، فهو الضرب الثاني، وهاهنا صرح بالتسوية بين تيقن الخطأ وظنه.
وقوله: (ففي البطلان قولان مرتبان على يقين الصواب) أي يقين الصواب مع الخطأ وهو صورة الاستدبار، وقد ذكر فيها قولين: أنه تبطل صلاته: أو يبني، وهذه مرتبة عليها والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ بَانَ لَهُ الخَطَأُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، فَهَلْ هُوَ كَالخَطَأ فِي الْجِهَةِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْن يَرْجِعُ حَاصِلُهُمَا إِلَى أَنَّ بَيْنَ الْمُشْتَدِّ فِي الاسْتِقْبَالِ وَبَيْنَ الأَشَدِّ تَفَاوُتًا عِنْدَ الحَاذِقِ، فَهَلْ يَجِبُ طَلَبُ الأَشَدِّ أَمْ يَكْفِي حُصُولُ أَصْلِ الاشْتِدَادِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا من الأحوال الثلاث فيما إذا بَانَ له الخطأ في الجهة، فأما إذا كانت الجهة واحدة وبَانَ له الخطأ في التيامن والتياسر فهذا يستدعي تقديم أصل وهو أن المطلوب بالاجتهاد عين الكعبة أم جهتها؛ وفيه قولان:
أظهرهما: أن المطلوب عين الكعبة لظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). وقوله -ﷺ- في الخبر الذي تقدم ذكره مشيرًا إلى العين: "هذِهِ الْقِبْلَةَ" (٢) وهما مطلقان ليس فيهما فصل بين القريب والبعيد.
والثاني: أن المطلوب جهة الكعبة، لأن حرم الكعبة صغير يستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا فيكتفي بالجهة، ولهذا تصح صلاة الصف الطويل إذا بعدوا عن الكعبة ومعلوم أن بعضهم خارجون عن محاذاة العين، وهذا القول يوافق المنقول عن أبي
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ١٤٤.
(٢) تقدم.
[ ١ / ٤٥٥ ]
حنيفة وهو: أن المشرق قبلة أهل المغرب، والمغرب قبلة أهل المشرق، والجنوب قبلة أهل الشمال، [والشمال قبلة أهل الجنوب] (١). وعن مالك أن الكعبة قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل مكة، ومكة قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الدنيا.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: الخطأ في التيامن والتياسر إن ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر في التيامن، والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني، ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة؛ لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين. فأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان عمدًا.
أما إذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقينًا، فيبنى على أن الفرض إصابة عين الكعبة، أما إصابة جهتها فإن قلنا: الفرض إصابة الجهة فلا أثر لهذا الخطأ في وجوب الإعادة إن ظهر بعد الصلاة ولا في وجوب الاستئناف إن ظهر في أثنائها.
وإن قلنا: الفرض إصابة العين ففي الإعادة والاستئناف القولان المذكوران في الخطأ في الجهة؛ ثم قال صاحب "التهذيب" وغيره: لا يستيقن الخطأ في الانحراف مع بعد المسافة عن مكة وإنما يظن.
أما إذا قربت المسافة فكل منهما ممكن، وهذا كالتوسط بين اختلاف أطلقه أصحابنا العراقيون في أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة بلا فرق بين قرب المسافة وبعدها. فقالوا: قال الشافعي -﵁- لا يتصور ذلك، إلا بالمعاينة. وقال بعض الأصحاب يتصور -والله أعلم- هذا شرح المسألة.
وأما قوله: (يرجع حاصلهما إلى أن بين المشتد في الاستقبال ) إلى آخره، فهو كلام نحا فيه نحو إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وذلك أنهما حكيا أن الأصحاب بنوا الخلاف في خطأ التيامن والتياسر على الخلاف في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها، واعترضا على هذه العبارة فقالا: محاذاة الجهة غير كافية؛ لأن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة العين لا تصح صلاته، وإن كان مستقبلًا للجهة ومحاذاة العين لا يمكن اعتبارها، فإن البعيد عن الكعبة على مسافة شاسعة لا يمكنه إصابة العين ومسامتتها، والمحال لا يطلب.
وأيضًا فالصف الطويل في آخر المسجد تصح صلاته جميعهم مع خروج بعضهم عن محاذاة العين، وإذا بطل ذلك فما موضع الخلاف؟ وما معنى العين والجهة؟ ذكرنا
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٤٥٦ ]
أن الانحراف اليسير لا يسلب اسم الاستقبال عن البعيد عن الكعبة في المسجد وإن كان يسلبه عن القريب من الكعبة، وإذا لم يسلبه عن البعيد الواقف في المسجد [كان أولى] (١) أن لا يسلبه عن الواقف في أقصى المشرق والمغرب، ثم البصير بأدلة القبلة يجعل التفاوت البعيد وانحرافه على درجتين:
إحداهما: الانحراف السالب لاسم الاستقبال، وهو الكثير منه وإن لم ينته إلى أن يولي الكعبة يمينه أو يساره.
والثاني: الانحراف الذي لا يسلب اسم الاستقبال، وفي هذه الدرجة مواقف يظن الماهر في الأدلة أن بعضها أشد من بعض، وإن شملها أصل الشداد، فهل يجب طلب الأشد أم لا؟ فيه الخلاف، وربما أشعر كلام إمام الحرمين بإثبات ثلاثة درجات: التفات بقطع البصير بأنه يسلب اسم الاستقبال، والتفات يقطع بأنه لا يسلبه، والتفات يظن أنه لا يسلب لكنه لا يقطع به، فهل تجوز القناعة بالشداد المظنون أم يجب طلب المقطوع به؟ فيه الخلاف، هذا ما ذكراه، والجمهور على التعبير عن الخلاف بالعين والجهة، واتفق العراقيون والقفال على ترجيح القول الصائر إلى أن المطلوب العين، ولهم أن يقولوا: لا نسلم أن البعيد لا يمكنه إصابة عين الكعبة بل عليه ربط الفكر في اجتهاده بالعين دون الجهة، وأما الصف الطويل فلا نسلم خروج بعضهم عن محاذاة العين؛ وذلك لأن التباعد من الحرم الصغير يوجب زيادة محاذاة العين كما تقدم.
قال الغزالي: فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ إِذَا صَلَّى الظُّهْرِ بِاجْتِهَاد، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاسْتِئْنَافُ لِلْعَصْرِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ أدَّى اجْتهَادُ رَجُلَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فَلاَ يَقْتَدِي أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ، وَإِذَا تَحَرَّمَ المُقَلِّدُ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ لَهُ مَنْ هُوَ دُونِ مُقَلِّدِهِ أَوْ مِثْلُهُ: أَخْطَأَ بِكَ فُلاَنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ فَهُوَ كَتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ البَصِيرِ فِي أَثْنَاءِ صَلاَتِهِ فِي نَفْسهِ، وَلَوْ قَطَعَ بِخَطَئِهِ وَهُوَ عَدْلٌ لَزِمَهُ القُبُولُ؛ لِأنَّ قَطْعَةُ أَرْجَحُ مِنْ ظَنِّ غيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ البَصِيرُ لِلأعْمَى: الشَّمْسُ وَرَاءَكَ وَهُوَ عَدْلٌ فَعَلَى الأعْمَى قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَحْسُوسٍ لاَ عَنِ اجْتِهَادٍ.
قال الرافعي: خَتَمَ البابَ بِفروعٍ:
أحدها: إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى، أو أراد قضاء فائته فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد للفريضة الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الأصل استمرار الظن الأول، فيجري عليه إلى أن يتبين خلافه.
_________________
(١) في ط فأولى.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وأظهرهما: نعم سعيًا في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأول تأكد الظن، وإن خالفه فكذلك، لأن تغيير الاجتهاد لا يكون إلا لأمارة أقوى من الأمارة الأولى، وآكد الظنين أقرب إلى اليقين، وهذان الوجهان كالوجهين في طلب الماء في التّيمم، وكالوجهين في المفتي إذا استفتى عن واقعة واجتهد وأجاب فاستفتى مرة أخرى عن تلك الواقعة هل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ وأما النوافل فلا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها [كما لا يحتاج إلى تجديد التّيمم لها] (١) ذكره صاحب "التهذيب" وغيره فإن قلت: ذكرتم أن الوجهين في وجوب تجديد الطلب مخصوصان بما إذا لم يبرح عن مكانه، فهل الأمر كذلك هاهنا؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي تخصيص الوجهين بما إذا كان في ذلك المكان هاهنا أيضًا، لكن الفرق ظاهر؛ لأن الطلب في موضع لا يفيد معرفة العدم في موضع آخر، والأدلة المعرفة لكون الجهة جهة القبلة قد لا تختلف بالمكانين فإن أكثرها سماوية، ولا تختلف دلالتها بالمسافات القريبة.
الثاني: لو أدى اجتهاد رجلين إلى جهتين فكل واحد منهما يعمل باجتهاده، ولا يقتدي أحدهما بالآخر، فإن كل واحد منهما مخطئ عند الثَّانِي، فصار كما لو اختلف اجتهادهما في الإناءين والثَّوْبَيْنِ، ولو اجتهد جماعة وتوافق اجتهادهم فأمهم واحد منهم، ثم تغير اجتهاد واحد من المأمومين فعليه أن يفارقه، وينحرف إلى الجهة الثانية، وهل عليه أن يستأنف أم له البناء؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في تغيير الاجتهاد في أثناء الصلاة، وللخلاف هاهنا مأخذ آخر، وهو أنا سنذكر خلافًا في أن المأموم هل له أن يفارق الإمام أم لا، وهل يفترق الحال بين أن يفارق بعذر أو غير عذر؟ ثم منهم من قال: هذه المفارقة بعذر، ومنهم من قال: هو مقصر بترك إمعان البحث والنظر، ولو عذر ولو تغير اجتهاد الإمام فينحرف إلى الجهة الأخرى، إما بانيًا أو مستأنفًا على الخلاف الذي سبق، وهم يفارقونه فلو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة [فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو الاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر] (٢)، وإلا فلا بأس.
الثالث: إذا شرع المقلد في الصلاة بالتقليد ثم قال: له عدل أخطأ بك من قلدته، فلا يخلو إما أن يقول ذلك عن اجتهاد أيضًا أو عن علم ومعاينة، فهما حالتان:
فأما في الحالة الأولى فننظر: إن كان قول الأول أرجح عنده وأولى بالاتباع إما لزيادة عدالته وهدايته إلى الأدلة فلا اعتبار بقول الثاني إذ الأقوى لا يرفع بالأضعف، وإن كان قول الثاني مثل قول الأول، أو لم يعرف أنهما مثلان أو أحدهما أقوى من
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الآخر فكذلك لا أثر لقول لثاني، وإن كان قول الثاني أرجح عنده فهو كتغيير اجتهاد البصير المجتهد في نفسه فيعود فيه الخلاف المقدم في أنه يبني أو يستأنف كذا هو في "التهذيب" وغيره، ولو اجتهد المجتهد الثاني بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة، وإن كان قول الثاني أرجح، كما لو تغير اجتهاد المجتهد بعد الفراغ.
وقوله: (فقال له من هو دون مقلده أو مثله) أراد به هذه الحالة الأولى أي قال ذلك عن اجتهاد.
وأما قوله: (لم يلزمه قبوله) فلعلك تقول قد عرفت أنه لا يلزمه فهل يجوز قبوله فالجواب أن هذا يرتب على أن المقلد إذا وجد مجتهدين قبل الشروع في الصلاة أحدهما أعلم من الآخر فهل يجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول فلا يجوز قبوله، وإن قلنا بالثاني ففيه خلاف؛ لأنه إن بني كان مصليًّا للصلاة الواحدة إلى جهتين وإن استأنف كان مبطلًا للفرض من غير ضرورة، وفي نظائر كل واحد منهما خلاف.
الحالة الثانية: أن يخبره عن علم ومعاينة فيجب الرجوع إلى قوله لاستناده إلى اليقين واعتماد الأولى على الاجتهاد، ولا فرق هاهنا بين أن يكن قول الثاني أصدق عنده أو لا يكون، ومن هذا القبيل أن يقول للأعمى: أنت مستقبل للشمس أو مستدبر، والأعمى يعرف أن قبلته ليست في صوب المشرق ولا المغرب فيجب قبول قوله، ويكون هذا بمثابة ما لو تيقن المجتهد الخطأ في أثناء الصلاة، فيلزمه الاستئناف على الصحيح، ولو قال الثاني: إنك على الخطأ قطعًا فكذلك يجب قبوله، فإن قطعه أرجح من ظن الأول، فينزل قطعه منزلة الإخبار عن محسوس، ثم القاطع بالخطأ قد يخبر عن الصواب قاطعًا به وقد يخبر عنه مجتهدًا ويجب قبوله على التقديرين لبطلان تقليد الأول بقطعه، ولا يمكن أن يكون قطعه بالخطأ عن اجتهاد فإن الاجتهاد لا يفيد القطع، فلا عبرة بالعبادة الفارغة عن المعنى، وكل ما ذكرناه مفروض فيما إذا أخبره الثاني عن الصواب والخطأ جميعًا، فأما إذا أخبره عن الخطأ على وجه يجب قبوله ولم يخبره هو ولا غيره عن الصواب فهو كتغيير اجتهاد المجتهد في أثناء الصلاة وقد سبق حكمه -والله أعلم-.
فإن قلت: وعد في الكتاب بأربعة فروع ولم يذكر إلا ثلاثة قلت: المسائل المذكورة في هذا الفصل لم يعدها في "الوسيط" إلا ثلاثة فروع وجعل في أولها فرعًا آخر، هاهنا عدها أربعة من غير ذلك المضموم فيجوز أن يقال جعل حالتي الفرع الأخير فرعين ويجوز غير ذلك والأمر فيه هين.
[ ١ / ٤٥٩ ]