وَالمُسْتَحَبُّ فِي لَوْنهِ البَيَاضُ وَفِي جِنْسِهِ القُطْنُ وَالكِتَّانُ دُونَ الحَرِيرِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ لِلرِّجَّلِ وَيُكرَهُ لِلْنِّسَاءِ، وَأَمَّا عَدَدُهُ فَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ البَدَنِ وَالثَّاني وَالثَّالِثُ حَقُّ المَيِّتِ فِي التَّركَةِ تَنْفُدُ وَصِيَّتُة بِإسْقَاطِهِمَا، وَلَيَسْ لِلوَرَثَةِ المُضَايَقَةُ فِيهِمَا، وَهَلْ لِلْغُرَمَاءِ المَنْعُ مِنْهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ مَالَ لَهُ يُكَفَّنُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَيُقْتَصَرُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي وُجُوبِ الكَفَنِ عَلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتّضح الفصل برسم مسائل:
إحداها: أن المستحبَّ في لون الكفن البياض، لما روي أنه -ﷺ- قال: "خَيْرُ ثِيَابُكُمْ الْبِيضُ فَاكْسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" (٢).
وجنسه في حقِّ كل ميت ما يجوز لبسه في حال الحياة، فيجوز تَكْفِينُ المرأة بالحَرِيرِ، لكنه يكره؛ لأنه سرف غير لائق بالحَالِ، ويحرم تكفين الرِّجال به، كلبسه في الحياة، ولك أَنْ تقول قوله: "ومن جسه القطن والكتان" إما أن يريد استحباب هذين النوعين على الخصوص أو يشير بهما إلى جميع الأنواع المباحة، ويكون التقدير القطن والكتان وما في معناهما.
_________________
(١) قال النووي: يجوز للجنب والحائض غسل الميت بلا كراهة -ولو ماتا غسلًا غسلًا واحدًا. وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه استحب أن يتحدث به، وإن رأى ما يكره. حرم عليه ذكره إلا لمصلحة، وإن وإن للميتة شعر، فالسنة أن يجعل ثلاث ذوائب وتلقى خلفها، وينبغي أن يكون مأمونًا. ولو كان له زوجتان أو أكثر وتنازعن في غسله أقرع بينهن- ولو مات له زوجات في وقت بهدم أو غرق أو غيره أقرع بينهن فقدم من خرجت قرعتها. قال الدارمي: قال الشافعي -﵀-: لو مات رجل، وهناك نساء مسلمات، ورجال كفار، أمرت الكفار بغسله وصلّين عليه. وهذا تفريع على صحة غسل الكافر. قال الدارمي: وإذا نشف المغسول بثوب: قال أبو إسحاق: لا ينجس الثوب، سواء قلنا بنجاسة الميت، أم لا. قال الدارمي: وفيه نظر انظر الروضة (١/ ٦٢٢، ٦٢٣).
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
أمَّا الأول فقضيته تقديم النَّوعين على سائر الأنواع المباحة كالصُّوف وغيره، وهذا شيء لم نَرَهُ في كلام الأصحاب وإن أراد الثَّاني فظاهر اللَّفظ معمول به في حقِّ النِّسَاء [دون الرجال. أما إنه معمول به في حق النساء] (١) فلأن تكفينهن بغير هذه الأنواع وهو الحرير جائز، وإن كره فينتظم أن نقول تكفينهن بهذه الأنواع مستحب، وأما أنه غير معمول به في حق الرجال، فلأن اسْتِحْباب شيء من هذه الأنواع إنما يكون إذا جاز تكفينهم بغير هذه الأنواع، وأنه ممتنع.
الثانية: أقل الكفن ثوب واحد، وأحبه للرجال ثلاثة أثواب.
روى أن النبي: "كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ" (٢). ثم شرط صاحب الكتاب في الثَّوب الواحد الأقل أن يكون سَاترًا لجميع البدن، وهكذا ذكر الإمام وكثير من الأصحاب، وحكى آخرون من العراقيين وغيرهم: أن الواجب قدر ما يستر العورة؛ لأن الميت ليس آكد حالًا من الحَيِّ، والواجب في الحي ستر العورة لا غير وعلى هذا يختلف الحال باختلاف حال الميت في الذُّكورة والأنوثة لاختلاف مقدار العورة بالحالتين وجمع القاضي الرُّويَانيْ وآخرون بين النقلين وجعلوا المسألة على وجهين:
أحدهما: أن الواجب القدر السَّاتر للعورة.
والثاني: أنَّ الواجب ثوب سابغ وقد حكى عن نصه في "الأم" أنه إن كان له ثوب واحد لا يغطي جميع البدن ستر به العورة؛ لأنه واجب وستر غيرها ليس بواجب [فإن] (٣) كان يبدو رأسه أو رجلاه غطى به رأسه، لما روي أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يخلف إلا نمر فكان إذا غطى بها رأسه بدت رِجْلاَه، وإذا غطَّى بها رجليه بدى رأسه، فقال: "غَطُّوا بِهَا رَأسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخَرِ" (٤).
واعرف في قوله في الكتاب: "وأما عدد فأقله ثوب واحد " إلى آخره شيئين:
أحدهما: أنَّ هذا اللفظ يقتضي كون الواحد عددًا لكن الحساب لا يجعلون الواحد عددًا ويقولون العدد ما يتركب عن الواحد.
والثَّاني: أنا وإن أوجبنا ثوبًا ساترًا لجميع البدن، فذلك في حقِّ غير المُحْرم، أما
_________________
(١) سقط في أوالمثبت من ب وط.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦٤، ١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧)، ومسلم (٩٤١).
(٣) في ط (وإن).
(٤) متفق عليه من رواية خباب بن الأرت أخرجه البخاري (١٢٧٦، ٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٧٤، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨)، ومسلم (٩٤٠، ٢٦٨١).
[ ٢ / ٤١٠ ]
المُحْرم فلا يستر رأسه إن كان رجلًا، ووجهه إن كان امرأة على ما سبق.
الثالثة: الثوب الواحد على ما وصفناه حقّ الله -تعالى جدّه- لا تنفذ وصيّة الميت بإسقاطه والثاني والثالث حق الميت وهي بمثابة ثياب التجمُّل للحي، فلو أوصى بإسقاطها نفذ: "كمَا أَوْصَى أبُو بَكرٍ -﵁- بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِهِ الْخَلِقِ، فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ" (١). ولو لم يُوصِ وتنازع الورثة في أكفانه وأراد بعضهم الاقْتِصَار على ثوب واحد، فقد حكى في "النهاية" فيه طريقين:
أحدهما: أن فيه وجهين كما سنذكرهما في مضايقة الغُرَمَاء فيه.
والثاني: القطع بالمنع تقديمًا لحاجة المالك، وظاهر المَذْهَب وهو المذكور في الكتاب أنه ليس لهم المُضَايَقَة سواء أثبتنا الخلاف أم لا. ولو اتَّفَقَ الورثة جميعًا على تَكْفِينِه في ثوب واحد، فقد قال في "التهذيب": يجوز وطرد صاحب "التَّتمة" الخلاف فيه. ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: لا نكفنه إلا في ثوب واحد، فهل يجابون إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالمُفْلس الحي تترك عليه ثياب تجمله.
وأظهرهما: نعم، فإن السّتر قد حصل وهو إلى إبراء ذمته أحوج منه إلى زيادة الستر بخلاف الحي يحتاج إلى التجمل ويتقلب بين الناس.
الرابعة: مَحِلُّ الكفن رأس مال التَّركة إن ترك الميّت مالًا يقدم على الديون والوصايا والميراث، نعم لا يباع المرهون في الكفن ولا العبد الجَانِي ولا المال الذي فيه الزكاة فإنه كالمرهون بها، وإن لم يترك مالًا فكفَّنه على من هو في نفقته، فيجب على القَرِيب كفن القريب وعلى السيد كفن العبد وأم الولد، وكذلك يجب كفن المكاتب عليه؛ لأن الكتابة تنفسخ بالموت، ولا فرق في الأولاد بين الصِّغار والكبار؛ لأن نفقتهم واجبة إذا كانوا عاجزين زَمْنَى والميت عاجزٌ، ذكره في التَّتمة.
وهل يجب على الزوج تكفين الزوجة ومؤنتها؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال ابن أبي هريرة-؛ لا؛ لأن مُؤْنَةَ الزوجة إنَّما تجب على الزَّوج مفي مُقَابلة التَّمكين من الاسْتِمْتَاع فإذا ماتت فقد زال هذا المعنى، وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة [وأحمد] (٢) -﵏-.
وأصحهما: أنه يجب ذلك على الزَّوج، لأنها في نفقته في الحياة فيلزمه مؤنتها
_________________
(١) أخرجه البخاري من رواية عائشة -﵂- (١٣٨٧).
(٢) سقط في ط.
[ ٢ / ٤١١ ]
بعد الموت، كالأب مع الابن والسيد مع العبد فعلى هذا لو لم يكن للزَّوج مال فحينئذ يجب في مالها. أما: إذا لم يترك الميت مالًا، ولا كان له من ينفق عليه فتكفينه ومؤنة دفنه من بيت المال كنفقته في الحياة. وهل يقتصر على ثوب واحد أم يكمل الثلاث؟ فيه وجهان:
أظهرهما: يقتصر عليه ليتأدّى الواجب به.
الثاني: يكمل الثلاث ولا يقتصر عليه كما لا يقتصر في كسوة الحي المحتاج على ساتر العورة فعلى الأول لو ترك ثوبًا واحدًا فلا شيء من بيت المال وعلى الثاني هل يكتفي بما خلفه أم يكمل الثلاث من بيت المال؟ ذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى فيه وجهين:
أظهرهما: الثاني وإذا لم يكن في بيت المال مال فعلى عامة المسلمين الكفن ومؤنة الدفن (١).
قال الغزالي: وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ إلَى الخمْسِ مُسْتَحَبٌّ لِلنِّسَاءِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الخَمْسِ سَرَفٌ عَلَى الإِطْلاَقِ، ثُمَّ إن كُفِّنَ فِي خَمْسٍ فَعَمَامَةٌ وَقَمِيصٌ وَثَلاَثُ لَفَائِفَ سوَابغ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلاَثٍ فَثَلاَثُ لَفَائِفَ مِنْ غَيْرِ قَمِيصٍ وَلاَ عِمَامةٍ، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسٍ فَإزَارٌ وَخِمَارٌ وَثَلاَثُ لَفَائِفَ سَوَابغَ، وَفِي قَوْلٍ: تُبَدَّلُ لِفَافَةٌ بِقَمِيصٍ، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي ثَلاَثٍ فَثَلاَثُ لَفَائِفَ.
قال الرافعي: قد ذكرنا أن العدد المستحب في كَفَنِ الرِّجال ثلاث أثواب، فلو زيد عليه إلى خَمْسَةِ أثواب فهو جائز، وإن لم يكن مَحْبُوبًا،.
وأما المرأة فيستحب أن تكفَّن في خمسة أثواب رعاية لزيادة السّتر في حقها وحكم الخنثى في ذلك حكم المرأة والزيادة على الخمسة مكروهة على الإطلاق لما فيها من السَّرف، وقد روى أن النَّبي قال: "لاَ تُغَالُوا فِي الكَفَنِ، فَإنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا" (٢). فإذا كانت المُغَالاة مكروهة فزيادة العدد أَوْلَى أن تكون مكروهة ثم إن كفن الرَّجل أو المرأة في ثلاث فالمحبوب ثلاث لفائف من غير عمامة للرجل ولا قميص
_________________
(١) قال النووي: قال القاضي حسين: إذا مات وهو في نفقة غيره هل يلزمه تكفينه بثلاثة أثواب، أم بثوب؟ وجهان: -أصحهما! - ثوب. وقطع هو وصاحب "التهذيب" بأنه إذا لم يكن في بيت المال مال، ولزم المسلمين تكفينه، لا يجب أكثر من ثوب -والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٦٢٥).
(٢) أخرجه أبو داود من رواية علي (٣١٥٤) وفي إسناده مقال، وحسنه النووي والمنذري انظر خلاصة البدر (١/ ٢٥٧)، وانظر التلخيص (٢/ ١٠٩).
[ ٢ / ٤١٢ ]
وعن أبي حنيفة: أن الرَّجل يكفن في إزار ورداء وقميص. لنا: ما روى أن النَّبي: "كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ اثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةِ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ" (١).
وإن كُفن الرجل في خمسة أثواب فليكن في عمامة وقميص وثلاث لفائف، وتجعل العمامة والقميص تحتها، ويستثنى المحرم عن ذلك فلا يلبس المخيط على ما تقدم، وإن كُفنت المرأة في خمسة أثواب فقولان:
أحدهما: إزار وخمار وثلاث لفائف، والإزار والخمار كالعمامة والرداء للرجل واللفائف كاللفائف.
والثاني: إزار وخمار ولفافتان وقميص، لما روي: "أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ لَمَّا غَسَّلَتْ أُمَّ كُلْثُوم -﵄- بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا عَلَى الْبَابِ فَنَاوَلَهَا إِزَارًا وَدِرْعًا وَخِمَارًا وَثَوْبَيْنِ" (٢).
وينسب القول الأول إلى الجديد والثاني إلى القديم، وذكر المُزَنِيُّ أن الشافعي -﵁- ذكر القميص مرة ثم خط عليه ونقل عنه القول الأول وإيراد الكتاب يقتضي ترجيحه، لكن الأكثرين على ترجيح القول الثاني، ويجوز أن تعد المسألة من المسائل التي يجاب فيها على القديم.
ثم قال الشافعي -﵁-: "يشدّ على صدرها ثوب، لئلا يضطرب ثديها عند الحمل فتنشر الأكفان" واختلفوا في ذلك الثوب، فقال أبو إسحاق هو ثوب سادس ليس من جملة الأكفان وُيحَلُّ عنها إذا وضعت في القبر. وقال ابْنُ سُرَيْجٍ يشد عليها ثوب من الخمسة ويترك والأول أظهر عند الأئمة. وكيف ترتيب الأثواب الخمسة؟
قال المُحَامِلِيُّ وغيره على قول أبي إسحاق إن قلنا: تُقَمّص فيشدُّ عليها المِئْزَرُ أو لا ثم القميص ثم الخِمَار، ثم تلفُّ في ثوبين ثم يشد عليها الثالث، وإن قلنا: لا تقمص، يشد عليها المِئزَرُ، ثم الخمار، ثم تلفُّ في ثلاثة أثواب ثم يشدُّ عليها خرقة وعلى قول ابْنُ سُرَيْجٍ: إن قلنا: تقمص يشد عليها المئزر ثم الدرع ثم الخمار ثم تشد عليها الخرقة ثم تلف في ثوب، وإن قلنا: لا تقمص، يشد عليها المِئْزَر ثم الخمار ثم تلف في ثوب ثم يشد عليها آخر ثم تلفُّ في الخامس.
وإذا وقع التَّكْفِين في اللَّفائف الثَّلاث، فكيف تكون هي؟ فيه وجهان:
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٨٠) وأبو داود (٣١٥٧)، وفي إسناده مجهولان انظر التلخيص (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
[ ٢ / ٤١٣ ]
أحدهما: أن تكون متفاوتة فالأسفل يأخذ ما بين سُرّته وركبته، والثَّاني يأخذ من عُنُقه إلى كَعْبه، والثَّالث يستر جميع بدنه.
وأظهرهما: أنه ينبغي أن تكون مستوية في الطَّول والعرض يأخذ كل واحد منها جميع بدنه. واعلم أنه لا فرق في التَّكفين في الثلاث بين الرجل والمرأة، وإنما الفرق بينهما في الخمس، فهي في حق الرجل قميص وعمامة وثلاث لفائف، وفي المرأة القولان المذكوران، وإذا كان كذلك فإيراد الفرض في أقصر من لفظ الكتاب هَيّنٌ -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يُذَرُّ عَلَى كُلِّ لِفَافَةٍ حَنُوطٌ، وَيُوضَعُ المَيِّتُ عَلَيْهِ، وَيأْخُذُ قَدْرًا مِنَ القُطْنِ الحَلِيجِ وَيدُسُّهِ فِي الألْيَتَيْنِ، وَتُشَدُّ الألْيَتَانِ وَتُسْتَوْثَقُ، وَتُلْصَقُ بِجَمِيعِ مَنَافِذِ البَدَنِ مِنَ المَنْخِرَيْنِ وَالأُذُنيْنِ وَالعَيْنَيْنِ قُطْنَةٌ عَلَيْهَا كَافُورٌ ثُمَّ يُلَفُّ الكَفَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُبَخِّرَهُ بِالعُودَ وَيشُدُّ عَلَيْهِ بِشِدَادِ، وَبَنْزِعُ الشِّدَادِ عِنْدَ الدَّفْنِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في إِدْرَاج الميت في الكَفَنِ وتوابعه.
فنقول: تبخير الكفن بالعود مستحبٌّ إذا لم يكن الميت مُحْرمًا، وذلك بأن ينصب مشجَبٌ وتوضع الأكفان عليها ويجمَرُ تحتها ليصيبها دُخَان العُود، ثم تبسط أحسن اللَّفائف وأوسعها ويذرُّ عليها حنُوطٌ، وتبسط الثانية فوقها ويدر عليها حنوط، وتبسط الثَّالثة التي تلي المَيِّت فوقها ويذرُّ عليها حنوط وكافور ثم يوضع الميت فوقها مستلقيًا ويأخذ قدر من القطن الحَلِيج ويجعل عليه حنوط وكافور ويدسُّ في إِلْيَتَيْهِ حتى تتَّصل بالحلقة ليرد شيئًا عساه عند التَّحريك ينفصل منه ولا يدخله في باطنه، وفيه وجه: أنه لا بأس به ثم تشد إِلْيَتَيْهِ وتستوثق وذلك بأن يأخذ خِرْقَةً ويشد رأسها ويجعل وسطها عند إِلْيَتَيه وعانته ويشدها عليه فوق السُّرة بأن يرد ما يلي ظهره إلى سرته ويعطف الشِّقين الآخرين عليه. ولو شد شقًّا من كل رأس على هذا الفَخِذِ ومثل ذلك على الفَخِذِ الثَّاني جاز أيضًا.
وقيل: يشدها عليه بالخيط ولا يشق طرفيها ثم يأخذ شيئًا من القطن، ويضع عليه قدرًا من الكافور الحنُوطِ، ويجعله على مَنَافِذِ البدن من المنخَرَينِ والأُذُنَيْنِ والعينين والجِرَاحَات النَّافِذَة إن كانت عليه دفعًا للهَوَام، ويجعل الطِّيب على مَسَاجدِهِ، وهي الجَبْهَة، والأَنْف، وباطن الكَفَّين، والركبتانِ، والقدمان إكرامًا لها، وذلك بأن يجعل الطِّيب على قِطْعَةِ قُطن وتوضع على هذه المواضع. وقيل: يجعل عليها بلا قطن.
ثم يلفُّ الكفن عليه بأن يثنى من الثَّوب الذي يليه صنعته التي تلي شقَّه الأيسر على شقِّه الأيمن، والتي تلي شقّه الأيمن على شقّه الأيسر كما يفعل الحيّ بالقَباء، ثم يلف الثاني والثَّالث كذلك.
[ ٢ / ٤١٤ ]
وفيه قول آخر: أنه يبدأ بالشقة التي تلي شقَّه الأَيْمن فيثنيها على شقِّه الأيسر، ويجعل الَّتي تلي الأيسر عَلَى اليَمِين غالبًا، ولعلَّ هذا أسبق إِلَى الفَهْمِ ممَّا رواه المُزَنِيُّ في "المختصر"، لكن الأول أصحُّ عند الجمهور ومنهم من قطع به.
وإذا لفَّ الكفن عليه جمع الفاضل عند رأسه جمع العِمَامَة ورد على وجهه وصدره إلى حيث يبلغ، وما فضل عند رجليه يجعل على القَدَمين والساقين.
وينبغي أن يوضع المَيِّتُ على الأكفان أولًا بحيث إذا (١) ألقيت عليه كان الفاضل عند رأسه أكثر، كما أن الحيَّ يجعل فضل ثيابه على رأسه، وهو العمامة ثم تشتد الأكفان عليه بشداد خَيْفَة انتشارها عند الحمل فإذا وضع في القبر نزع.
وفي كون التَّحنيط واجبًا أو مستحبًا وجهان:
أظهرهما: عند المصنف وإمام الحرمين الثاني (٢).
قال الغزالي: ثُمَّ يَحْمِلُ الجَنَازَةَ ثَلاثَةُ رِجَالٍ رَجُلٌ سَابِقٌ بَيْنَ العَمُودَيْنِ وَرَجُلاَنِ فِي مُؤَخِّر الجَنَازَةِ، فَإنْ عَجَزَ السَّابِقُ أَعَانَهُ رَجُلاَنِ خَارجَ العَمُودَيْنِ فَتَكُونَ الجَنَازَةُ مَحْمُولَةٌ بَيْنَ خَمْسَةٍ أَوْ بَيْنَ ثَلاَثةٍ، وَالمَشْيُ قُدَّامَ الجَنَازَةِ أَفْضَلُ (ح) وَالإِسْرَاعُ بِهَا أَوْلَى.
_________________
(١) قال النووي: مذهبنا أن الصبي الصغير كالكبير في استحباب تكفينه في ثلاثة أثواب وقال الصيمري: لا يستحب أن يعد لنفسه كفنًا لئلا يحاسب عليه. وهذا الذي قاله صحيح، إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها، أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء أو العباد، ونحو ذلك، فإنَّ ادخاره حسن. وقد صح عن بعض الصحابة فعله. الروضة (١/ ٦٢٨).
(٢) وهذا التصحيح قد يستشكل فإن أموال العبد يحاسب عليها كلها بل لو ترك الذي يوص به حتى انتقل إلى الورثة فلا بد أن يحاسب عليه ولذا يعاقب عليه إن كان حرامًا ولا شيء عليهم قال: علي -كرم الله وجهه- حلالها حساب وحرامها عقاب. نعم يصح أن يحمل كلام الشيخ -﵀- على صورة. وهي السعي من تحصيله باتهاب أو غيره إذا لم يكن له مال غيره أصلًا. وقال الروياني: عندي أنه يستحب له ذلك إلى أعداد الكفن، وإذا عرف خلوه من الشبهة وهذه المسألة لها التفات إلى مسألة أخرى وهي ما إذا أوص بالتكفين من يوم معين فهل يجب تكفينه فيه على وجهين حكاهما القاضي حسين في كتاب السرقة في كتابه المسمى أسرار الفقه وهو كتاب صغير الحجم نحو التنبيه ونقله عنه في الكفاية. قال: أعني القاضي وهما مبنيان على ما لو قاد: قضى ديني من هذا المال وفي تعينه وجهان مبنيان على ما لو أوصى بقضاء دينه ويخاص أهل الوصايا. وقوله -﵁- وقد صح عن بعض الصحابة إشارة إلى ما في صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي -ﷺ- كانت عليه بردة فطلبها رجل فأعطاه إياها فقال له الصحابة ما أحسنت مسألته وعلمت أنه لا يرد سائلًا فقال إني والله ما سألته إياها لألبسها وإنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه (أخرجه البخاري ٤/ ٣٧٣) حديث (٢٠٩٣).
[ ٢ / ٤١٥ ]
قال الرافعي: ليس في حمل الجنازة الجنازة وسقوط مروءة بل هو بِرٌّ وأكرام للميت، وقد نقل ذلك عن فعل رسول الله -ﷺ- والصحابة والتابعين- رضوان الله عليهم أجمعين- ولا يتولاَّه إلا الرِّجال ذكرًا كان الميت أو أنثى، ولا يجوز الحمل على الهَيْئَات المُزْرِية ولا على الهيئة التي يخاف منها السُّقوط. إذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: في كيفية الحمل وقد نقل طريقان:
أحدهما: الحمل بين العَمُودين.
يُرْوَى أن النَّبي: "حَمَلَ جَنَازَة سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁- بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ" (١).
ومعناه: أن يتقدم رجل فيضع الخَشبَتَين الشَّاخِصَتَين وهما العمودان على عاتقيه، والخشبة المعترضة بينهما على كتفيه، ويحمل مؤخرة الجنازة رجلان:
أحدهما: من الجانب الأيمن، والثَّاني من الأيسر، ولا يمكن أن يتوسَّط الخشبتين واحد من مؤخرهما، فإنه لا يرى موضع قدميه، والطريق بين يديه حينئذ، فإن لم يستقلّ التقدم بالحمل أعَانه رجلان خارج العَمُودَين يضع كل واحد منهما واحدًا على عاتِقِه فتكون الجنازة محمولة على خمسة.
والثاني: التَّرْبِيع، روي عن ابن مسعود﵁- أنه قال: "إِذَا تَبعَ أَحَدُكُمْ جَنَازَةٌ فَلْيَأخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الأَرْبَعَةِ ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ ليَذَرْ فَإِنَّهُ السُّنَّةَ" (٢).
والتَّرْبِيعُ: أن يتقدَّم رجلان فيضع أحدهما العمود الأيمن على عاتقه الأيسر، والآخر العمود الأيسر على عاتقه الأيمن، ولذلك يحمل العمودين من مؤخرها اثنان فتكون الجَنَازة على هذه الهَيْئة محمولة على أربعة.
وقد نقل عن نَصِّ الشَّافعي -﵁- أن من أراد التَّبَرُّك يحمل الجنازة من جوانبها الأربعة بدأ بالعَمُود الأيسر من مؤخرها فحمله على عَاتِقِه الأيمن ثم يسلم إلى غيره، ويأخذ العمود الأيسر من مؤخِّرها فيحمله على العاتق الأيمن أيضًا ثم يتقدم فيعترض بين يديها لئلًا يكون ماشيًا خلفها فيأخذ العمود الأيمن من مقدمها ويحمله على عاتِقِهِ الأيسر ثم يأخذ العمود الأيمن من مؤخرها، ولا شك أن ذلك إنما يتأتى والجَنَازة
_________________
(١) أخرجه الشافعي والبيهقي عنه معضلًا وأشار الشافعي إلى عدم ثبوته. انظر سنن البيهقي (٤/ ٢٠ - ٢١) خلاصة البدر (١/ ٢٥٨)، التلخيص (٢/ ١١٠).
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (٧٨٤)، وابن ماجة (١٤٧٨)، والبيهقي (٤/ ١٩ - ٢٠) وقال ابن الملقن إسناده ضعيف منقطع. الخلاصة (١/ ٢٥٨) وأخرجه عبد الرزاق (٦٥١٧) والطبراني في الكبير (٩٥٩٧، ٩٥٩٨، ٩٥٩٩).
[ ٢ / ٤١٦ ]
محمولة على هيئة التَّرْبِيع فهذا شأن الطَّريقين، وكل واحد منهما جائز.
وحكى القاضي الرُّوياني عن بعض الأصحاب: أن الأفضل الجمع بينهما بأن يحمل تَارَةً هكذا وتارة هكذا، وإذا أراد الاقْتِصَار على أَحَدِهِمَا فأيتهما أفضل؟ المشهور في المذهب: أن الحمل بين العمودين أفضل. وعن أحمد: أن التَّربيع أفضل، وبه قال بعض أصحابنا. وعن مالك: أنهما سواء، وأشار صاحب "التَّقريب" إلى وجه يوافقه.
وقال أبو حنيفة: الحَمْل بين العمودين بدعة.
الثانية: المَشْي أمام الجنازة أفضل، وبه قال مالك، وروى مثله عن أحمد، ويروى عنه أنه إن كان راكبًا صار خلفها، وإن كان راجلًا فقدَّامها. وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل. لنا ما روي عن ابن عمر -﵄- قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ -﵄- يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ" (١) والأفضل أن يكون قدَّامها قريبًا منها بحيث لو التفت لرآها (٢)، ولا يتقدمها إلى المَقْبَرة، ولو تقدم لم يكره، ثم هو بالخِيَار إن شاء قام منتظرًا لها، وإن شاء قعد؛ لما روي عن علي -﵁- قال: "قَامَ رسول الله مَعَ الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدَ ذلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ" (٣). وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره الجلوس حتى توضع الجنازة.
الثالثة: سُنَّة المشي بالجنازة الإسراع إلا أن يخاف من الأسراع تغيُّرًا في الميت، فيتأنى بها، والإسراع فوق المشي المعتاد دُونَ الْخَبَب، روي أن النَّبي "سُئِلَ عَنِ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ، فَقَالَ دُونَ الْخَبَبِ فَإِنْ يَكُ خَيْرًا عَجَّلْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ شَرًّا فُبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ" (٤). وإن خِيفَ عليه تغَيُّرٌ وانفجار زيد في الإِسْرَاع.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٧)، والنسائي (٤/ ٥٦) وأحمد (٢/ ٨، ٣٧، ١٢٢، ١٤٠) وابن حبان (٧٦٦، ٧٦٧، ٧٦٨)، والدارقطني (٢/ ٧٠)، والبيهقي (٤/ ٢٣) وانظر الخلاصة للبدر (١/ ٢٥٨).
(٢) وفيه نظر لأن الرواية تحصل مع البعد عنها والوجه الضبط بالقرب ويختلف ذلك قلة القوم وكثرتهم ولو تقدم عنها كثيرًا بحيث لا يعده من رآه مشيعًا لها لم تحصل له فضل التشييع ويكره للنساء التشييع إذا لم يتضمن حرامًا وقيل يحرم.
(٣) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٧ - ٢٨)، ومسلم نحوه (٩٦٢) وقال الشافعي: هو أصح حديث في الباب، وناسخ لغيره.
(٤) أخرجه أبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١) وقال: غريب، وسمعت البخاري بضعفه، وابن ماجة (١٤٨٤) والبيهقي (٤/ ٢٢٢) وقال: حديث ضعيف، وفي إسناده مجهول وقال ابن الملقن (١/ ٢٥٩) وفي الصحيح من رواية أبي هريرة ما يغني عنه.
[ ٢ / ٤١٧ ]