قال الغزالي: وَأَقَلَّهُ حُفْرَةٌ تَحْرُسُ المَيِّتَ عَنِ السِّبَاعِ وَتَكْتُمُ رَائِحَتَهُ، وأَكْمَلُهُ قَبْرٌ عَلَى قَامَةِ الرَّجُلِ، وَاللَّحْدُ أَوْلَى مِنَ الشَّقِّ، وَلْيَكُنِ اللَّحْدُ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ، ثُمَّ تُوضَعُ الجَنَازَةُ عَلَى رَأسِ القَبْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ رَأَسُ المَيِّتِ عِنْدَ مُؤَخِّرِ القَبْر فَيَسُلُّهُ الوَاقِفُ إِلى القَبْرِ مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ، وَلاَ يَضَعُ المَيِّتَ فِي قَبْرِهِ إِلاَّ الرَّجُلُ، فَإِنْ كانَتِ امْرَأَةً فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ زَوْجُهَا وَمَحَارِمُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبِيدُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَخَصِيَّانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَرْحامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالأجَانِبُ لِأَنَّهُنَّ يَضْعَفْنَ عَنْ مُبَاشَرَةِ هَذَا الأَمْرِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَاحِدٌ بِوَضْعِهِ فَلْيَكُنْ عَدَد الوَاضِعِينَ وَتْرًا.
قال الرافعي: دفن الميت من فروض الكِفَايات كغسله والصلاة عليه والدفن في المقبرة أولى، لينال الميت دعاء المَارِّين والزَّائرين. "وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي المَقَابِرِ" (١) ويجوز الدَّفن في غير المَقَابِر؛ لأنهم "دَفَنُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ -﵂- (٢). فلو تَنَازع الوَرَثَة فقال بعضهم ندفنه في ملكه، وقال آخرون: بل في المقبرة المسبلة، دفن في المقبرة المسبلة؛ لأن ملكه قد إنتقل إلى الورثة وبعض الشركاء غير راض بدفنه فيه، فلو بادر بعضهم ودفنه فيه كان لِلْبَاقين نقله إلى المَقْبَرَةِ، والأولى أن لا يفعلوا لما فيه من الهتك، ولو أراد بعضهم دفنه في خالص ملكه لم يلزم الباقين قبوله ولو بادر إليه، قال ابن الصباغ: لم يذكره الأصحاب وعندي أنه لا ينقل فإنه هتك وليس في إبقائه إبطال حق الغير.
ولو توافقوا على دفن الميت في ملكه ثم باعوه لم يكن للمبتاع نقله، وله الخيار إن كان جاهلًا به، ثم لو اتفق نقله أو بَلِيَ كان الموضع للبائعين أو للمشتري؟ فيه وجهان سيأتي في البيع نظائرها. إذا عرفت ذلك ففي الفَصْل مسائل:
إحداها: لا يجوز الاقْتِصَارُ في الدَّفن على أدنى احْتِقَار، بل أقل ما في الباب حُفْرة تكتم رائحة الميت وتحرسه عن السِّبَاع لعسر نَبْش مثلها عليها غالبًا، وهذان المعنيان كتمان الرائحة والحِرَاسة عن السِّباع ذكرهما إمام الحرمين في حدِّ واجب الدفن وتابعه المصنف فإن كانا مُتَلاَزمين فمتى وجدت إحدى الصِّفتين في الحُفْرة توجد
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٢٦) لم أجده هكذا، لكن الصحيح أنه أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وفي هذا الباب عدة أحاديث.
(٢) أخرجه البخاري عن عائشة في حديث قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي وفي الباب عدة أحاديث. انظر المصادر السابقة.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الأُخْرَى، والغَرَض من ذكرهما بيان الفَائِدَة المَطْلُوبة بالدَّفن، وإن لم يكونا مُتَلاَزمين فبان أنه يجب رعايتهما، ولا يكتفي بأحدهما مقصودًا أيضًا.
وأما الأكمل فيستحب توسيع القَبْرِ وتعميقه، روي أنَّه -ﷺ- قال: "احْفُرُوا وَوَسِّعُوا وَعَمِّقُوا" (١) والمنقول عن لفظ الشَّافِعِيّ -﵁- أنه يعمق قدر بسْطَةٍ.
قال المحاملي وغيره: إنما أراد بسطَةً بعد القيام، على ما روي عن عمر -﵁- أنه قال: "عَمِّقُوا إِلَى قَدْرِ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ" (٢) وقدره بثلاثة أذرع ونصف وهو قدر ما يقوم الرجل وَيَبْسُطُ يده مرفوعة غالبًا، والاعتبار بالأربعة من الرجال، وفيما علق عن الشيخ أبي محمد: أن السنة من التَّعميق بقدر قامة وهو ثلاثة أذرع، وذكر في "النهاية" ما يوافقه، فنقل لفظ البَسْطة وفسَّرها بقامة رجل وبسطة فيشبه أن يكون وجهًا آخر، وهو الذي وافقه لفظ الكتاب، والمشهور في المَذْهب هو الأول.
وقوله في الكتاب: "وأقلّه وأكمله" الكناية فيهما يجوز أن ترجع إلى غير مذكور المعنى وأقل المدفون فيه ويجوز أن ترجع إلى المذكور وهو الدفن، وحينئذ يحتاج الكلام إلى إضمار، ومعناه: وأقل الدَّفن في حفرة والأول أولى؛ لأن واجب الدَّفن لا ينحصر في الدَّفْن في حفرة صفتها ما ذكر، بل يجب مع ذلك وضع الميِّت مستقبل القبلة على ما سيأتي. وأعلم قوله: "قدر قامة الرجل" بالميم؛ لأن المحكيّ عن مالك: أنه لا حد في تعميق القبر.
المسألة الثانية: اللَّحد والشَّق كل واحد منهما جائز، واللّحد أن يحفر حائط القبر مائلًا عن استوائه من الأسفل [قدر] (٣) ما يوضع الميت فيه، وليجعل ذلك من جهة القبلة. والشق: أن يحفر حفرة كالنهر أو يبنى جانباه باللَّبن أو غيره، ويُجْعل بينهما شقّ يوضع الميت فيه ويسقف وأيهما أولى إن كانت الأرض صلبة فاللحد، وإن كانت رخوة فالشق، وعند أبي حنيفة الشّق أولى بكل حال، هكذا روى جماعة من أصحابنا، وفي مختصر الكَرْخِي وغيره من كتب أصحابه أنه يُلْحَدُ، ولا يشق كمذهبنا.
ووجه تقديم اللّحد ما روي عن ابن عباس -﵄- "أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، وقال: حسن صحيح، والنسائي: (٣/ ٨٠ - ٨١)، وابن ماجة (١٥٦٠).
(٢) أخرجه ابن المنذر عنه. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٨١).
(٣) في ط (قبل).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، وقال: غريب من هذا الوجه، وأخرجه النسائي (٤/ ٨٠)، وابن ماجة (١٥٥٤)، والبيهقي (٣/ ٤٠٨).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وروي: "أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ، والآخَرُ يَشُقُّ فَبَعَثَ الصَّحَابَةَ -﵃- فِي طَلَبِهِمَا، وَقَالُوا أَيُّهُمَا جَاءَ أَوّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَجَاءَ الذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ الله -ﷺ-" (١).
الثالثة: توضع الجنازة على شَفِيرِ القبر بحيث يكون رأس الميت عند رجل القبر، ثم يُسَلُّ في القبر من قبل رأسه سَلًاّ رفيقًا وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقِبْلة، ويدخل القبر عرضًا. لنا ما روي عن ابن عمر -﵁- أن النبي -ﷺ- "سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًاّ" (٢).
وقوله في الكتاب: "ثم تُوضَعُ الجَنَازَةُ عَلَى رَأْسِ القبر" لم يَعْنِ برأس القبر ضد رجله ومؤخره، وإنما أراد طرفه، ألا تراه يقول عُقَيبه: بحيث يكون رأس الميت عند مؤخرة القبر.
الرابعة: لا يدخل الجَنَازَة في القَبرِ إلا الرِّجال ما وجدوا سواء كان الميت رجلًا أو امرأة؛ لأنه يحتاج إلى بطش وقوة، والنساء يضعفن عن مثل ذلك غالبًا، ويخشى من مباشرتهنّ لذلك انهتاك الميتة وانكشافهن، ثم أولى الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة، نعم الزّوج أحق بدفن الزوجة من غيره ثم بعده المحارم، ويقدم منهم الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم، فإن لم يكن منهم أحدًا فعبيدها، وهم أولى من بني العم؛ لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح، وفيه خلاف سيأتي في موضعه، فإن أَلْحَقنَاهُم بالأَجَانِب فلا يتوجه تقديمهم. وأبدى إمام الحرمين فيهم الاحتمال من جهة أخرى، وهي أن مالكها ينقطع عنهم بالموت، وشبهه بالتردّد في غسل الأَمَةِ مولاها، فإن لم يكن لها عبيد فالخِصْيَان أولى لضعف شهوتهم.
قال الإمام: وفيه احتمال بيِّن سنذكره في أحكام النظر، فإن لم يكونوا فذوو الأرحام الَّذين لا محرميّة لهم، فإن لم يكونوا فأهل الصَّلاح من الأجانب.
قال الإمام: وما أرى تقديم ذوي الأرحام محتومًا بخلاف تقديم المَحَارِم؛ لأن الدين لا محرمية لهم من ذوي الأرحام كالأجانب في وجوب الاجتناب عنهم في الحياة، وقدم "في العدة" صاحبها نساء القرابة على الرجال الأجانب وهو خلاف النص، والمذهب المشهور.
إذا عرفت ما ذكرنا فلا يخفى عليك أن قوله في الكتاب: "زوجها ومحارمها" ليس
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٣١)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٨٩) وابن ماجة (١٥٥٧) (١٦٢٨) والبيهقي (٣/ ٤٠٨).
(٢) أخرجه الشافعي (٥٩٨)، والبيهقي (٤/ ٥٤)، انظر التلخيص (٢/ ١٢٨).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
للجميع، ولا للتخيير وإنما الأمر فيه على الترتيب، وأن قوله: "فعبيدها" يجوز أن يعلم بالواو، وكذا قوله: فخصيان. وقوله: "فأرحام" أي: ذووا أرحام.
وقوله: "لأنهن يضعفن عن مباشرة هذا الأمر" تعليل لأول الكلام، وهو قوله: "ولا يضع الميت في قبره إلا الرجال"، ويجوز أن يعلم قوله: "فإن لم يكن فالأجانب" بالواو أيضًا، لما ذكرنا في "العدة".
الخامسة: إن استقل واحد بوضع الميت في القبر، فإن كان طفلًا فذاك، وإلا فالمستحبّ أن يكون عدد الدَّافنين وترًا ثلاثة أو خمسة على [قدر] (١) الحاجة وكذلك عدد الغاسلين، ويروى أن النَّبي -ﷺ- "دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وأُسَامَةُ -﵃-" (٢)، ويستحبُّ أن يستر القبر عند الدَّفْنِ بِثَوْبٍ رجلًا كان أو امرأة، لكن ستر المرأة آكد، وعند أبي حنيفة -﵀- يختص الاسْتِحْبَاب بالمرأة، وروي مثله عن أحمد واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا.
لنا ما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا دُفِنَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- سَتَرَ قَبْرَهُ بِثَوْبٍ" (٣). والمعنى فيه أنَّهُ ربَّما يَنْكَشِفُ عند الإضْجَاع، وحلّ الشّداد، ويستحب لمن يدخله القبر أن يقول: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، وروي ذلك عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- (٤) "ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إِلَيْكَ الأَشْحَاء مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ، وَقَرَابَتِهِ وإِخْوَانِهِ وفَارَقَهُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سِعَةِ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ، إِلَى ظُلْمَةِ القَبرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بهِ، إِنْ عَقَابتَهُ فَبذَنْبهِ، وإن عَفَوْتَ فَأهْلُ العَفْوِ أَنْتَ، أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشْكُر حَسَنَتَهُ، وَاغْفِرْ سَيِّئَتَهُ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ، وَاجْمَع لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ، وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْل دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ فَاخْلَفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِين، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
وهذا الدعاء منقول عن لفظ الشَّافِعي -﵁- في "المختصر" والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يُضْجَعُ المَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ فِي اللَّحْدِ بِحَيْثُ لاَ يَنْكبُّ وَلاَ
_________________
(١) في أحسب.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٠٩، ٣٢١٠).
(٣) أخرجه البيهقي (٤/ ٥٤)، وقال: لا أعرفه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، وهو ضعيف، وقال وقد رويت هذه السنة بإسناد صحيح عن أبي إسحاق السبيعي.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٢١٣)، والترمذِي (١٠٤٦) وقال: حسن وابن ماجة (١٥٥٠) وابن حبان وذكره الهيثمي في الموارد (٧٧٢)، والحاكم (١/ ٣٦٦) وانظر التلخيص (٢/ ١٣٠).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
يَسْتَلْقِي، ويُفْضَى بِوَجْهِهِ إلَى تُرَاب أَوْ لَبَنَةٍ، ثُمَّ يُنَضَّدُ اللَّبِنُ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ، وَتُسَدُّ الفُرَجُ بِمَا يَمنَعُ التُّرَابَ، ثُمَّ يَحْثُو عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ دَنَا ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ بِالمَسَاحِي.
قال الرافعي: إذا أدخل الميّت القبر أُضجع في اللَّحد على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، كذلك فعل برسول الله -ﷺ- (١) وكذلك كان يفعله (٢)، وليكن الإضجاع بحيث لا يَنْكَب ولا يَسْتَلْقي، وذلك بأن يدني من جدار اللَّحد فيسند إليه وجهه ورجلاه، ويجعل في باقي بدنه بعض التَّجافي، فتكون هيئته قريبة من هيئة الرَّاكعين، ويسند ظهره إلى لَبَنِةِ ونحوها، فهذا يمنعه من الاسْتِلْقَاء، وذلك من الانْكِبَاب، واعلم بأن وضعه مُسْتَقبل القبلة واجب على ما حكاه الجمهور حتى لو دفن مستدبرًا أو مستلقيًا، فإنه ينبش ويوجه إلى القبلة ما لم يتغير، فإن تغير فقد قال في "التهذيب" وغيره: لا ينبش بعد ذلك.
وحكي عن القاضي أبي الطّيّب أنه قال في "المجرد": التوجيه إلى القبلة سُنَّة، فإذا ترك فيستحبُّ أن ينبش ويوجه ولا يجب، ولو ماتت ذمِّيّة (٣) في بطنها جنين مسلم ميت، فيجعل ظهرها إلى القِبْلَة توجيهًا للجنين المسلم إلى القبلة، فإن وجه الجَنين فيما ذكر إلى ظهر الأم وأين تدفن هذه؟ قيل بين مقابر المُسْلمين والكفار. وقيل: في مقابر المسلمين، وتنزل هي منزلة صندوق للولد، ويروى أن عمر -﵁- أمر بذلك (٤)، وحكي في "العدة" وجهًا آخر، أنها تدفع في مقابر المشركين.
وأما الإضجاع على اليمين فليس بواجب، بل لو وضع على الجنب الأيسر مستقبلًا كره، ولم ينبش، كذلك ذكره في "التتمة" ويجعل تحت رأس الميِّت لبنة أو حجرًا، ويفضي بخدِّه الأيْمن إليه أو إلى التراب فذلك أبلغ في الاستكانة ولا يوضع تحت رأسه مخدّة، ولا يُفْرش تحته فِرَاشٌ، حكى العراقيون كراهة ذلك عن نص
_________________
(١) قال ابن الملقن: لم أره كذلك نعم في ابن ماجة من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ أن رسول الله -ﷺ- أخذ من قبل القبلة، وأسنده القبلة (١٥٥٢) وفيه عطية العوفي ضعيف. وانظر التلخيص (٢/ ١٣٠)، وخلاصة البدر (١/ ٢٧٠).
(٢) قال ابن الملقن في المصدر السابق لم أره.
(٣) ولو عبر بالكافرة في قوله لو ماتت ذمية لكان أحسن ليشمل الحربية، وهل يحمل ذلك على ما إذا انفخ فيه الروح، فإن لم ينفخ دفن في مقابرهم جزمًا أم فرق بين الصورتين، وتعبيره بالميت يشعر بالأول وقد تلخص من كلام الإمام وغيره أنَّ وقت التخلق هو وقت نفخ الروح، ونقل عن الأصحاب أن من لم يتخلق لا يجب تكفينه ولا دفنه، ولكن الأولى أن يواري بخرقة. ينظر الروضة (١/ ٦٥١).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٥)، والبيهقي (٤/ ٥٨ - ٥٩).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
الشَّافعي -﵁-؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف، وفيه تَضْييع المال.
وقال في "التهذيب": لا بأس به، إذ روى عن ابْن عبَّاس -﵄- "أنَّهُ جَعَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَطِيفَة حَمْراء" (١).
ويكره أن يجعل في تَابُوت إلا إذا كانت الأرض رَخْوة أو نَدِيّة، ولا تنفذ الوصية به، إلاَّ في مثل هذه الحالة ثم يكون التَّابوت من رأس المال.
ثم إذا وقع الفراغ من وضع الميت نصب اللّبن علي فتح اللَّحد، روي عن سعد ابْنِ أبي وقّاص -﵁- أنه قال: "اصْنَعُوا بِي كَمَا صَنَعْتُمْ بِرَسُولِ اللهِ برسول -ﷺ- انْصُبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ وأَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ" (٢). وتسد فُرَجُ اللَّبنِ بِكَسْر اللّبن مع الطِّين أو بالإِذْخِر ونحوه، ثم يُحْثَى كل من دنا ثلاث حَثَيَات من التُّرَاب بيديه، ثم يهال بالمَسَاحِي روي أن النَّبي -ﷺ- "حَثَى عَلَى الْمَيت ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا" (٣). قال في "التَّتمة": ويستحب أن يقول مع الأولى: "منها خلقناكم" ومع الثّانية: "وفيها نعيدكم" ومع الثالثة: "ومنها نخرجكم تارة أخرى" (٤). وقوله في الكتاب: "ثم يُنْضَد اللبن" من التَّنْضيد، وهكذا ذكر إمام الحرمين، ولفظ الشافعي -﵁- وعليه الأصحاب -رحمة الله عليهم- ينصب وهما جميعًا مؤديان للغرض.
قال الغزالي: وَلاَ يُرفَعُ نَعْشُ القَبْرِ إِلاَّ بِقَدْرِ شِبْرٍ وَلاَ يُجَصَّصُ، ولاَ يُطَيَّنُ، وَلا بَأْسَ بِالحَصَا وَوَضْعِ حَجَرٍ عَلَى رَأْسِ القَبْرِ لِلْعَلاَمَةِ، ثُمَّ التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْطِيحِ مُخَالَفَةً لِشِعَارِ الرَّوَافِضِ.
قال الرافعي: المُسْتَحب أن لا يزاد في القَبْر على ترابه الذي خرج منه حتى لا يعظم شخوِصه عن الأرض، ولا يرفع نَعْشه إلا قدر شِبْر؛ لما روي عن جابر -﵁- "أنَّهُ لُحِدَ لِرَسُولِ اَللهِ -ﷺ- وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرَهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْر" (٥). وعن القاسم بن محمد قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ -﵂- فَقُلتُ يَا أُماه اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاثَةِ قُبُورِ لاَ مُشْرِفَةٍ ولا لاَطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ ببَطحَاءِ العَرْصَةِ الحَمْرَاءِ" (٦). وإنما يرفع نَعْشُ القبر ليعرف فيزاد ويحترم واستنثى في "التَّتِمَّة" ما إذا مات مسلم في بلاد الكفر. قال: لا يرفع قبره ويخفى كيلا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٦٧).
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٦).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٦) والبيهقي وضعفه (٣/ ٤١٠) وله شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- عند ابن ماجة (١٥٦٥) وفيه زيادة.
(٤) سورة طه، الآية ٥٥.
(٥) أخرجه البيهقي (٣/ ٤١٠).
(٦) أخرجه أبو داود (٣٢٢٠)، والحاكم صححه (١/ ٣٦٩).
[ ٢ / ٤٥١ ]
يتعرّض له الكُفّار إذا خرج المسلمون منها، ويكره تَخْصِيص القبر والكتابة والبناء عليه (١)، لما روي عن النبي -ﷺ- "أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَخْصِيصِ الْقَبْرِ وإنْ يُبنَى عَلَيْهِ وإنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وأنْ يُوْطَأَ" (٢). ولو بني عليه هُدِمَ كانت المقبرة مُسْبلَة، وإن كان القبر في مِلْكه فلا.
وأما قوله: "فلا يطيّن" فليس له ذكر في أكثر كتب الأصحاب، وإنما ذكره المصنف وإمام الحرمين كأنهما ألحقا التَّطْيين بالتَّجْصِيص، لكن لا يبعد الفرق بينهما، فإن التَّجصيص زينة دون التَّطيين أو الزِّينة في التَّجصيص أكثر، وذلك لا يناسب حال الميت، وقد روي أبو عيسى التّرمذي في "جامعة" عن الشافعي -﵁- أنَّه لا بأس بالتَّطيين، وروى مثله عن أحمد، ذلك أن تعلم قوله: "ولا يطين" بالواو والألف، ويستحب أن يرش الماء على القبر ويوضع عليه الحصى، روي ذلك "عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِقَبْرِ ابنِهِ إِبْرَاهِيمَ" (٣). "وَرَشَّ بِلاَلٌ -﵁- عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ-" (٤).
ويستحب أن يوضع عند رأسه صَخْرَة أو خَشَبَة ونحوها.
"وَضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- صَخْرَةَ عَلَى رَأْسِ قَبْرِ عُثْمَانُ بْنِ مَظْعُونٍ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" (٥).
وقوله في الكتاب: "ولا بأس بالحصى، ووضع الحجر" لا يقتضي إلا نفي الحُرْمة والكراهة وهما مع ذلك مستحبَّان نص عليه الأئمة كما بيناه فاعرف ذلك، ثم الأفضل في شَكْلِ القبر التَّسْطِيح أو التَّسِنْيم، ظاهر المذهب أن التسطيح أفضل. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -﵏-: التَّسْنِيم أفضل. لنا أَنَّ النَّبي -ﷺ- "سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيم" (٦). "وَعِنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ -ﷺ- وأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- رَضِيَ
_________________
(١) حاصله أن البناء على القبر مكروه مطلقًا سواء كان في مسبلة أم لا؟، وأمَّا الهدم فيفصل بين المسبلة وغيرها لكن قول المصنف، فإن كان في مسبلة هدم يقتضي أن الكراهة كراهة تحريم، وصرح به في شرح المهذب فجزم بالتحريم، وقال: قال أصحابنا: وبهدم البناء، قال في الأم: ورأيت من الولاة من يهدم ما يبنى فيها لم أر الفقهاء يعيبون عليه في ذلك، ولأن في ذلك تضييقًا على الناس، وذكر في شرح مسلم قبل كتاب الزكاة نحوه أيضًا، وجزم به أيضًا في الفتاوى، وعبارة الحاوي أن التجصيص ممنوع في ملكه وغيره. وعبارة ابن كج وسليم لا يجوز تجصيص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية به باطلة.
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٥٢) وقال: حسن صحيح والحاكم (١/ ٣٧٠)، وانظر التلخيص (٢/ ١٣٢).
(٣) أخرجه الشافعي (٥٨٥)، والبيهقي (٣/ ٤١١)، وانظر التلخيص (٢/ ١٣٣).
(٤) أخرجه البيهقي (٣/ ٤١١) من رواية جابر، وفيه إسناده الواقدي، وقد ضعف، انظر التلخيص (٢/ ١٣٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٢٠٦) من رواية كثير بن يزيد المدني، وفيه مقال.
(٦) أخرجه الشافعي (٥٨٥) وضعفه ابن الملقن. انظر الخلاصة (١/ ٢٧٣).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
اللهُ عَنْهُمَا- مُسَطّحَةً" (١).
وقال ابن أبي هريرة: إن الأفضل الآن العُدول من التَّسْطِيح إلى التَّسْنِيم؛ لِأَنَّ التَّسْطِيح صار شعارًا للروافض، فالأولى مخالفتهم، وصيانة الميت وأهله عن الاتِّهام بالبدعة، ومثله ما حكي عنه أن الجَهْر بالتَّسمية إذا صار في موضع شعارًا لهم فالمستحبّ الإسرار بها مخالفة لهم، واحتج له بما روي أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَقُومُ إِذَا بَدَتْ جَنَازَة فَأُخْبِرَ أَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُ ذلِكَ فَتَرَكَ الْقِيَامِ بَعْدَ ذلِكَ مُخَالَفَةَ لَهُمْ" (٢).
وهذا الوجه هو الذي أجاب به في الكتاب، ومال إليه الشيخ أبو محمد -﵀- وتابعه القاضي الروياني. لكن الجمهور على أن المذهب الأول.
قالوا: ولو تركنا ما ثبت في السُّنة لإطباق بعض المبتدعة عليه لجرَّنا ذلك إلى تَرْكِ سُنَنِ كثيرة وإذا اطَّرد جرينا على الشيء خرج عن أن يعد شعارًا للمبتدعة.
قال الغزالي: ثُمَّ الأَفْضَلُ لِمُشَيِّعِ الجَنَازَةِ أَنْ يَمْكُثَ إِلَى مُوَارَاةِ المَيِّتِ.
قال الرافعي: عن النَّبي -ﷺ- أنه قال: "مَن صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَرَجَعَ فَلَهُ قِيْرَاطٌ، وَمَن صَلَّى عَلَيْهِا وَلَمْ يَرجِعْ حَتَّى دُفِنَ فَلَهُ قِيْرَاطَانِ أَصْغَرُهُمَا -وَرُوِيَ أحَدُهُمَا- مِثْلُ أُحُدٍ" (٣). قال الأَصْحَاب: وللانصراف من الجَنَازَةِ أربع درجات:
إحداها: أن ينصرف عُقَيْبَ الصَّلاة فله من الأجر قيراط.
والثانية: أنْ يتبعها حتى تُوَارى ويرجع قبل إِهَالة التُّراب.
والثالثة: أنْ يقف إلى الفَرَاغ من القبر، وينصرف من غير دُعَاء.
والرابعة: أن يقف على القبر، ويستغفر الله تعالى جدُّه للميت، وهذه أقصى الدَّرَجات في الفضيلة، روي أن النَّبي -ﷺ- "كَانَ إذَا فَرَغَ منْ قَبْرِ الرَّجُل وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَال: اسْتَغْفِرُوا اَللهَ لَهُ، وَاسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى لَهُ التَّثبِيتَ فَإِنَّهُ الأَنَ يُسْأَلُ" (٤). وحيازة القِيْرَاطِ الثَّاني تحصل لصاحب الدَّرَجة الثَّالثة، وهل تحصل لصاحب الثانية؟ حكى الإمام فيه
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٧٦)، والترمذي (١٠٢٠) وابن ماجة (١٥٤٥)، وإسناده ضعيف. انظر الخلاصة لابن الملقن (١/ ٢٧٣).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، والبزار (١/ ٩٠)، والحاكم (١/ ٣٧٠)، والبيهقي (٤/ ٥٦) وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
تردُّدًا، واختار الحصول (١). إذا وقفت على ما ذكرنا عرفت أنه ليس الغرض من قوله في الكتاب: "ثم الأَفْضَلُ لمشيع الجنازة " إلخ أنه الأفضل على الإطلاق بل فوقه ما هو أفضل منه، وإنما المراد أنه أفضل من الانْصِرَاف عُقَيْبَ الصلاة.
ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن، فيقال: يا عبد الله ابن أَمَةِ الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن السَّاعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسْلاَم دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبةِ قِبْلَةً، وبالمؤمنين إخوانًا، ورد الخبرَ به عن النَّبِيِّ -ﷺ- (٢).
قال الغزالي: فَرْعَانِ، الأَوَّلُ: لاَ يُدْفَنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مَيِّتَان إلاَّ لِحَاجَة، ثُمَّ يُقَدَّمُ الأَفْضَلُ إلَى جِدَارِ اللَّحْدِ، وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلاَّ لِشِدَّةِ الحَاجَةِ، ثُمَّ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ.
قال الرافعي: المستحبُّ في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعل النّبي -ﷺ- وأمر به، فإن أكثر الموتى بقتل وغيره، وعسر إفراد كل ميت بقبر دفن الاثْنَان والثَّلاثة في قبر واحد (٣)، لما روي "أَنَّهُ -ﷺ- قَالَ لِلأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ احْفُرُوا وَأَوْسِعُوا
_________________
(١) قال النووي: وحكى صاحب "الحاوي" في هذا التردد وجهين، وقال: أصحهما: لا تحصل إلاَّ بالفراغ ودقته، وهذا هو المختار، ويحتج له برواية البخاري "حتى يفرغ من دفنها" ويحتج للآخر برواية مسلم في "صحيحه": "حتى توضع في اللحد" - والله أعلم-.
(٢) قال النووي: هذا التلقين استحبه جماعات من أصحابنا، منهم: القاضي حسين، وصاحب "التتمة" والشيخ نصر المقدسي في كتابه "التهذيب" وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقًا. والحديث الوارد فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة، كحديث "اسألوا الله له التثبيت" ووصية عمرو بن العاص "أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى استأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي" رواه مسلم في "صحيحة" ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول، وفي زمن من يقتدى به. قال أصحابنا: ويقعد الملقن عند رأس القبر، وأما الطفل ونحوه، فلا يلقن -والله أعلم- ينظر الروضة (١/ ٦٥٥).
(٣) قيل في هذا الكلام إجمال، ومن المهم أن هذا هل هو للتحريم أو الكراهة؟ قال الشيخ الإمام السبكي: والذي تحرر أن لها ثلاثة حالات: إحداها: دفن اثنين من نوعٍ كرجلين أو امرأتين ابتداء فيجوز لكن يكره، لأنه إنما فعل يوم أحُدُ للحاجة، وممن صَرَّح بالكراهة المارودي في الإقناع وعبارة الشافعي وكثير من الأصحاب لا يستحب، وعن السرخس لا يجوز وتبعه النووي، والأصح ما قلناه من الاقتصار على الكراهة أو نفي الاستحباب، فإن حصلت حاجة زالت الكراهة كما فعله النبي -ﷺ- في قتلى أحد. ينظر الروضة (١/ ٦٥٥).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وَعَمِّقُوا، وَاجْعَلُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، وَقَدِّمُوا أكْثَرَهُمْ قُرْآنًا" (١).
وليقدم الأفضل إلى جدار اللَّحد مما يَلِي الِقْبلة، ويقدم الأب على الابن، وإن كان الابن أَفْضَل لحرمة الأبوَّة، وكذلك تقدم الأمّ على البنت، ولا يجمع بين الرِّجال والنِّساء، إلا عند شدة الحاجة، وانْتِهَائِهَا إلى الضَّرُورَةِ، ويجعل بينهما حاجز من التراب، ويقدم الرَّجل وإن كان ابْنًا، والمرأة أمه، فإن اجتمع رجل وامرأة وخُنْثَى وصبي قدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، والسابق إلى الفهم من لفظ الكتاب وإشارة جمع من الأصحاب أنه لا حاجة إلى الحاجز بين الرجلين وبين المرأتين، وإنما الحَاجِزُ عند اختلاف النوع، وذكر العراقيون أنه يجعل بين الرجلين حاجز أيضًا، وكذا بين المرأتين والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّاني: القبْرُ يُحْتَرَمُ فَيُصَانُ عَنِ الجُلُوسِ وَالمَشْيِ وَالاْتِّكَاءِ عَلَيْهِ، بَلْ يَقْرُبُ الإِنْسَانُ مِنْهُ كَمَا يَقْرُب مِنْهُ فِي زِيَارَتهِ لَوْ كَانَ حَيَّا، وَلاَ يُنْبَشُ القَبْرُ إِلاَّ إِذَا انْمَحَقَ أَثَرِّ المَيِّتِ بِطُولِ الزَّمَانِ، أَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ فِي أَرْض مَغْصُوبَةٍ، أوْ فِي كَفَنٍ مَغْصُوبٍ (و)، وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ التَّكْفِينِ لَمْ يُنْبَشْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَاكْتُفِيَ بالتُّرَابِ سَاتِرًَا، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى جَنَازَة مَرَّتَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَحْضُرَ الوَلِيُّ وَقَدْ صَلَّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيُصَلَّى، وَلاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلًا، فَإِنْ دُفِنَت ذِمِّيَّةٌ حَامِل بِمُسْلِم دُفِنَتْ بَيْنَ مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ والكُفَّارِ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى المَقْبَرَةِ، فَإِنْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً لِغيْرِهِ وَمَاتَ شُقَّ جَوْفُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وِإنْ كَانَتْ لَهُ فَوَجْهَانِ أَيْضًا.
قال الرافعي: أصل الفرع أن القبر محترم توقيرًا للميت، ويبنى عليه مسائل:
إحداها: أنه يكره الجلوس عليه والاتِّكَاء وكذلك وطؤه إلا لحاجة، بأنْ لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطْئِهِ. وعن مالك: أنه لا يُكْرَهُ شيء من ذلك.
لنا ما روي أنَّ النَّبِيّ -ﷺ- قال: "لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقُ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ" (٢).
الثانية: يستحب زيارة القُبُور للرِّجال؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (٣). وَأَمَّا النِّسَاء فهل يكره لهن الزيارة؟ فيه وجهان:
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٩٧٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٤٦)، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم.
(٢) أخرجه مسلم (٩٧١).
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٧)، والترمذي (١٠٥٤) واللفظ له.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
أحدهما: ولم يذكر الأكثرون سواه نعم لقلّة صبرهن وكثرة جَزَعهن. وقد روي أنه -ﷺ- "لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" (١).
والثاني: لا. قال الرُّوياني في "البحر": وهذا أصح عندي إذا أَمِنَ الافْتِتَان.
والسُّنَّة أن يقول الزَّائر: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم (٢).
وينبغي أَنْ يَدنو الزَّائر مِنَ القَبْرِ المَزُور بقدر ما يدنو من صاحبه لو كان حيًّا وزاره، وسئل القَاضِي أبِي الطَّيب عن ختم القُرْآن في المَقَابِر، فقال: الثَّواب للقارئ ويكون الميِّت كالحَاضِرِين يرجى له الرحمة والبركة فيستحبُّ قراءة القرآن في المَقَابر لهذا المعنى، وأيضًا فالدُّعَاء عقيب القراءة أقرب إلى الإجابة والدعاء ينف الميت.
الثالثة: لا يجوز نَبْش القبر إلا في مواضع:
منها: أن يبلى الميت ويصير ترابًا، فيجوز نبشه ودفن غيره فيه، ويرجع في ذلك إلى أهل الخِبْرة، ويختلف باختلاف أهوية البلاد وأرضها، وإذا بَلِيَ الميت لم يجز عمارة القبر وتسوية التُّراب عليه في المقابر المُسْبَلة، لئلا يتصور بصور القبور الجديد فيدفن فيه من شاء ميته. ومنها: أن يدفن إلى غير القِبْلَة وقد سبق.
ومنها: أن يدفن من يجب غسله من غير غسل، فظاهر المَذْهَب وهو المذكور في الكِتَاب أنه يجب النَّبش، تداركًا لواجب الغسل، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه لاَ يجب ذلك بل يكره لما فيه من هَتْك الميت، وعلى الأول متى يخرج للغسل؟ فيه وجهان مذكوران في "العدة":
أظهرهما: وهو المذكور في "النهاية" و"التهذيب" ما لم يتغير الميِّت.
والثاني: ما دام يبقى جزء منه من عَظْم وغيره.
وعند أبي حنيفة ولو أهيل عليه التراب لم ينبش إلا نبش للغسل، فلذلك أعلم قوله: "أو دفن من غير غسل" بالحاء مع الواو.
ومنها: لو دفن في أرض مَغْصُوبة فالأولى لصاحبها أن يتركه، فإن أبى وطلب
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٧)، والترمذي (١٠٥٦) وقال: حسن صحيح، وابن حبان: ذكره الهيثمي في الموارد من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس، وأبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) والنسائي (٤/ ٩٤)، وابن ماجة (١٥٧٥) والهيثمي في الموارد (٧٨٨)، والحاكم (١/ ٣٧٤).
(٢) أخرج بعضه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة (٩٧٤) من حديث عائشة (٩٧٥) من حديث بريدة، ورواه بكماله ابن السني (٩٥١).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
إخراجه كان له ذلك، قال في "النهاية": وأشار الأئمة إلى أنه يخرج وإن تغير وكان في إِخْرَاجه هتك حرمته؛ لأن حرمة الحَيِّ أَوْلَى بالمُرَاعَاة، وَبجُوزُ أن يظن ظَانّ تركه فإنه سيبلى عن قريب، وقد تنزل حرمة الميت منزلة الحي فيما هذا سبيله. ومنها: لو كفن في ثوب مغصوب أو مسروق ودفن فهل ينبش؟ أورد فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما ينبش لرد الأرض المَغْصوبة.
والثاني: -وهو الذي ذكره صاحب "الشَّامل"- لا يجوز نبشه؛ لأنه مشرف على الهلاك بالتَّكفين بخلاف الأرض فيعطى حق الهالك، وينقل حكم المالك إلى القيمة، ولأن هتك الحُرْمَة في نزع الكَفَنِ أكثر. والثَّالث: أن تغير الميت وكان في النَّبش ورد الثّوب هتكه لم ينبش، وإلاَّ نبش ورد. ومنها: لو دفن في ثوب حرير هل ينبش؟ فيه هذا الخلاف. ولو دفن من غير كَفَنٍ فهل ينبش ليكفن؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو دفن من غير غسل، فإن كل واحد منهما واجب.
وأظهرهما: لا؛ فإن المقصود من التَّكفين ستره واحترامه، وقد ستره التّراب فالاكتفاء به أولى من هتك حرمته بالنبش. ومنها: لو وقع في القَبْر خاتم أو متاع آخر ينبش ويرد. ولو ابتلع في حياته مالًا ثم مات، وطلب صاحبه الرد شقّ جوفه ورد. قال في "العدة": إلا أن يضمن الوَرَثَةُ مثله أو قيمته فلا يخرج ولا يُرَدُّ في أَصَحِّ الوجهين. وفيه وجه آخر وهو اخْتِيَار القَاضِي أبي الطَّيب: أنه لا يخرج أصلًا، ويجب الغرم من تركته على الورثة. ولو ابتلع شيئًا من مال نفسه، ومات فهل يخرج؟ فيه وجهان؛ لأنه كالمُسْتهلك لمال نفسه بالابتلاع. قال أبو العباس الجرجاني في "الشافي": والأصح الإخراج أيضًا. إذا عرفت ذلك فحيث يشقّ جوفه ويخرج فلو دفن قبل الشَّقِّ ينبش لذلك أيضًا. وإذ، تأملت ما ذكرناه عرفت أن قوله: "لا ينبش القبر إلا إذا انمحق " إلى آخره، وإن كان ظاهره يقتضي حصر الاسْتِثْنَاء في الصُّورَةِ المذكورة لكنه ليس كذلك.
فرع: لو مات إِنْسَان في السَّفينة فإن كان أهلها بقرب السَّاحل، أو بقرب جزيرة انتظروا به ليدفنوه في البر وإلا شدوه بين لوحين لئلا ينتفخ وألقوه في البحر، ليلقيه البحر بالسّاحل فلعله يقع إلى قوم يدفنونه، فإن كان أهل الساحل كفارًا ثقل بشيء ليرسب (١).
_________________
(١) قال النووي: العجب من الإمام الرافعي مع جلالته، كيف حكى هذه المسألة على هذا الوجه، وكأنه قلد فيه صاحبي "المهذب" و"المستظهري" في قولهما: إن كان أهل الساحل كفارًا، نقل ليرسب، وهذا خلاف نص الشافعي، وإنما هو مذهب المزني، لأن الشافعي -﵀- قال: يلقى بين لوحين ليقذفه في البحر. قال المزني: هذا الذي قاله الشافعي، إذا كان أهل =
[ ٢ / ٤٥٧ ]