قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي أَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ: الأَوَّلُ، فِيمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ كُلُّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ لَيْسَ بِشَهِيدٍ، احْتَرَزْنَا بِالمَيِّتِ عَنْ عُضْوٍ آدمِيٍّ فَإنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا عُلِمَ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ فَيُصَلَّى عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ غائِبًا، وُيغَسَّلُ العُضْوُ وَيُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ.
قال الرافعي: حصر حجة الإسلام -﵀- عليه بقية الكلام في صلاة الميت في أربعة أطراف للحاجة إلى النّظر فيمن يصلى عليه، ومن لا يصلى عليه، وفي أركان هذه الصَّلاة وشرائطها.
الأول: فيمن صلى عليه، ويعتبر فيه ثلاثة قيود. أن يكون ميتًا، مسلمًا، غير شهيد. فأما قيد المسلم فيتعلق به مسألتان يشتمل الفصل على إحداهما، وهي ما إذا وجدنا بعض مسلم دون باقيه مثل إن أكله السبع، فلا يخلو إما أن يكون قد يعلم موت صاحبه أو لا يعلم، فإن لم يعلم فلا يصلى عليه، وإن علم. موته صلى عليه قل الموجود أم كثر، وبه قال أحمد خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: "لا يصلى عليه إلا أن يكون أكثر من النِّصف" ويروى عن مالك مثله.
لنا أن الصَّحابة -﵃- صَلُّوا عَلَى يَدِ عبد الرحمن بن عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ -﵁- أْلْقَاهَا طَائِرٌ بِمَكَّةِ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ وعَرَفُوا أَنَّهَا يَدُهُ بِخَاتَمِهِ" (١).
وهذا في غير الشعر والظفر ونحوها، وفي هذه الأجزاء وجهان:
أقربهما: إلى إطلاق الأكثرين أنها كغيرهما، نعم قال في "العدة": إن لم يوجد إلاَّ شعرة واحدة فلا يصلى عليها. في ظاهر المذهب، إذ لا حرمة لها ومتى شرعت الصلاة، فلا بد من الغسل والمُوَارَاة بخرقة (٢).
وأما الدَّفن فلا يختص [بما إذا علم] (٣) بموت صاحب العضو، بل ما ينفصل من الحَيِّ من ظفر وشعر وغيرهما يستحب لهم دفنها، وكذلك يُوَارِى دم الفَصْد وَالحجَامَة
_________________
(١) أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب، ورواه الشافعي بلاغًا، انظر خلاصة البدر (١/ ٢٧٩) والتلخيص (٢/ ١٤٤).
(٢) ومحله فيما إذا كان الموجود في العورة فإن كان في غيره لم يجب ستره على ما تقدم في أصل الكفن. واستدل للصلاة على العضو بأن الصحابة صلوا على يد عبد الرحمن بن عوف ألقاها طائر بمكة لما مات بوقعة الجمل فعرفوها بخاتمه. وقال في القوت عن قولهما الأقرب إلى كلام الأكثرين فيه نظر. فإن الجمهور عبروا بالعضو في إطلاقهم على الشعر وقول شرح المهذب غريب المذهب أنه لا يصلي.
(٣) سقط من ط.
[ ٢ / ٤١٨ ]
والعَلَقَة والمُضْغَة تلفيهما المرأة، وإذا وجد بعض ميت أو كله ولم يعلم أنه مسلم، فإن كان في دار الإسلام صلى عليه، لأن الغالب في الإسلام المسلمون.
وقوله: "إلا إذا علم موت صاحبه" يبين أنه لا صلاة فيما إذا علم حياة صاحبه، وفيما إذا لم يعلم موته ولا حياته، فإن كل واحدة من الحالتين تبقى في المستثنى منه.
وقوله: "فيصلى على صاحبه" معلم بالحاء والميم، وفيه إشارة إلى أن الصَّلاة ليست على نفس العضو وإنما هي على الميت ولا ينوي إلا الصلاة على جملته، وقد صرح بهذا القَاضِي الروياني وغيره، وكلام من قال: يصلي على العضو محمول عليه، فإن قلت: هذا حسن لكنه استثنى الحالة التي حكبم فيها بأنه يصلِّي على صاحبه من قوله: "فإنه لا يصلى عليه"، وفي هذه الحالة لا يصلِّي على العضو أيضًا فكيف ينتظم الاستثناء. فالجواب: أن قوله: لا يصلِّي عليه أي على صاحبه، كما أن قول من قال: يصلِّي على العضو محمول عليه، وحينئذ ينتظم الاستثناء.
وقوله: "وإن كان غائبًا" يشير إلى أن غَيْبة باقي الشَّخص لا تضر، فإنا نجوّز الصَّلاة على الغالب كله، فعلى الغائب بعضه أولى، ولذلك قال إمام الحرمين: حقيقة الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة -﵀- في العضو يستند إلى أن الصَّلاة على الغائب صحيحة -وهو لا يراها- ويربط الصلاة بما شهد وحضر.
قال الغزالي: وَكَذَا السَّقْطُ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ التَّخْطِيطُ لاَ يُغَسَّلُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ التَّخْطِيطُ فَفِي الغُسْلِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ غُسِّلَ فَفِي الصَّلاَةِ قَوْلاَنِ مَنْشُؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي الحَيَاةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُوَارَى بِخِرْقَةِ وَيُدْفَنُ، فإنِ اخْتَلَجَ بَعْدَ الانْفِصَالِ فَالصَّلاةُ عَلَيْهِ أَوْلَى (ح م)، فَإِنْ صَرَخَ وَاسْتَهَلَّ فَهُوَ كَالكَبِيرِ.
قال الرافعي: المسألة الثانية في السّقْط وله حالتان (١):
إحداهما: أن يستهلّ أو يبكي، فهو والكبير سواء؛ لأنا تيقَّنا حياته وموته بعد الحياة، وقد روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا اسْتَهَلَّ السَّقْطُ صُلِّيَ عَلَيْهِ" (٢).
والثَّانِية: أن لا يتيَّقن حياته باستهلال وغيره، فإما أن يُعَرَّى عن أمارات الحياة
_________________
(١) وقد نظمها بعض أهل العلم فقال: والسقط كالكبير في الوفاه إن ظهرت أمارة الحياه أو خفيت وخلفه قد ظهرا فامنع صلاة وسراها اعتبرا أو اختفى أيضًا ففيه لم يجب شيء وستر ثم دفن قد ندب
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٣٢) وابن ماجة (١٥٠٨) وانظر التلخيص (٢/ ١١٣ - ١١٤).
[ ٢ / ٤١٩ ]
كالاخْتِلاجَ ونحوه أو يوجد شيء من ذلك، فإن عرى فينظر هل بلغ حدًا يمكن نفخ الروح فيه؟ وهو أربعة أشهر فصاعدًا أم لا؟ فإن لم يبلغه فلا يصلى عليه، وهل يغسل؟ فيه طريقان:
أصحهما: لا، كما لا يصلى عليه، فإن حكم كل واحد منهما حكم من عرض له الموت، وعروض الموت يستدعى سبق الحياة.
والثاني: فيه قولان وسنذكر الفرق بين الغسل والصَّلاة، وإن بلغ أْربعة أشهر فصاعدًا فهل يصلى عليه؟ فيه قولان:
أحدهما -وينسب إل القديم - نعم إذا ورد في الخبر: "أنَّ الْوَلَدَ إِذَا بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" (١)، ويحكى عن "الأمِّ" والبُويطِيِّ: أنه لا يصلى عليه ويوجه بالخبر الذي سبق، فإن ظاهره يقتضي اشتراط الاستهلال.
وأيضًا بأنه لا يرث ولا يورث، فلا تجب الصلاة عليه كما لو سقط لدون أربعة أشهر. وفي الغسل طريقان:
أظهرهما: القطع بأنه يغسل.
والثاني: فيه قولان.
والفرق أن الغسل أوسع بابًا من الصلاة، أَلاَ ترى أن الذِّميَّ لا يصلى عليه ويغسل، وأما إذا اخْتَلَجَ بعد الانفصال وتحرك ففي الصلاة عليه قولان:
أحدهما: لا يصلى عليه، وبه قال مالك لعدم تيقُّن الحياة بخلاف الاسْتِهْلاَل.
وأظهرهما: أنه يصلِّي عليه لظهور احْتمال الحياة بسبب الأَمارة الدَّالَّة عليها، ومنهم من قطع بأنه يصلى عليه، وفي الغسل هذان الطريقان لكن القَطْع في الغسل أظهر منه في الصلاة. ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب. أما قوله: "السَّقط الذي لم يظهر فيه التَّخْطيط". وقوله: "ظهر فيه التخطيط" فيعلم أن المراد منه ظهور خلقة الآدمي، وهذه العبارة حكاها إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي، وعبارة الجمهور التي قدمناها، وهي: أن ينظر هل بلغ حد نفخ الروح أم لا؟
قال الإمام: ويمكن أن يقال: الاختلاف في مَعْض العبارة، ومهما بدأ التَّخليق فقد دخل أوان نفخ الروح، وإن لم يَبْدُ لم يدخل، وقد يظن تخلَّل زمان بين أوائل التَّخْليق وبين جريان الروح فإن كان هكذا اختلف الطريقان -والله أعلم-. وقوله: "وإن ظهر التخطيط" أي: ولم يختلج ولا تحرك. أما: إذا اخْتَلَجَ فقد ذكره من بعد. قوله: "وإن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨، ٣٣٣٢) (٦٥٩٤، ٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
غسل ففي الصَّلاة قولان" ترتيب الصَّلاة على الغسل إن قلنا: لا يغسل فلا يصلّى عليه، وإن قلنا: يغسل ففي الصلاة قولان: وإذا جمعنا بينهما قلنا: فيه ثلاثة أقوال:
ثالثها: الفرق بين الغسل والصَّلاة.
وقوله: منشأهما التردد في الحياة، أي: في منشأ القَوْلين فيهما جميعًا، لا في الصَّلاة وحدها، وإن كان مذكورًا بعد ذكر قولين الصلاة.
وقوله: "وعلى كل حال يوارى بخرقة ويدفن"، المواراة قد تكون على هَيْئَة التكفين على ما سبق بيانها، وقد تكون على غير تلك الهيئة، فما لم يظهر فيه خلقة الآدمي، يكفي فيه المُوَاراة كيف كانت وبعد ظهور خلقة الآدمي حكم التَّكْفِين حكم الغسل. وقوله: "عند الاخْتِلاج فالصلاة عليه أولى" أي: من الصَّلاة عند عدم الاخْتِلاجَ، وهو جواب على طريقة طَرْدِ القولين والحالة هذه، وقد حكينا فيها قطع قاطعين بأنه يصلى عليه، فإنه يجوز أن يعلّم قوله: "فالصلاة عليه أولى" بالواو وإشارة إليه.
قوله: فإن صرخ واستهل هو الحالة الأولى في ترتيب الشَّرح.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزْنَا بِالمُسْلِمِ عَنِ الكَافِرِ فَإنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا لَكِنَّ تكْفِينَ الذِّمِّيِّ وَدَفْنَهُ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ. وَقِيلَ: لاَ ذِمَّةَ بَعْدَ المَوْتِ فَهُوَ كَالحَرْبِيِّ، وَلَوْ اخْتَلَطَ مَوْتى المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَسَّلْنَا جَمِيعَهُمْ وَكَفَّنَّاهُم تَفَصِّيًا عَنِ الوَاجِبِ، ثُمَّ عِنْدَ الصَّلاَةِ يُمَيَّزُ المُسْلِمُونَ بِالنِّيَّةِ.
قال الرافعي: القيد الثاني كونه مسلمًا، فلا تجوز الصَّلاة على الكافر حربيًا كان أو ذميًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (١).
ولا يجب على المسلمينِ غسله أيضًا، ذميًا كان أو حربيًا لكن يجوز خلافًا لمالك -﵀-. لنا: أنَّ النَّبِيَّ "أَمَرَ عَلِيًّا -﵁- بغَسْلِ أَبِيهِ أَبِي طَالِب" (٢) وأقاربه الكُفَّار أَوْلَى بغسله من المُسْلمين، وأما التَّكفين والدَّفْن فَينظر إن كان الكافر ذميًّا، ففي وجوبهما على المُسْلمين وجهان:
أظهرهما: يجب وفاء لذمته، كما يجب أن يطعم ويكسى في حياته.
والثاني: لا يجب فإنا لم نلتزم إلا الذَّبَّ عنه في حياته والذمة قد انتهت بالموت
_________________
(١) سورة التوبة، الآية ١٠٣.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٩٧، ١٣١) وأبو داود (٣٢١٤)، والنسائي (٤/ ٧٩ - ٨٠).
[ ٢ / ٤٢١ ]
وإن كان حربيًا ففي الكتاب إشعار بأنه لا يجب تكفينه ولا دفنه بلا خلاف؛ لأنه ألحق الذِّمي به في الوجه الثاني، لكن صاحب "التهذيب" فرق بين الأمرين، فقال: لا يجب تكفينه؛ لأن النّبي "أَمَرَ بِإلْقَاءِ قَتْلَى بَدْرِ فِي الْقَلِيبِ عَلَى هَيْئَاتِهِمْ" (١). وفي وجوب موارته وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن النَّبِي أمر بها في قَتْلَى بدر (٢).
والثاني: لا يجب بل يجوز إغْراء الكلاب عليه فإن فعل فذاك، لئلا يتأذَّى الناس برائحته وكذلك حكم المرتد. إذا عرفت ذلك فلو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ولم يتميزوا بأن انهدم عليهم سقف مثلًا وجب غسل جميعهم والصلاة عليهم. وبه قال مالك وأحمد ثم إن صلّى عليهم دفعه جاز، ويقصد المسلمين منهم بنيته، وإن صلّى عليهم واحدًا واحدًا جاز أيضًا وينوي الصلاة عليه إن كان مسلمًا، ويقول: "اللهم اغفر له إن كان مسلمًا"، وعند أبي حنيفة -﵀- لا يصلّى عليهم إلاَّ أن يكون المسلمون أكثر. لنا أن الصَّلاة على المسلمين واجبة بالنُّصوص ولا سبيل إلى إقامة الواجب هاهنا إلا بهذا الطريق.
قال الغزالي: وأَمَّا الشَّهِيدُ فلاَ يُغَسَّلُ (ح) وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، والشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ بِسَببِ القِتَالِ مَعَ الكُفَّار فِي وَقْتِ قِيَامِ القِتَالِ فَإِنْ كانَ فِي قِتَالِ أَهْلِ البَغْي أَوْ مَات حَتْفَ أَنْفِهِ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ أَوْ قَتَلَهُ الحَرْبيُّ اغْتِيَالًا مِنْ غيْرِ قِتَالٍ أو جرحٍ فِي القِتَالِ وَمَاتَ بَعْدَ انْفِصَالِ القِتَالِ وَكَانَ بحَيْثُ يُقْطَع بِمَوْتهِ فَفِي الكُلِّ قَوْلاَنِ مَنْشَؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ هَلْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ أَمْ لاَ؟ أَمَّا القَتِيلُ ظُلْمًا مِنْ مُسْلِم أَوْ ذِمِّيِّ أَوْ بَاغ أَوِ المَبْطُونُ أَو الغَرِيبُ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
قال الرافعي: القيد الثَّالث لمن يصلى عليه ألا يكون شهيدًا، فالشهيد لا يصلى عليه ولا يغسل أيضًا، وبه قال مالك خلافًا لأبي حنيفة في الصّلاة، وبه قال أحمد في رواية واختاره المزني. لنا أن جابرًا وأنسًا -﵄- رويا: أن النّبي "لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلهُمْ" (٣). ولا فرق بين الرَّجُل والمرأة والحُرِّ والعبد والبالغ والصبي. وعند أبي حنيفة الصبي كسائر الموتي يغسل، ثم ما المعنى بقولنا: "لا يغسل ولا يصلى عليه"، يعني به: أنهما لا يجبان، أو يحرمان. وأما الصلاة ففي "النهاية" و"التهذيب" ذكر وجهين في جوازها:
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أنس (٢٨٧٤).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١١٥) أخرجه الحاكم من حديث يعلى بن مرة.
(٣) أخرجه البخاري (٤٠٧٩).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
أظهرهما: أنها غير جائزة، ولو جازت لوجب كالصلاة على سائر الموتى.
والثاني: أنها جائزة، وإنما تترك رُخْصَة لمكان. الاشْتِغال بالحرب، وهذا ما صححه الشيخ أبو محمد فيما علق عليه، وأما الغسل فقد أطلق في "التّهذيب" المنع منه، وذكر الإمام: أنه لا سبيل إليه، وإن جوزنا الصلاة إذا أدى غسله إلى إزالة دم الشَّهادة، فإن لم يكن عليه دم ففي غسله تردد، كما في الصلاة إذا تكرر ذلك فلا بد من معرفة الشهيد. واعلم: أن اسم الشهيد قد يخصّ في الفقه بمن لا يغسل ولا يصلى عليه، وعلى هذًا فقوله: "والشّهيد من مات بسبب القتال " إلى آخره، مجرى على ظاهره، وقد يسمى كل مقتول ظلمًا شهيدًا، وهو أظهر ألا ترى أن الشّافعي -﵁- يقول في "المختصر": و"الشُّهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام " إلى أن قال: "كغيرهم من الموتى" أثبت اسم الشهداة مع الحكم بأنهم كسائر الموتى، وعلى هذا فقوله في الكتاب: "والشهيد من مات" أي: والشَّهيد الذي ذكرنا أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وعلى هذا الاصطلاح نقول: الشهداء نوعان:
أحدهما: الدين لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وضبط في الكتاب فقال: "والشَّهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال" وقد اشتمل على ثلاثة معان:
الموت بسبب القتال، وكونه قتال الكفار، وكون الموت في قيام القتال ويدخل فيه ما إذا قتله مشرك، وما إذا أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سهمه، أو تردى في حملته في وَهْدَة، أو سقط على فرسه، أو رَفَسَتْه دابَّة فمات، وما إذا انكشف الحَرْبُ عن قتيل من المسلمين سواء كان عليه أثر أم لا؛ لأن الظاهر موته بسبب من أسباب القتال، ويحتمل أنه مات لِسَقْطَة وغيرها، فلم يظهر عليه أثر. وعند أبي حنيفة وأحمد: إن لم يكن عليه أثر غُسل وصلى عليه، ومهما فقد أحد المعاني التي يتركب عنها الضابط، ففي ثبوت حكم الشهادة خلاف، ويتبين ذلك بمسائل:
إحداها: المقتول من أهل العَدْلِ في مُعْتَرك أهل البغي، هل يغسل ويصلى عليه؟ فيه قولان:
إحداهما: لا، وبه قال أبو حنيفة في الغسل كالمقتول في معترك الكفار، ويروى أن عليًّا -﵁- "لَمْ يُغَسِّلْ مَنْ قُتِل مَعَهُ (١)، وَأَوْصَى عَمَّارٌ -﵁- بأَنْ لاَ يُغَسَّلَ (٢).
_________________
(١) قال ابن عبد البر جاء من طرق صحاح أن زيد بن صوحان قال: لا تنزعوا عني ثوبًا ولا تغسلوا عني دمًا وادفنوني في ثيابي، وقتل يوم الحمل. انظر التلخيص (٢/ ١٤٤).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ١٧)، وصححه ابن السكن.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
والثَّاني: وبه قال مالك: نعم؛ لأنه قتيل مسلم، فأشبه ما لو قتله في غير القتال.
واحتج لهذا القول بأن أسماء "غَسَّلَتِ ابْنَهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ -﵃- وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا مُنْكِرٌ" (١). وعن أحمد روايتان كالقولين، وذكر قول منهم صاحب "العدة": أن القول الأول أصح، لكن الجمهور على ترجيح الثاني، والقولان منصوصان في "المختصر"، في كتابًا "قتال أهل البغي"، ولا خلاف عندنا في أن البَاغِي إذا قتله العادل يغسل، ويصلّى عليه. وقال أبو حنيفة: "لا يصلى عليه عقوبة له"، ومن قتله القُطَّاع من الرّفقة فيه طريقان:
أحدهما: أن حكمه على القولين في العَادِل إذا قتله أهل البغي.
والثاني: أنه ليس بشهيد جزمًا.
والفرق: أَنَّ قتالهم مع أهل العَدْل على تأويل الدين بخلاف القطّاع.
الثانية: لو مات في مُعْتَرك الكفار لا بسبب من أسباب القتال ولكن مفاجأة أو لمرض، فقد حكى الإمام عن شيخه فيه وجهين:
أصحهما: أنه ليس بشهيد، ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه.
ووجهه أن الأصل وجوب الغُسْل والصلاة، وخالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتال تعظيمًا لأمره، وحثًّا للناس عليه.
الثالثة: لو دخل الحَرْبِيُّ بلاد الإسلام فقتل مسلمًا اغتيالًا من غير قتال، فقد ذكر الإمام أن الشيخ أبا علي حكى فيه وجهين، والأصح المشهور: أنه لا يثبت له حكم الشهادة.
الرابعة: لو جرح في القتال ومات بعد انقضائه ففي ثبوت حكم الشهادة قولان:
أحدهما: يثبت؛ لأنه مات بجرد وجد فيه، فأشبه ما لو مات قبل انقضائه.
وأظهرهما: وبه قال أحمد، فيما رواه صاحب "الشامل": وغيره. أنه لا يثبت لأنه عاش بعد انقضاء الحرب، كما لو مات بسبب آخر، ولا فرق على القولين بين أن يطعم أو يتكلم أو صلى وبين أن لا يفعل شيئًا من ذلك، ولا بين أن يمتدَّ الزمان أو لا يمتد، وقال مالك: إن امتدّ الوقت أو أكل غسل وصلى عليه، وإلاَّ فلا.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم أو تكلم أو صلّى فهو كسائر الموتى، وللقولين شرطان:
_________________
(١) البيهقي من حديث أبوب عن أبى مليكة. انظر التلخيص (٢/ ١٤٤، ١٤٥).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
أحدهما: قد تعرّض له في الكتاب أن يقطع بموت من تلك الجراحة فأما إذا توقع بقاؤه فمات بعد انقضاء القتال فليس بشهيد بلا خلاف.
والثاني: أن تبقّى فيه حْيَاة مستقرّة، ثم يموت بعد إنقضاء القتال، فأما إذا انقضى القتال وليس به إلا حركة المَذْبُوح، فهو شهيد بلا خلاف، وهذه المسائل الأربع بأسرها مذكورة في الكِتَاب، وقد تبيَّن بما ذكرناه أن الأظهر فيها جميعًا انتفاء الشَّهادة واعتبار المَعاني الثلاثة في الضابط. وأعلم قوله "في وقت قيام القتال" بالحاء والميم؛ لأنهما لا يعتبران قيام القتال، وإنما مذهبهما ما قدمناه.
وقوله: "ففي الكل قولان" فيه إثبات قولين في الصور الأربع، انهما مشهوران في الأولى والرابعة، وأما الثّانية والثّالثة فلم تر للمعظم فيهما حكاية القولين، وإنما ذكر من الخلاف وجهين ويجوز أن يعلم قوله: "قولان" بالواو؛ لأن في "النهاية" حكاية طريقة في الصورة الرابعة مفصلة، وهي أنه إن مات قريبًا ففيه قولان، وإن بقي أيامًا ثم مات فليس بشهيد قطعًا، والذي في الكتاب إثبات قولين على الإطلاق.
وقوله: "منشأهما التردد في أن هذه الأوصاف هل هي مؤثرة أم لا" يعني الأوصاف الثلاثة المذكورة في الضابط هل هي مؤثرة في موضع الإثبات أم لا؟ وليس في هذا القدر من التَّوجيه كثير فائدة، فإن الفقيه لا يشك في أنّا إذا أبطلنا حكمًا بأمور، واختلفنا في بقاء ذلك الحُكْم مع ذوات بعض الأمور فقد اختلفا في تأثيره، وإنما المهمُّ النَّظر في أنه لم يعتبر أو يلغى.
النوع الثاني من الشهداء: العارون عن الأوصاف المذكورة جميعًا، فهم كسائر الموتى يغسلون ويصلى عليهم، وإن ورد لفظ الشهادة فيهم، كالمَبْطُون والغَرِيب والغَرِيق والميت عشقًا والميتة طلقًا، وكذا الذي قتله ظلمًا مسلم أو آدمي أو باغ في غير القتال حكمه حكم سائر الموتى.
وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: كل من قتل ظلمًا قتلًا يوجب القصاص فهو شهيد، وإنْ وجب به المال فلا يخرج من ذلك أن المقتول بالمُثقّلِ ليس بشهيد فيما نحن فيه، ولم يعتبر في القِتَال ذلك، بل أثبت حكم الشّهادة سواء قتل بالمُثَقّلِ أو بالمُحَدَّد. وقال أحمد في رواية: كل مقتول ظلمًا فهو شهيد. لنا أن عمر بن الخطاب -﵁- غسل، وصلي عليه (١)، وكذلك
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ والشافعي عنه ورواه البيهقى، ورواه الحاكم من طريق معاوية بن عمر وعن زائدة عن ليث عن نافع عن ابن عمر.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
عثمان (١) -﵁- وقد قتلا ظلمًا بالمحدّد.
قال الغزالي: وَكَذا القَتِيل بِالحَقِّ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا لَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَتَارِكُ الصَّلاَةِ يُصَلَّى عَلَيْهِ (و) وَقَاطِعُ الطَّريقِ يُقْتَلُ أوّلًا وُيصَلَّى عَلَيْهِ وَيُغَسَّلُ وُيكَفَّنُ ثُمَّ يُصْلَبُ مُكَفَّنًا عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُقْتَلُ مَصْلُوبًا ثمَّ يُنْزَلُ وُيغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَصْلُوبًا وَيَبْقَى فقَدْ قَالَ: لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا تبيَّن أن المقتول ظلمًا ليس بشهيد إذا لم يكن بالصفات المقدمة، فالقتيل حقًّا أولى أن لا يكون شهيدًا.
وقد روي أن النبي -ﷺ- "رَجَمَ الْغَامِدِيَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا" (٢). وذكر في الكتاب مما يتفرع على هذا الأصل صورتين، وذكرهما في غير هذا الموضع.
إحداهما: أن تارك الصَّلاة يصلى عليه ويغسل؛ لأنه مسلم مقتول حقًّا، وعن صاحب "التلخيص" بأنه لا يصلى عليه؛ لأنه تارك الصلاة في حياته فتترك الصلاة عليه.
وقال أيضًا: لا يغسل ولا يكفن ويطمس قبره تغليظًا عليه.
الثانية: غسل قاطع الطريق والصلاة عليه، تبنى على كيفية إقامة الحدّ عليه، وفي قتله وصلبه إذا اقتضى الحَالُ الجَمْعُ بينهما خلافًا على ما سيأتي شرحه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأظهر القولين: أنه يقدم القتل على الصَّلبُ، فيقتل ثم يغسل ويصلى عليه ثم يصلب مكفنًا:
والقول الثاني: أنه يقدم الصلب ثم يقتل. وبه قال أبو حنيفة -﵀-، وعلى القولين إذا صلب فهو ينزل بعد ثلاثة أيام أو يبقى حتى يتهرّى، فيه وجهان:
فإن قلنا بالوجه الأول تفريعًا على القول الثاني فيغسل بعد ما ينزل ويصلّى عليه.
وإن قلنا بالوجه الثاني تفريعًا عليه فلا يغسل ولا يصلّى عليه، وهذا ما أشار إليه بقوله: "ومن رأى أنه يقتل ويبقى فقد قال: لا يصلى عليه".
قال إمام الحرمين: وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوبًا، وينزل فيغسل ويصلى عليه ثم
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في المعرفة من طريق عبد الملك بن الماجشون عن مالك، وقال ابن الملقن غريب بل روى البغوي في معجمه، وكذا أبو نعيم في معرفة الصحابة أنه لم يغسل بإسناد لا أعلم به بأسًا. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٨٠) التلخيص (٢/ ١٤٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥).
[ ٢ / ٤٢٦ ]
يرد، ولكن لم يذهب إليه أحد. وقوله: "ويصلّى عليه" مرقوم بالحاء؛ لأنه يقول: لا يصلى على قاطع الطريق عقوبة له كما ذكر في الباغي.
وحكى في "النهاية" طريقة أخرى غير مبنيّة على كيفية عقوبة قاطع الطريق، فقال: قال بعض الأصحاب: لا يغسل ولا يصلى عليه استهانة به وتحقيرًا لشأنه، فيجوز أن يعلّم قوله في الكتاب في موضعين من الفصل: "ويغسل ويصلى عليه" بالواو، إشارة إلى هذه الطريقة، وليست هي بالوجه المذكور في قوله: "ومن رأى أنه يقتل مصلوبًا " إلى آخره؛ لأنه مبني على كيفية عقوبته.
قال الغزالي: ثمَّ الشَّهِيدُ لا يُغَسَّلُ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، وَهَلْ يُزَالُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ الَّتي لَيْسَتْ مِنْ أَثَرِ الشَّهَادَةِ؟ فيه خِلاَفٌ، وَثِيَابُهُ المُلَطَّخَةُ بِالدَّمِ تُتْرَكُ عَلَيْهِ مَعَ كَفَنِه إِلاَّ أَنْ يَنْزِعَة الوَارِثُ، وُينْزَعُ مِنه الدِّرْعُ وَثِيَابُ القِتَالِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على ثلاث صور:
إحداها: لو استشهد جنب هل يغسل؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ وهو المذكور في الكتاب.
وبه قال مالك؛ لأن حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِب -﵁- "قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ، فَلَمْ يُغَسِّلْهُ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَالَ: رَأَيْتُ المَلاَئِكَةَ تُغَسَّلُهُ" (١).
والثاني: وبه قال أحمد وابن سريج وابن أبي هريرة: يغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجبًا قبله، والوجهان متفقان على أنه لا يصلّى عليه، وعند أبي حنيفة يغسل ويصلّى عليه.
الثانية: لو أصابته نجاسة لا بسبب الشَّهادة فهل تغسل تلك النّجاسة عنه.
قال إمام الحرمين: حاصل القول فيه أوجه استخرجتها من كلام الأصحاب.
أحدها: وهو الظاهر أنها لا تزال؛ لأن الذي مبقيه أثر العبادة، وليست هذه النجاسة من أثر العبادة.
والثاني: لا؛ لأنا نهينا عن غسل الشهيد مطلقًا.
والثالث: أنه إن أدى إزالتها إلى إزالة أثر الشَّهادة، فلا تزال وإلاَّ فتزال.
الثالثة: الأولى: أن يكفَّن في ثيابه الملطَّخة بالدم، فإن لم يكن ما عليه سابغًا أتم، وإن أراد الوَرَثَةُ نزع ما عليه من الثِّياب وتكفينه في غيرها لم يمنعوا.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٤)، ومن طريقة البيهقي (٤/ ٥١).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وقال أبو حنيفة -﵀-: لا يجوز إبدالها بغيرها من الثياب، وأما الدّرع والجلود والفِرَاء والخفَاف فتنزع منه خلافًا لمالك حيث قال: لا ينزع منه فَرْوٌ ولا خُفّ.
لنا على أبي حنيفة القياس على سائر الموتى، ويفارق الغسل والصلاة. أما الغسل؛ فلأن في تركه إبقاء لأثر الشَّهادة على بدنه، وأمّا الصّلاة فلأن في تركها تعظيمًا له واشعارًا باستغنائه عن دعاء القوم، وعلى مالك لما روي أنه النَّبي "أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائهِمْ وَثِيَابِهِمْ" (١). وقوله في الكتاب: "وثيابهم الملطخة بالدم تترك عليه مع كفنه طاهرة"، يقتضي كونها غير الكفن لكن الذي قاله الجمهور: أنه يكفن بها فإن لم تَكْفِ أتمت -والله أعلم-.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي فِيمَنْ يُصَلِّي: وَالأَولَى بِهَا القَرِيبُ، وَلاَ يُقَدَّمُ عَلَى القَرَابَةِ إلاَّ الذُّكُورُ وَلاَ يُقَدَّمُ الوَالِي (و) عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْدَأُ بِالأَبِ ثُمَّ الجَدِّ ثُمَّ الابْنِ ثُمَّ العُصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الوِلاَيَةِ، ثُمَّ الأخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِ مُقَدَّمٌ عَلَى الأخِ مِنَ الأَبِ فِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ فَذَوُو الأَرْحَامِ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ المُعْتَقُ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام فيمن هو أَوْلَى بالصَّلاة على الميت، وقد اختلف قول الشافعي -﵁- في أنَّ الولي أَوْلَى بها أم الوالي؟ قال في القَديم: الوالي أولى ثم إمام المسجد ثم الوالي. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -﵏- كما في سائر الصلوات. وقد روي "أَنَّ حُسَيْنًا -﵁- قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ العَاصِ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَى الْحَسَنِ -﵁-" (٢).
وقال في الجديد وهو المذكور في الكتاب: الوَلِيُّ أولى؛ لأنها من قضاء حقِّ الميت، فأشبهت الدَّفن والتكفين؛ ولأنها من الأمور الخاصَّة بالقريب، فالولِيُّ أولى بها من الوالي، كولاية التَّزويج وتفارق سائر الصلوات؛ لأن معظم الغرض هاهنا الدّعاء للميت، فمن يختص بزيادة الشَّفقة دعاؤه أقرب إلى الإجابة، ونعني بالوَلِيِّ القريب، فلا يقدم غيره عليه إلا أن يكون القريب أنثى وثمّ أجنبي ذكر فهو أولى حتى يقدم الصَّبي المراهق على المرأة القريبة، وهكذا الحكم في سائر الصلوات الرجل أولى من المرأة، لأن اقتضاء النساء بالرجال جائزة وبالعكس لا يجوز، ثم في انْفِرَاد النسوة بهذه الصَّلاَة كلام سيأتي من بعد، ثم الأولى من الأقارب الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، وهما مؤخران عن الأب والجد، وإن كانا مُقّدمين عليها في
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٣٤)، وابن ماجة (١٥١٥) وأحمد (٢٢١٧) وضعفه ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٦٢).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٨ - ٢٩) وقال مشهور، وضعفه ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٨٠).
[ ٢ / ٤٢٨ ]
عصوبة الميراث، ومُقدّمان على سائر العَصَبات، وإن لم يثبت لهما ولاية التَّزويج، أما تأخيرهما عَنِ الأَب والجدِّ؛ فلأن المقصود الدُّعاء، والأب أشفق فيكون دعاؤه أقرب إلى الإِجَابة، وأما تَقديمهما على سائر العَصَبَات فلمثل هذا المعنى أيضًا بخلاف أمر النِّكاح فإن اعتنائهم بحفظ النَّسب أشد ثم بعد الابن يقدم الأخ وفي تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين كما سيأتي ذكرهما في ولاية النكاح، وبه قال القَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وأبو علي الطَّيَرِي.
وأصحهما: القطع بتقديمه؛ لأن لقرابة النّساء تأْثيرًا في الباب على ما سيأتي فيصلح للتَّرجيح، وليس لها تأثير في ولاية التزويج بحال، وعلى هذا فالمقدّم بعدهما ابن الأخ للأب والأم ثم ابن الأخ للأب ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم ابن العم للأب والأم ثم ابن العم للأب ثم عم الأب ثم عم الجدّ على ترتيب العَصَابَات في الميراث والولاية، وإن لم يكن أحد من عصابات النَّسب أصلًا قدم المعتق.
قال في "النّهاية": ولعل الظاهر تقديمه على ذَوِي الأرحام، ولهم استحقاق في هذا الباب للمعنى الدم تقدم بخلاف ما في الميراث. وأما ما يتعلَّق بلفظ الكتاب فقوله: "ولا يقدم الوالي عليه" مرقوم بالميم والحاء والألف والواو، لما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: "الأولى بها القريب" بهذه العلامات أيضًا، وقد يبحث عن قوله: ولا يقدم على القرابة إلا الذّكورة فنقول: قضيَّة هذا الكلام تقديم القَرِيب على الأجنبي الذي أوصى الإِنسان بأن يصلّى عليه، فهل هو كذلك أم يتبع وصيته؟
والجواب: أن الشيخ أبا محمد خرّج المسألة على وجهين كالوجهين فيما إذا أوصى في أمر أطفاله إلى أجنبي وأبوه الذي يلي أمرهم شرعًا حي.
أصحهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: تقديم القريب؛ لأنَّ الصَّلاة حقه، فلا تنفذ وصيّة فيه.
والثَّاني: أنه تتبع وصيته، وهو مذهب أَحْمَد -﵀- وبه أَفْتَى الإمَامُ محمد بن يحيى- قدّس الله روحه -في جواب مسائل سأله عنها والدي -رحمة الله عليهما-.
وقوله: "ثم يبدأ بالأب ثم الجدّ" معلّم بالميم، لأن مالكًا يقدم الابن علي الأب.
وقوله: "ثم العصابات" معلّم بالميم أيضًا؛ لأنه يوجب تأخير الأخ عن الجد، وعنده يقدم الأخ عليه.
وقوله: "ثم إن لم يكن وارث فذووا الأرحام" يقتضي تقديم الأخ للأم على ذوي الأرحام كلهم. قال صاحب "التَّهْذِيب": إن لم يكن أحد من العَصَبات فإن الأم أولى ثم
[ ٢ / ٤٢٩ ]
الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم فيقدم أبو الأم وهو من ذوي الأرحام على الأخ للأم فالوجه أن يحمل قوله: "إن لم يكن وارث" أي: من العصبات وهم الَّذِين سبق ذكرهم هذا فقه الكلام. وقوله: "ويقدم عليهم المُعْتق" كأنه مذكور إيضاحًا، وإلاَّ فقد تقدم في موضعين من لفظ الكتاب ما يفيده.
أحدهما: "حيث قال: ثم العَصَبات على ترتيبهم في الوِلاية" وذلك يقتضي أن يلي درجة المعتق درجة عصبات النَّسب كما في الولاية وذلك يقتضي أنْ لا يتخلَّلها ذوو الأرحام.
والثاني: حيث قال: "ثم إن لم يكن وارث فذوو الأرحام" والمعتق من الوارثين، ثم لا بأس بإعلام قوله: "ويقدم عليهم المعتق" بالواو؛ لأن في لفظ صاحب "النّهاية" ما يقتضي إثبات خلاف فيه كما قدمناه، وكذلك لفظ المصنف في "الوسيط" والله أعلم.
قال الغزالي: فَإذَا تَعَارَضَ السِّنُّ وَالفِقْهُ فَالفَقِيهُ أَوْلَى عَلَى أَظْهَرِ المَذْهَبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ فَقِيهٌ وَحُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ أَوْ أَخٌ رَقِيقٌ وَعَمٌّ حرّ ففِي المَسْألَتَيْنِ تَرَدُّدٌ، وَعِنْدَ تَساوِي الخِصَالِ لاَ مَرْجِعَ إِلا القُرُعَةُ أَوِ التَّرَاضي.
قال الرافعي: إذا اجتمع اثنان في درجة واحدة كابنان وأخوين ونحوهما وتنازعا فقد قال في "المختصر": يقدم الأسن، وذكر في سائر الصلوات أنَّ الأفقه أولى، واختلف الأصحاب على طريقتين:
أصحهما: وهي التي ذكرها الجمهور أن المسألتين على ما نص عليها والفرق بين سائر الصلوات وصلاة الجنازة أن الغرض من صلاة الجنازة الدعاء والاستغفار للميت، والأسن أشفق عليه، ودعاؤه أقرب إلى الإجابة لما روي أنه قال: "إِنَّ اللهَ لاَ يَرُدُّ دَعْوَةٌ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ" (١).
والثانية حكاها الإمام عن رواية العراقيين: التَّصرف في النَّصَّين بالنقل والتَّخريج، وليس المعتبر في تقديم السِّن الشّبيه، وبلوغ سن المشايخ، ولكن يقدم الأكبر وإن كانا شابين، وإنما يقدم الأَسنُّ بشرط أن يكون محمود الحال، فأما في الفاسق والمبتدع فلا، ويشترط مضي السِّن في الإسلام كما سبق في سائر الصلّوات.
وقوله: على أظهر المَذْهَبَيْن جواب على طريقة إثبات الخلاف في المسألة إذ لا
_________________
(١) هذا الحديث ذكره الغزالي في الوسيط والإمام في النهاية قال الحافظ ابن حجر: ولا أدري من خرجه، وعند أبي داود من حديث أبي موسى الأشعرى: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم إسناده حسن. وانظر التلخيص (٢/ ١١٨) وانظر خلاصة البدر (١/ ٢٦٣).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
يمكن حمل المذهبين على الطّريقتين، فإنه يَقْتَضِي إثبات طريق جازم بتقديم الفقيه، وذلك مِمَّا لا سائر إليه في صلاة الجنازة.
وإذا عرفت ذلك فكلام المُصَنِّف يخالف ما ذكره المعظم من وجهين:
أحدهما: أنهم رجحوا الطريقة القاطعة بتقديم السّن، وهو أجاب بإثبات الخلاف.
والثاني: أنهم جعلوا الأَظْهَر تقديم السِّن، وإن قدر إثبات الخِلاَف، هذه إحدى مسائل الفصل.
والثانية: لَوْ اسْتَوى اثْنَان في الدَّرَجَة، وأحدهما رقيق فالحُرُّ أَوْلَى، وإن كان أحدهما رقيقًا فقيهًا والآخر حرًا غير فقيه. فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين للشيخ أبي محمد لتعارض المعنيين. قال في "الوسيط": ولعل التَّسوية أولى.
الثالثة: لو كان الأقرب رقيقًا والأبعد حرًا كالأخ الرقيق مع العم الحر فأيهما أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: الأخ أولى؛ لأن هذه الصَّلاة مبناها على الرِّقة والشَّفقة والأقرب أشفق، ولهذا يقدم القريب المملوك على الأجنبي الحُرِّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: أن العَمَّ أولى لاختصاصه بأهلية الولاية كما في ولاية النكاح وكما لو استويا في الدرجة. قال في "النهاية": وأوثر في مثل هذه المسألة مصير بعض الأصحاب إلى التَّسْوِية لِتَقَابُل الأمرين.
الرابعة: إذا اجتمع قوم في درجة واحدة واستوت خصالهم، فإن رضوا بتقديم واحد فذاك وإلاَّ أقرع بينهم قطعًا للنزاع.
قال الغزالي: ثُمَّ ليَقِفِ الإِمَامُ وَرَاءَ الجَنَازَةِ عِنْدَ صَدْرِ المَيِّتِ إِنْ كَانَ ذَكَرًا وَعِنْدَ (ح) عَجِيزَةِ المَرْأَةِ كَأنَّهُ يَسْتُرُهَا عَنِ القَوْمِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى الجَنَازَةِ لَمْ يُجِزْ عَلَى الأَصَحِّ؛ لِأنَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ فِي حَقِّ الغَائِبِ بِسَبَبِ الحَاجَةِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في موقف المُصلّي على الجَنَازة، وفيه مسألتان:
إحداهما: السُّنة للإمام أن يقف عند عَجِيزَة المرأة.
لما روي عن سمرة بن جندب -﵁- أنَّ النّبي "صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا" (١). والمعنى: فيه محاولة سترها عن أعين الناس.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٢، ١٣٣١، ١٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤).
[ ٢ / ٤٣١ ]
وأما الرجل فأين يقف منه؟ ذكر في الكتاب أنه يقف عند صَدْرِه، وكذلك قاله في "النهاية"، والذي ذكره معظم الأصحاب منهم العراقيون والصَّيْدَلاَنِي: أنه يقف عند رأسه ونسبوا الأول إلى أبي علي الطَّبَرِي، واحتجوا لما روي أن أنسًا -﵁- "صَلَّى علَى جنَازَةِ رَجُل فَقَامَ عِنْدَ رَأسِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَة فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقَامَ عِنْدَ عَجِيْزَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: أهكَذًا كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ؟ يَقُومُ عِنْدَ رَأسِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَ عَجِيْزَةِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ" (١). ورأيت أبا علي قد حكى عن فعل أنس -﵁- مثل قوله، وهو الوقوف عند الصَّدر والله أعلم. ولك أن تعلم قوله: "عند صدر الميت" بالواو لما ذكرناه، وأن تعلمه وقوله: "عند عجيزة المرأة كليهما" بالميم؛ لأن عند مالك يقف عند وسط الرجل، ومَنْكبي المرأة، وأن تعلم الكلمة الثانية بالحاء أيضًا، لأن عند أبي حنيفة -﵀- يقف عند صدر الميت رجلًا كان أو امرأة، وعند أحمد يقف عند صدر الرجل وعجيزة المرأة، كما هو المذكور في الكتاب.
الثانية: أن تقدم على الجَنَازة الحاضرة وجعلها خلف ظهره.
قال في "النّهاية": خرجه الأصحاب على القولين في تقديم المأموم على الإمام ونزلوا الجنازة منزلة الإمام، قال: ولا يبعد أن يقال تجويز التَّقَدُّم على الجَنَازة أَوْلَى، فإنها ليست إمامًا متبوعًا حتى يتعين تقدمه، وإنما الجنازة والمصلون على صورة مجرم يحضر باب الملك ومعه شفعاء، ولولا الأَتْبَاع لما كان يتجه قول تقديم الجَنَازة وجوبًا، وهذا الذي ذكره إشارة إلى ترتيب الخلاف، وإلاَّ فقد اتفقوا على أن الأصح المنع.
وقوله في الكتاب: "لأن ذلك يحتمل في حق الغائب بسبب الحاجة" جواب عن كلام يحتج به لجواز التقدم على الجنازة، وهو أن الغائب يصلى عليه كما سيأتي مع أنه قد يكون خلف ظهر المصلى، فكذلك إذا كان حاضرًا ففرق بينهما بذلك.
قال الغزالي: وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الجَنَائِزُ فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وأنْ يُصَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ صَلاةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُوضَعُ (و) بَيْنَ يَدَيِ الإمَامِ بَعْضُهُمْ وَرَاءَ بَعْضِ وَالكُلُّ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ، وَلْيُقَرَّبْ مِنَ الإمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الصَبِيُّ ثُمَّ الخُنْثَى ثُمَّ المَرْأَةُ، وَلاَ يُقَدَّمُ بِالحُرِّيَّةِ وَإِنَّما يُقَدَّمُ بِخِصَالٍ دِينيَّةٍ تُرَغِّبُ فِي الصَّلاة عَلَيْهِ، وَعِنْدَ التَّسَاوِي لاَ يَسْتَحِقُّ القُرْبَ إلاَّ بِالقُرْعَةِ أَوِ التَّرَاضِي.
قال الرافعي: إذا حضرت جنائز، جاز أن يصلى على كل واحد صلاة وهو الأولى، وجائز أن يصلى على الجميع صلاة واحدة، لأن معظم الفرض من هذه الصلاة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذي وحسنه (١٠٣٤)، وابن ماجة (١٤٩٤).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
الدعاء للميت، ويمكن الجمع بين عدد من الموتى في الدُّعَاءِ، وقد يقتضي الحال الجمع ويتعذر إفراد كل جنازة بصلاة، ولا فرق في ذلك بين أن يتمحَّض الموتى ذكورًا أو إناثًا أو يجتمع النوع ثم إن اتحد النوع، ففي كيفية وضع الجنائز وجهان، وصاحب "التتمة" حكاهما قولين:
أصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنَّها توضع بين يدي الإِمَامِ في جهة القِبْلَة بعضها خلف بعض ليكون الإمَام في مُحَاذَاةِ الكُلِّ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -﵀- يُوضع الكُلّ صفًا واحدًا رأس كل ميت عند رجل الآخر ويجعل الإمام جميعها على يمينه ويقف في محاذاة الأخيرة، وإن اختلف النّوع فهيئة وضعها ما ذكرنا في الوجه الأول ولا يجيء الوجه الثاني، فإن الرجل والمرأة لا يقفان صفًّا واحدًا في الجماعات فكذلك لا يضعان صفًا واحدًا.
ويجوز أن يعلم قوله: "بعضهم وراء بعض" بالواو؛ لأن اللَّفظ يشمل حالتي اتحاد النوع واختلافه، وقد ذكرنا في الحالة الأولى وَجْهًا آخر، وهو كذلك معلم بالحاء ثم إذا كان هيئة وضعها ما بينا في الوجه الأول، فمن الذي يلي الإمام من الموتى؟ لا يخلو الحال إما أن تحضر الجنازة دفعة واحدة أو مرتبة.
فأما الحالة الأولى وهي التي تكلم فيها في الكتاب، فينظر إن اختلف النوع فَلْيَلِ الإِمَامُ الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، لما روي أن سعيد بن العاص "صلى على زيد بن عمر بن الخطاب وأمِّه أمِّ كُلْثُومٍ بنت علي -﵃- فوضع الغلام بين يديه والمرأة خلفه، وفي القوم نحو من ثَمَانِينَ نَفسًا من أصحاب النَّبي -ﷺ- فَصَوَّبُوهُ وقالوا: هذِهِ السُّنَّةُ" (١). وروي أن ابْنَ عمر -﵄- "صَلَّى عَلَى تَسْعِ جَنَائِزَ، فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَهُ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ" (٢).
ولو حضر جنائز جماعة من الخَنَاثى وضعت صفًا واحدًا لئلا تتقدم امرأة على رجل، فإن اتحد النوع فيقرب من الإمام أفضلهم، والمعتبر فيه الورع والخصال التي ترغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظَّن كونه أقرب من -رحمة الله تعالى جدّه- ولا يتقدم بالحريَّة بخلاف استحقاق الإمامة فيه الحُرُّ على العبد.
قال في "النهاية": لأن الإمامة في الصلاة تصرف فيها، والحر مقدم على العبد في التصرفات، وإذا ماتا استويا في انقطاع التَّصرف فأقرب معتبر فيه ما ذكرنا، فإن استووا
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٣٣١٤)، وبنحوه عند أبي داود (٣١٩٣)، والنسائي (٤/ ٧١) والدارقطني (٢/ ٧٩ - ٨٠).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٩ - ٨٠)، والبيهقي (٤/ ٣٣).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
في جميع الخصال وتنازع الأولياء في القرب، دفع نزاعهم بالقرعة، وإن رضوا بتقريب واحد فذاك.
الحالية الثانية: أن تحضر الجنائز مرتبة، فللسبق تأثير في الباب، فلا تنحَّى الجنازة السابقة للُحُوق أخرى، وإن كان صاحبها أفضل هذا عند اتحاد النوع، ولو وضعت جنازة امرأة، ثم حضرت جنازة رجل أو صبي فتنحى جنازتها وتوضع جنازة الرجل أو الصبي بين يدي الإمام، ولو وضعت جنازة صبي ثم حضرت جنازة رجل لم تنحَّ جنازة الصبي؛ بل يقال لوليه: إما أن تجعل جنازتك خلف الصبي أو تنقله إلى موضع آخر. والفرق أنَّ الصَّبيّ قد يقف مع الرجل في الصف والمرأة تتأخر بكل حال فكذلك بعد الموت. وعن صاحب "التقريب" وجه: أنه تنحَّى جنازة الصبي كجنازة المرأة. فإن قلت: ولى كل ميت أولى بالصلاة عليه، فمن الذي يصلي على الجنازة الحاضرة إذا اقتصروا على صلاة واحدة. قلنا: كل من لم يَرْضَ بصلاة غيرِه صَلَّى على ميته، وإن رضوا جَمِيعًا بصلاة واحدة فإن حضرت الجنائز مرتّبة فولى السابقة أولى رجلًا كان مَيّتُها أو امرأة، لأن حضرت معًا أُقْرعَ بينهم والله أعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ، في كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ، وأَقَلُّها تِسْعَة أَرْكَانِ: النِّيَّةُ وَالتَّكبِيرَاتُ الأَرْبَعُ وَالسَّلاَمُ وَالفَاتِحَةُ (م ح) بَعْدَ الأُولَى وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَفِي الصَّلاَةِ عَلَى الآلِ خِلاَفٌ، والدُّعَاءُ للْمَيِّت بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِين، وَلَوْ زَادَ تكْبِيرَةٌ خَامِسَةً لَمْ تَبْطُلِ الصَّلاَةُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية هذه الصلاة في الأقل والأكمل.
أما الأقل: فمن أركانها النّية، ووقتها ما سبق في سائر الصلوات، وكذا في اشتراط التعرّض للفرضية الخلاف المقدم، وهل يحتاج إلى التعرض لكونها فرض كفاية أم تكفي نية مطلق الفرض؟ حكى القاضي الرُّويانِيُّ فيه وجهين:
أصحهما: الثاني، ثم إن كان الميت واحدًا نوى الصَّلاة عليه، وإن حضر موتى نوى الصلاة عليهم، ولا حاجة إلى تعيين الميت ومعرفته، بل لو نوى الصَّلاة على من يصلي عليه الإمام جاز، ولو عين الميت فأخطأ لم تصحَّ صلاته، ويجب على المُقْتَدِي نية الاقْتِداء كما في سائر الصلوات. ومنها: التَّكبيرات الأربع.
روي عن جابر -﵁- أَنَّ النَّبِي "كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبعًا، وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُوْلَى" (١). فلو كَبَّر خمسًا لم يَخْلُ إما أن يكون ساهيًا أو عامدًا، فإن كان
_________________
(١) البخاري (١٣١٧، ١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩)، ومسلم (٩٥٢) وأخرجه البخاري
[ ٢ / ٤٣٤ ]
ساهيًا لم تبطل صلاته، ولا مدخل للسجود في هذه الصلاة، وإن كان عامدًا فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو زاد ركعة أو ركنًا عمدًا في سائر الصَّلَوَات، وهذا الوجه هو المذكور في "التتمة"، و"الوسيط".
وأصحهما: على ما ذكره هاهنا، وبه قال الأكثرون: أنها لا تبطل لثبوت الزيادة عن رسول الله (١) إِلاَّ أنَّ الأربع أولى لاستقرار الأمر عليها واتفاق الأصحاب، وقد حكي عن ابن سريج -﵁- أن الاختلافات المَنْقُولة في تَكْبيرات صلاة الجنازة من جملة الاختلاف المباح وأن كل ذلك سائغ، وإن كان مأمومًا فزاد إمامه على الأربع فإن قلنا: الزيادة تبطل الصلاة فارقه، وإن قلنا: لا تبطل لم يفارقه، ويتابعه في الزيادة على الأصح من القولين، وهل يسلّم في الحال أو ينتظر ليسلّم معه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: ثانيهما. واعلم: أن أركان هذه الصّلاة قد عدّها في الكتاب تسعة، والنية والتكبيرات الأربع خمسة منها، والسادس السلام، وفي وجوب نية الخروج معه ما سبق في سائر الصلوات، ويجوز أن يعلّم بالحاء، لما ذكرنا ثَمَّ هَلْ يَكْفي أن يقول الكلام عليك؟ حكى الإمام تردد الجواب فيه عن الشَّيخ أبي علي، والظاهر المنع.
والسابع قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقرأ فيها شيئًا من القرآن. لنا ما روي عن جابر -﵁- أن النّبي "قَرَأَ فِيهَا بأُمِّ القُرْآنِ" (٢). وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣). والسابق إلى الفهم من قوله في الكتاب: "والفاتحة بعد الأولى"، أنه ينبغي أن يكون عُقَيْبهما مقتدمة على الثانية، لكن القَاضِي الروياني وغيره حكوا عن نصه أنه لو أخَرَّ قراءتها إلى التكبيرة الثانية جاز.
والثامن الصَّلاة على النبي بعد الثانية خلافًا لأبي حنيفة ومالك، فإن عندهما لا يجب ذلك كما ذكر في سائر الصلوات. لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "لاَ صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ" (٤). وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان أو وجهان ذكرناهما في غير هذه الصلاة، وهذه الصلاة أوْلَى بأن لا يجب فيها؛ لأنها مبنيَّة على الاخْتِصَار.
_________________
(١) = (١٣١٩)، ومسلم (٩٥٤) من حديث ابن عباس، والبخاري (١٢٥٤، ١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١)، ومسلم (٩٥١) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم من حديث زيد بن أرقم (٩٥٧).
(٣) أخرجه الشافعي (٥٦٦)، والحاكم (١/ ٣٨٦) وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، ويغني عنه ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه -ﷺ- صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سنة (١٣٣٥).
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
والتاسع الدعاء بعد التكبيرة الثالثة للميت. وعن أبي حنيفة أنه لا يجب ذلك.
لنا ما روي أن النَّبي قال: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا الدُّعَاءَ لَهُ" (١).
وفيه وجه: أنه لا يجب تخصيص الميت بالدعاء، ويكفي إرساله للمؤمنين والمؤمنات والميت يندرج فيهم، وهذا الوجه مُعْزَى في "النهاية" إلى الشيخ أبي مُحَمَّدٍ -﵀-، وقدر الواجب من الدعاء ما ينطلق عليه الاسم، أما الأحب فسيأتي والله أعلم. واعلم: أن القيام واجب في هذه الصلاة عند القدرة على الأصح كما سبق، فيتوجه إلحاقه بالأركان كما أنه معدود من الأركان في الوَظَائِفِ الخمس والله أعلم.
قال الغزالي: فَأمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَرفعَ (م ح) اليَدَيْنِ في التَّكْبِيراتِ، وَفِي دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ والتَّعَوُّذ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّ الاسْتِفْتَاحِ لاَ يُسْتَحَبُّ، ثُمَّ لاَ يُجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، ويُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلمُؤْمِنِينَ عِندَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّافِعِيُّ -﵁- لِذِكْر بَيْن التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَالسَّلاَمِ.
قال الرافعي: لصلاة الجنازة وظائف مندوبة هي توابع للأركان.
فمنها: رفع اليدين في التكبيرات الأربع خلافًا لأبي حنيفة ومالك حيث قالا: لا يرفع إلا في التَّكبيرة الأولى. لنا: أن ابن عمر وأنسًا (٢) -﵄- "كَانَا يَرْفَعَانِ فِي جَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ"، وعن عروة (٣) وابن المسيب (٤) -﵄- مثله، ويجمع يديه بينهما ويضعهما تحت صدره، كما في سائر الصلوات.
ومنها: في قراءة دعاء الاسْتِفْتَاح عُقَيب التكبيرة الأولى وجهان:
أحدهما: أنه يقرأ كما في سائر الصلوات، وهذا اختيار القاضي أَبِي الطَّيب والقَفَّال فيما حكاه القَاضِي الرُّوياني.
وأصحهما: أنه لا يقرأ؛ لأن هذه الصلاة مبنيَّة على التَّخفيف، ولهذا لم يشرع فيها الرُّكوع والسُّجود، وشبهوا ذلك بقراءة السورة، لكن صاحب "التهذيب" حكى في قِرَاءَة السُّورة بعد الفاتحة الوجهين أيضًا، وهل يتعوذ؟ فيه وجهان أيضًا، لكن الأصح أنه يتعوَّذ بخلاف دعاء الاستفتاح؛ لأن التعوذ من سنن القراءة كالتَّأْمين عند تمام الفاتحة؛
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٩٩) وابن ماجة (١٤٩٧) وذكره الهيثمي في الموارد (٧٥٥) والبيهقي (٤/ ٤٠).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٤٤).
(٣) ذكره البيهقي تعليقًا بلفظ بذكر انظر المصدر السابق.
(٤) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
ولأنه لا يفضي إلى مثل تطويل دعاء الاسْتِفْتَاح، وإذا جمعت بينهما، قلت: هل يستفتح ويتعوذ؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحهما: أنه لا يستفتح وَيتَعَوَّذ.
وقوله في الكتاب: "والأصح أن الاستفتاح لا يستحب" بعد ذكر الخلاف فيهما مشعر؛ لأن الأصح في التعوُّذ الاسْتِحْبَاب، ولك أن تعلم قوله: "والتعوُّذ" بالواو؛ لأنه أثبت الخلاف فيهما جميعًا، وفي كلام الشَّيخ أبي محمد طريقة أخرى قاطعة باسْتِحْبَاب التَّعوذ. ومنها: أن السُّنة فيها الإسْرار بالقراءة نَهَارًا، وباللَّيل وجهان:
أصحهما: وهو ظاهر المَنْصُوص: أنه يسر أيضًا، لأنها قومة شرعت فيها الفَاتحة دون السُّورة، فأشبهت الثَّالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء.
والثاني وبه قال الدَّارِكيُّ أنه يجهر بها؛ لأنها صلاة تفعل ليلًا ونهارًا، فيجهر بها ليلًا كصلاة الخُسُوف، وهذا هو الَّذِي حكاه الإمَامُ عن الصَّيْدَلاَنِي والقَاضي الرُّويانيّ عن أبي حامد. وقوله في الكتاب: "ليلًا" معلَّم بالواو لهذا.
ومنها: نقل المزنِيُّ في "المختصر" أن عقيب التكبيرة الثانية يحمد الله تعالى ويصلِّي على النَّبي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، فهذه ثلاثة أشياء أوسطها الصَّلاة على النبي وهن من الأركان على ما سبق ذكرها، وأولها الحمد، ولا خلاف في أنه لا يجب، وهل تستحب؟ نقل المزني فيه وجهين:
أحدهما: لا وهو قضية كلام الأكثرين وقالوا: ليس في كتب الشَّافعي -﵁- ما نقله المزني.
والثاني: نعم، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" و"التتمة".
قال هؤلاء: ولعل المزني سمعه لفظًا.
وثالثها: الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وعامة الأصحاب على استحبابه عُقَيْبَ الصَّلاَة على النَّبي ليكون أقرب إلى الإجابة، وفيه كلام آخر نذكره من بعد.
ومنها: إذا كبر الثالثة فيستحب أن يكون في دعائه للميت "اللَّهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدُك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إنه نزل بك وأنت خير مَنْزُول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا فَزِدْ في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، وَلَقِّه برحمتك رضاك، وَقِهِ فتنة القبر وعذابه، وأفْسِحْ له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولَقِّه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الراحمين". هذا ما نقله المزني في "المختصر"، وورد في الباب عن عوف بن مالك -﵁- قال: "صلَّى رسول الله -ﷺ- على جنازة فحفظت من دعائه "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بالْمَاءِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْر، وَعَذَابَ النَّار"، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ ذلِكَ المَيِّتَ (١).
وعن ابن القاصّ -﵁- دعاء آخر قال في "الشامل": وعليه أكثر أهل خُرَاسَانَ، وهو ما روي عن أبي هريرة -﵁- قال: "كان رسول الله -ﷺ- إذا صلَّى على الجَنَازة قال: "اللَّهُمَّ اغْفِر لِحَيِّنَا، وَمَيَّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَّفَّهُ عَلَى الإيْمَانِ" (٢)، فإن كان الميت امرأة قال: اللَّهُمَّ هذه أَمَتُكَ وبنت عبدك، ويؤنِّث الكِنَايات، وإن كان الميت طِفْلًا اقتصر على المَرْوِي عن أبي هريرة -﵁- ويضيف إليه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرْطًا لِأبوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا، وَلاَ تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ، وَلاَ تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ.
وقوله في الكتاب: "ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت" أعلم بالواو؛ لأنه حكى في "الوسيط" تردُّدًا في ذلك، ثم قال: "والأصح الاسْتحباب" ولعلَّك تقول قوله عند الدعاء للميت يقتضي اسْتِحْبَاب الدُّعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد التَّكبيرة الثَّالثة مع الدعاء للميت، والجمهور قاله باستحبابه في الثانية، كما سبق وذكروا أنه يخلص في الثالثة الدّعاء للميت، فكيف سبيل الجمع؟ والتَّردد الذي رواه في "الوسيط" ليس له ذكر في كلام الأصحاب، فعلى ماذا ينزل؟
والجواب: أنَّ إمام الحرمين حكى في اسْتِحْبَابه تردُّدًا للأئمَّة في التَّكبيرة الثَّانية ووجه استحبابه؛ لأن الصلاة على النبي في التَّشهد الأخير يستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فكذلك في هذه الصلاة، فإن أراد حجة الإسلام -قدس الله روحه- هذا التردُّد فالوجه أن يؤول كلمة "عند"، ويقال. أراد النظر في أنه هل يدعو للمؤمنين والمؤمنات في هذه الصلاة مع الدعاء للميت؟ ويجوز أن يحمل ما ذكره على الدُّعاء الَّذِي ذكره ابْنُ القاص؛ فإنَّه دعاء لِلْمُؤْمنين والمؤمنات وما قبله يختصُّ بالميت، ولا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٦٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٨)، والترمذي (٣٢٤)، وقال حسن صحيح، أبو داود (١٢٠١) وذكره الهيثمي في الموارد (٧٥٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٨) ومن حديث أبي قتادة أخرجه الترمذي (١٠٢٤) والنسائي (٤/ ٧٤).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
يبعد أن يقدر فيه تردد، فإن قول من قال يخلص الدُّعاء للميت في الثالثة، ينافي اسْتِحْبَاب هذا الدُّعاء والله أعلم.
وقوله: "ولم يتعرض الشافعي -﵁- لذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام"، أراد في "المختصر" وعامة كتبه لا على الإطلاق فإن البُويطِيِّ روى عنه أن يقول بينهما: "اللَّهم لا تَحْرمنا أجره ولا تفتنَّا بعده". هكذا نقل الجمهور، ونقل الصَّيدلاني عن روايته أن يقول: "اللَّهم اغفر لحيِّنا وميتنا".
وحكى قوم: منهم صاحب "التهذيب" الذكر المشهور عن البويطي نفسه، فإن كان كذلك أمكن إِجْرَاء قوله: "ولم يتعرض الشَّافعي -﵁-" على إطلاقه، وكيف ما كان فالذكر بينهما ليس بواجب، والظاهر استحبابه، وفي "الكافي" للروياني وجه آخر: أنه لا اسْتِحْبَاب، وإنَّما هو بالخيار بين أن يذكره أو يدعه ويسلم عقيب التكبيرة، وهكذا كان يفعل الإمام محمد بن يحيى -قدس الله روحه- فيما حكاه والدي -﵀- وفي كيفية السَّلام من صلاة الجَنَازة قولان:
أصحهما: أن الأولى أن يسلّم تسليمتين:
إحداهما: عن يمينه، والأخرى: عن شماله، على ما ذكرنا في سائر الصَّلَوات.
والثاني: قاله في "الإملاء" يَقتصر على تسليمة واحدة؛ لأن مبنى هذه الصلاة على التَّخفيف خوفًا من التَّغيرات التي عساها تحدث في الميت، وعلى هذا فالمنصوص أنه يبدأ بها ملتفتًا إلى يمينه، ويختمها ملتفتًا إلى يساره، فيدير وجهه وهو فيها. ومنهم من قال: يأتي بها تِلْقَاء وَجْهِه من غير الْتفات. قال إمام الحرمين: ولا شكَّ أن هذا التردُّد يجري في جميع الصلوات، إذا رأينا الاقْتِصَار على تسليمة واحدة، واختلفوا في أن القولين في أنَّ الأولى تسليمة أو تسليمتان؟ هما القولان المذكوران من قبل في سائر الصلوات أم لا؟ فقال قوم: هما هما.
وقال آخرون: لا، بل هما مُرَتبان على القولين في سائر الصَّلوات إن قلنا: يقتصر فيها على تسليمة واحدة فهاهنا أولى، وإن قلنا: يسلم تسليمتين فهاهنا قولان، وهذا أصح؛ لأن قول الاقْتِصَار في سائر الصَّلَوَاتِ لم ينقل إلاَّ عن القديم، وهو منقول هاهنا عن "الإملاء"، وأنه محسوب من الجديد؛ ولأنهم وجَّهوه ببناء هذه الصَّلاة على التَّخفيف، وهذا لا يجيء في سائر الصلوات ويقتضي الترتيب. وقد صرح لفظ "المختصر" بتكرير السلام في سائر الصلَّوات. وقال هاهنا: ثم يسلم عن يمينه وعن شماله.
وهذا القدر يحتمل القولين جميعًا، وعلى قول الاقْتِصَار على التَّسْليمة واحدة هل
[ ٢ / ٤٣٩ ]
يزيد "ورحمة الله"، أم يقتصر على قوله "السلام عليكم"؟ ذكر في "النّهاية" أن الشيخ أبا علي حكى ترددًا فيه من طريق الأولى رعاية للاختصار.
قال الغزالي: فَرْعٌ: المَسْبُوقُ يُكَبِّرُ (ح و) كَمَا أَدْرَكَ وَإِنْ كانَ الإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ القِرَاءَةِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الإمَامِ صَبَرَ إلَى التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ فَيُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةِ عِنْدَهَا، ثُمَّ إِذَا سَلَّمَ الإمَامُ تَدَارَكَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَو لَمْ يُكَبِّرِ الثَّانِيَةَ قَصْدًا حَتَّى إذا كَبَّرَ الإِمَامُ الثَّالِثَةَ بَطُلَتْ صَلاَتُهُ إِذْ لاَ قُدْوَةَ إِلاَّ فِي التَّكْبِيراتِ.
قال الرافعي: الفرع يشتمل على مسألتين:
إحداهما: لو لحق مسبوق في خلال صلاة الجَنَازَة كبَّر شارعًا، ولم ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة خلافًا لأبي حنيفة -﵀- حيث قال: يصبر حتى يكبر معه، فلو لَحِق بعد التّكبيرة الرابعة تعذر الإدراك عنده. وعن مالك روايتان كالمذهبين كما في سائر الصلوات. لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضوا" (١).
ولأنه أدرك الإمام في بعض صلاته فلا ينتظر ما بعده كما في سائر الصلوات، ثم في المسألة فروع:
أحدها: إذا كبَّر المسبوق اشْتغل بقراءة الفاتحة، وإن كان بعد التَّكبيرة الثَّانية، والامام يصلي على النَّبِيَّ -ﷺ- أو بعد الثَّالثة والإمام يدعو بناء على أنَّ ما يدركه المَسْبُوق أول صلاته، فيراعى ترتيب صلاة نفسه، كذا ذكره وهو غير صاف عن الإشكال.
الثاني: إذا لحق قبل التّكبيرة الثانية وكبر نظر إن كبر الإمام كلما فرغ من تكبيرة كبر معه الثانية، وسقطت عنه القراءة كما إذا ركع الإمام عقيب تكبيرة في سائر الصلوات، وإن قرأ الفاتحة ثم كبر الإمام الثانية كبر معه، وقد أدرك جميع الصلاة، وإن كبر الإمام قبل فراغه من القراءة، فهل يقطع الفاتحة ويوافقه أو يتم قراءته؟ فيه وجهان كما لو قرأ المسبوق بعض الفاتحة ثم ركع الإمام.
أصحهما: في الموضعين عند الأكثرين منهم: ابن الصباغ والقاضي الروياني: أنه يقطع القراءة ويتابعه، وعلى هذا هل يقرأ بعد الثانية (٢) لأنه مَحِلُّ القراءة بخلاف الركوع أم يقال: لما أدرك قراءة الإمام صار مَحِلُّ قراءته مُنْحَصرًا فيما قبل الثَّانية، وذكر في "الشَّامل" فيه احتمالين، ولعلَّ الثَّاني أظهر، وصاحب الكتاب أجاب بالوجه الثَّاني، وهو أنه يتم القراءة، ولا يوافقه في التكبيرة الثانية حيث قال: "ثم إن لم يتمكن من التَّكبيرة
_________________
(١) تقدم.
(٢) في ط الثانية.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
الثانية مع الإمام" أي لعدم إتمام الفاتحة صبر إلى التكبيرة الثالثة، يعني يتمّها ويؤخر تكبيرته الثّانية إلى أن يكبر الإمام الثالثة، وإلى هذا الوجه صغو إمام الحرمين. إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: "صبر" بالواو، واعرف أن ذلك الوجه المشار إليه أظهر.
الثالث: إذا فاته بعض التَّكْبيرات تدارك بعد سلام الإمام، وهل يقتصر على التكبير نسقًا أم يأتي بالدعاء والذكر بينها؟ فيها قولان:
أحدهما: يقتصر على التَّكبيرات، فإن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام، فليس الوقت وقت التطويل.
وأصحهما: أنه يدعو لما روي أنه -ﷺ- قال: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (١).
وكما فاته التّكبيرات فاته الدّعاء، والمستحب أَلاَّ ترفع الجنازة حتى يتم المسبوقون ما عليهم، وإن رفعت لم تبطل صلاتهم، وإن حولت عن قَبَالة القبلة بخلاف ابتداء عقد الصلاة لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة.
المسألة الثانية: لو تخلَّف المقتدي فلم يكبر مع الإمام الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة المستقبلة من غير عذر بطلت صلاته؛ لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا في التَّكبيرات، وهذا التَّخلف متفاحش شبيه بالتَّخلف بركعة في سائر الصلوات، حكى الإمام المسألة وجوابها عن شيخه وقطع بما ذكره، وتابعهما المصنف -﵏-.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الرَّابعُ، فِي شَرَائِطِ الصَّلاَةِ: وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَواتِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الجَمَاعَةُ فِيهَا وَلَكِنْ قِيلَ: لاَ يَسْقُطُ الفَرْضُ إِلاَّ بِأرْبَعَة يُصَلُّونَ جَمْعًا أَوْ آحَادًا، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِثَلاَثٍ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِوَاحِدٍ، وَفِي الاكْتِفَاءِ بِجِنْسِ النِّسَاءِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الشرائط المرعيّة في سائر الصلوات كالطهارة وستر العورة والاستقبال وغيرها مرعية في هذه الصلاة أيضًا، وأراد بقوله: "وهي كسائر الصلوات" التسوية فيها دون الأركان والسنن، ويجوز أن يعلّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -﵀- هذه الصلاة تفارق غيرها في أمر الطهارة فيجوز التَّيمم لها عند خوف الفَوَاتِ مع وجود المَاء، ومعظم غرض هذا الطَّرف الكلام فيما وقع الخلاف في اشتراطه في هذه الصَّلاة. إما ما بين أصحابنا أو بيننا وبين غيرنا وفيه مسائل.
منها: أن السُّنَّة أن تقام جماعة كذلك "كان النَّبِي -ﷺ- يفعل" (٢) وعليه استمر النَّاس، ولا يشترط فيها الجماعة كسائر الصلوات، وَقَدْ صَلَّى الصَحَابَةُ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ-
_________________
(١) تقدم.
(٢) متفق عليه من رواية أبي هريرة في موت النجاشي.
[ ٢ / ٤٤١ ]
أَفْرَادًا (١). وفيمن يسقط به فرض هذه الصَّلاة وجوه:
أحدها: أنه لا بد من أَربعة يصلون جماعة وأفرادًا كما لا بد من أربعة يحملونه، كذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره، قال الإمام: هذا التّشبيه هفوة، فإن الحمل بين العمودين أفضل للحاملين، وإنه يحصل بثلاثة كما تقدم.
والثاني: أنه يكفي ثلاثة. واحتج له بقوله: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" (٢). خاطب به الجمع وأقله ثلاثة، وهو أصح الوجوه عند الشيخ أبي الفرج البَزَّاز.
والثالث: أنه يسقط الفرض بواحد؛ لأنه لا يشترط فيه الجَمَاعة، فكذلك العدد كسائر الصَّلوات.
والرابع أورده في "التهذيب": أنه لا بد من اثنين ويكتفي بهما بناء على أن أقل الجمع اثنان، وهذا الوجه لم يبلغ الإمام نقلًا لكن قال: هو محتمل جدًا؛ لأن الاجتماع يحصل بذلك، وهو كقولنا في مسألة الانفضاض على رأي يكتفى ببقاء واحد مع الإمام.
ونقل جماعة من أئمتنا الوجه الثاني والثالث قولين منصوصين منهم صاحب "الشامل" ومنهم القاضي الروياني، وقال هو وغيره: الظاهر الاكتفاء بواحد والله أعلم.
ويتفرع على هذه الوجوه ما لو تبين حدث الإمام أو بعض المقتدين، إن بقي العدد المكتفي به فالفرض ساقط به وإلا فلا.
وهل الصبيان المميّزون بمثابة البالغين على اختلاف الوجوه؟ فيها وجهان:
أظهرهما: نعم، وفي النّساء وجهان:
أحدهما: أنهن كالرجال لصحة صلاتهن وجماعتهن.
وأصحهما: ولم يذكر صاحب "التهذيب" وكثيروان سواه-: أنه لا يكتفي بهن وإن كثرن نظرًا للميت، فإن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم للعبادات ولأن فيه استهانة بالميِّت. وموضع الوَجْهَيْن: ما إذا كان هناك رجال، فإن لم يكن رجل صلين للضَّرورة منفردات وسقط الفرض. قال في "العدة": وظاهر المذهب أنه لا يستحب لهن أن يصلين جماعة في جنازة الرجل والمرأة. وقيل: يستحب ذلك في جنازة المرأة.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الجَنَازَةِ بَلْ يُصَلَّى (م ح) عَلَى الغَائِبِ إِلاَّ (و) إِذَا كَانَ فِي البَلَدِ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٨١) من حديث أبي عسيب وأخرجه ابن ماجة (١٦٢٨)، والبيهقي (٤/ ٣٠).
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قال الرافعي: تجوز الصَّلاة على الغائب بالنَّية، سواء كان في جهة القِبْلة أو في غير جهتها، والمصلي مستقبل بكل حال. وبه قال أحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة -﵏-.
لنا ما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَخْبَرَ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تكْبِيرَاتِ" (١). وهذا إذا كانت الجَنَازة في بلدة أو قرية، ولا فرق بين أن يكون بين الموضعين مسافة القَصْر أو لا يكون، فإن كانت في تلك البلدة، فهل يجوز أن يصلى عليها وهي غير موضوعة بين يديه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالغائبة عن البلد.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب -لا، لتيسير الحُضور، وشبه هذا الخلاف بالخلاف في نفوذ القَضَاء على من في البلد مع إمكان الإحضار، وإذا شرطنا حضور الجَنَازة فينبغي أن لا يكون بين الإمام وبينها أكثر من مائتي زراع أو ثلاثمائة على التقريب، حكاه المعلق عن الشيخ أبي محمد.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ (م ح) ظُهُورُ المَيِّتِ بَل تَجُوزُ الصَّلاة عَلَى المَدْفُونِ، وَلَكِنْ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ وَاجِبٌ، فَإِنْ لَمْ تُقَدَّمْ فَلاَ يَفُوتُ بِالدَّفنِ ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَ الدَّفْنِ إِلَى ثَلاَثةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: إِلَى شَهْر، وَقِيلَ: إِلَى انْمِحَاقِ الأَجْزَاءِ، وَقِيلَ: مَنْ كَانَ مُمَيِّزًا عِنْدَ مَوْتِهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لاَ فَلاَ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ أَبدًا، وَمَعَ هَذَا فَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-.
قال الرافعي: إذا أقيمت جماعة في صلاة الجَنَازة ثم حضر آخرون، فلهم أن يصلُّوا عليها أفرادًا أو في جماعة أخرى، وتكون صلاتهم فرضًا في حقهم، كما أنها فرض في حق الأولين، بخلاف من صلاها مرة لا تستحب له إعادتها فإن المعادة تكون تطوّعًا، وهذه الصلاة لا يتطوع بها، فإن كان قد صلى مرة، وأراد إعادتها في جماعة لم يستحب أيضًا في أظهر الوجهين، ولا فرق بين أن يكون حضور الآخرين قبل الدفن أو بعده، ولا يشترط ظهور الميت، وخالف أبو حنيفة في الحالتين.
أما قبل الدفن؛ فلأن عنده لا يصلى على الجنازة مرتين، وأما بعده فلأن عنده لا يصلى على القبر إلا إذا دفن ولم يصلّ عليه الولي فله أن يصلي على القبر، وهكذا له أن يصلّي عليه قبل الدَّفن إذا كان غَائبًا وصلّى عليه غيره، وساعد أبا حنيفة مالك في الفصلين، والخلاف جاء فيما إذا دفن ميت قبل أن يصلى عليه فعندنا يصلى على قبره
_________________
(١) تقدم وهو عند البخاري (١٣١٨)، ومسلم (٩٥١).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
ولا ينبش للصلاة ولكن يأثم الدافنون بما فعلوا، فإن تقديم الصلاة على الدفن واجب، وعندهما لا يصلى على القبر. لنا ما روي عن ابن عباس -﵄- "أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلاَ آذنْتُمُونِي. قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ الْلَيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ وَصَفَّنَا خَلْفَهُ، قَال ابْن عَبَّاسٍ -﵄- وَأَنَا فِيْهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" (١). ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "فلا تفوت بالدفن" بالواو؛ لأن أبا عبد الله الحَنَّاطي حكى عن أبي إسحاق المَرْوَزِي أن فرض الصَّلاة لا يسقط بالصَّلاة على القبر، وإنما يصليِّ على القبر من لم يدرك الصَّلاة، وإلى متى تجوز الصلاة على القبر؟ فيه خمسة أوجه:
أحدهما: إلى ثلاثة أيام، ولا تزاد؛ لأنها أول حدِّ الكثرة وآخر حد القلة، ويروى هذا عن أصحاب أبي حنيفة -﵀- حيث جوزوا للوليّ الصلاة على القبر.
والثاني: وبه قال أحمد -﵀-: أنه يصلِّي عليه إلى شهر ولا يزاد، وهذا ما ذكره ابن القاصّ في "المفتاح". قال القفَّال: يحتمل أنه خرّج ذكل من صلاة النَّبي على النَّجاشي، فإنه كان بينهما مسيرة شهر، ومعلوم أنه لولا الوحي لما علموا بموته إلا بعد شهر، ومنهم من وجهه بما روي "أَنَّهُ -ﷺ- صَلَّى عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ مَغرُورٍ بَعْدَ شَهْرٍ" (٢).
ولم تنقل الزّيادة عليه.
الثالث: أنه يصلي عليه ما دام يبقى منه شيء في القبر، فإن انمحقت الأجزاء كلها فلا إذ لم يبق ما يصلّى عليه، وعلى هذا لو تردد في انْمِحَاق الأجزاء فلإمام الحرمين -﵀- فيه احْتِمَالان:
أحدهما: أن يقال الصَّلاة تستدعي تيقّن البقاء في القبر.
والثاني: أن يقال: الأصل بقاؤه فيجوز وهذا الثاني أْوفق لرواية الصَّيدلاني وآخرين، وأصل الوجه فإنهم نقلوا أنه يصلي عليه ما لم يعلم بلاه.
والوجه الرابع: أنَّه يصلّى عليه من كان من أهل فرض الصَّلاة يوم الموت ولا يصلّى عليه غيره، هكذا رواه الشيخ أبو محمد والصَّيدلاني وغيرهما عن الشيخ أبي زيد، وأشار إليه صاحب "الإفصاح"، ووجهه: بأن من كان من أهل الفرض يومئذ كان الخطاب متوجهًا عليه فمتى أَدَّى كان مؤديًا لفرضه، وغيره لو صلّى كان متطوعًا، وهذه
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٧)، ومسلم (٩٥٤).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٤٩) من رواية أبي محمد بن سعيد بن أبي قتادة قال: وهو مرسل: قال: وروى هكذا بزيادة عن أبيه موصلًا بدون التأقيت قال: ويروى بعد موته بسنة، والصواب الأول.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
الصلاة لا يتطوع بها، وروى المُحَامِلِيُّ وطائفة هذا الوجه بعبارة أخرى، فقالوا: من كان من أَهْل الصَّلاة يصلِّي عليه يوم موته ومن لا فلا، فعلى العبارتين معًا من لم يولد عند الموت، أو لم يكن مميزًا لم يكن له أن يصلّي على القبر ومن كان مميزًا حينئذ هل يصح؟ أما على العبارة الأولى فلا؛ لأنه لم يكن من أهل فرضيّة الصلاة، وأما على الثَّانية فنعم، لأنه كان من أَهْل الصَّلاة، والعبارة الأولى أشهر، والثانية أصحّ عند القاضي الروياني، وهي التي يوافقها لفظ الكتاب، فإنه قال: وقيل من كان مميزًا عند موته يصلّي فلا يعتبر إلا التّمييز الذي يعطي أهليّة الصَّلاة دون أهليّة الافتراض.
والوجه الخامس: أنه يصلّي عليه أبدًا؛ لأن القصد بهذه الصَّلاة الدُّعاء وهو جائز في الأوقات كلّها، وأظهر الوجوه هو الرّابع، ثم هذا كله في قبر غير النَّبيّ -ﷺ-.
فأما الصَّلاَة على قبره فتبنى على الوجوه المذكورة في حق غيره، فعلى الوجوه الأربعة الأولى لا يصلّى عليه اليوم، أما على غير الثَّالث فظاهر، وأما على الثالث فليس الامْتِنَاع؛ لأنه لا يبلى إِذِ الأَرْض لا تَأْكُلُ أَجْسَاد الأَنبياء، ولكن لأنه روى في الخبر أنه -ﷺ- قال: "أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلاَثٍ" (١).
وعلى الوجه الخامس هل يصلى عليه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، لما روي أنه -ﷺ- قال: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ" (٢).
والثاني: نعم، كما في حقِّ غيره، ولكن فرادى لا جماعة كما فعل أصحاب النبي -ﷺ-، ويحكى هذا عن أبي الوليد النَّيْسَابُوري.
إذا عرفت ذلك أعلمت قوله: "فلا يصلى على قبر رسول الله -ﷺ-" بالواو، ويجوز أن يعلم ما سوى الثَّاني من الوجوه بالألف؛ لأن مذهبه الثاني كما قدمناه.
فائدة: قوله في أول هذا الطرف: "وهي كسائر الصلوات" أراد به في الشّرائط كما قدمناه، ثم الغرض بيان أنَّ شرائط سائر الصَّلوات مرعية فيها؛ لأن شرائط هذه الصَّلاة منحصر فيها؛ لأنه يشترط فيها تقدّم غسل الميّت حتى لو مات في بئر، أو في معدن انْهَدَم عليه، وتعذَّر إخْرَاجه وغسله لم يصلّ عليه، ذكره صاحب "التتمة"، ويشترط فيها أيضًا عدم التقدم على الجنازة الحاضرة بين يديه، وعلى القبر إن كان يصلى عليه على الصحيح.
_________________
(١) أورده الإمام في "النهاية" وقال الحافظ لم أجده هكذا. انظر التلخيص (٢/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٥، ١٣٣٠، ٣٤٥٣، ٣٤٥٤، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٤٤٤٤، ٥٨١٥، ٥٨١٦)، ومسلم (٥٣١)، (٥٢٩).
[ ٢ / ٤٤٥ ]