قال الرافعي: عن رسول الله -ﷺ- قال: "إِنَّ صَلاتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآدَمِّيِينَ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ" (١).
وروي أن -ﷺ- قال: "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مَن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وإنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لاَ تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" (٢).
للمتكلم في الصلاة حالتان:
أحداهما: أن لا يكون معذورًا فيه.
والثانية: أن يكون معذورًا، وهذا الفصل مسوق لبيان الحالة الأولى فينظر إن نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته، إلا إذا كان مفهمًا أما أنه لا تبطل إذا لم يكن مفهمًا، فلأن أقل ما بني عليه الكلام حرفان، والحرف الواحد ليس من جنس الكلام، وأما أنه تبطل إذا كان مفهمًا فلاشْتِمَالِهِ على مقصود الكلام، والإعراض به عن الصلاة، ومثال الحرف الواحد المفهم "ق" و"ش" و"من" و"قي" و"وشي" وما أشبه ذلك، فإنه يفهم وإن كان ينبغي أن يسكت عليها بالهاء، وإن نطق بحرفين، بطلت صلاته، سواء أفهما أم لا؛ لأن ذلك من جنس الكلام، والكلام ينقسم إلى مفيد وغير مفيد، ولو أتى بحرف ومدَّة بعده، فهل هما كالحرفين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها قد تتفق لإشباع الحركة ولا يعد حرفًا.
_________________
(١) = بالتيمم ويكره أن يصلي في ثوب فيه صور، ويكره أن يصلي الرجل ملثمًا؛ والمرأة منتقبه، وأن يغطي فاه إلا أن يتثاءب فإن السنة حينئذ أن يضع يده على فمه، ويكره أن يشتمل الصماء، وأن يئتمل اشتمال اليهود، فالصماء: أن يجلل بدنه بالثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، واشتمال اليهود كذلك إلا أنه لا يرفع طرفيه، وقيل: هما بمعنى، والمراد بهما الثاني. الروضة (١/ ٣٩٣، ٣٩٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧) من رواية معاوية بن الحكم السلمي -﵁-.
(٣) أخرجه أبو داود (٩٢٤) محت رواية ابن مسعود، وصححه ابن حبان، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٥٤).
[ ٢ / ٤٣ ]
وأظهرهما: نعم؛ لأن المدة ألف أو ياء أو واو، وهي حروف مخصوصة فضمها إلى الحرف كضم حرف آخر إليه؛ ومال إمام الحرمين إلى رفع هذا الخلاف، بحمل الوجه الأول على ما إذا اتبعه بصوت غفل لا يقع على صورة المدات، والجزم بالمنع إذا اتبعه بحقيقة المدِّ، وفي التنحنح ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه إن لم يبن منه حرفان فلا تبطل الصلاة، وإلا فيبطلها، كما لو أتى بحرفين على وجه آخر.
والثاني: أنه لا تبطل، وإن بَانَ منه حرفان؛ لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يتبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل، وحكي هذا عن نص الشافعي -﵁-.
والثالث: ذكره القَفَّالُ أنه إن كان مطبقًا [فمه] (١) لم يضر، وإن كان فاتحًا فمه ننظر حينئذ: هل يبين منه حرفان أم لا؟.
والفرق أنه إن كان مطبقًا شفتيه كان التنحنح كقرقرة في التجاويف، فإذا فرعنا على الأول وهو الذي قطع به الجمهور، فذلك إذا أتى به قصدًا من غير حاجة، فأما إذا كان مغلوبًا فلا بأس، ولو تعذرت القراءة إلا به تنحنح، وهو معذور، وإن أمكنه القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يعذر به إقامةً لشعار الجهر، ولأن التنحنح في أثناء القراءة لا يعد منقطعًا عن القراءة، بل يعد من توابعها.
وأظهرهما: أنه ليس بعذر؛ لأن الجهر أدب وسنة، ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له، ولو تنحنح الإمام وظهر منه حرفان؛ فهل للمأموم أن يدوم على متابعته؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي الحسين:
أحدهما: لا، بل يفارقه؛ لأن الأصل سلامته، وصدور أفعاله عن اختياره.
وأظهرهما: أن له أن يدوم على متابعته؛ لأن الأصل بقاء العبادة، والظاهر من حالة الاحتراز عن مبطلات الصلاة، فيحمل على كونه مغلوبًا، والضحك والبكاء والنفخ والأنين كالتنحنح، إن بَانَ منها حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا؛ ولا فرق بين أن يكون بكاءه لأمر الدّنيا أو الآخرة.
وعند أبي حنيفة إن كان الأنين والبكاء لأمر الجنة والنَّار لم يضر، وإن كان لمرض ونحوه بطلت صلاته بكل حال.
_________________
(١) في أسنتين وهما بمعنى واحد.
[ ٢ / ٤٤ ]
إذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب: واعلم أن قوله: (والعمد منه مبطل للصلاة) الغرض منه بيان حكم الكلام في غير المعذور لإدارة الحكم على وصف العَمْدِية، فإنه قد يتكلم عامدًا ولا تبطل صلاته على ما سيأتي في الأعذار، لكن الوصف المقابل للعمدية وهو النسيان أشهر الأعذار، فكنى بالعامد من غير المعذور.
وقوله: (فتبطل الصلاة بالحرف الواحد ) إلى آخره، إشارة إلى حد القليل، معناه: ما قَلَّ، هو الحرف الواحد، إن كان مفهمًا أو حرفان كيفما كانا.
وقوله: (والتنحنح لغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه) مطلق، والمراد منه ما إذا ظهر منه حرفان، فإن قُلْتَ: لو لم يظهر إلا حرف واحد لم يقع عليه اسم التنحنح، وقد تعرض في الكتاب للتنحنح، فلا حاجة إلى التقييد المذكور.
فالجواب أن انتفاء ظهور الحرفين قد يكون لانحصار (١) ما ظهر في الحرف الواحد، وقد يكون لاسترسال سعال، لا يبين منه حرف أصلًا فلا بد من التقييد.
قوله: "لغير ضرورة" كان المراد بالضرور الحاجة، وإلا فيدخل في قوله: (والتنحنح لغير ضرورة مبطل) ما إذا تعذرت القراءة إلا به؛ لأنه يمكنه الصبر، فلعلها تتيسر على قربٍ، وحينئذ يكون ما ذكره حكمًا بالبطلان في تلك الصورة، ومعلوم أنه ليس كذلك.
قال الغزالي: وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِسَبْقِ اللِّسَانِ وَلاَ بِكَلاَمِ النَّاسِي (ح)، وَلاَ بِكَلاَمِ الجَاهِلِ (ح) بِتَحْرِيمِ الكَلاَمِ إِنْ كَانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِالْإِسْلاَمِ، وَهَلْ تَبْطُلُ بِكَلاَمِ المُكْرَهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَمَصْلَحَةُ الصَّلاَةِ لَيْسَتْ عُذْرًا (م) فِي الكَلاَمِ.
قال الرافعي: غرض هذا الفصل القول في أعذار الكلام.
فمنها: سباق اللسان إلى الكلام عن غير قصد منه، لا يقدح في الصَّلاة بحال؛ لأنا سنبين أن الناسي معذور، فهذا أولى؛ لأن الناسي يتكلم قاصدًا إليه وإنما غفل عن الصلاة، وهذا غير قاصد إلى الكلام، وكذلك لو غلبه الضحك أو السعال لم يضر وإن بَانَ منه حرفان، ومنها النّسيان، فلا تبطل الصلاة بكلام الناسي للصلاة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: كلام الناسي ككلام العابد، وسلم أبو حنيفة أن كلام الناسي لا يبطلها، وعن أحمد روايتان:
أحداهما: مثل مذهبه، والأشهر مثل مذهبنا.
_________________
(١) في "ب" بانحصار.
[ ٢ / ٤٥ ]
لنا ما روي عن أبي هريرة -﵁- قال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيَتَ، فَقَالَ: كُلَّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ. [فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ] (١) فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقِيلَ: نَعَمْ فَأتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاَةِ، وَسَجَدَ للسَّهْوِ" (٢).
ووجه الاستدلال: أنه تكلم معتقدًا أنه ليس في الصلاة، ثم بني عليها.
وأيضًا القياس على السلام ناسيًا، وعلى الأكل في الصوم ناسيًا.
ومنها: الجهل بتحريم الكلام على المصلي، لما روي عن معاوية بن الحكم قال: "لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْحَبَشَةِ، صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَعَطَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَحَدَقَنِي النَّاسُ بأَبْصَارِهِمُ، فَقُلْتُ: مَا شَأَنكُم تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِم يُسَكِّتُونَنِي، فسَكت، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَالَ: يَا مُعَاوَيةُ إِنَّ صَلاتَنَا هذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" (٣).
وهذا عذر في حق قريب العهد بالإسلام، فإن كان بعيد العهد به بطلت صلاته، لأنه مقصر بترك التعلم، ولو علم أن الكلام حرام "في الصلاة" ولكن لم يعلم أنه مبطل لها لم يكن ذلك عذرًا، كما لو علم أن شرب الخمر حرام ولم يعلم أنه يوجب الحد، بخلاف ما لو لم يعلم التحريم، والسبب فيه أنه بعد ما عرف التحريم حقه الامتناع.
وقال في "الوسيط" عقيب هذه المسألة: الجهل بكون التنحنح أو ما يجري مجراه مبطلًا فيه تردد -يعني- وجهين، والأصح أنه عذر، ويبعد أن يكون التصوير فيما إذا جهل كون التنحنح مبطلًا بعد العلم بتحريمه، فإنا إنما اكتفينا في المسألة السابقة بالعلم بالتحريم من حيث إنه إذا علم التحريم فينبغي أن يمتنع عن الحرام، ولا حاجة إلى العلم بكونه مبطلًا، وهذا موجود في التنحنح فلا يظهر بينهما فرق مع التسوية في الحرمة، والقول (٤) بكونهما مبطلين، ولكن الأقرب شيئان:
أحدهما: أن يكون هذا التردد في الجاهل، لكون التنحنح مبطلًا بعد العلم بكون الكلام مبطلًا، أو حرامًا؛ لأن التنحنح وإن بَانَ منه حرفان لا يعد كلامًا، فلا يلزم من العلم بالمنع عن الكلام العلم بالمنع منه، والتردد على هذا التنزيل قريب من التردد فيما إذا علم أن جنس الكلام محرم ولم يعلم أن ما أتى به، هل هو
_________________
(١) سقط في "ب".
(٢) من رواية أبي هريرة -﵁- أخرجه البخاري (٤٨٢، ٧١٤، ٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠)، ومسلم (٥٧٣).
(٣) تقدم.
(٤) في "ب" والجهل.
[ ٢ / ٤٦ ]
[محرم] (١) أم لا؟ والظاهر في الصورتين أنه معذور.
والثاني: أن يكون التردد في حق بعيد العهد بالإسلام، إذا جهل كون التنحنح مبطلًا هل يعذر أم لا؟ فعلى رأي لا، كما إذا جهل كون الكلام مبطلًا، وعلى رأي: نعم؛ لأن ذلك مشهور لا يكاد يجهله مُسْلِمٌ، وهذا ما يختص بمعرفته الفقيه -والله أعلم-.
ومنها: الإكراه فلو أكره حتى تكلم، هل تبطل صلاته؟ فيه قولان، كالقولين فيما لو أكره الصائم على الأكل.
أحدهما: لا تبطل صلاته إلحاقًا للإكراه بالنسيان.
وفي الخبر: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢).
وأصحهما: ولم يذكر في "التهذيب" سواه: أنها تبطل؛ لأنه أمر نادر بخلاف النسيان، وصار كما لو أكره على أن يصلي بلا وضوء أو قاعدًا تجب عليه الإعادة، ولا يكون عذرًا، ثم جميع هذه الأعذار في الكلام اليسير، فأما إذا كثر ففي صورة النسيان وجهان مشهوران:
أحدهما: أنها لا تبطل الصلاة؛ لأنه لو أبطلها (٣)، لأبطلها القليل، كما في حالة التعمد، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: عند الجمهور: أنها تبطل، وعليه يدل كلام الشافعي -﵁- في "المختصر" وذكروا له معنيين:
أحدهما: أن الاحتراز عن الكثير سهلٌ غالبًا؛ لأن النسيان فيه يبعد ويندر، وما يقع نادرًا لا يعتد به.
والثاني: أنه يقطع نِظْمَ الصَّلاَةِ وهيئتها، والقليل يحتمل لقلته، ورتبوا على هذه المسألة بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسيًا، إن قلنا: لا تبطل الصلاة فالصوم أولى بالاَّ يبطل، وإن قلنا: ببطلان الصلاة، ففي الصوم وجهان مبنيان على المحنيين، إن قلنا: بالمعنى الأول يبطل وإن قلنا: بالثاني فلا إذ ليس في الصوم أفعال منظومة حتى يفرض انقطاعها، وإنما هو انكفاف مجرد، وأجرى صاحب "المهذب" وغيره هذا الخلاف في
_________________
(١) في أحرام ولا فرق بينهما هنا.
(٢) أخرجه ابن ماجة بلفظ (إن الله وضع إلى آخره) (٢٠٤٥)، وذكره الهيثمي في الموارد (١٤٩٨)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، وانظر التلخيص (١/ ٢٨١) وما بعدها.
(٣) في "ب" لو أبطل الصلاة.
[ ٢ / ٤٧ ]
حالة الجهل أيضًا، وكذلك في سبق اللسان، وما الحد الفارق بين القليل والكثير؟ حكي في "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن الكلام اليسير حده الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها (١)، [وعن] ابن الصباغ أن اليسير هو: القدر الذي تكلم به النبي -ﷺ- في حديث ذي اليدين وكل واحد منهما للتمثيل أصلح منه للتحديد، والأظهر فيه وفي نظائره الرجوع إلى العادة على ما سيأتي.
إذا عرفت ذلك عرفت أن قوله: (ولا تبطل لسبق اللسان، ولا بكلام الناسي ) إلى آخره المراد منه الكلام اليسير وإن كان اللفظ مطلقًا إلا أن يريد الجواب على الوجه المنسوب إلى أبي إسحاق، فحينئذ لا حاجة إلى التقييد، ويحتاج إلى الإعلام بالواو والظاهر أنه ما أراد إلا اليسير.
وقوله: (ولا بكلام النَّاسِي) معلم بالحاء والألف لما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: (ولا بكلام الجاهل) بالحاء أيضًا لأن في كلام أصحابنا حكاية الخلاف عن أبي حنيفة في صورة الجهل أيضًا.
وقوله: (بأن كان قريب العهد بالإسلام) في بعض النسخ إن كان قريب العهد، وهو أولى؛ لأن الغرض تقييد الجاهل، وإنما يقال: بأن يكون كذا في موضع التفسير والبيان.
وقوله: (ومصلحة الصلاة ليست عذرًا في الكلام) الغرض منه بيان أنه لا فرق بين أن يتكلم لمصلحة الصلاة مثل أن يقول: لإمامه الساهي بالقيام: اقعد، أو بالقعود: قم، أو تكلم لا لمصلحتها، وكونه لمصلحتها ليس من جملة الأعذار، خلافًا لمالك -﵁- وهو رواية عن أحمد في حق الإمام خاصة.
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "الْكَلاَمُ يَنْقُضُ الصَّلاَةَ وَلاَ يَنْقُضُ الوُضُوءَ" (٢).
وهذا مطلق.
واحتج الأصحاب أيضًا بأن المأموم إذا أراد تنبيه الإمام على سهوه فالسُّنة له أن يسبح إن كان رجلًا، وإن تصفق إن كانت امرأة فلو جاز أن ينبه بالكلام لما أمر بالعدول إلى التسبيح، وغيره.
واعرف هاهنا شيئين:
_________________
(١) في أوحكى.
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٢ - ١٧٣) بإسناد ضعيف، انظر الخلاصة (١/ ١٥٤) من رواية سهل بن سعد الساعدي -﵁-.
[ ٢ / ٤٨ ]
أحدهما: أن التسبيح والتصفيق لا اختصاص لهما بحالة تنبيه الإمام، بل متى ناب الرجل شيء في صلاته كما إذا رأى أعمى يقع في بئر واحتاج إلى تنبيهه أو استأذنه إنسان في الدخول، وأراد إعلام غيره أمرًا فالسُّنَّة له أن يسبح، والمرأة تصفق، في جميع ذلك لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا نَابِ أَحَدُكُمْ شَيْءٌ فِي صَلاَته، فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّمَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" (١).
والثاني: أن المراد من التصفيق أن تضرب بطن كلها الأيمن على ظهر كلها الأيسر.
وقيل: أن تضرب أكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى.
وقيل: هو ضرب أصبعين على ظهر الكف، والمعاني متقاربة، والأول أشهر، ولا ينبغي أن تضرب بطن الكف على بطن الكف، فإن ذلك لعب، ولو فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها، وإن كان ذلك قليلًا، لأن اللعب ينافي الصلاة، فهذا شرح مسائل الكتاب، وينخرط في سلك الأعذار سوى ما ذكره أمور:
منها: ما يقع جوابًا للرسول -ﷺ- فإذا خاطب مصليًا في عصره وجب عليه الجواب، ولم تبطل بذلك صلاته.
ومنها: لو أشرف إنسان على الهلاك، فأراد إنذاراه وتنبيهه ولم يحصل ذلك إلا بالكلام فلا بد له من أن يتكلم، وهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو إسحاق واختاره جماعة من الأصحاب-: لا كإجابة النبي -ﷺ-.
وأصحهما: عند الأكثرين، نعم للنصوص المطلقة، ويستثنى جواب رسول الله -ﷺ- لشرفه، ولهذا أمر المصلي بأن يقول: سلام عليك أيها النبي؛ ولا يجوز أن يقول ذلك لغيره.
ومنها: ما حكى المحاملي وغيره: أنه لو قال: آه من خوف النار لم تبطل صلاته، والمشهور خلافه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ عَلَى قَصْدِ القِرَاءَةِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلاَّ التَّفْهِيمَ بَطُلَتْ، وَفِي السُّكُوتِ الطَّوِيلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَجْهَانِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٤، ١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٢٦٩٣، ٧١٩٠).
[ ٢ / ٤٩ ]
قال الرافعي: الكلام الذي يقدح في الصلاة عند عدم الأعذار هو ما عدا القرآن والأذكار، وما في معناها فأما القرآن: فإذا أتى بشيء من نظمه قاصدًا به القراءة لم يضر، وإن قصد مع القراءة شيئًا آخر كتنبيه الإمام أو غيره والفتح على من ارتج عليه، وتفهيم أمر من الأمور مثل أن يقول لجماعة يستأذنون في الدخول (ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ) أو يقول: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) وما أشبه ذلك ولا فرق بين أن يكون منتهيًا في قراءته إلى تلك الآية أو ينشئ قراءتها حينئذ.
وقال أبو حنيفة: إذا قصد شيئًا آخر سوى القراءة بطلت صلاته، إلا أن يريد تنبيه الإمام أو المَارِّ بَيْنَ يديه، وكذا لو أتى بذكر وتسبيح في الصلاة، وقصد به مع الذكر شيئًا آخر ففيه مثل هذا الخلاف، وذلك مثل أن يحمد الله تعالى على عطاس، أو بشارة يبشر بها، أو يخبر بما يسوءه فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
لنا: ما روي عن علي -﵁- قال: "كَانَتْ لِي سَاعَةٌ أَدْخُلُ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَإنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ سَبَّحَ، وَذلِكَ إِذْنُهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ أَذِنَ" (١) ولأنه قصد الإفهام والإعلام بشيء مشروع في الصلاة فلا يضر؛ كما لو قصد تنبيه الإمام والمار بين يديه، ونقل صاحب "البيان" وغيره وجهًا عن بعض أصحابنا أيضًا، أنه إذا قصد مع التلاوة شيئًا آخر بطلت صلاته، فليكن قوله: (وإن قصد التفهيم) معلمًا بالحاء والواو كذلك، وإن لم يقصد إلا الإفهام والإعلام فلا خلاف في بطلان الصلاة، كما لو أفهم بعبارة أخرى، ولو أتى بكلمات لا توجد في القرآن على نظمها وتوجد مفرداتها، مثل أن يقول: (يا إبراهيم)، (سلام) (كن) بطلت صلاته ولم يكن لها حكم القرآن بحال.
وأما الأذكار والتسبيحات والأدعية بالعربية فلا تقدح أيضًا، سواء المسنون وغير المسنون منها، نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله -ﷺ- يجب الاحتراز منه فلا يجوز أن يقول للعاطس: يرحمك الله.
وعن يونس بن عبد الأعلى (٢) عن الشافعي -﵁- أنه لا يضر ذلك، وصحح القَّاضِي الرّوَيانِي هذا القول، والمشهور الأول، ويدلُّ عليه ما قدمنا من حديث
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣/ ١٢)، والبيهقي وقال مختلف في إسناده ومتنه، فقيل سبح، وقيل تنحنح، ومداره على عبد الله بن نجي الحضرمي، قال البخاري: فيه نظر، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٥٥).
(٢) يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي أبو موسى المصري أحد أصحاب الشافعي وأئمة الحديث روى عنه مسلم والنسائي وابن ماجة، ولد في ذي الحجة سنة سبعين ومائة ومات في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، ابن قاضي شهبة (١/ ٧٢ - ٧٣) العبادي ١٨ الشيرازي ٨٠، ابن حجر في التهذيب (١١/ ٤٤٠)، العبر (٢/ ٢٩)، وفيات الأعيان (٦/ ٢٤٧).
[ ٢ / ٥٠ ]
معاوية بن الحكم، ولم ينقل خلاف في أنه لا يجوز أن يسلم، ولا أن يرد السلام لفظًا ويرده إشارة بيده أو برأسه، خلافًا لأبي حنيفة.
ولو قال: يرحمه الله، أو ﵇ لم يضر، هذا هو الكلام في إحدى مسألتي الغسل وما يتعلق بها.
والثانية: السكوت اليسير في الصَّلاَةِ لا يضر بحال، وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان:
أحدهما: أنه يبطل الصلاة؛ لأنه كالإضراب عن وظائفها، إذ اللائق بالمصلي الذكر والقراءة والدعاء، ومن رآه في سكتة طويلة سبق إلى اعتقاده أنه ليس في الصلاة كما إذا رآه يتكلم.
وأصحهما: لا تبطل؛ لأن السكوت لا [يحرم] (١) هيئة الصلاة وما يجب فيها من رعاية الخضوع والاستكانة، وخص في "التهذيب" الوجهين بما إذا سكت لغير غرض، فأما لو سكت طويلًا لغرض بأن نسي شيئًا فتوقف لتذكر: فلا تبطل صلاته ولا محالة، ولو سكت سكوتًا طويلًا ناسيًا، وقلنا: إن عمده مبطل فطريقان:
أحدهما: التخريج على الخلاف المذكور في الكلام الكثير ناسيًا.
والثاني: أنه لا يضر جزمًا تنزيلًا له منزلة الكلام اليسير، ولهذا عند التعمد جعل طويل السكوت كقليل الكلام، وسومح بقليل السكوت.
قال في "الوسيط": وهذا أصح.
واَعلم: أن الإشارة المفهمة من الأخرس نازلة منزلة عبارة الناطق في العقود، وهل تبطل الصلاة بها؟ أجاب الإمام الغزالي -﵀- في "الفتاوى" بأنها لا تبطل ورأيت بخط والدي -﵀- حكاية وجه آخر أنها تبطل ككلام الناطق.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الْخَامِسُ: تَرْكُ الأَفْعَالِ الكَثِيرَةِ، والكَثِيرُ مَا يُخَيِّلُ لِلنَّاظِرِ الإِعْرَاضَ عَنِ الصَّلاَةِ كَثَلاَثَ خُطُوَاتٍ أوْ ثَلاثِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَلاَ تَبْطُلُ بِمَا دُونَهُ، وَلاَ بِمُطَالَعَةِ القُرْآن، وَلاَ بِتَحْرِيكِ الأَصَابع فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكَّةٍ عَلَى الأظْهَرِ.
قال الرافعي: ما ليس من أفعال الصلاة ضربان:
أحدهما: ما هو من جنسها، فإن فعله ناسيًا عُذِّر، ولم تبطل صلاته، لما روي أنه -ﷺ- "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الحَالُ سَجَدَ للسَّهْوِ وَلَمْ يُعِدِ
_________________
(١) في أيبطل.
[ ٢ / ٥١ ]
الصَّلاَةِ" (١)، وإن كَانَ عامدًا بطلت سواء كثر أو قلّ كركوع وسجود ونحوهما؛ لأنه تلاعب في الصلاة، وإعراض عن نظام أركانها.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته بزيادة الركوع والسجود عمدًا، وإنما تبطل بزيادة ركعة.
والضرب الثاني: ما ليس من جنس أفعال الصَّلاَةِ، وهو المقصود في الكتاب، فلا خلاف أنه يفرق فيه بين القليل والكثير؛ لما روي "أَنَّهُ -ﷺ- صَلَّى وَهُوَ حَامِلُ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا".
وروي أنه -ﷺ- قال: "اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ الحية وَالعَقْرَبِ" (٢).
وروي أنه -ﷺ- "أَخَذَ بِأُذُنِ ابْنِ عَبَّاس -﵄- وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَأدَارَهُ مِنْ يَسَارِهِ إِلَى يَمِينِهِ" (٣).
ودخل أبو بكر المسجد والنبي -ﷺ- في الركوع فركع خيفة أن يفوته الركوع ثم خطا خطوة ودخل الصف، فلما فرغ قال له النبي -ﷺ-: "زَادَكَ اللهُ حِرصًا، وَلاَ تَعُدْ" (٤) ولم يأمره بالإعادة.
وروي "أَنَّهُ صَلَّى -ﷺ- سَلَّمَ عَلَيهِ نَفَر مِنَ الأَنصَارِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالإشَارَةِ" (٥).
دلت هذه الأخبار ونحوها، على احتمال الفعل القليل في الصلاة، وإلى هذا أشار المصنف حيث قال في ترجمة الشرط "ترك الأفعال الكثيرة" وفي الكلام لما استوى قليله وكثيره في الإبطال، أطلق فقال: (ترك الكلام).
والمعنى فيه: أنه يعسر على الإنسان أو يتعذر الكون على هيئة واحدة في زمان طويل، بل لا يخلو عن حركة واضطراب، ولا بد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع، [فعفى عن القدر الذي لا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع] (٦) وأما في
_________________
(١) أخرجه البخاري من رواية ابن مسعود (٤٠٤)، ومسلم (٥٧٢).
(٢) أخرجه الدارمي (١٥١٢)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠) وقال: حسن صحيح والنسائي (٣/ ١٠)، وابن ماجة (١٢٤٥)، والهيثمي في الموارد (٥٢٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٥٦).
(٣) أخرجه البخاري (١١٧، ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٥٩١٩. ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢)، ومسلم (٧٦٣).
(٤) أخرجه البخاري (٧٨٣)، وأبو داود (٦٨٣، ٦٨٤).
(٥) أخرجه أبو داود (٩٢٧) والترمذي (٣٦٨) وقال حسن صحيح والنسائي (٣/ ٦٠٥) وأخرجه ابن ماجة (١٠١٧) وذكره الهيثمي في الموارد (٥٣٢).
(٦) سقط في "ب".
[ ٢ / ٥٢ ]
الكلام فالاحتراز عن قليله وكثيره هين، ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير؟ للأصحاب فيه عبارتان غريبتان، وعبارتان مشهورتان، فإحدى الغريبتين أن القليل: ما لا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة فإن وسع فهو كثير، حكاها صاحب "العدة".
الثانية: أن كل عمل لا يحتاج فيه إلى كلتا اليدين فهو قليل، وما يحتاج فيه إليهما فهو كثير.
فالأول: كرفع العمامة وحل أشرطة السراويل.
والثاني: كتكوير العمامة وعقد الإزرار والسراويل.
وأما المشهورتان:
فإحداهما: ما حكي عن القفال وغيره أن القليل هو القدر الذي لا يظن الناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة، والكثير الذي يظن أن فاعله ليس في الصلاة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: "والكثير ما يخيل إلى الناظر الإعراض عن الصلاة" واعترضوا عليها بأن هذا الظن والتخيل إما أن ينشأ من أنه غير محتمل في الصَّلاَة شرعًا، أو أن غالب عادة المصلين الاحتراز عنه من غير أن ينظر إلى محتمل، أم لا، فإن كان الأول فإنما يحصل هذا الظن أو الخيال لمن عرف حد الكثير المبطل، ونحن عنه نبحث، فكأنا قلنا: الكثير هو الذي يحكم ببطلان الصلاة به من عرف أنه مبطل، ومعلوم أن هذا لا يفيد شيئًا، وإن كان الثَّانِي فهو يشكل بما إذا رآه يحمل صبيًا، أو يقتل حية، أو عقربًا، فإنه محتمل مع أن الناظر إليه يتخيل أنه ليس في الصلاة؛ لأنه على خلاف عادة المصلين غالبًا.
والثانية: أن الرجوع [في الفرق بينهما] (١) إلى العادة فلا يضر ما يعده النَّاس قليلًا، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ولبس الثوب الخفيف ونزعه، وما أشبه ذلك، وهذه العبارة هي التي اختارها الأكثرون ومنهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه، ولم يذكر صاحب "التهذيب" سواها، وأوردها الصيدلاني مع الأولى، وأشعر إيراده بترجيح هذه الثانية أيضًا، وعند هذا لا يخفى عليك أن قوله: (والكثير ما يخيل إلى الناظر) ينبغي أن يعلّم بالواو إشارة إلى العبارات الآخر، ثم أطبق أصحاب العبارتين المشهورتين على أن الفعلة الواحدة معدودة من القليل (٢)، كالخطوة الواحدة والضربة الواحدة، وقد
_________________
(١) سقط في "ب".
(٢) ومحله حيث لم يقارنها عزم على عمل كثير أما لو قارنها عزم على عمل كثير بأن نوى أن يضرب ثلاث ضربات متوالية وضرب واحدة بطلت صلاته كما نص عليه الشافعي كما نقله عنه في الشامل والبيان وغيرهما ومحل عدم البطلان من الفعلة الواحدة ما إذا لم يفعلها على وجه اللعب فإن فعلها على وجه اللعب بطلت. روضة الطالبين (١/ ٣٩٧).
[ ٢ / ٥٣ ]
نص عليه الشَّافِعِيُّ -﵁- وعلى أن الثلاث فصاعدًا من الكثير، وفي الفعلتين وجهان محكيان عن رواية القاضي أبي الطيب وغيره.
أحدهما: أنهما من حد الكثير لمكان التكرار، وكالثلاث.
وأصحهما: أنهما من القليل لما روي أنه -ﷺ-: "خَلَعَ نَعْلَيْهِ في الصَّلاَةِ" وهما فعلتان، ورأيت في كثير من نسخ الكتاب قوله: (ولا تبطل بما دونه) معلمًا بالواو، كأنهم أشاروا به إلى الوجه الأول لكن إنما ينتظم ذلك لو رجعت الكناية في قوله: (بما دونه) إلى الخطوات والضربات ورجوعها إلى قوله: (والكثير أظهر) من رجوعها إلى الخطوات، ألا ترى أنه ذكر الكناية ولم يؤنثها، ثم أجمعوا على أن الكثير إنما يبطل بشرط أن يوجد على التوالي، وإليه أشار بقوله: (متوالية) أما لو تفرق كما لو خطا خطوة، ثم بعد زمانٍ خَطَا خطوة أخرى، وهكذا مرارًا لم تبطل صلاته، وكذلك لو خطا خطوتين، ثم بعد زمان خطوتين أخريين إذا قلنا: إن الفعلتين من حد القليل.
واحتجوا عليه بحديث حمل أمامة، فَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَحْمِلُهَا وَيَضَعُهَا، ولم يضر ذلك لتفريق الأفعال، والتفريق بأن يعد الثاني منقطعًا عن الأول في العادة.
وقال في "التهذيب": فيما إذا ضرب ضربتين، ثم بعد زمان ضربتين أخرتين.
وحد التفريق عندي أن يكون بين الأوليتين والأخرتين قدر ركعة لحديث أمامة، ثم ما ذكره الأئمة أن الفعلة الواحدة تعد من القليل أرادوا به نحو الطعنة والضربة والخطوة، فأما إذا أفرطت كالوثبة الفاحشة، فإنها تبطل الصلاة، ذكره صاحب [التهذيب] (١) وغيره، وهو قضية العبارتين المشهورتين، وكذلك قولهم: (الثلاث المتوالية من الكثير المبطل) أرادوا من الخطوة وما يشبهها، وأما الحركات الخفيفة، كتحريك الأصابع في سبحة، أو حكة، أو عقد حل، ففيها وجهان:
أحدهما: أنها إذا كثرت وتوالت أبطلت؛ لأنها أفعال متعددة فأشبهت الخطوات.
وأظهرهما: أنها لا تؤثر؛ لأنها لا تخل بهيئة الخشوع، فهي مع كثرة العدد بمثابة الفعل القليل، وقد حكي عن نص الشافعي -﵁- أنه لو كان يعد الآي في صلاته عقدًا باليد، لم تبطل صلاته، وإن كان الأولى أن لا يفعله، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ، وجميع ما ذكرناه في ما إذا تعمد الفعل الكثير، فأما إذا أتى به ناسيًا فقد حكى في "النهاية" فيه طريقين:
أحدهما: أنه على الوجهين في الكلام الكثير ناسيًا.
_________________
(١) في أالتتمة.
[ ٢ / ٥٤ ]
والثاني: أن أول حد الكثرة لا يؤثر كالكلام اليسير من الناسي، فإن أول حد الكثرة هو الذي يبطل عند التعمد، كالكلام الكثرِ عند التعمد، وما جاوز أول حد الكثرة وانتهى إلى السرف، فهو على الخلاف في الكلام الكثير ناسيًا، والذي حكاه الجمهور من هذا الخلاف أنه لا فرق في الفعل الكثير بين العمد والسهو، وهو الذي يوافق ظاهر قوله: (الشرط الخامس ترك الأفعال الكثيرة) وفرقوا بينه وبين الكلام، بأن الفعل أقوى من القول، ولهذا ينفذ إحبال المجنون دون إعتاقه، قالوا: ولا يعارض هذا بأن القليل من الفعل محتمل، والقليل من الكلام غير محتمل؛ لأن القليل من الفعل لا يتأتي الاحتراز عنه، والْكَلاَمُ مما يتأتى الاحتراز عنه من النَوْعَين، -والله أعلم-. واعلم أنه يستثنى عن إبطال العمل الكثير الصلاة حال شدة الخوف، فيحتمل فيها الركض والعدو عند الحاجة، وهل يحتمل عند عدم الحاجة؟ فيه كلام مذكور في الكتاب في صلاة الخوف على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وأما قوله: (ولا بمطالعة القرآن) فاعلم أنه لو قرأ القرآن من المصحف لم يضر، بل يجب ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة على ما سبق، ولو قلب الأوراق أحيانًا لم يضر؛ لأنه عمل يسير.
وعن أبي حنيفة أنه لو قرأ القرآن من المصحف بطلت صلاته؛ لأن النظر عمل دائم، وعندنا لو كان ينظر في غير القرآن، ويردد في نفسه ما فيه لا تبطل صلاته أيضًا؛ لأن النظر لا يشعر بالإعراض عن الصلاة، وحديث النفس معفو عنه، وحكى القاضي ابن كج وجهًا أن حديث النفس إذا أكثر أبطل الصلاة، وقوله بعد: (مطالعة القرآن): (ولا بتحريك الأصابع في سُبْحَة، أو حكَّة على الأظهر) الوجهان المخصوصان بالتحريك، لا جريان لهما في مطالعة القرآن، فلا يتوهم من العطف غير ذلك.
قال الغزالي: وَإِذَا مَرَّ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتَلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ هَذَا لَفْظُ الخَبَرِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِكَرَاهِيةِ المُرُورِ وَاسْتحْبَابِ الدَّفْعِ، فَإِنْ لَمْ يَنصِبِ المُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ خَشبَةً أَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ جِدَارًا أَوْ عَلاَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الدَّفْعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْصِيرِهِ، وَلاَ يَكْفِيهِ أَنْ يَخُطَّ عَلَى الْأرْضِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ أَوْ مُصَلَّى طَاهِرٍ، فَإذَا لَمْ يَجِدِ المَارُّ سَبِيلًا سِوَاهُ فَلاَ دَفْعَ لَهُ بِحَالٍ.
قال الرافعي: السبب الداعي إلى إيراد هذا الفصل هاهنا الاستدلال بالأمر بالدفع على أن الفعل القليل لا بأس به في الصلاة، ثم يتعلق به مسائل مقصودة فجرت العادة بذكرها في هذا الموضع، والخبر المشار إليه ما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا مَرَّ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّهُ
[ ٢ / ٥٥ ]
شَيْطَانٌ" (١) وروى البخاري في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءِ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ" (٢).
قيل: معناه شيطان الإنس.
وقيل: معناه فإن معه شيطانًا، فإن الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي وحده، فإذا مر إنسي رافقه.
والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه ستره من جدار، أو سارية أو غيرهما، ويدنو منها بحيث لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، وإن كان في الصحراء فينبغي أن يغرز عصا ونحوها، أو يجمع شيئًا من رحله ومتاعه، وليكن قدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد شيئًا شاخصًا خط بين يديه خطًا، أو بسط مصلَّى؛ لما روي عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبَّ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا؛ ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (٣) ثم إذا صلى إلى سترة كره لغيره أن يمر بينه وبين السترة، وهل هذه الكراهة للتحريم أو للتنزيه؟ الذي ذكره في "التهذيب" أنه لا يجوز المرور، وصاحب الكتاب أراد بقوله وهو تأكيد لكراهية المرور التنزيه؛ لأنه صرح في "الوسيط" بأن المرور ليس بمحزور، وإنما هو مكروه، وكذلك ذكره إمام الحرمين، والأول أظهر؛ لأنه صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال. "لَوْ يَعْلُمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، لكَانَ أنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (٤).
والإثم إنما يلحق بالحرام، وليكن قوله: (بكراهية المرور) معلمًا بالواو، لما ذكرناه، وذكر القاضي الروياني في "الكافي" أن للمصلي أن يدفعه، وله أن يضربه على ذلك، وإن أدى إلى قتله، وكل ذلك لا يكون إلا إذا حرم المرور، ولو لم يجعل بين يديه ستره؛ فهل له دفع المار؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "النهاية" وغيره.
_________________
(١) متفق عليه من رواية أبي سعيد الخدري -﵁- البخاري (٥٠٩، ٣٢٧٤) ومسلم (٥٠٥).
(٢) انظر التخريج السابق.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٨٩)، وابن ماجة (٩٤٣) والهيثمي في الموارد (٤٠٧، ٤٠٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١) واختلف فيه فصححه أحمد، وعلي بن المديني والدارقطني في علله، وابن حبان وضعفه سفيان بن عيينه والبغوي وأشار إلى ذلك الشافعي وقال البيهقي: ولا بأس بالعمل به في الحكم المذكور إن شاء الله تعالى.
(٤) متفق عليه من رواية أبي الجهم الأنصاري البخاري (٥١٠) ومسلم (٥٠٧).
[ ٢ / ٥٦ ]
أحدهما: نعم، لعموم الخبر المذكور في الكتاب.
وأصحهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": لا؛ لتقصيره وتضييعه خط نفسه، ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلى إلى السترة، والمطلق محمول على المقيد.
ولو وقف بعيدًا من السترة فهو كما لو صلَّى لا إلى سترة.
ولو وجد الداخل فُرْجَةً في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصَّفِّ الثاني ويقف فيها؛ لتقصير أصحاب الصَّف الثاني بإهمالها، ذكره الشَّيْخُ أَبُو محمد.
وأما قوله: (فلا يكفيه أن يخط على الأرض) فاعلم أن إمام الحرمين نقل أن الشافعي -﵁- مال إلى الاكتفاء بالخط في القديم، وروى في الجديد ذلك أيضًا، وحض عليه.
قال: وما استقر عليه الأمر أن الخط لا يكفي إذ الغرض الإعلام (١) وذلك لا يحصل بالخط، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، وقال: لا بد من شيء مرتفع، أو مصلى ظاهر ليقف المار عليه ليعدل عن حريم صلاته، وقد تعرض لما نقله عن "الجديد" متعرضون، لكن لم يثبتوه قولًا، واتفقت كلمة الجمهور على الاكتفاء بالخط [وقالوا (٢) إذا خط فليس لغيره أن يمر بينه وبين الخط] كما إذا استقبل شيئًا شاخصًا (٣)، فليكن قوله: (ولا يكفيه أن يخط) معلمًا بالواو، لذلك فإن توهمت الجمع بين كلام الكتاب، وما ذكره الأكثرون، وقلت، إنهم وإن ذكروا استحباب الخط لم يذكروا أنه يمتنع به المرور، ويثبت للمصلي ولاية الدفع، فلعله وإن كان مستحبًا لا يفيد جواز الدفع، وحينئذ لا يكون بين قوله: (ولا يكفيه أن يخط) وبين ما ذكروه منافاة، وبتقدير أن يكون هذان الحكمان متلازمين، فإنما ذكروا الاستحباب فيما إذا لم يجد شيئًا شاخصًا فليحمل ما ذكره إمام الحرمين، والمصنف على ما إذا وجد فالجواب؛ أما الأول فممتنع نقلًا وحجاجًا، أما النقل فلأن صاحب "البيان" حكى عن المسعودي امتناع المرور، وولاية الدفع فيما إذا خط حسب ثبوتهما فيما إذا صلى إلى سترة، أو عصا.
_________________
(١) وقال جماعة: في الاكتفاء بالخط قولان للشافعي. قال في القديم "وسنن" حرملة يستحب ونفاه في البويطي لاضطراب الحديث الوارد فيه وضعفه. واختلف في صفة الخط فقيل: يجعل مثل الهلال، وقيل: يمد طولًا إلى جهة القبلة. وقيل: يمده يمينًا وشمالًا، والمختار استحباب الخط وأن يكون طولًا قاله النووي. الروضة (١/ ٣٩٨، ٣٩٩).
(٢) سقط في ط.
(٣) قال النووي: وقال جماعة: من الاكتفاء بالخط، قولان للشافعي. قال في "القديم" و"سنن" حرملة: يستحب. ونفاه في "البويطي" لإضطراب الحديث الوارد فيه وضعفه. روضة الطالبين (١/ ٣٩٨).
[ ٢ / ٥٧ ]
وأما الحجاج فمن وجهين:
أحدهما: أنه -ﷺ- قال في آخر خبر أبي هريرة -﵁-: "ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" أي: من وراء العلامات المذكورة، ومنها الخط.
والثاني: أن المقصود من أمر المصلي بنصب السترة وغيرها أن يظهر حريم صلاته، ليضطرب فيه في حركاته وانتقالاته، ولا يزحمه غيره ويشغله عن صلاته.
وأما الثاني: فلو أنهما أرادا إحالة وجدان الشاخص لسويا بينه وبين بسط المصلى، كما أن الدين قالوا باستحباب الخط عند فقدان الشَّاخِصِ سووا بينه وبين بسط المصلى، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولم يفعلا ذلك، بل ألحقا بسط المصلي بنصب الخشبة، ويدل عليه ظاهر لفظ الكتاب في موضعين من الفصل، وبالجملة فليس في لفظه هاهنا، ولا في "الوسيط" ما يشعر بهذا التأويل، بل فيه ما يدل على أنه لا عبرة بالخط بحال.
وقوله: (فإن لم ينصب المصلي بين يديه خشبة، أو لم يستقبل جدارًا، أو علامة) عني بالعلامة بسط المصلى، وقضية ما سبق نقله حمل، أو في قوله: (أو علامة) على الترتيب، وكذا في قوله: أو مصلى ظاهر دون التخيير والتسوية.
وأما قوله: (وإذا لم يجد المار سبيلًا سواه، فلا يدفع بحال)، فقد ذكره إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أيضًا.
وقال: النهي عن المرور، والدفع إذا وجد سواه سبيلًا أما إذا لم يجد، وازدحم الناس فلا نهي عن المرور، ولا يشرع الدفع، وهذا فيه إشكال؛ لأن البخاري روى في "الصحيح" عن أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري -﵁- في يوم جمعة يصلي إلى سترة، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفع أبو سعيد -﵁- في صدره، فنظر الشَّابُ فَلَمْ يَجِد مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فعاد ليجتاز، ودفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذي قدمناه (١).
وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع بما إذا وجد سواه سبيلًا (٢) -والله أعلم-.
_________________
(١) تقدم.
(٢) قال النووي: الصواب أنه لا فرق بين وجود السبيل وعدمه، فحديث البخاري صريح في المنع، ولم يرد شيء يخالفه ولا في كتب المذهب لغير الإمام ما يخالفه. وقال أصحابنا: ولا تبطل الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي، سواء مر رجل أو امرأة أو كلب، أو حمار، أو غير ذلك. وإذا صلى إلى سترة فالسنة أن يجعلها مقابلة ليمينه أو شماله، ولا يصمد لها. الروضة (١/ ٤٠٢).
[ ٢ / ٥٨ ]
قال الغزالي: الشَّرْطَ السَّادِسُ تَرْكُ الأكْلِ، وَقَلِيلُهُ مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ إِعْرَاضٌ، وَهَلْ تَبْطُلْ بِوصُولِ شَيْءٍ إِلَى جَوْفِهِ كَامْتِصَاصِ سُكَّرَةٍ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
قال الرافعي: الأكل نوع من الأفعال فإفراده بالذكر يبين أنه أراد بترك الأفعال في الشرط الخامس ما عدا الأكل من الأفعال.
والفرق بينه وبين سائر الأفعال أن قليلها لا يبطل كما سبق، وقليل الأكل يبطل؛ لأنه ينافي هيئة الخشوع، ويشعر بالإعراض عن الصلاة، فلو كان بين أسنانه شيء، أو نزلت نخامة من رأسه فابتلعها عمدًا بطلت صلاته، هذا ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره في الكتاب، فقال: (فقليله مبطل) وليكن معلمًا بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" حكى في القليل وجهًا: أنه لا يبطل كالقليل من سائر الأفعال، ثم الحكم بالبطلان فيما إذا أكل عمدًا، أما [إذا] (١) كان مغلوبًا كما لو جرى الريق بباقي الطعام، أو نزلت النخامة ولم يمكنه إمساكها لم تبطل صلاته، ولو أكل [ناسيًا، أو] (٢) جاهلًا بالتحريم، فإن كان قليلًا لم تبطل، وإن كان كثيرًا فوجهان:
أصحهما: البطلان، هكذا ذكره الأئمة، وجعلوه كالكلام في الصلاة ناسيًا والأكل في الصوم ناسيًا، ولم يجعلوه كسائر الأفعال في الصلاة، إذ الجمهور على أن الفعل لا فرق فيه بين العمد والسهو على ما تقدم.
واعلم أنه لا يعني بالقليل هاهنا ما يقابل الكثير بالمعنى الذي ذكره في الأفعال؛ لأن تفسير الكثير ثَمَّ ما يخيل إلى الناظر الإعراض عن الصلاة، فالقليل المقابل له ما لا يخيل، والأكل أيْ قَدر كان يخيل الإعراض، فيكون كثيرًا بذلك التفسير بكل حال، وإنما المراد من القليل والكثير هاهنا ما يعده أهل العرف قليلًا وكثيرًا، ولو وصل شيء إلى جوفه من غير أن يفعل فعلًا من ابتلاع ومضغ كما لو وضع في فمه سكرة كانت تذوب وتسوغ، ففي بطلان صلاته وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو حامد: لا تبطل صلاته؛ لأنه لم يوجد منه مضغ وازدراد، وهذا ذهاب إلى أن الأكل إنما يبطل لما فيه من العمل.
وقضيته: أن لا يبطل القليل منه، كما حكاه صاحب "التتمة".
وأظهرهما: أنها تبطل، ويعبر عنه بأن الإمساك شرط في الصلاة، كما يشترط الانكفاف عن الأفعال، وعن مخاطبة الآدميين ليكون حاضر الذهن راجعًا إلى الله تعالى وحده، تاركًا للعادات، فعلى هذا تبطل الصلاة بكل ما يبطل به الصّوم.
_________________
(١) في ط لو.
(٢) سقط في "ب".
[ ٢ / ٥٩ ]
وقوله: "كامتصاص سكرة من غير مضغ" ينبغي أن يعرف أن الامتصاص لا أثر له، بل متى كانت في فمه وهي تذوب وتصل إلى جوفه يحصل الخلاف، وإن لم يكن امتصاص، وإنما قال: من غير مضغ، لأن المضغ فعل من الأفعال يبطل الكثير منه، وإن لم يصل شيء إلى الجوف حتى لو كان يمضغ علكًا في فمه بطلت صلاته، [وإن لم يمضغه وكان جديدًا فهو كالسكرة، وإن كان مستعملًا لم تبطل صلاته] (١) كما لو أمسك في فمه أجاصة (٢) ونحوها.
قال الغزالي: خَاتِمَةٌ لِلْمُحْدِثِ المُكْثُ فِي المِسْجِدِ، وَلِلْجُنُبِ العبُورُ دُونَ المَكْثِ، وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ العُبُورُ عِنْدَ خَوْفِ التَّلْوِيثِ، وَعِنْدَ الأَمْنِ وَجْهَانِ، وَالكَافِرُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ بِإذْنِ المُسْلِمِ وَلاَ يَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ كَانَ جُنُبًا مُنِعَ كَالمُسْلِمِ وَقِيلَ: لاَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِم تَفْصِيلَ شَرْعِنَا.
قال الرافعي: مسائل: (الخاتمة) إلى قوله: (فوجهان) مكررة إما أن المحدث له المكث (٣) فقد صار معلومًا بقوله في باب الغسل؛ (ثم حكم الجنابة حكم الحدث مع زيادة تحريمه قراءة القرآن، والمكث في المسجد) وفيه تصريح بتحريم المكث وجواز العبور للجنب.
أما حكم الحائض فقد ذكره في "كتاب الحيض" وشرحنا المسائل في الموضعين، ثم جميع ذلك في حق المسلم.
أما الكافر فلا يمكن من دخول حرم مكة بحال، يستوي فيه مساجده وغيرها، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤).
وأما مساجد غير الحرم فله أن يدخلها بإذن المسلم خلافًا لمالك، ووافقه أحمد في أظهر الروايتين.
لنا أن النبي -ﷺ-: "رَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إِسْلاَمِهِ" (٥).
_________________
(١) سقط في "ب".
(٢) الذي في النسخ التي تحت يدي "اجاصته" ولكن حكى بعض الأئمة أن النسخ الصحيحة من الرافعي "حصاة" وهي عبارة البغوي وقد يوجه ما هنا بأن الإجاصة لها قشرة كالصوان يمنع من انحلال الأجزاء التي في جوفها.
(٣) قال النووي:، كذا النوم بلا كراهة.
(٤) سورة التوبة، الآية ٢٨.
(٥) متفق عليه من رواية أبي هريرة -﵁- أخرجه البخاري (٤٦٢، ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤) وأبو داود (٢٦٧٩) والنساني (٢/ ٤٦).
[ ٢ / ٦٠ ]
"وَقَدِمَ علَيْهِ قَوْمٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَأنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ" (١).
وهل يدخلها بغير إذن أحد من المسلمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ببذل الجزية فصار من أهل دار الإسلام، والمسجد من المواضع العامة فيها فصار كالشوارع، وهذا أظهر عند القاضي الروياني، وجماعة.
والثاني: وهو الأصح عند الأكثرين ولم يذكر صاحب "التهذيب" و"التتمة" سواه؛ أنه ليس له ذلك ولو فعله عزر، ووجهه: أنه لا يؤمن أن يدخل على غفلة من المسلمين فيلوثه، ويستهين به، ولأنه ليس من أهل [ما] (٢) بني المسجد له "وكان المسجد مختصًا بالمسلمين" اختصاص دار الرجل به، وذكر في "التهذيب": أنه لو جلس الحاكم في المسجد يحكم فللذِّمِّي الدخول للمحاكمة، ويتنزل جلوسه فيه منزلة التصريح بالإذن، وإذا استأذن في الدخول بعض المسلمين لنوم، أو أكل ينبغي أن لا يأذن له، وإن استأذن لسماع القرآن، أو علم؛ أذن له رجاء أن يسلم، هذا كله إذا لم يكن جنبًا، فإن كان جنبًا فهل يمكن من المكث في المسجد أم يجب منعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يمنع؛ لأن المسلم ممنوع عند الجنابة لحرمة المسجد، فالكافر أولى بأن يمنع.
وأصحهما: أنه لا يمنع: "لأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ -ﷺ- ويُطِيلُونَ الْجُلُوسَ، وَلاَ شَكَّ بِأنَّهُمْ كَانُوا يُجْنِبُونَ" (٣)، ويخالف المسلم، فإنه يعتقد حرمة المسجد، فيؤخذ بموجب أعتقاده، والكافر لا يعتقد حرمته، ولا يلتزم تفاصيل التكليف، فجاز أن لا يؤخذ به، وهذا كما أن الكافر لا يحد على شرب الخمر؛ لأنه لا يعتقد تحريمه والمسلم يحد، وأما الكافرة الحائض فتمنع حيث تمنع المسلمة؛ لأن المنع تم لخوف التلويث ولهذا يمنع من به جرح يخاف منه التلويث، وكذا الصبيان والمجانين يمنعون من دخوله (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢١٨) وأبو داود (٣٠٢٦) والبيهقي (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، والطبراني في الكبير (٨٣٧٢).
(٢) في ط (من).
(٣) أخرجه أبو داود من رواية أبي هريرة -﵁- (٤٨٨، ٣٦٢٤، ٤٤٥٠، ٤٤٥١) والشافعي من رواية عثمان بن أبي سليمان (١٦٦)، والبيهقي من رواية جبير بن مطعم (٢/ ٤٤٤).
(٤) قال النووي في زيادته: ولا يمنع الجنب والحائض من دخول المصلى الذي ليس بمسجد على المذهب، وذكر الدارمي في باب صلاة العيد في تحريمه وجهين: وأجداهما في منع الكافر منه: بغير إذن، وقد ذكرت جملًا من الفوائد المتعلقة بالمسجد في باب ما يوجب الغسل من شرح المهذب، وأنا أشير إلى أحرف من بعضها، فيكره نقش المسجد واتخاذ الشرفات له، ولا بأس =
[ ٢ / ٦١ ]
وقوله: (والكافر يدخل المسجد) يعني به غير مساجد الحرم وإن كان اللفظ مطلقًا، وقوله: (فإن كان جنبًا منع) أي: من المكث، فإنه الذي يمنع منه المسلم دون أصل الدخول ثم إيراده يشعر بترجيح هذا الوجه، لكن الوجه الثاني أرجح على قضية كلام أكثر الأصحاب، وأوفق لكلام الشافعي -﵁- وصرح بترجيحه الشيخ أبو محمد، والقاضي الروياني -والله أعلم-.