قال الرافعىِ: الفصل يشتمل على مسائل:
إحداها: سُجُودُ التِّلاَوَةِ سُنَّة، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال بوجوبها.
لنا: ما روي عن زيد بن ثابت -﵁- "أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- سُورَةَ النَّجْم فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا وَلاَ أَمَرَهُ بالسُّجُودِ" (١).
وعن عمر بن الخطاب -﵁- "أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَر سُورَةَ السَّجْدَةِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الأُخْرَى قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رسْلُكِمْ إِنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" (٢).
الثانية: في عدد آيات السجدة قولان:
"الجديد": أنها أربع عشرة آية، وفي القديم أسقط سجدات المفصل وردها إلى إحدى عشرة؛ لما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- "لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ (٣) واحتج في الجديد بما روي عن أبي هريرة -﵁- قال: "سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤) " وكان إسلام أبي هريرة -﵁- بعد الهجرة بسنين فرأى إثباته أَولى من النفي.
وأبو حَنِيفَةَ -﵀- يوافق الجديد في العدد ومالك القديم إلا أنهما أثبتا سجدة لا نعدها ونفيا بدلها أخرى نحن نثبتها، أما الأولى فسجدة "ص" عندنا ليست من عزائم السجود، وإنما هي سجدة شكر خلافًا لهما.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٧٢، ١٠٧٣) ومسلم (٥٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٧) إلا إنه قال في سورة النحل بدل السجدة وانظر تغليق التعليق (٢/ ٤١٣).
(٣) أبو داود (١٤٠٣) وإسناده ضعيف.
(٤) أخرجه البخاري (٧٦٦، ٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨) ومسلم (٥٧٨).
[ ٢ / ١٠٣ ]
لنا: ما روي عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- "سَجَدَ فِي (ص) (١) وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاودٌ تَوْبَةٌ وَسَجَدْتُهَا شُكْرًا" (٢).
أي: على النعمة التي أتاها الله تعالى داود وهي قبول توبته.
وعن ابن مسعود -﵁-: أنَّهُ كانَ لاَ يَسْجُدُ فِي (ص)، إذا ثبت هذا فلو سجد فيها خارج الصلاة فهو حسن (٣)، ولو سجد في الصلاة جاهلًا أو ناسيًا لم يضر وإن كان عالمًا فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابن كج: لا تبطل طلاته؛ لأن سببه التلاوة.
وأصحهما: تبطل كسجود الشكر، ولو سجد إمامه في "ص" لأنه ممن يراها فلا يتابعه المأموم فيها بل يفارقه أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره قائمًا هل يسجد للسَّهْوِ؟ فيه وجهان (٤):
وأما الثاني: ففي الحج عندنا سجدتان خلافًا لهما في الثانية.
لنا: ما روي عن عقبة بن عامر -﵁- قال: "قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتيْنِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَا" (٥)، وسار ابن سريج إلى إثبات سجدة "ص" والثانية في الحج معًا وجعل آيات السجود خمس عشرة.
لما روي عن عمرو بن العاص أن النبي -ﷺ- "أقَرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصِّلِ وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ" (٦) وعن أحمد روايتان.
إحداهما: مثل مذهب ابن سريج.
وأصحهما: مثل القول الجديد، وإذا وقفت على هذه الاختلافات علمت قوله:
_________________
(١) أخرجه النسائي (٢/ ١٥٩) والدارقطني في السنن (١/ ٤٠٧) والبيهقي (٢/ ٣١٨، ٣١٩).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٩).
(٣) قال النووي: قال أصحابنا: يستحب أن يسجد في (ص) خارج الصلاة وهو مراد الرافعي بقوله: حسن. الروضة (١/ ٤٠١).
(٤) قال في زياداته: الأصح لا يسجد، لأن المأموم لا سجود لسهوه، ووجه السجود أنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وحكى صاحب "البحر" وجهًا أنه يتابع الإمام في سجود (ص).
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٥١، ١٥٥)، وأبو داود (١٤٠٢) والترمذي (٥٧٨) والدارقطني (١/ ٤٠٨) والحاكم (١/ ٢٢٢)، وقال ابن الملقن في الخلاصة، ومال إلى تصحيحه ابن الجوزي، وضعفه الترمذي والبيهقي.
(٦) أخرجه أبو داود (١٤٠١) وابن ماجة (١٠٥٧) والحاكم (١/ ٢٢٣) وضعفه ابن القطان وابن الجوزي.
[ ٢ / ١٠٤ ]
"وهي مستحبة" بالحاء، وقوله في "أربع عشرة آية" بالواو للقول القديم ولمذهب ابن سريج، وقوله: "ولا سجدة في ص" بالميم والحاء والألف والواو، وقوله: "في الحج سجدتان" بالميم والحاء، ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها إلا في "حم" السجدة ففي موضع السجود فيها وجهان:
أحدهما: أنه عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) ويروى هذا عن أبي حنيفة وأحمد.
وأصحهما: أنه عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، لأن عنده يتم الكلام.
الثالثة: كما يسن السجود للقارئ يسن للمستمع إليه.
لما: روي عن ابن عمر -﵄- "قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ".
ولا فرق بين أن يكون القارئ في الصلاة أو لا يكون كذلك، ذكره في "التهذيب" وبه قال أبو حنيفة، وحكى في "البيان" أنه لا يسجد المستمع بقراءة من في الصلاة وأقام هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة والأول أظهر وأوفق لإطلاق لفظ الكتاب، وكذلك ظاهر اللفظ يشتمل قراءة الصبي والمحدث (٢) والكافر ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءتهم وبه قال أبو حنيفة.
وقال في "البيان" لا اعتبار بقراءتهم خلافًا له، وأما الذي لا يستمع قصدًا ولكنه سمع ما رأى فقد حكي عن "مختصر البويطي" أن الشافعي -﵁- قال: لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع وإن سجد فحسن.
وعند أبي حنيفة: لا فرق بينه وبين المستمع والقارئ، ونقل مثله عن بعض أصحابنا لكنه يقول باللزوم ونحن بالاستحباب.
ودليل الفرق ما روي عن عثمان -﵁- "أَنَّهُ مَرَّ بِقَاص فَقرَأَ آيَةِ السَّجْدَةِ ليَسْجُدَ عُثْمَانُ -﵁- مَعَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ وَقَالَ: مَا اسْتَمَعْنَا لَهَا" (٣) وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: "السَّجْدَةُ لِمَنْ جَلَسَ لَهَا" (٤).
وذكر في "النهاية" أن السامع لا يسجد؛ لأنه لم يقرأ ولا قصد الاستماع، فلو
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ١٧٢.
(٢) لا لقراءة حبلى وسكران لأنها غير مشروعة لهما. قال الأسنوي: ولا لنائم وساه لعدم قصدهما التلاوة. قال الزركشي: وينبغي تقييده لقراءة ملك وجني لا لقراءة درَّة ونحوها لعدم القصد.
(٣) أخرجه البخاري بنحوه تعليقًا (٢/ ٥٥٧) وانظر تعليق التعليق (٢/ ٤١٢) وسنن البيهقي (٢/ ٣٢٤).
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٢٤).
[ ٢ / ١٠٥ ]
سجد لكانت سجدته منقطعة عن سبب ينشئه (١) فحصل في السامع ثلاثة أوجه كما يرى، وإذا سجد القارئ فيكون الاستحباب في حق المستمع آكد وإن كِان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده، هذا ما ذكره أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم، وحكاه إمام الحرمين عن نصه في البويطي، ونقل الصيدلاني؛ أنه لا يسن له السجود إلا أن يسجد القارئ، ورجح الإمام هذا الوجه واستشهد عليه بما روي "أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيَّ -ﷺ- السَّجْدَةَ فَسَجَدَ النَّبِيَّ -ﷺ- ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: سَجَدْتَ لِقِرَاءَةِ فُلاَنٍ وَلَمْ تَسْجُدْ لِقِرَاءَتِي فَقَالَ: كُنْتَ إِمَامَنَا فَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا" (٢).
وحمل الأول (٣) ذلك على تفاوت الاستحباب، وحث الثاني على السجود وهذا في غير الصلاة، أما المصلي فإن كان منفردًا سجد لقراءة نفسه، فلو لم يسجد وركع ثم بدا له أن يسجد لم يجز؛ لأنه اشتغل بالفرض فإن كان قبل بلوغه حد الراكعين فيجوز، ولو هوى بسجود التلاوة ثم بدا له فرجع جاز؛ لأنه مسنون فله ألا يتمه كما له أن لا يشرع فيه، وهكذا لو قعد للتشهد الأول وقرأ بعضه ولم يتم جاز، ولو أصغى المنفرد إلى قراءة قارئ في الصلاة أو في غير الصلاة فلا يسجد؛ لأنه ممنوع من الإِصغاء، ولو فعل بطلت صلاته، هذا قضية كلام الأصحاب، وإن كان المصلي في جماعة نظر إن كان إمامًا فهو كالمنفرد فيما ذكرنا، ولا يكره له قراءة آية السجدة في الصَّلاة خلافًا لمالك حيث قال: يكره.
ولأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: يكره في السَّرِّيَةِ دون الجَهْرِيَّةِ.
لنا ما روي أنه -ﷺ- "سَجَدَ فِي الظُّهْرِ فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَجَدُوا" (٤).
وإذا سجد الإمام سجد المأموم فلو لم يفعل بطلت صلاته، ولو لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم، ولو فعل بطلت صلاته، ويحسن القضاء إذا فرغ ولا يتأكد، ولو سجد الإمام ولم ينتبه المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود لم يسجد، وإن علم وهو بَعْدُ في السجود سجد، وإن كان في الهَوِيِّ ورفع الإِمَام رأسه رجع معه ولم يسجد، وكذا الضعيف الذي أهوى مع الإمام لسجود التلاوة فرفع الإمام رأسه قبل انتهائه إلى الأرض لبطء حركته يرجع معه ولا يسجد، وإن كان المصلي مأمومًا لم
_________________
(١) في "ب" عن سبب ينشئها.
(٢) أخرجه الشافعي وأبو داود مرسلًا، قال البيهقي وروي موصولًا بإسناد ضعيف، انظر الخلاصة (١/ ١٦٨) والتلخيص (٢/ ٩ - ١٠).
(٣) في "ب" الأولون.
(٤) أخرجه أبو داود (٨٠٧) والحاكم (١/ ٢٢١) وقال صحيح على شرط الشيخين.
[ ٢ / ١٠٦ ]
يسجد لقراءة نفسه، بل يكره له قراءة آية السجدة، ولا يسجد لقراءة غير الإمام بل يكره له الإصغاء إليها، ولو سجد لقراءة نفسه أو لقراءة غيره بطلت صلاته.
وقوله في الكتاب: (هي على القارئ والمستمع) ليس (على) هاهنا للإيجاب، وإنما المراد تأكد الاستحباب وكثيرًا ما يتكرر ذلك في كلام الأصحاب في هذه السجدة وسجدة السهو، والمراد ما ذكرنا، وقد يستعملون لفظ الوجوب واللزوم أيضًا.
وقوله: (فإن سجد القارئ تأكد الأستحباب على المستمع) إشارة إلى أن أصل الاستحباب ثابت وإن لم يسجد القارئ جوابًا على الأظهر المنصوص، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن من قال: لا يسن للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ لا يقول بتأكد الاستحباب عند عدم سجوده، وإنما يثبته عنده.
وقوله: (ولا يسجد لقراءة نفسه ولا لقراءة غير الإمام) هكذا هو في بعض النسخ، وهو عبارة "الوسيط" وعلى هذا فالمراد ولا يسجد المأموم وهو متعلق بقوله: (أو لقراءة إمامه إن سجد إمامه) ولفظ الكتاب على هذا التقدير ساكت عن حكم الإمام، ولا بأس به للعلم بأن الإمام كالمنفرد في هذا الباب وأمثاله، وفي بعض النسخ: "ولا يسجد لقراءة غير الإمام" وطرح ما سواه، وعلى هذا فالمفهوم من سياق الكلام رجوعه إلى المأموم أيضًا، وسبب الطرح أنا إذا قلنا: ولا يسجد لقراءة غير الإمام دخل فيه نفسه أيضًا، وذكر بعضهم أن المصنف أراد: ولا يسجد المصلي لقراءة غير الإمام.
واعلم قوله: (ولا يسجد) بالحاء على هذا التأويل؛ لأنا نعني بقولنا: لا يسجد: أنه لا يجوز له السجود ولو فعله بطلت صلاته.
وعند أبي حنيفة: لو سجد الإمام والمقتدون لقراءة غيرهم لم تبطل صلاتهم وإن كان لا يجزئهم ذلك، ويسجدون بعد الصلاة، ذكره القدوري وغيره.
الرابعة: لو قرأ آيات السجدة في مكان واحدٍ سجد لكل واحدة سجدة، ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد فينظر إن لم يسجد للمرَّة الأولى فيكفيه سجود واحد، وإن سجد للأولى فوجهان:
أحدهما: لا يسنجد مرة أخرى، وتكفيه الأولى كما في الصورة السابقة، وبه قال أبو حنيفة وابن سريج.
وأظهرهما: أنه يستحب مرة أخرى لتجدد السبب بعد توفية حكم الأول، وفي المسألة وجه ثالث أنه إن طال الفصل سجد مرة أخرى، إلا فتكفيه السجدة الأولى.
قال في "العدة" وعليه الفتوى.
ولو كرر الآية الواحدة في الصَّلاَةَ فإن كان في الركعة الواحدة فهي كالمجلس
[ ٢ / ١٠٧ ]
الواحد، وإن كان في ركعتين فيهما كالمجلسين فيعيد السجود، ذكره الصيدلاني وغيره.
ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارج الصلاة في المجلس الواحد وسجد في الأولى فهذا لم أره منصوصًا عليه في كتب الأصحاب وإطلاقها لخلاف التكرار يقتضي طرده هاهنا، وعند أبي حنيفة: إذا سجد خارج الصلاة (١) لقراءة آية ثم أعادها في الصلاة أعاد السجدة ولم تجزه الأولى بخلاف ما لو لم يسجد حتى دخل في الصلاة وأعادها فإنه يسجد وتجزئه عن التِّلاَوَتَيْنِ.
واعلم أن في قوله: (هل تشرع السجدة الثانية؟) إشارة إلى أن صورة الوجهين ما إذا كان قد سبق في المَرَّة الأولى، وإلا لم تكن سجدته سجدة ثانية والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ هذِهِ سَجْدَةٌ فَرْدَةٌ وَإِنْ كانَتْ تَفْتَقِرُ إِلَى سَائرِ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَهَا تَكْبِيرَةُ مَعَ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِنْ كَانَ فِي غَيْر الصَّلاَةِ وَدُونَ الرَّفْعِ إِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، وَقيلَ: يَجِبُ التَّحْرُّمُ وَالتَّحَللُ وَالتَّشَهُّدُ، وَقِيلَ يَجِبُ التَّحَرمُ وَالتَّحَلُّلُ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ إِلاَّ التَّحَرُّمُ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية سجود التلاوة، وشرائطه، ولا خلاف في افتقاره إلى شروط الصلاة كطهارة الحدث، والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها كما في الصلاة.
وأما الكيفية فهو: إما أن يكون في الصلاة أو خارج الصَّلاة، فإن كان خارج الصَّلاة فينوي ويكبر للافتتاح لما روي أنه -ﷺ- "كَانَ إِذَا مَرَّ فِي قِرَاءَتِه بِالسُّجُودِ كَبَّرَ وَسَجَدَ" ويرفع يديه حذو منكبيه في هذه التكبيرة كما يفعل ذلك في تكبيرة الافتتاح في الصلاة، ثم يكبر تكبيرة أخرى لِلْهَوِيِّ من غير رفع اليدين كما في الْهَوِيِّ إلى السُّجُودِ الذي هو من صُلْبِ الصلاة ثم تكبير الهوي مستحب وليس بشرط، وفي تكبير الافتتاح وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد واختاره صاحب الكتاب أنه مستحب أيضًا وليس بشرط.
والثاني: أنه شرط وهو قضية كلام الأكثرين فإنهم أطبقوا على الاحتجاج لأحد القولين في السلام بأن السجود يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وسيأتي ذلك، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره عن أبي جعفر الترمذي من أصحابنا: أنه لا يكبر تكبيرة
_________________
(١) سقط من ط.
[ ٢ / ١٠٨ ]
الافتتاح لا وجوبًا ولا استحبابًا؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراد حتى يكون له تحرم، والمستحب أن يقوم ويكبر وينوي قائمًا ثم يهوي من قيام، وروي ذلك عن فعل الشيخ أبي محمد وعن القاضي الحسين وغيرهما (١).
ويستحب أن يقول في سجوده "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" لما روي عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- "كَانَ يَقُولُ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" (٢) ويستحب أيضًا أن يقول: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ"؛ لما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- "قَالَ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" (٣).
ولو قال ما يقوله في سجود صلاته جاز.
ثم يرفع رأسه مكبرًا كما يرفع عن سجود صُلْب الصَّلاة، وهل يفتقر إلى السَّلام؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، كما لو سجد في الصَّلاة.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى التحلل كالصلاة، وعلى هذا هل يفتقر إلى التشهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة.
وأصحهما: لا؛ لأن التشهد في مقابلة القيام، ولا قيام فيه بل القيام أولى بالرعاية بدليل صلاة الجنازة فكما لم يشترط ذلك فأولى أن لا يشترط التشهد، ومن الأصحاب من يجمع بين التشهد والسَّلام وبقول: فيهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا حاجة إليهما، وهو ظاهر ما نقل عن البويطي.
وثانيها: أنه لا بد منهما.
وثالثها، -وهو الأظهر- أنه لا بد من السَّلاَم دون التشهد، وبهذا قال ابن سريج
_________________
(١) قد قاله أيضًا صاحب "التهذيب" و"التتمة" وأنكره إمام الحرمين وغيره، قال الإمام: ولم أر لهذا ذكرًا، ولا أصلًا، وهذا الذي قاله الإمام هو الصواب فلم يذكر جمهور أصحابنا هذا القيام، ولا ثبت فيه شيء مما يحتج به فلا اختيار تركه.
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٤) والترمذي (٥٨٠) والنسائي (٢/ ٢٢٢) والحاكم (١/ ٢٢٠) وقال صحيح على شرط الشيخين.
(٣) أخرجه الترمذي (٥٧٩) وابن ماجة (١٠٥٣) وذكره الهيثمي في الموارد (٦٩١) والحاكم (١/ ٢٠٢) وقال صحيح على شرط الصحيح.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وأبو إسحاق، وإذا قلنا: إن التشهد ليس بشرط فهل يستحب؟ ذكر في "النهاية" أن للأصحاب خلافًا فيه هذا كيفية السجود خارج الصلاة، وأما في الصلاة فلا يكبر للافتتاح، ولكن يستحب له التكبير للهوي إلى السجود من غير رفع اليدين، وكذلك يكبر عند رفع الرأس كما يفعل في سجدات الصَّلاَة، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكبر لا عند الهَوِيّ ولا عند رفع الرأس كيلا تشتبه هذه السجدة بسجدات الصلاة، ولا فرق في الذكر بين ما لو سجد في الصلاة أو خارجها، وإذا رفع الرأس يقوم منها ولا يجلس للاستراحة ويسن أن يقرأ شيئًا ثم يركع ولا بد من أن ينتصب ثم يرفع فإن الهَوِيّ من القيام واجب كما تقدم.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: "والصحيح أن هذه سجدة فردة" يريد بالفردة أنها لا تفتقر إلى تحرم وتحلل، ولا يريد أنها واحدة لا كسجدتي السَّهْو لأنه قال: "والصحيح" ولا خلاف في أنها واحدة، وعن أحمد أنه يكبر لِلْهَوِيِّ والرفع ويسلم؛ فإن أراد به الاشتراط فليكن قوله: (فردة) معلمًا بالألف.
وقوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة) تشتمل على بيان مسألة مقصودة وهي أن شرائط الصلاة مرعِيَّة في سجدة التلاوة، وأشار بالإيراد الذي ذكره إلى أنها وإن كانت كالصَّلاة في اعتبار الشروط لكنها تفارقها في الحاجة إلى التحلل والتحرم على هذا الوجه، ثم الذي يوجد في معظم النسخ وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة، وحذف لفظ (سائر) وكأنه حمله عليه اشتهار لفظ السائر في البعض الباقي من الشيء وشرائط الصلاة بأسرها معتبرة في سجدة التلاوة ولم يجز ذكر البعض حتى يضم الباقي إليه بلفظ السائر إلا أن إطلاق السائر بمعنى الجميع صحيح، قال صاحب "الصحاح": وسائر النَّاس جميعهم فإذا المعنى: وإن كانت تفتقر إلى جميع شرائط الصلاة ولا حاجة إلى الحذف.
واعلم أن النية عند صاحب الكتاب معدودة من شرائط الصلاة كما سبق، والتكبير وحده يقع عليه اسم التحريم، والتحريم قال -ﷺ-: "وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ" وإذا كان كذلك فظاهر اللَّفْظِ يَقْتَضِي اشتراط النّية على الوجه الذي عبر عنه بالصحيح وإن لم يشترط التكبير لكنه في "الوسيط" أخرج النية عن الاعتبار في هذا الوجه وعلى هذا فالنية تكون مستثناة عن قوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر الشرائط)، ويكون التحرم مفسرًا بالنية والتكبير معًا إذ بهما تشرع في الصلاة.
وأما قوله: "ويستحب قبلها تكبيرة " إلى آخره فهو تفريع على هذا الوجه الذي
[ ٢ / ١١٠ ]
يقول إنها سجدة فردة لا يشترط فيها التكبير ولا غيره، وقوله: (تكبيرة) يُوهِمُ قصر الاستحباب على تكبيرة واحدة، لكنا ذكرنا استحباب تكبيرتين وإن قلنا بعدم الاشتراط إحداهما للافتتاح والأخرى لِلْهَوِيِّ، وهكذا ذكر جمهور الأصحاب فلا يتوهم قصر الاستحباب على واحدة إذا كان يسجد خارج الصَّلاَة، واعلم عند هذا أنه لا يمكن حمل التكبيرة التي جرت في لفظ الكتاب على تكبيرة الافتتاح بخصوصها؛ لأنه لا تكبيرة للافتتاح إذا كان يسجد في الصَّلاَة، وهو قد جعلها شاملة حيث قال: "ودون الرفع إن كان في الصلاة" ولا يمكن حملها على تكبيرة الهَوِيّ بخصوصها؛ لأنه قد استحب الرفع معها، ولا يستحب رفع اليد مع تكبيرة الهَوِيِّ بحَالٍ، الوجه أن يحمل كلامه على تكبيرة مطلقة، ويقال بأن تكبيرة مستحبة في الصَّلاَة وغير الصلاة ثم في غير الصلاة الأهم تكبيرة الافتتاح، ويستحب معها رفع اليدين، وفي الصلاة لا يفرض إلا تكبيرة الهَوِيّ وليس معها رفع اليد، فهذا تنزيل لفظ الكتاب مع التكلف الذي فيه على ما ذكره الجمهور منهم أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وصاحب "التهذيب"، والقاضي الروياني -﵏- وغيرهم، والمفهوم من كلامه هاهنا وفي "الوسيط" أنه ليس إلا تكبيرة واحدة، وهي للتحرم خارج الصلاة، ولِلْهَوِيِّ في الصلاة، وبه يشعر كلام إمام الحرمين -قدس الله روحه- وعلى هذا فليكن قوله: (ويستحب قبلها تكبيرة) معلمًا بالواو للوجه الذي تقدم عن الترمذي، وفي "الوسيط" إشارة إليه.
وقوله: (مع رفع اليدين) معلم بالحاء، لأن عنده لا يرفع يديه.
واعلم قوله: (ودون الرفع إن كان في الصلاة) بالواو؛ لأنه قال في "الوسيط": ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة.
وقال العراقيون: يستحب رفع اليدين؛ لأنه يكبر للتحرم، لكن هذا شيء بدع حكم وعلة ولا يكاد يوجد نقله لغيره، ولا ذكر له في كتبهم.
وقوله: "قيل يجب التحرم والتحلل " إلى رأس الفرع، هذه الوجوه هي المقابلة للصحيح المذكور أولًا كأنه قال: في أقل سجدة التلاوة أربعة أوجه:
أحدها: أن الأقل سجدة واجباتها في صلب الصلاة لا غير.
والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد.
والثالث: مع التحرم والتحلل لا غيره.
والرابع: مع التحرم لا غير وجعل أولها الأصح، وهو متأيد بما حكي عن الشافعي -﵁- أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، والظاهر عند الأكثرين اعتبار التحرم والتحلل كما سبق وهو الوجه الثالث، ثم الخلاف في السلام
[ ٢ / ١١١ ]
قولان عند أكثر الناقلين وفي التشهد [قولان] (١) فقوله: (قيل) في هذا الموضع محمول على القول تارة وعلى الوجه أخرى، وتعجب بعض الشَّارحين من لفظ الوجوب في هذه الوجوه، واستحسن إبداله بالاشتراط والاعتبار؛ لأن أصل السجدة لا تجب فكيف يقول: يجب فيها كذا وكذا، ولا شك أن المراد الاشتراط لكن لا حاجة إلى تغيير اللفظ؛ لأن الوجوب في مثل هذا الموضع معهود بمعنى أن الشيء لا بد منه، يقال الوضوء وستر العورة واجبان في صلاة النفل أي لا بد منهما.
قال الغزالي: فَرْعٌ: الأَصَّحُّ أَنَّ هذِهِ السَّجْدَةَ إِذَا فاتَتْ وَطَالَ الفَصْلُ لاَ تُقْضَى، لأِنَّهُ لاَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِسَجْدَةِ ابتِدَاءً كَصَلاَةِ الكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاء بِخِلاَفِ النَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِهَا ابْتِدَاءً.
قال الرافعي: سجدة التلاوة ينبغي أن تقع عقيب قراءة الآية أو استماعها، فلو تأخر نظر إن لم يطل الفصل سجد، وإن طال فلا، وضبط الفرق بين أن يطول الفصل أو لا يطول يؤخذ مما ذكرناه في سجود السهو، ولم يجعل إمام الحرمين لمفارقة المجلس أثرًا هاهنا مع التردد في تأثيره في باب سجود السهو كما حكيناه عنه ولا يتضح فرق بينهما.
إذا عرفت ذلك فلو فاتت السجدة لطول الفصل هل تقضى؟ ذكر في "النهاية": أن صاحب التقريب حكى فيه قولين وقربهما من الخلاف في أن نوافل الصلاة هل تقضى على ما سيأتي؟ لكن الأصح أن السجدة لا تقضى ولم يذكر الصيدلاني وآخرون سواه؛ لأن النوافل المقضية هي التي تتعلق بالأوقات، أما التي تتعلق بأسباب عارضة كصلاة الخسوف والاستسقاء فلا تقضى والسجود كذلك، ولو كان القارئ والمستمع محدثًا عند التلاوة فإن تطهر على القرب سجد وإلا فالقضاء على الخلاف، [وعن صاحب "التقريب": أنه لو كان يصلي فقرأ قارئ آية السجدة فإذا فرغ هل يقضي؟ فيه هذا الخلاف] (٢).
قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ لأن قراءة غير إمامه في الصلاة لا تقضي سجوده وإذا لم يجر ما يقتضي السجود أداء فالقضاء بعيد، وقطع صاحب "المعتمد" وغيره بأنه لا يسجد كما ذكره إمام الحرمين، وجعلوا هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة، وذكر في "التهذيب" أنه يحسن أن يقضي ولا يتأكد كما يجيب المؤذن إذا فرغ من الصلاة (٣) وكذا إذا
_________________
(١) في أوجهان وانظر الفرق بين القولين والوجهين.
(٢) سقط من "ب".
(٣) قال النووي: إذا قرأ السجدة في الصلاة قبل الفاتحة سجد، بخلاف ما لو قرأها في الركوع أو السجود فإنه لا يسجد، ولو قرأ السجدة فهوى ليسجد فشك، هل قرأ الفاتحة؟ فإنه يسجد للتلاوة ثم يعود إلى القيام فيقرأ الفاتحة ولو قرأ خارج الصلاة السجدة بالفارسية لا يسجد عندنا. وإذا =
[ ٢ / ١١٢ ]
قرأ الإمام ولم يسجد فإذا فرغ المأموم من الصلاة يحسن أن يقضي ولا يتأكد. والله أعلم.
وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أنه لو خضع الرجل لله تعالى فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب هل يجوز ذلك؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب": أنه يجوز ذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز، كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد ونحوه، والعبادات يتبع فيها الورود، وهذا هو الصحيح عند إمام الحرمين والمصنف وغيرهما، وقوله في الكتاب: (إذا فاتت وطال الفصل) ليس على معنى طول الفصل شيء مضموم إلى الفوات وقيد فيه (وإنما هو سبب الفوات) والمراد إذا فاتت لطول الفصل.
وقوله: (لا يقضي) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة يجب على القارئ المحدث والمستمع القضاء بعد الطهارة، وسلم أن الحائض إذا استمعت لا قضاء عليها، وأن المصلي إذا قرأ السجدة ولم يسجد حتى سلم لا يقضي.
وقوله: (لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء) لعلك تقول: لم علل منع القضاء بأنه لا يتقرب بها إلى الله تعالى فاعلم أنه حكي عن صاحب "التقريب" أنه جعل ذلك ضابطًا لما لا يقضي جزمًا، ولما يجري الخلاف في قضائه فقال: ما لا يجوز التطوع به ابتداء لا يجوز فرض قضائه كصلاة الخسوف والاستسقاء، وما يجوز التطوع به ابتداء كالنوافل والرواتب ففي قضائه خلاف، ثم إنه جوز التقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء كما سبق فأجرى الخلاف في قضائها؛ لذلك إذا عرفت هذا فالمصنف بين أن هذه السجدات لا يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء، ورتب عليه المنع من القضاء
_________________
(١) = سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به وله الرفع من السجود قبله، ولو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجدة ليسجد، فلم أر فيه كلامًا لأصحابنا. وفي كراهته خلاف للسلف أوضحته في كتابا "آداب القرآن" ومقتضى مذهبنا: أنه إن وإن في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه في غير الصلاة لم يكره، وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان، فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لغرض سوى صلاة التحية، والأصح: أنه يكره له الصلاة. هذا إذا لم يتعلق بالقراءة المذكورة غرض سوى السجود، فإن تعلق، فلا كراهة مطلقًا، قطعًا ولو قرأ آية سجدة في الصلاة فلم يسجد وَسَلَّمَ يستحب أن يسجد ما لم يطل الفصل، فإن طال ففيه الخلاف المتقدم، ولو سجد للتلاوة قبل بلوغ السجدة ولو بحرف، لم يصح سجوده. ولو قرأ بعد السجد آيات، ثم سجد، جاز ما لم يطل الفصل. ولو قرأ سجدة، فسجد فقرأ في سجوده سجدة أخرى لا يسجد. قال صاحب "البحر": إذا قرأ الإمام السجدة في صلاة سرية استحب تأخير السجود إلى فراغه من الصلاة، قال: وقد استحب أصحابنا للخطيب إذا قرأ سجدة أن يترك السجود لما فيه من النزول عن المنبر والصعود قال: ولو قرأ السجدة في صلاة الجنازة لم يسجد فيها. وهل يسجد بعد الفراغ؟ وجهان. أصحهما: لا يسجد. وأصلهما أن القراءة التي لا تشرع هل يسجد لتلاوتها؟ وجهان. الروضة (١/ ٤٢٥، ٤٢٦).
[ ٢ / ١١٣ ]
كصلاة الخسوف؛ لأنه لو قضى من غير تلاوة كان المأتي به على صورة سجدة لا سبب لها والأشبه بإيراده إثبات طريقة جازمة بأن هذه السجدات لا تقضى كصلاة الخسوف والاستسقاء بخلاف الرواتب في قضائها قولان؛ لأنه يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء ولا يتقرب بهذه، وعلى هذا قوله: (الأصح أن هذه السجدات) أي من الطريقين، وقوله: (وقيل يتقرب بها إلى الله تعالى) ابتداء إشارة إلى الطريق الثاني، أي إذا كانت كذلك جرى فيها الخلاف كما في الرواتب.
قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ: سَجْدَةُ (ح) الشُّكْرِ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ بَلِيَّةٍ لاَ عِنْدَ اسْتِمرَارِ نِعْمَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ السُّجُودُ بَيْنَ يَدَي الفَاسِقِ شُكْرًا عَلَى دَفْعِ المَعْصِيَةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ، وَإِنْ سَجَدَ إِذَا رَأَى المُبْتَلَى فَلْيَكْتُمْهُ كَيْلاَ يَتَأذَّى.