قال الرافعي: سجدة الشكر سُّنة خلافًا لمالك حيث قال: هي مكروهة، وبه قال أبو حنيفة في رواية وقال في رواية: لا أعرفها.
لنا ما روي أن النبي -ﷺ- "رَأَى رَجُلًا نُغَاشِيًّا فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى" (١).
وعن عبد الرحمن بن عوف -﵁- أن النبي -ﷺ- "سَجَدَ فَأطَالَ فَلَمَّا رَفَعَ قِيلَ لَهُ فِي ذلِكَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا فَسَجَدْتُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالى" (٢).
وليس تسن سجدة الشُّكْرِ عند استمرار النعم، وإنما تسن عند مفاجأة نعمة أو اندفاع بَلِيَّة من حيث لا يحتسب، وكذا إذا رأى مبتلي ببلية أو بمعصية (٣) فيستحب أن يسجد شكرًا لله تعالى، ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه لا تعلق لها بالغير أظهر السجود، وإن كان لبلاء في غيره نظر إن لم يكن ذلك المغير معذورًا فيه كالفاسق
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٢/ ٣٧١) وقال وهنا منقطع ورواية جابر الجعفي لكن له شاهد من وجه آخر، وانظر التلخيص (٢/ ١١) والنغاشي القصير جدًا الضعيف الحركلة الناقص الخلق.
(٢) أخرجه العقيلي (٣/ ٤٦٧ - ٤٦٨) وأخرجه أحمد (١٦٦٢، ١٦٦٣، ١٦٦٤) والبزار كما في كشف الأستار (٤٧٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وقال صحيح على شرط الشيخين. وقال لا أعلم في سجدة الشكر أصح منه.
(٣) مجاهرًا بها كما نقله في الكفاية عن الأصحاب ويفسق بها كما نقله الولي العراقي عن الحاوي، لأن المصيبة في الدين أشد منها في الدنيا وعند رؤية الكافر أولى ولو حضر المبتلى أو العاصي من أو عند أعمى أو سمع صوتهما سامع ولم يحضرا فالمتجه كما قال في المهمات استحبابها أيضًا.
[ ٢ / ١١٤ ]
فيظهر السجود بين يديه تعييرًا له فربما ينزجر ويتوب، وإن كان معذورًا كمن به زمانة ونحوها فيخفى كيلا يتأذى، وكيلا يتخاصما.
وسجود الشكر يفتقر إلى شرائط الصلاة كسجود التلاوة، وكيفيته ككيفية سجود التلاوة خارج الصلاة، ولا يجوز سجود الشكر في الصَّلاة بخلاف سجود التلاوة فإنه يتبع التلاوة، والتلاوة تتعلق بالصلاة (١).
قال الغزالي: وَهَلْ يُؤَدِّي سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: سجود الشكر هل يقام على الراحلة: حكى في "النهاية" فيه وجهين وشبههما بالخلاف في أن صلاة الجنازة هل تقام على الراحلة؟ من حيث أن إقامة السجود على الراحلة بالإيماء يبطل ركنه الأظهر وهو تمكين الجبهة من موضع السجود كما إن إقامة صلاة الجنازة عليها يبطل ركنها الأظهر وهو القيام.
قال: والخلاف فيهما كالخلاف في أن القادر على القيام والقعود هل يتنفل مضطجعًا موميًا أم لا، وسجود التلاوة في النافلة المقامة على الراحلة يجوز بلا خلاف تبعًا للنافلة كسجود السهو فيها، وأما خارج الصَّلاَةِ ففيه الوجهان المذكوران في سَجود الشُّكْرِ، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقًا لكن المراد ما إذا كان خارج الصلاة، ثم الأظهر من الوجهين عند الأئمة أنه يجوز أداؤها على الراحلة بالإيماء وليس في "التهذيب" و"العدة" ذكر لغيره.
فإن قلت: ذكرتم في صلاة الجنازة أن الأظهر المنع من أدائها على الراحلة فلم كان الأظهر الجواز هاهنا إن كان الخلاف كالخلاف؟ قلنا: يجوز أن يفرق بينهما بأن صلاة الجنازة تندر فلا يشق فيها تكليف النزول وأيضًا فاحترام الميت يقتضي ذلك، وسجدة التلاوة والشكر يكثران، فلو كلفناه النزول لشق، والخلاف فيما إذا كان يقتصر على الإيماء، فلو كان في مرقد وأتم السجود جاز، وأما الماشي فيسجد على الأرض على الظاهر، كما سبق في السجود الذي هو من صلب الصلاة.
قال الغزالي: الْبَابُ السَّابعُ فهي صلاَةِ التَّطَوُّعِ وَفِيهِ فصْلاَنِ الأَوَّلُ فِي الرَّواتِبِ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العْشَاءِ، وَالوَتْرُ رُكْعَةٌ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَين بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَارَ سَبْعَ عَشْرَةَ.
_________________
(١) قال النووي: قال أصحابنا: لو سجد في الصلاة للشكر بطلت صلاته فلو قرأ آية سجدة ليسجد بها للشكر ففي جواز السجود وجهان: في الشامل، والبيان، أصحهما: يحرم وتبطل صلاته وهما كالوجهين فيمن دخل المسجد في وقت النهي ليصلي التحية. الروضة (١/ ٤٢٧).
[ ٢ / ١١٥ ]