قال الغزالي: أَنْ يَسْتَاكَ بِقُضْبَانِ الأَشْجَارِ عَرَضًا، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَة وَعِنْدَ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ إلا بَعْدَ الزَّوَالِ (ح م) لِلصَّائِمِ.
قال الرافعي: عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةً لِلرَّبِ" (١) إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقًا ولا يكره إلاَّ بعد الزوال للصَّائم خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد -﵏- وسنذكر تفصيل مذاهبهم في الصوم إن شاء الله تعالى. لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خُلُوفُ الفَم، وأنه مشهود له بِالطِّيبِ قال -ﷺ-: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ" (٢). وإذا كان كذلك فيكره إزالته كَدَمِ الشَّهداءِ وَإنما خص بما بعد الزوال؛ لأنه تغير الفم بسبب الصوم، وحينئذ يطهر، وفي غير هذه الحالة يطرد الاستحباب، لكنه آكَدُ في مواضع:
منها: عند الصلاة، وإن كان على الطهارة، سواء كان متغير الفم، أو لم يكن لقوله -ﷺ-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (٣). ومنها: عند تغيير النَّكْهَة، وذلك قد يكون للنوم، فيستحب عند الاستيقاظ الاستياك، كان النبي -ﷺ-: "إِذَا اسْتَيْقَظَ اسْتَّاكَ" (٤) وروى "أَنَّهُ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ" (٥) وقد يكون لطول السكوت، وقد يكون لترك الأكل، وقد يكون لأكل ماله رائحة كريهة، فَيُسْتَحَبَّ الاستياك عندها جميعًا؛ لأنها أسباب تغير الفم، فتشبه النوم. ومنها: اصْفِرَارُ الأسنان، وقد يفرض ذلك من غير تغير النَّكْهَة. ومنها: قراءة القرآن، تعظيمًا، وتطهيرًا له.
ومنها: عند الوضوء، وإن لم يصلّ في الحال: روي في بعض الروايات أنه -ﷺ- "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأَخِيرِ الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ" (٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٧، والشافعي ٦٣، والنسائي ١/ ١٠، وابن خزيمة ١٣٥، وابن حبان ١٠٥٣، والبيهقي ١/ ٣٤، وانظر التلخيص ١/ ٦٠، ٦١.
(٢) أخرجه البخاري ١٩٠٤، ومسلم ١٦٤/ ١١٥١، (١٦٣/ ١١٥١) والخُلوف بضم الخاء لا يفتحها تغير رائحة الفم.
(٣) متفق عليه من رواية أبي هريرة.
(٤) انظر التلخيص ١/ ٦٣، ٦٤.
(٥) انظر التخريج السابق.
(٦) رواه الحاكم والبيهقي من رواية أبي هريرة ولفظهما: (لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء، ولأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وليس له علة وقال صاحب الإمام هو في جميع طرقه: أسانيده جيدة، وإنكار ابن الصلاح، ثم النووي على الغزالي حيث روى: (ولأخرت العشاء إلى نصف الليل) مردود. انظر خلاصة البدر المنير ١/ ٣٠.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقد حَكَيْنَا فيما تقدم عن بعض الأصحاب: أن السواك لا يعد من سنن الوضوء فلك أن تعلم قوله: "إن يستاك" بالواو، وإشارة إلى ذلك الوجه.
وقوله: "بقضبان الأشجار" ليس على سبيل الاشتراط، لكنها أولى من غيرها، والأولى منها الآراك، والأحب أن يكون يابسًا، لين بالماء دون ما لم يلين، فإنه يقرح اللَّثَةَ، ودون الرطب فإنه لا ينقى اللُّزُوجة، وأصل السنة تَتَأَدَّى بكل خشن، يصلح لإزالة القِلْحِ، كالخِرْقَةِ الخشنة ونحوها، نعم لو كان جزءًا منه كَأُصبُعِهِ الخشنة، ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى استياكًا.
والثاني: يجزئ لحصول مقصود الاستياك به.
والثالث: إن قدر على العود ونحوه فلا يجزئ، وإلا فيجزئ، لمكان العُذْرِ.
وأما قوله: "عرضًا" فقد ذكر إمام الحرمين: أنه يمد السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجِهَتَيْنِ، فالعرض أولى؛ لما روى أنه -ﷺ- قال: "اسْتَاكُوا عَرْضًا" (١) وهكذا أورده المصنف في الوسيط، وذكر آخرون منهم صاحب "التتمة": أن يستاك في عرض الأسنان لا في طولها. ورووا في الخبر: "أَنَّه قَالَ: "اسْتَاكوا عَرْضًا لاَ طُولًا" فعلى الأول قوله: "عرضًا" ليس لأنه متعين في إقامة هذه السنة، بل خصه بالذكر لأنه أولى، وعلى الثاني هو تعيين (٢).
قال الغزالي: وَأَنْ يَقُولَ: بِسْم اللهِ فِي الابْتِدَاءِ، وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلاَثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ.
قال الرافعي: ومن سنن الوضوء أن يقول في ابتدائه: بسم الله على سبيل التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّن، وذهب أحمد إلى أن التسمية واجبة؛ لقوله -ﷺ-: "لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ عَلَيْهِ" (٣).
_________________
(١) انظر التلخيص ١/ ٦٥، ٦٦.
(٢) قال النووى: كره جماعة من أصحابنا الاستياك طولًا. ولنا قول غريب: إنه لا يكره السواك لصائم بعد الزوال. ويستحب أن يبدأ بجانب فمه الأيمن وأن يعوّد الصبي السواك ليألفه. ولا بأس أن يستاك بسواك غيره بإذنه، ويستحب أن يمر السواك على سقف حلقه إمرارًا لطيفًا، وعلى كراسي أضراسه. وينوي بالسواك السنة. ويسن السواك أيضًا عند دخوله بيته، واستيقاظه من نوم للحديث الصحيح فيهما. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٧.
(٣) رواه أبو داود وابن ماجة من رواية أبي هريرة وصححه الحاكم وغلطه غير واحد في ذلك، ورواه الترمذي من رواية سعيد بن زيد، ونقل عن البخاري أنه قال فيه: إنه أحسن شيء في هذا الباب. وقال أحمد: لا أعلم حديثًا في هذا الباب له إسناد جيد. انظر خلاصة بدر ١/ ٣١.
[ ١ / ١٢١ ]
قلنا: المعنى لا وضوء كاملًا، كذلك روى في بعض الروايات، ويدل عليه قوله -ﷺ-: "مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَر اسْمَ اللهِ كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، كَانَ طَهُورًا لأَعْضَاءِ وَضُوئِهِ" (١).
ولو كانت التسمية واجبة لما طَهُرَ شيء، ثم لو نسي التسمية في الابتداء، وتذكرها في أثناء الوضوء أتى بها، كما لو نسي التسمية في ابتداء الأكل يأتي بها إذا تذكر في الأثناء، ولو تركها في الابتداء عمدًا، فهل يشرع له التدارك في الأثناء؟ هذا محتمل (٢).
ولك أن تعلم قوله: "وأن يقول بسم الله" بالألف، والواو، "فالألف"، لأن أحمد عَدَّها من الواجبات. "والواو"؛ لأن بعض الأصحاب لم يعدها من سنن الوضوء، وقال: هي محبوبة في كل أمر ذي بال، فلا اختصاص لها بالوضوء.
ومن سننه غسل اليدين إلى الكُوعَينِ قبل غسل الوجه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ" (٣) ولا فرق في استحبابه بين القائم من النوم، وغيره، ولا بين أن يتردَّد في طهارة يديه، أو يتيقنها، ولا بين من يدخل يديه في الإناء من توضئه وبين من لا يفعل ذلك ولفظ الكتاب لا يقتضي إلا الاستحباب في حق من يدخل يديه في الإناء ثم مَنْ يدخل يديه في الإناء، ولم يتيقن طهارة يديه بأن قام من النوم، واحتمل تنجس يديه في طوافهما، وهو نائم يختص بشيء، وهو أنه يكره له ذلك قبل الغسل، قال رسول الله -ﷺ-: "إذَا اسْتَيقَظَ أحَدكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يِغْسِلَهَا ثَلاثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (٤) وكذلك لو كان مستيقظًا ولم يستيقن طهارة اليدين، وإن تيقن طهارة يديه، فهل يكره له الغمس قبل الغسل؟ فيه وجهان:
أظهرها: لا، بل بتخير بين تقديم الغمس وتأخيره؛ لأن سبب المنع ثم الاحتياط للماء؛ لاحتمال نجاسة اليد. وهذا مفقود هاهنا.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي من رواية ابن مسعود، وابن عمر، وضعفهما البيهقي ورواه لدارقطني من رواية أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضًا، انظر خلاصة البدر ١/ ٣١، والتلخيص ١/ ٧٦.
(٢) قال النووي: قول الإمام الرافعي فيه احتمال عجيب، فقد صرح أصحابنا بأنه يتدارك في العمد، وممن صرح به المحاملي في (المجموع)، والجرجاني في (التحرير) وغيرهما، قال أصحابنا: ويستحب التسمية في ابتداء كل أمر ذي بال من العبادات وغيرها، حتى عند الجماع. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٨.
(٣) متفق عليه من رواية عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.
(٤) تقدم.
[ ١ / ١٢٢ ]
والثاني: يكره، لأن المتيقن والمتردِّد يستويان في أصل استحباب الغسل، فكذلك في استحباب تقديم الغسل على الغَمْس (١). وليكن قوله: "وأن يغسل يديه" مُعْلمًا بالألف والواو أيضًا، أما "الألف" فلأن عند أحمد إن قام من نَوْمِ الليل يجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وإن قام من نوم النهار لا يجب. وأما "الواو" فلأن بعضهم لا يعده من سنن الوضوء على ما سبق. وأما قوله: "ثلاثًا"، فليس ذلك من خاصية هذه السنة، بل التَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ في جميع أفعال الوضوء، كما سيأتي.
قال الغزالي: وَأَنْ يَتَمَضْمَضَ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ فَيَأخُذَ غرْفَةً لِفيهِ وَغرْفَةً لأَنْفِهِ عَلى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفي الثَّانِى يَأَخُذُ غرْفَةَ لَهِمَا ثُمَّ يَخْلِطُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ إِذَا كَانَتِ الغرْفَةَ وَاحِدَةً وَيُقَدِّمِ المَضْمَضَةَ فِي الوَجْهِ الثَّاني وَأَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا فَيَرْفُقُ.
قال الرافعي: "كَانَ رَسُول اللهِ -ﷺ- يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فِي وُضُوئِهِ" (٢) فهما مستحبان فيه، خلافًا لأحمد حيث قال بوجوبهما. لنا: ما روى أن رسول الله -ﷺ- قال: "عَشْرٌ مِنَ السُّنَّةِ" (٣). وَعَدَّ مِنْهَا المَضْمَضَةَ، وَالاسْتِنْشَاقَ ثم أصل الاستحباب يتأدَّى بإيصال الماء إلى الفم والأنف، سواء كان بغرفة واحدة، أو أكثر، لكن اختلفوا في الكيفية التي هي أفضل على طريقين:
أصحهما: أن فيه قولين.
أصحهما: أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل لما روى عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ" (٤). ويقال: إن عثمان وعليًا -﵄- كذلك روياه (٥)؛ ولأنه أقرب إلى النظافة.
والثاني: أن الجمع بينهما أفضل؛ لما روى عن علي -﵁- في وصف
_________________
(١) قال النووي: ولا تزول الكراهة إلا بغسلهما ثلاثًا قبل الغمس. نص عليه البويطي. وصرح به الأصحاب للحديث الصحيح، وقال أصحابنا: إذا كان الماء في إناء كبير، أو صخرة مجوفة بحيث لا يمكن أن يصب منه على يده، وليس معه ما يغترف به استعان بغيره، أو أخذ الماء بفمه أو طرف ثوب نظيف ونحوه، والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٨، ١٦٩.
(٢) متفق عليه من رواية عثمان، وعبد الله بن زيد، وغيرهما.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦١). أخرجه أبو داود (٥٤)، وابن ماجة (٢٩٤).
(٤) أخرجه أبو داود في السنن، وسكت عنه، وهو ضعيف في إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف عند الجمهور.
(٥) أخرجه ابن السكن في سننه، وقال روى عنهما في وجوه انظر التلخيص ١/ ٧٨.
[ ١ / ١٢٣ ]
وضوء رسول الله -ﷺ-: "أَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ مَعَ الاِسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ" (١)، ونقل مثله عن وصَفِ عبد الله بن زيد (٢)، والرواية عنه وعن عثمان وعلي -﵃- في الباب مختلفة.
والطريق الثاني: أن الفصل أفضل بلا خلاف، وحيث ذكر الجمع أراد بيان الجَوَازِ. فإن قلنا: بالفصل ففي كيفيته وجهان:
أصحهما: "أَنَّهُ يَأخُذُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلاَثًا وَغَرْفَةً أُخْرَى يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلاَثًا، لأَن عَلِيًّا﵁- كَذَلِكَ رَواهُ" (٣).
والثاني: أنه يأخذ ثلاث غَرَفَاتِ لِلْمَضْمَضَةِ، وثلاثًا للاستنشاق؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وأيسر ثم على هذا القول يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا التقديم مستحق على أظهر الوجهين؛ لأنهما عضوان فَيَتَعَيَّنُ الترتيب بينهما، كما في سائر الأعضاء.
والثاني: أنه مُسْتَحَبٌّ؛ لأنهما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد كاليمين مع اليسار.
وإن قلنا: بالجمع، ففي كيفيته وجهان أيضًا:
أظهرهما: أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة أخرى يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ ثالثة؛ فيفعل بها مثل ذلك، كذلك روى عن وصف عبد الله بن زيد (٤).
والثاني: أنه يأخذ غَرْفَةً واحدة، يتمضمض منها ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، روى ذلك في بعض الروايات أيضًا.
ثم على هذا الوجه، وهو اتِّحْادُ الغرفة هل يخلط المضمضة بالاستنشاق؟ أم يقدم المضمضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يخلط، فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه، ثم يفعل ذلك ثانية، وثالثة، لأن اتحاد الغرفة يدل على أنهما في حكم عضو واحد.
والثاني: يقدم المضمضة على الاستنشاق، فإن ذلك أقرب إلى النَّظَافَة (٥). ولنبين
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنساني بإسناد صحيح، ولابن حبان والحاكم مثله من رواية ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، انظر خلاصة البدر ١/ ٣٢ والتلخيص ١/ ٧٨.
(٢) متفق عليه انظر التلخيص ١/ ٧٨ - ٨١، وخلاصة البدر ١/ ٣٣.
(٣) أخرجه البزار ١/ ١٣١.
(٤) متفق عليه انظر التلخيص ١/ ٧٨ - ٨١.
(٥) قال النووي: المذهب من هذا الخلاف أن الجمع بثلاث أفضل، كذا قاله جماعة من المحققين، والأحاديث الصحيحة مصرحة به. الروضة ١/ ١٦٩.
[ ١ / ١٢٤ ]
ما يشتمل عليه الكتاب من هذه الاختلافات. أما قوله: "فيأخذ غَرْفَة لفيه، وغرفة لأنفه على أحد القولين"، فهو قول الفصل بالكَيْفِيّة المذكورة في الوجه الأول من الوجهين المذكورين على هذا القول. وأما قوله: "وفي الثاني يأخذ غَرْفَة لهما" فهو قول الجمع بالكَيْفِيَّة المذكورة في الوجه الثاني على هذا القول. وقوله: "ثم يخلط على أحد الوجهين" إلى آخره هما الوجهان المذكوران أخيرًا. ومن سنن الوضوء: المبالغة في المَضْمَضَة والاستنشاق، ففي المضمضة يبلغ الماء أقصى الحَنَكِ، وَوَجْهَي الأسنان واللَّثَات مع إمرار الإصبع عليها، وفي الاستنشاق يصعد الماء بالنفس إلى الخَيْشُوم مع إدخال الإصبع، وازالة ما فيه من الأَذَى، لكن لو كان صائمًا لا يبالغ فيهما، كيلا يصل الماء إلى الدماغ، أو البطن، وقد روى "عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبَرَةَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ -ﷺ-: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالَغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (١) " (٢).
قال الغزالي: وَأَن يُكَرِّرَ الغَسْلَ وَالمَسْحَ (ح م و) فِي الجَمِيع وَإِن شَكَّ أَخَذَ بِالأَقَلِّ.
قال الرافعي: "توَضَّأَ رَسُول اللهِ -ﷺ- ثَلاَثًا ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" (٣). وروى: "أَنَّه تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا، وَقَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَد أَسَاءَ وَظَلَم" (٤). ولا فرق بين المَغْسُولِ من الأعضاء والممسوح المفروض منهما، وغير المفروض؛ لأن لفظ الخبر مطلق يتناول المغسول والممسوح.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٣، وأبو داود ١٤٢، والترمذي ٧٨٨، وقال حسن صحيح، والنسائي ١/ ٦٦، وفي ١/ ٨٩ وفي ١/ ١٥٣، والهيثمي في الموارد ١٥٩، والحاكم في المستدرك ١/ ١٤٧، ١٤٨، والشافعي ٧٤.
(٢) قال النووي: ولو جعل الماء في فيه، ولم يدره حصلت المضمضة على الصحيح والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٩.
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٢٠٧، عن عثمان -﵁-: أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا (٩/ ٢٣٠)، هكذا في وصف وضوء النبي -ﷺ- والحديث الذي ذكره المصنف -﵀- أخرجه ابن ماجة، وابن أبي حاتم، والدارقطني والطبراني من رواية ابن عمر وهو ضعيف، لأنه من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي، تركه البخاري وقال أبو حاتم الرازي هذا حديث لا يصح، وقال أبو زرعة: واه وقال العقيلي: فيه نظر، انظر التلخيص ١/ ٨٢ - ٨٣، نصب الراية ١/ ٢٨، ٢٩.
(٤) أخرجه أبو داود من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبنحوه عند النسائي وابن ماجة، وقال صاحب الإمام إسناده صحيح إلى عمرو، فمن يحتج بنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فهو عنده صحيح، والأكثرون من المصنفين على الاحتجاج بها. انظر التلخيص ١/ ٨٣.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -﵏-: لا يستحب التَّكْرار في مَسْحِ الرأس وحكاه أبو عيسى التِّرْمذي في جامعة عن الشافعي -﵁- ونقله أبو عبد الله الحناطي وجهًا للأصحاب فيه، وفي مسح الأذنين.
واحتجوا عليه بما روى: "أَنَّهُ -ﷺ- مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً" (١) وعن علي وعثمان -﵄- أنهما في وَصْفِ وضوء رسول الله -ﷺ- "مَسَحَا رُؤُوسَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً".
قلنا: ورد في رواية الرُّبَيِّع بنت معوذ: "أَنَّهُ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّتَيْنِ (٢) "، وعن عثمان "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ رَأسَهُ ثَلاَثًا" (٣)، على أن ما رويتموه يَجْوزُ أن يكون فعله في بعض الأحوال؛ لبيان الجواز. وهذا لبيان الفضيلة، فلو شك في أنه غسل، أو مسح مرة، أو مرتين، أو شك في أنه فعل ذلك مرتين، أو ثلاثًا؛ فوجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يأخذ بالأقل؛ كما لو شك في عدد رَكَعَاتِ الصلاة.
والثاني: ذكره الشيخ أبو محمد: أنه يأخذ بالأكثر؛ حذرًا من أن يزيد غسلة رابعة، فإنها بِدْعَةٌ وترك السنة أهون من اقتحام البدعة، لكن من قال بالأول لا يسلم أن الرابعة بدعة على الإطلاق؛ بل البدعة: إتيانه بالرَّابِعَة عن علم منه بحقيقة الحال (٤).
قال الغزالي: وأنْ يُخَلِّلَ اللَّحْيَةَ إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً. قال الرافعي: ما لا يجب إيصال الماء إلى باطنه ومنابته من شَعرِ الوجه، يستحب تَخْلِيلُه بالأصابع، روى عن عثمان -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يخلِّلُ لِحْيَتَه (٥) وروى: أنه كان يُخَلل لحيته، وَيدْلُكُ
_________________
(١) أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن زيد، والدارقطني من رواية عثمان والترمذي من رواية علي، وانظر كلام الحافظ في التلخيص ١/ ٨٣ - ٨٤، والزيلعي في نصب الراية ١/ ٣١.
(٢) أخرجه أبو داود، وابن ماجة والترمذي وحسنه، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل -احتج به الأكثرون- انظر التلخيص ١/ ٨٤.
(٣) أخرجه أبو داود من رواية عامر بن شقيق بن سلمة عنه، قال البيهقي في خلافياته إسناده قد احتجا بجميع روائه غير عامر، قال الحاكم: لا أعلم في عامر طعنًا بوجه من الوجه. انظر التلخيص ١/ ٨٤ - ٨٥.
(٤) قال النووي: تكره الزيادة على ثلاث، وقيل: تحرم، وقيل: هي خلاف الأولى والصحيح: الأول. وإنما تجب الغسلة مرة إذا استوعبت العضو. الروضة ١/ ١٧٠.
(٥) أخرجه أحمد والدارمي والبزار والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البخاري، ونقل الترمذي عنه أنه قال: إنه أصح شيء في الباب، وقال الحاكم إسناده صحيح وقد احتجا بجميع روائه غير عامر ولا أعلم فيه طعنًا قال: وله شواهد. انظر التلخيص ١/ ٨٥ - ٨٧ خلاصة البدر ١/ ٣٥ - ٣٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
عَارِضَيْهِ بعض الدلك. وعن المزني: أن التَّخلِيلَ واجب (١) ورواه القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب، فإن أراد المزني فتفرداته لا تعد من المذهب إذا لم يخرجها على أصل الشافعي -﵁- وإن أراد غيره حصل وجه موافق لما ذهب إليه المزني.
قال الغزالي: وأنْ يُقَدِّمَ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى.
قال الرافعي: كان رسول الله -ﷺ- يحب التيامن في كل شيء، حتى في وضوئه وانتعاله (٢). وعن أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ- قال: "إِذَا تَوَضَّأتم فَأْبْدَؤُا بِمَيَامِنُكِم" (٣) وزعم المرتضى (٤) من الشيعة أن الشافعي -﵁- في القديم كان يوجب تقديم اليمنى على اليسرى، وليس لهذا ذكر في كتب أصحابنا، ولا اعتماد عليه، ويدل على نفي الوجوب ما روى عن علي -﵁- أنه قال: ما أبالي بيميني بدأت، أو بشمالي إذا أكملت الوضوء (٥).
ثم استحباب تقديم اليمنى على اليسرى في كل عضوين يعتبر إيراد الماء عليهما دفعة واحدة، كاليدين والرجلين، أما الأذنان فلا يستحب البداية باليمنى منهما؛ لأن مسحهما معًا أهون، وكذلك الخدان يغسلان معًا: نعم الأقطع يعجز عن غسل الخدين، ومسح الأذنين دفعة واحدة فيراعى التَّيَامُنُ، هكذا ذكر القاضي أبو المحاسن (٦) وليكن قوله: "وأن يقدم اليمنى" مرقومًا بالألف؛ لأن أحمد صار إلى وجوبه.
قال الغزالي: وأنْ يطَوِّلَ الغُرَّةَ.
قال الرافعي: وروى أنه -ﷺ- قال: "أُمَّتِي يَومَ الْقِيَامَةِ غُرٌّ مُحَجُّلُونَ مِنْ آَثَارِ الوُضُوءِ" (٧). قال أبو هريرة: "فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَغْسِلُ أَيْدِيَنَا إِلَى الأبَاطِ" (٨).
_________________
(١) قال النووي: مراد قائله وجوب إيصال الماء إلى المنبت، وليس بشيء، وقد نقلوا الإجماع على خلافه. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٠.
(٢) أخرجه البخاري ٤٢٦، ومسلم ٦٧/ ٢٦٨.
(٣) أخرجه ٢/ ٣٥٤، وأبو داود ٤١٤١، وابن ماجة ٤٠٢، والهيثمي في الموارد ١٤٧، وقال صاحب الإمام: وهو حقيق بأن يصحح، انظر التلخيص ١/ ٨٨.
(٤) محمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم العلوي الطالبي الملقب بالمرتضى، إمام زيدي فقيه عالم بالاصول، توفي سنة ٣١٠ هـ. الأعلام ٧/ ١٣٥.
(٥) أخرجه البيهقي، وقال منقطع التلخيص ١/ ١٠٠.
(٦) قال النووي: والكَفَّان كالأذنين، وفي (البحر) وجه شاذ: أنه يستحب تقديم الأذن اليمنى، ولو قدم مسح الأذن على مسح الرأس لم يحصل على الصحيح. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٠.
(٧) أخرجه ١٣٦، ومسلم ٣٥/ ٢٤٦.
(٨) انظر التلخيص ١/ ٨٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
واختلف الأصحاب في التفسير، ففرق بعضهم بين تطويل الغُرَّة وتطويل التَّحْجِيل فقالوا: تطويل الغرة غَسْلُ مُقَدَّمات الرأس مع الوجه، وكذلك غسل صَفْحَةِ العُنُقِ، والتحجيل غسل بعض العَضُد عند غسل اليد وغسل بعض الساق عند غسل الرجل، وغاية ذلك استيعاب العضد، والساق وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق، وأعرضوا عن ذكر ما حوالى الوجه، والأول أولى وأوفق لظاهر الخبر.
قال الغزالي: وَأَنْ يَسْتَوْعِبَ الرَّأْسَ بِالمَسْحِ فَإِنْ عَسُرَ تَنْحِيَةُ العِمَامَةِ كَمَّلَ بِالمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ.
قال الرافعي: من سنن الوضوء اسْتِيعَابُ الرأس بالمسح، والأحبُّ في كيفيته أن يضع يده على مقدم رأسه، وكل واحدة من سَبَّابَتَيْهِ مُلْصَقَة بالأخرى، وإبهاماه على صُدْغَيه ثم يذهب بهما إلى قَفَاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، روى عن عبد الله ابن زيد في صفة وضوء رسول الله -ﷺ- "ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، أَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمَقْدِمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ" (١).
وهل الذِّهَاب باليد والرد مَسحَةٌ واحدة؟ أم الذهاب وحده مسحة؟ إن لم يكن على رأسه شعر، أو كان عليه شعر لا ينقلب بذهابه باليد؟ وردها لكونه ضَفِيرَةً معقودة، أو لطوله فإمرار اليد من المقدم إلى المؤخر مَسْحَة واحدة.
قال في التهذيب: ولا يحسب الرد، والحالة هذه مسحة أخرى؛ لِصَيْرُورَةِ البَلَلِ مستعملًا بحصول مسح جميع الرأس، وإن كان على رأسه شعر ينقلب بالذهاب باليد، وردها فهما جميعًا مسحة واحدة؛ ليستوعب البلل جميع الرأس، فإن مَنَابِتَ الشعور مختلفة، منها ما يكون وجهه إلى مقدم الرأس، ومنها ما يكون وجهه إلى مؤخره، فبالذهاب يبتلُّ بواطن القسم الأول، وظواهر الثاني وبالرد يبتل ظواهر الأول، وبواطن الثاني، والأول أن يمسح من الرأس النَّاصية، "مَسَحَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" (٢) ولا يجوز الاقتصار على مسح العِمَامَةِ؛ لأن المأمور به مسح الرأس، والماسح على العمامة ليس بماسح على الرأس، ولو عسر عليه تنحية ما على رأسه من عمامة، وغيرها ومسح من الرأس قدر ما يجب كمل بالمسح على العمامة، بدلًا من الاستيعاب وتشبها به.
قال الغزالي: وَأَنْ يَمْسَحَ أُذُنَيهِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا.
_________________
(١) متفق عليه، وقال الترمذي: هو أحسن شيء في الباب، وأصح، انظر التلخيص ١/ ٨٨، ٨٩.
(٢) أخرجه مسلم من رواية المغيرة بن شعبة، وقد تقدم.
[ ١ / ١٢٨ ]
قال الرافعي: يستحب مَسْحُ الأُذُنَيْن؛ لما روى: "أَنَّهُ -ﷺ- مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذَنَيهِ، ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ" (١).
وينبغي أن يمسحهما بماء جديد؛ لما روى عن عبد الله بن زيد، في صفة وضوء رسول الله -ﷺ- "أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أُذُنَيهِ بِمَاء غَيْرِ المَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ" (٢).
وليس من الشرط أن يأخذ ماءً جديدًا حينئذ؛ بل لو أمسك بعض أصابعه من البلل المأخوذ لمسح الرأس، ومسح به الأذنين تأَدَّت هذه السنة؛ روى "أَنَّهُ -ﷺ- "أَمْسَكَ بسَبَّابَتَيْهِ، وإبْهَامَيْهِ عَنِ الرَّأْسِ؛ لِمَسْحِ الأُذُنيْنِ، فَمَسَحَ بِسَبَّابَتَيْهِ بِاطِنَهُمَا، وَبِإِبْهَامَيْهِ ظًاهِرَهُمَا" (٣)، ويمسح الصِّمَاخَيْنِ بماء جديد أيضًا نص عليه؛ لأنه من الأذن، كالفم والأنف من الوجه، وحكى قول آخر: أنه يكفي مَسْحُه ببقية بلل الأذن؛ لأن الصِّمَاخَ من الأذن، والأحبُّ في إقامة هذه السنة أن يدخل مسبحتيه في صِمَاخَيْه، ويديرهما على المَعَاطف، ويمر إبهاميِه على ظهورهما، ثم يلصق كفيه، وهما مبلولتان بالأذنين استظهارًا. ولك أن تعلم قوله: "وأن يمسح أذنيه" بالألف؛ لأن أحمد قال بوجوبه، وبالميم؛ لأن مالكًا قال في رواية: هما من الوجه يُغْسَلاَن معه، ولا يُمْسَحان.
وقوله: "بماء جديد" بالحاء لأن أبا حنيفة يقول: هما من الرأس يمسحان بالبلل المأخوذ للرأس (٤)، وبالميم، لأن مالكًا: يقول في رواية هما من الوجه يمسحان بالبَلَلِ الباقي عن غسل الوجه (٥) وبالألف، لأن أحمد مع قوله "بالوجوب" يجوزه بالمأخوذ لمسح الرأس، وعن مالك روايتان، أخريان أحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى مثل مذهب أبي حنيفة.
قال الغزالي: وأنْ يَمْسَحَ الرَّقَبَةَ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود من رواية المقدام بن معديكرب بإسناد حسن أو صحيح، انظر التلخيص ١/ ٨٩.
(٢) أخرجه الحاكم والبيهقي وقالا: إسناده صحيح وزاد الحاكم: وأنه على شرط مسلم، انظر التلخيص ١/ ٨٩، ٩٠.
(٣) أنكره ابن الصلاح، وضعفه النووي، وروى ابن أبي شيبة والبيهقي وابن خزيمة وابن منده من حديث ابن عباس ما ظاهره كما ذكره المصنف، قال ابن منده: لا يعرف مسح الأذنين من وجه يثبت إلا من هذا الطريق. انظر خلاصة البدر المنير ١/ ٣٨.
(٤) في ب: للأذنين.
(٥) قال النووي: ويمسح الصماخين ثلاثًا ونقلوا: أن ابن سريج -﵀- كان يغسل أذنيه مع وجهه، ويمسحهما مع رأسه ومنفردتين احتياطًا في العمل بمذاهب العلماء فيهما، وفعله هذا حسن. وقد غلط من غلطة فيه زاعمًا أن الجمع بينهما لم يقل به أحد. ودليل ابن سريج نص الشافعي والأصحاب على استحباب غسل النزعتين مع الوجه مع أنهما يمسحان في الرأس. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧١، ١٧٢.
[ ١ / ١٢٩ ]
قال الرافعي: روى أن النبي -ﷺ- قال: "مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنَ الْغُلِّ" (١) وعن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ وُقِيَ الْغُلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) "] (٣).
وهل يمسح بماء جديد، أم بما يبقى من بلل مسح الرأس، أو الأذن؟ بناه بعضهم على وجهين في أن مسح العنق سنة أم أدب، إن قلنا: سنة مسح بماء جديد وإن نقلنا: أدب مسح بالبلل الباقي. واعلم أن السُّنة والأدب يشتركان في أصل الندبية، والاستحباب، لكن السنة ما يتأكد شأنها، والأدب دون ذلك، ثم اختيار القاضي الروياني: أنه ينبغي أن يمسحه بماء جديد، وميل الأكثرين إلى أنه يكفي مسحه بالبلل الباقي، وهو قضية كلام المسعودي، وصاحب "التهذيب"؛ لأن المسعودي قال: إنه غير مقصود في نفسه، بل هو تابعٌ للقَفَا في المسح والقفا تابع للرأس؛ لتطويل الغُرَّة. وقال صاحب "التهذيب": يستحب مسحه؛ تبعًا للرأس، أو الأذن إطالةً للغرة، وإذا كان استحبابه لتطويل الغرة، كفى فيه البلل الباقي (٤) -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأنْ يُخَلَّلَ أَصَابعَ الرِّجْلَينِ بِخنْصِرِ اليَدِ اليُسْرَى مِنْ أَسْفَلِ أَصَابعِ الرِّجْلِ اليُمْنَى وَيَبتَدِئُ بِخِنْصِر اليُمْنَى وَيَخْتُمِ بِخِنْصِرَ اليُسْرَى.
قال الرافعي: من سنن الوضوء: تخليلُ أصابع الرجلين في غسلهما؛ لما روى أنه -ﷺ- قال للقيط بن صبرة: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلِ الْأَصَابع".
وهذا إذا كان الماء يصل إليها من غير تَخْلِيلٍ، فلو كانتِ الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل، فحينئذ يجب التخليل، لا لِذَاتِهِ، لكن الأداء فرض الغسل، وإن كانت ملتحمة لم يجب الفَتْقُ، ولا يستحب أيضًا، والأحب في كيفية التخليل: أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسفل الأصابع، مبتدئًا بخِنْصَرِ الرِّجْل اليمنى، ومختتمًا بخِنْصَر اليسرى، وَرَدَ الخبر (٥) بذلك عن رسول الله -ﷺ- كذلك ذكره الأئمة، وعن أبي طاهر
_________________
(١) غريب قال ابن الصلاح: لا يعرف مرفوعًا، هكذا في شرحه على الوسيط، وإنما هو قول بعض السلف، وقال النووي موضوع. التلخيص ١/ ٩٢، وخلاصة البدر المنير ١/ ٣٨.
(٢) قال ابن الملقن في الخلاصة ١/ ٣٨: غريب لا أعرفه إلا من كلام موسى بن طلحة، كذلك رواه أبو عبيد في غريبه، قال النووي: لا يصح في مسح الرقبة شيء، انظر التلخيص ١/ ٩٢، ٩٣.
(٣) سقط في ب.
(٤) قال النووي: وذهب كثيرون من أصحابنا إلى أنها لا تمسح، لأنه لم يثبت فيها شيء أصلًا، ولهذا لم يذكره الشافعي ومتقدموا الأصحاب، وهذا هو الصواب. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٢.
(٥) أخرجه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة وقال ابن =
[ ١ / ١٣٠ ]
الزيادي (١)؛ أنه يخللُ ما بين كل إصْبُعَيْن من أصابع رجله بإصبع من أصابع يده؛ ليكون بماء جديد، ويفصل الإبهامان، فلا يخلل بهما؛ لما فيه من العسر، وهل التخليل من خاصية أصابع الرجلين؟ أم هو مستحب في أصابع اليدين أيضًا؟ معظم أئمة المذهب ذكروه في أصابع الرجلين، وَسَكتُوا عنه في اليدين، لكن القاضي أبا القاسم بن كج قال: إنه مستحب فيهما، واستدل بخبر لقيط بن صبرة، فإن لفظ الأصابع ينتظمها، وفي جامع أبي عيسى الترمذي عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أَصَابعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ" (٢).
وعلى هذا فالذي يقرب من الفهم هاهنا أن يشبك بين الأصابع، ولا تعود فيه الكيفية المذكورة في الرجلين، ولك أن تعلم قوله: "بخنصر اليد اليسرى" بالواو، إشارة إلى ما حكينا عن الأستاذ أبي طاهر.
قال الغزالي: وأنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الأَفْعَالِ فَهِيَ سُنَّةٌ عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: اختلف قول الشافعي -﵁- في الموالاة. فقال في القديم: هي واجبة، وبه قال مالك، وأحمد في رواية؛ لأن النبي -ﷺ- تَوَضَّأَ على سبيل الموالاة، وقال: "هذَا وُضُوء لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاَةَ إِلاَّ بهِ" (٣)؛ ولأنها عبادة ينقضهما الحدث، فيعتبر فيها الموالاة، كالصلاة، وقال في الجَديد: هي سنة؛ لما روى "أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ وَتَرَكَ لُمعَةً فِي عَقِبِهِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ النَّبِي -ﷺ- بِغَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالاِستِئنَافِ (٤) " ولم يبحث عن قَدْرِ المدة الفاصلة، وعن ابن عمر -رضي الله
_________________
(١) = الملقن في الخلاصة (١/ ٣٨): وقد أجمع المحدثون على ضعفه كما قاله البيهقي لكن نقل الدارقطني والبيهقي عن مالك أنه قال هذا حديث حسن، ولم ينفرد به ابن لهيعة فقد روى من طريقه أخرى ليس هو فيها وصححها ابن القطان وقال الحافظ: هذه الكيفية لا أصل لها، وساق ما سقناه.
(٢) أبو طاهر محمد بن محمد محمش بميم مفتوحة وحاء مهملة ساكنة بعدها ميم مكسورة ثم سين معجمة المعروف بالزيادي. كان إمام المحدثين والفقهاء بنيسابور في زمانه وإمامًا في العربية والأدب. ولد سنة سبع عشرة وثلثمائة، وسمع الحديث سنة خمس وعشرين وتفقه سنة ثمان وعشرين وتوفي سنة أربعمائة. انظر العبر ٣/ ١٠٣، طبقات العبادي ١٠١.
(٣) أخرجه الترمذي ٣٩، وقال: حسن غريب، وبنحوه عند ابن ماجة (٤٤٤٧) وفي إسناده صالح مولى التوأمة، وفيه مقال أبو حاتم وغيره ليس بالقوي، وقال أحمد صالح الحديث. انظر التلخيص ١/ ٩٤، وخلاصة البدر ١/ ٣٩.
(٤) تقدم انظر التخيص ١/ ٩٤، وخلاصة البدر ١/ ٣٩.
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارقطني من رواية أنس، وقال البيهقي في خلافياته: رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، انظر التلخيص ١/ ٩٤ - ٩٦، وخلاصة البدر ١/ ٣٩.
[ ١ / ١٣١ ]
عنهما-: أنه كان يتوضأ في سوق المدينة، فدُعِيَ إلى جنازة، وقد بَقِيَ من وضوئه فرض الرجلين، فذهب معها إلى المُصَلَّى، ثم مسح خفيه وكان لابسًا ولأن أفعال الوضوء يجوز أن يتخلَّلها الزمان اليسير، فكذلك الزمان الكثير بخلاف الصلاة. ثم لجريان القولين شرطان، وإن أطلق في الكتاب.
أحدهما: أن يهمل الموالاة بتفريق كثير، أما التفريق اليسير فلا يقدح بلا خلاف، سواء كان بعذر، أو بغير عذر، والتفريق الكثير أن يمضي من الزمان ما يَجِفّ فيه المَغْسُولُ مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص، ولا عبرة بحال المَحْمُومِ، ولا بتباطُؤ الجفاف؛ بسبب بُرُودَةِ الهواء، ولا بتَسَارُعِهِ بسبب الحرارة.
وقيل: يؤخذ الكثير والقليل من العادة.
وقيل: إذا مضى قدر ما يمكن فيه إتمام الطهارة فقد كثر التفريق، واعتبار مدة التفريق من آخر الفعل المأتي من أفعال الوضوء، حتى لو غسل وجهه ويديه، ووقع فصل، ثم مسح رأسه، قبل جفاف ماء اليدين لم يضر، وإن جف الماء على وجهه.
وإذا غسل ثَلاثًا، فالاعتبار من الغسلة الأخيرة.
الشَّرْط الثاني: أن يكون التفريق الكثيرة بغير عذر، أما إذا كان بعذر فلا يضر، ولا يعود فيه القول القديم.
قال المسعودي: لأن الشافعي -﵁- جوز في القديم تفريق الصلاة بالعُذْرِ، فإنه إذا سبقه الحدث يتطهر، ويبني، ففي الطهارة أولى، والعذر كما إذا نفد ماؤه، فذهب لطلبه، أو خاف من شيء فهرب، وهل النسيان من الأعذار؟ فيه وجهان، للشيخ أبي محمد:
والأظهر: أنه من الأعذار، ومنهم من طرد القولين في التفريق بالعُذْر أيضًا، والأكثرون على الأول، وَحُكِيَ عن نص الشافعي -﵁- ما يدل عليه وإذا عرفت موضع القولين، فنقول: إذا فرعنا على القديم وفرق وجب عليه الاستئناف.
وإن فرعنا على الجديد، فله البناء، ثم إن كان مستديمًا للنية فذاك، وإن لم يكن فهل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن استيفاء النية حكمًا خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه عند تواصل الأفعال.
وأظهرهما: لا؛ لأن التفريق إذا كان جائزًا كانت النية الأولى كافية، ألا ترى أن الحج إذا جاز فيه التفريق كَفَتِ النية الأولى فيه.
قال الغزالي: وَأَنْ لاَ يَسْتَعِينَ فِي الوُضُوءِ بِغَيْرِهِ، وَأَنْ لاَ يُنَشِّفَ الأَعْضَاءَ فَهِيَ سُنَّةٌ
[ ١ / ١٣٢ ]
عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَأَنْ لاَ يَنْفُضَ يَدَيْهِ لِلنَّهْي عَنْهُ، وَأَنْ يَدْعُو بِالدَّعَوَاتِ المَأْثُورَةِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ غَسْلِ الأَعْضَاءِ.
قال الرافعي: هذه البقية تشتمل على أربع سنن:
إحداهما: أن لا يستعين في وضوئه بغيره.
روى: أنه -ﷺ- قال: "أَنَا لاَ أَسْتَعِينُ عَلَى وُضُوئِي بأَحَدٍ" (١) قاله لعمر -﵁- وقد بادر لِيَصُبَّ الماء على يديه؛ ولأنه نوع من التنعيم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبِّد، والأجر على قدر النصب. وهل تكره الاستعانة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لما ذكرناه.
وأظهرهما: لاَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ اسْتَعَانَ أَحْيَانًا (٢) مِنها: ما رُوِيَ "أَنَّ أُسامة (٣) وَالربيع بِنْتَ مُعَوِّذِ صَبَّا الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ" (٤).
ومنها ما روى "أنَّهُ اسْتَعَانَ بالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةُ لِمَكَانِ جُبَّةٍ ضَيِّقَةِ الْكُمَّيْنِ كَانَ قَدْ لَبِسَهَا فَعَسَرَ عَلَيْهِ الإِسْبَاغُ مُنْفرَدًا" (٥) ولا يستبعدن الخلاف في أن الاستعانة هل تكره؟ مع الجزم بأن تركها محبوب فإن الشيء قد يكون أولى، ولا يوصف ضده بالكراهية كأستغراق الأوقات بالعبادة وتركه.
الثانية: هل يستحب ترك تنشيف الأعضاء فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لما روى عن أنس "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ لاَ يُنَشِّفُ أَعْضَاءَهُ" (٦).
_________________
(١) أخرجه الرافعي في أماليه بإسناد، والبزار في مسنده، وقال: لا يروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وقال ابن الملقن: إسناد ضعيف، وقال النووي: باطل لا أصل له، وفي ذلك. انظر التلخيص ١/ ٢٩، وخلاصة البدر ١/ ٤٠.
(٢) قال النووي: الوجهان فيما إذا استعان بمن يصب عليه الماء، وأصحهما: لا يكره أما إذا استعان بمن يغسل له الأعضاء فمكروه قطعًا، وإن استعان به في إحضار الماء فلا بأس به، ولا يقال: إنه خلاف الأولى، وحيث كان له عذر فلا بأس بالاستعانة مطلقًا. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٣.
(٣) متفق عليه في قصة فيها دفعة مع النبي -ﷺ- من عرفة في حجة الوداع، ولفظ مسلم ثم جاء فصببت عليه والوضوء، وليس في رواية البخاري ذكر الصب.
(٤) أخرجه ابن ماجة (٣٩٠)، وأبو داود ١٢٦، والدارمي ٦٩٦، والطبراني في الكبير جـ ٢٤ (٦٧٥)، (٦٧٦)، وانظر التلخيص ١/ ٩٧.
(٥) أخرجه البخاري ٣٩٣، ومسلم ٢٧٤.
(٦) أخرجه ابن شاهين في ناسخه ومنسوخه، وانظر الناسخ والمنسوخ لابن شاهين بتحقيقنا، وإسناده ضعيف. انظر التلخيص ١/ ٩٨.
[ ١ / ١٣٣ ]
وعن عائشة -﵂- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُصْبِحُ جُنُبًا، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَرَأسُهُ يَقْطُرُ مَاء" (١).
والثاني: لا يستحب ذلك. وعلى هذا اختلفوا. منهم من قال: لا يستحب التَّنْشِيف أيضًا، وقد روي من فعل رسول الله -ﷺ- التنشيف، وتركه، وكل حسن، ولا ترجيح، ومنهم من قال: يستحب التنشيف؛ لما فيه من الاحتراز عن التصاق الغبار، وإذا فرعنا على الأظهر، وهو استحباب الترك، فهل نقول التَّنْشِيفُ مَكْرُوهٌ؛ أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: لا؛ "لأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اغْتَسَلَ، فَأَتَى بِمَلحَفَةٍ وَرَسِيَّةٍ، فَالْتَحَفَ بِهَا حَتَّى رُؤي أَثَرُ الوَرَسِ فِي عُكَتِهِ" (٢). ولو كان مكروهًا لما فعل.
والثاني: نعم؛ لأنه إزالة لأثر العبادة، فأشبه إزالة خُلُوف فَمِ الصائم.
والثالث: حُكِيَ عن القاضي الحسين: أنه إن كان في الصيف كره، وإن كان في الشتاء لم يكره؛ لعذر البرد.
الثالثة: أن لا ينفض يديه، فهو مكروه (٣) لما روى: أنه -ﷺ- قال: "إِذَا تَوَضَّأتُم فَلاَ تَنْفضُوا أَيْدِيَكُم، فَإِنَّهَا مَرَاوح الشَّيْطَانِ" (٤).
الرابعة: أن يحافظ على الدعوات (٥) الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: "اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابًا يسيرًا"، وعند غسل اليسرى: "اللهم لا تعطني
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر ١/ ٩٨، أخرجه النسائي في الصوم من طريق الشعبي عنها، وفي الصحيحين نحوه من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٦، ٧، وأبو داود ٥١٨٥، والنسائي في عمل اليوم والليلة ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦، وابن ماجة ٤٦٦، ٣٦٠٤ وقال الحازمي: مختلف في إسناده، انظر التلخيص ١/ ٩٩ وخلاصة البدر ١/ ٤١.
(٣) قال النووي: في النفض الأرجح: أنه مباح تركه وفعله سواء، والثاني مكروه، والثالث تركه أولى. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٣.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل ١/ ٣٦، وقال: قال أبي: هذا حديث منكر والبختري ضعيف الحديث، وأبو مجهول، ورواه ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٠٣) وقال البختري: يروى عن أبيه عن أبي هريرة نسخة فيها عجائب لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد لمخالفته الأثبات في الروايات مع عدم تقدم عدالته، وانظر التلخيص ١/ ٩٩، ١٠٠.
(٥) قال النووي: هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي والجمهور. والله أعلم. الروضة ١/ ١٧٣.
[ ١ / ١٣٤ ]
كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري"، وعند مسح الرأس: "اللهم حَرِّمْ شعري وبشري على النار" وروى: "اللهم احْفَظْ رأسي وما حوى، وبطني وما وعى"، وعند مسح الأذنين: "اللَّهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، وعند غسل الرجلين: "اللَّهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام"، ورد بها الأثر عن السلف الصالحين (١) خاتمتان:
إحداهما: السنن التي أوردها، يعود يصفها في الغسل، التسمية، وغسل اليدين، والمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والتكرار، والمُوَالاة، وترك الاستعانة، والتنشيف، والنفض. وفي التسمية وجه: أنها لا تستحب في الغسل، وفي الموالاة طريق: أنها لا تجب في الغسل بلا خلاف.
الثانية: ظاهر لفظ الكتاب حصر السنن في العدد المذكور، لكن للوضوء مَنْدُوبَات أخر. منها: أن يقول بعد التسمية: الحَمْدُ لله الذي جعل الماء طهورًا. وأنَّ يستصحب النية في جميع الأفعال. وأن يجمع في النية بين اللِّسان القلب. وأن يتعهد الماقين (٢) بالسبابتين، وما تحت الخَاتِمَ بتحريك الخاتم، وكذلك المواضع التي يحتاج فيها إلى الاحتياط. وأن يبدأ في غسل الوجه بأعلاه، وفي مسح الرأس بمقدمه وفي اليد والرجل بأطراف الأصابع، ويختم بالمرافق، والكعب إن كان يصب الماء عليهما بنفسه، وإن صبه عليه غيره بدأ بالمِرْفَقِ، والكَعْبِ. وأن لا ينقص الماء المتوضأ به عن مدٍ. وأن لا يسرف في صب الماء. وأن لا يزيد على ثلاث مرات. وأن لا يتكلم في أثنائه. ولا يَلْطُم الوجه بالماء. وأن يتوضأ في مكان لا يرجع رشاش الماء إليه. وأن يُمِرَّ اليدَ على الأعضاء المغسولة. وأن يقول بعد الوضوء مستقبلًا للقبلة: أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وليس لك أن تقول: هذا من الأذكار والأدعية، وقد أشار إليها في الكتاب، فلا يكون وراء ما ذكره؛ لأن الأدعية التي أشار إليها في الكتاب، هي المأثورة عند غسل الأعضاء، وهذا متأخر عن غَسْلِهَا.
_________________
(١) انظر التلخيص ١/ ١٠٠.
(٢) الموق: طرف العين الذي يلي الأنف وفيه ثلاث لغات ماق، ومأق، وموق قاله الخطابي في المعالم ١/ ١٠١.
[ ١ / ١٣٥ ]