قال الرافعي: صفات الأئمة ضربان: مشروطة، ومحبوبة، وقد ضمن الفصل ما أراد إيراده.
فأما المشروطة فنأتي منها بما ذكره في الكتاب، وما أهمله في تقسيم نرسمه، ونقول: الإنسان لا يخلو إما أن لا تكون صلاته صحيحة عنده، وعند المأموم معًا، وإما أن تكون صحيحة.
القسم الأول: أن لا تكون صحيحة عندهما معًا فينظر إن توافق اعتقاد الإمام والمأموم على أنه لا صحة لها، ولا اعتبار كصلاة من به حدث أو جنابة، وصلاة من بثوبه نجاسة ونحو ذلك، فلا يجوز لمن علم حاله الاقتداء به؛ لأنه ليس من أهل الصَّلاَةِ، وكذلك الكافر لا يجوز الاقتداء به، وإذا صلى الكافر لم يجعل بذلك مسلمًا خلافًا لأبي حنيفة، حيث جعله مسلمًا بذلك في بعض الأحوال، ولأحمد حيث جعله مسلمًا بكل حال، وعن القاضي أبي الطيب: أنه إذا صلى الحربي في دار الحرب حكم بإسلامه، ويحكى ذلك عن نص الشافعي -﵁-، والمذهب المشهور هو الأول، ثم إذا لم تسمع منه كلمتا الشهادة، فإن سمعتا منه في التشهد، ففي الحكم بإسلامه ما قدمنا فيما إذا أذن (١)، وإن كانت صحيحة في اعتقاد الإمام دون المأموم، أو بالعكس فهذا يفرض على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك لاختلافهما في الفروع الاجتهادية كما إذا مس الحنفي فرجه وصلى ولم يتوضأ، أو ترك الاعتدال في الركوع والسجود، أو قرأ غير الفاتحة في
_________________
(١) التفصيل بين العسيوي وغيره فإن وإن غير عيسوي حكم بإسلامه على الصحيح وإن كان عيسويًا لم يحكم بإسلامه وهذا ظاهر جلي لا خفاء فيه.
[ ٢ / ١٥٤ ]
صلاته ففي صحة اقتداء الشافعي به وجهان:
أحدهما -وبه قال القفال-: تصح؛ لأن صلاته صحيحة عنده، وخطؤه غير مقطوع به، فلعل الحق ما ذهب إليه.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: لا تصح؛ لأن صلاة الإمام فاسدة في اعتقاد المأموم، فأشبه ما لو اختلف اجتهاد رجلين في القبلة لا يقتدي أحدهما بالآخر، وهذا أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر الروياني في "الحلية" سواه، وبه أجاب صاحب الكتاب في "الفتاوى"، لكن بشرائط ليس من غرضنا ذكرها، ولو أن الحنفي صلى على وجه لا يعتقده صحيحًا، واقتدى الشافعي به وهو يعتقده صحيحًا انعكس الوجهان، فعلى ما ذكره القفال لا يصح الاقتداء أعتبارًا بحال الإمام، وعلى ما ذكره أبو حامد يصح اعتبارًا باعتقاد المأموم.
وحكى أبو الحسن العبادي أن الأودني (١)، والحليمي قالا: إذا أمّ الوالي، أو نائبه بالنَّاسِ ولم يقرأ التسمية والمأموم يراها واجبة فصلاته خلفه صحيحة عالمًا كان أو عاميًا، وليس له المفارقة لما فيها من الفتنة، وهذا حسن.
وقضيته: الفرق بين الإمام وخلفائه، وبين غيرهم، أما إذا حافظ الحنفي على جميع واجبات الطهارة والصلاة عند الشافعي فاقتداؤه به صحيح عند الجمهور، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه لا تصح؛ لأنه لا يأتي بها [على اعتقاد] (٢) الوجوب، وعلى الأول لو شك في أنه هل أتى بها أم لا؟ فقد ذكر صاحب الكتاب في "الفتاوى" أنه يجوز الاقتداء به، كما لو علم أنه حافظ عليها، لأن الظاهر إتيانه بها إقامة لما يعتقده سنة، وتوقيًا عن شبهة الخلاف.
_________________
(١) أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن يصير الأودني، قال فيه الحاكم: كان شيخ الشافعية بما وراء النهر، وكان من أزهد الفقهاء، وإنابة، وأورعهم، وأعبدهم، وأبكاهم على تقصيره، وأشدهم تواضعًا، قال: وتوفي ببخارى، سنة خمس وثمانين وثلثمائة، ونقله عنه النووي في تهذيبه. قال: ودفن بمحلة من بخارى، يقال لها: كلاباذ بكاف مفتوحة، وباء موحدة، أخذ عن أبي منصور بن مهران، قال الإمام في النهاية: وكان من دأبه أن يمن بالفقه على من لا يستحقه، وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع عليه في المناظرة. وأودنة: قرية من قرى بخارى، وهي بفتح الهمزة، كما نقله ابن الصلاح، عن كمال لابن ماكولا، وعن خط ابن السمعاني في الأنساب، واقتصر عليه وذكر ابن خلكان أن ابن السمعاني قال: إنه بالضم، وإن الفتح من خطأ الفقهاء ولم يذكر غيره أعني ابن خلكان الأسنوي (٢٣٥) انظر طبقات الحبادي ص ٩٢ تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٩١).
(٢) في "ط" اعتقادًا.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وحكى أبو الفرج البزاز عن الشيخ أبي علي أنه لا يصح الاقتداء به كما لو [عرف] أنه لم يأت بها، وحكي عن الشيخ أبي حامد الصحة، كما قاله صاحب الكتاب في "الفتاوى"، وإذا عرفت ذلك وسئلت عن اقتداء الشافعي بالحنفي مطلقًا فقل: فيه ثلاثة أوجه:
ثالثها -وهو الأظهر-: الفرق بين أن يحافظ على الواجبات، وبين أن يتركها، ولك أن تضم إليها وجهًا فارقًا على ما قدمناه، ولو اقتدى الحنفي بالشافعي، وصلى الشافعي على وجه لا يراه الحنفي، كما لو اقتصد وصلى، ففيه الخلاف، وإذا جوزنا اقتداء أحدهما بالآخر فلو صلى الشافعي الصبح خلف حنفي، ومكث الحنفي بعد الركوع قليلًا وأمكنه أن يقنت فيه فعل، إلا تابعه، وهل يسجد للسهو؟ إن اعتبرنا اعتقاد المأموم: نعم فإن اعتبرنا اعتقاد الإمام فلا، ولو صلى الحنفي الصبح خلف الشافعي وترك الإمام القنوت ساهيًا، وسجد للسهوِ تابعه المأموم، وإن ترك الإمام سجود السهود سجد المأموم إن اعتبرنا اعتقاد، وإلا فلا.
والثاني: أن لا يكون ذلك لاختلافهما في الفروع، فلا يجوز لمن اعتقد بطلان صلاة غيره أن يقتدى به، وذلك كما إذا اجتهد اثنان فصاعدًا في القبلة واختلف اجتهادهم، لم يجز لبعضهم الاقتداء ببعض؛ لأن صلاة كل واحد منهم باطلة عند أصحابه، وكذا لو اشتبه إناءإن طاهر ونجس، واختلف فيهما اجتهاد رجلين، ولو كثرت الأواني والمجتهدون واختلف اجتهادهم فحيث تعين عند المأموم بطلان صلاة الإمام امتنع الاقتداء، وحيث لا يتعين جاز الاقتداء، وفيه وجه أنه لا يجوز أيضًا، وهذا هو الكلام الجملي فيه، ونوضحه بصورتين:
إحداهما: لو اشتبه ثلاثة أوان، واجتهد فيها ثلاثة، واستعمل كل واحد منهم واحدًا لأداء اجتهاده إلى طهارته، فإن كان الطاهر منها واحدًا لم يجز اقتداء بعضهم ببعض، وإن كان النجس منها واحدًا وأراد أحدهم أن يقتدي بآخر فإن ظن طهارة إناء أحد صاحبين كما ظن طهارة إناء نفسه، فلا خلاف في جواز اقتدائه به، وامتناع اقتدائه بالثالث، وإن لم يظن إلا طهارة إناءه، ففي المسألة وجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه، لأنه يتردد في أن المحدث المستعمل للنجاسة هذا أم ذاك، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، فيمتنع الاقتداء، كما يمتنع الاقتداء بالخنثى لتعارض احتمالي الذكورة والأنوثة، وقال ابْنُ الْحَدَّادِ -وهو الأصح-: يجوز لكل واحد منهم أن يقتدي بواحد من صاحبيه، ولا يجوز أن يقتدي بهما جميعًا في صلاتيه، أما الأول فلأنه لا يدري نجاسة إناء من يقتدي به، وبقاء حدثه، وإذا لم يعلم المأموم من حال الإمام ذلك سومح، وجوز الاقتداء على ما
[ ٢ / ١٥٦ ]
سيأتي، وأما الثاني فلأنه إذا اقتدى بأحدهما تعين إناء الثالث للنجاسة فامتنع الاقتداء به، وبهذا قال أَبُو إِسْحَاقَ المروزي إلا أنه قال: لو اقتدى بهما جميعًا وجب إعادة الصلاتين؛ لأن إحداهما باطلة لا بعينها، فيلزمه قضاؤهما، وعند ابن الحداد والأكثرين: لا يجب إلا قضاء الثانية فإنه لو اقتصر على الاقتداء الأول لما كان عليه قضاء الثانية، ولو كانت الأواني خمسة، والنجس منها واحد، وظن كل واحد بعد الاجتهاد طهارة أحدهما، ولم يظن شيئًا من حال الأربعة الباقية، وأم كل واحد منهم أصحابه في واحدة من الصلوات الخمس، وبدؤوا بالصُّبْحِ فعند صاحب "التلخيص" على كل واحد منهم إعادة الصلوات الأربع التي كان مأمومًا فيها، وعند ابن الحداد والأكثرين: يعيد كل واحد منهم آخر صلاة كان مأمومًا فيها، ويلزم من ذلك أن يعيد كلهم العشاء إلا إمام العشاء، فإنه يعيد المغرب، وإنما أعادوا العشاء؛ لأن بزعمهم تتعين النجاسة في حق إمام العشاء، وإنما أعاد إمام العشاء المغرب؛ لأنه صحت له الصبح والظهر والعصر عند أئمتها، وهو متطهر عنده، فيتعين بزعمه النجاسة في حق إمام المغرب.
وعند أبي [حنيفة] (١) يعيد كل واحد منهم جميع الأربع التي كان مأمومًا فيها؛ لأنه اقتدى في واحدة منها بمن توضأ بماء نجس، وهي غير متعينة، فصار كما لو نسي واحدة من أربع، وحكي عن بعض الأصحاب: طريقة أخرى، وهي أن هذه الوجوه فيما إذا سمع من بين خمسة نفر صوت حدث، ونفاه كل واحد عن نفسه، وأموا على ما ذكرنا، فأما في مسألة الأواني: فكل واحد يعيد آخر صلاة كان مأمومًا فيها بلا خلاف.
والفرق أن الاجتهاد في الأواني جائز، فكان لك واحد اجتهد في إناءه وإناء إمامه إلى أن تعينت النجاسة في الآخر، ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت، ولو كانت المسألة بحالها لكن النجس من الأواني الخمس أثنان صحت صلاة كل واحد منهم خلف اثنين، وبطلت خلف اثنين، ولو كان النجس ثلاثة صحت صلاة كل واحد منهم خلف واحد، ولو كان أربعة امتنع الاقتداء بينهم على الإطلاق.
القسم الثاني: أن تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معًا، فلا يخلو؛ إما أن تصح صحة غير مغنية عن القضاء، وإما أن تصح صحة مغنية عن القضاء، فإن لم تكن مغنية عن القضاء كصلاة من لم يجد ماء ولا ترابًا، فلا يجوز الاقتداء به للمتوضئ والمتيمم الذي لا يقضي؛ لأن تلك الصلاة إنما يؤتى بها لحق الوقت، وليست هي معتدًا بها، فأشبهت الفاسدة، ولو اقتدى به من هو في مثل حاله ففيه وجهان للشيخ أبي محمد:
_________________
(١) سقط في ط.
[ ٢ / ١٥٧ ]
أحدهما: يجوز، لأن الصلاتين متماثلتان، فيجزئ الاقتداء فيهما، ثم يقضيان.
والثاني: لا؛ لأن ربط الاقتداء بما لا يعتد به كربط الاقتضاء بالصَّلاَةِ الفَاسِدَةِ، وهذا أوفق لإطلاق الأكثرين حيث منعوا الاقتداء به، ولم يفصلوا في معنى صلاة من لم يجد ماء، ولا ترابًا صلاة المقيم المتيمم لعدم الماء، وصلاة من أمكنه أن يتعلم الفاتحة، فلم يتعلم ثم صلى لحق الوقت، وصلاة العاري، وصلاة المربوط على الخشبة إذا ألزمناه الإعادة على هؤلاء، وقد سبق بيان الخلاف فيه، أما إذا صَحَّتْ الصلاة صحة مغنية عن القضاء فلا يخلو الحال، إما أن يكون المصلي مأمومًا أو لا يكون، فإن كان مأمومًا لم يجز الاقتداء به؛ لأنه تابع لغيره، ويلحقه سهو ذلك الغير، ومنصب الإمام يقتضي الاستقلال وتحمل سهو الغير فلا يجتمعان، ولو رأى رجلين واقفين أحدهما بجنب الآخر يصليان جماعة، وتردد في أن الإمام هذا أم ذاك لم يجز الاقتداء بواحد منهما حق يتبين له الإمام، ولو التبس على الواقفين فاعتقد كل واحد منهما أنه المأموم فصلاتهما باطلة؛ لأن كل واحد منهما مقتد بمن يقصد الائتمام، وكذلك لو كان كل واحد منهما شاكًا. لا يدري أنه إمام أو مأموم فصلاتهما باطلة، وإن اعتقد كل واحد منهما أنه إمام صحت صلاتهما، وإن شك أحدهما في حالة دون الآخر بطلت صلاة الشَّاك، وغير الشاك إن ظن أنه إمام صحت صلاته، وإن ظن أنه مأموم فَلاَ، وإن لم يكن المصلي مأمومًا فلا يخلو إما أن يُخِلَّ بالقراءة أو لا يُخِلَّ، فإن أَخَلَّ بأن كان أُمِيًّا ففي صحة اقتداء القارئ به قولان:
الجديد: أنه لا يصح، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدْ؛ لأن الإمام يصدر لحمل القراءة عن المأموم بحق الإمامة بدليل المسبوق، فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل.
والقديم: أنه إن كانت الصَّلاَةُ سِريّةً صَح الاقتداء، وإلا فلا؛ بناء على القول القديم في أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل عنه الإمام، فإذا لم يحسن القراءة لم يصلح للتحمل، وفي السرية يقرأ المأموم لنفسه، فيجزئه ذلك، هذا نقل جمهور الأصحاب، منهم الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج والصيدلاني، والمسعودي، وذكر معظمهم أن أبا إسحاق خرج قولًا ثالثًا على الجديد: أن الاقتداء [به] صحيح، سواء كانت الصَّلاَةُ سريةٌ أو جهرية، لأن المأموم تلزمه القراءة في الحالتين فيجزئه ذلك، كما قال بإجزائه في السِّرِّيَّةِ في القديم، ومنهم من لم يثبت هذا القول الثالث، ومأخذ الطريقتين على ما ذكره الصيدلاني أن أصحابنا اختلفوا في نصين للشافعي -﵁- خالف الآخر الأول هل يكون الآخر رجوعًا عن الأول أم لا؟ منهم من قال: نعم، فعلى هذا لا يأتي في الجديد إلا قول واحد أنه لا يصح اقتداء (١) القاري بالأمي، ومنهم
_________________
(١) سقط في ط.
[ ٢ / ١٥٨ ]
من قال: لا يكون رجوعًا؛ لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين، فيجوز أن يذكرهما متعاقبين، فعلى هذا يخرج قول آخر في الجديد كما سبق، وإذا أثبتنا القول الشاك فأبو إسحاق مسبوق به؛ لأنه قد ذهب إليه المزني، وخرجه على أصول الشافعي -﵁- وعكس صاحب الكتاب في "الوسيط" ما ذكره الجمهور في القول الثاني، والثالث فجعل الثاني قولًا مخرجًا، والثالث منصوصه في القديم، ثم الأمي على أصلنا هو الذي لا يحسن بعض الفاتحة أو كلّها؛ لِخَرَسٍ ونحوه، ويدخل في هذا التفسير الأَرَت وهو الذي يدغم حرفًا في حرف في غير موضع الإدغام.
وقال في "التهذيب": هو الذي يبدل الراء بالتاء، والألثغ: وهو الذي يبدل حرفًا بحرفٍ كالسِّين بالثَّاء، فيقول: "المثتقيم" أو الراء بالغين فيقول: "غيغ المغضوب" ويدخل الذي في لسانه رخاوة تمنع أصل التشديدات، والخلاف الذي ذكرناه في اقتداء القارئ بالأمي فيما إذا لم يطاوعه لسان، أو طاوعه لكن لم يمض عليه من الزمان ما يمكنه التَعَلُّم فيه، فإذا مضى وقَصَّرَ بترك التعلم فلا يقتدي به بلا خلاف؛ لأن صلاته حينئذ مقضية يؤتى بها لِحَقِّ الوقت كصلاة من لم يقدر على الماء والتراب، ويجوز اقتداء الأمي بأمي مثله لاستوائهما في النقصان كاقْتضاء المرأة بالمرأة، [ولو] حضر رجلان كل واحد منهما يحسن بعض الفاتحة، إن كان ما يحسنه هذا يحسنه ذاك جاز اقتداء كل واحد منهما بالآخر، وإن أحسن أحدهما غير ما يحسنه الآخر فاقتداء أحدهما بالآخر كاقتداء القارئ بالأمي، ففي الخلاف الذي سبق، وعليه يخرج اقتداء الأرث بالألثغ، وبالعكس؛ لأن كل واحد منهما قارئ ما ليس صاحبه فيه بقارئ.
وتكره إمامة التمتام والفأفاء (١)، ويجوز الاقتداء بهما؛ لأنهما لا ينقصان شيئًا ويزيدان زيادة هما معذوران فيها، وتكره إمامة من يلحن في القراءة، ثم ننظر إن كان لحنًا لا يغير المعنى ولا يبطله كرفع الحاء من الحمد لله فتجوز صلاته، وصلاة من اقتدى به، وإن كان بغير المعنى كقوله: أنعمتُ عليهم أو يبطله كقوله: بالمستقين، فإن كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم فْيلزمه ذلك، فلو قَصَّر وضاق الوقت صَلَّى وقَضَى، ولا يجوز الاقتداء به، وإن لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم به، فإن كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة، وصلاة صحيح اللسان خلفه كاقتداء القارئ بالأمي، وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه.
_________________
(١) قال النووى: التمتام، من يكرر التاء والفأفاء، من يكرر الفاء، ويتردد فيها وهو بهمزتين بعد الفاءين، بالحد من آخره -والله أعلم-. قال في البيان وكذا من يكرر الواو وقال الأسنوي في مهماته وكذا تكرير سائر الحروف للتطويل. روضة الطالبين (١/ ٤٥٥).
[ ٢ / ١٥٩ ]
قال إمام الحرمين: ولو قيل: ليس لهذا الذي يلحن في غير الفاتحة [أن] (١) يقرأ ما يلحن فيه؛ لأنه يتكلم في صلاته بما ليس من القرآن، ولا ضرورة إليه لما كان بعيدًا -والله أعلم-.
هذا تمام قسم الإخلال، وإن لم يخل بالقراءة فلا يخلو إما أن يكون رجلًا، أو امرأة، أو خنثى مشكل، فأما الرجل فيصح اقتداء الرجال والنساء به، وأما المرأة فيصح اقتداء النساء بها، ولا يصح اقتداء الرجل بها؛ لما روي: أنه -ﷺ- قال: "أَلاَ لاَ تُؤمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلاَ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا" (٢).
ولا يجوز اقتداء الخنثى بها أيضًا؛ لجواز أن يكون رجلًا، وأما الخنثى فيجوز اقتداء المرأة به؛ لأنه إما رجل، أو امرأة، واقتداؤهما بالصنفين جائز، ولا يجوز اقتداء الرجل به؛ لاحتمال أنه امرأة، ولا أقتداء مشكل آخر؛ لاحتمال أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلًا، وحيث حكمنا بصحة الاقتداء فلا بأس يكون الإمام متيممًا أو ماسحًا على الخف، وكون المأموم متوضئًا أو غاسلًا، ويجوز أيضًا اقتداء السليم بسلس البول، والطاهرة بالمستحاضة التي ليست بمتحيرة في أصح الوجهين، كما يجوز الاقتداء بمن استجمر، وبمن على ثوبه أو بدنه نجاسة معفو عنها.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة-: لا يجوز؛ لأن صلاتهما صلاة ضرورة، ولا بأس بصلاة القائم خلف القاعد، خلافًا لمالك حيث قال: لا يجوز ذلك، ولأحمد حيث قال: إذا قعد الإمام قعد القوم خلفه، لنا ما روي: أنه -ﷺ- "صَلَّى قَاعِدًا، وأَبُو بَكْرٍ -﵁- وَالنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامٌ" (٣). وبجوز اقتداء القائم والقاعد بالمضطجع، خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: القياس على الصورة السابقة، فإنه سلمها: هذا آخر التقسيم، وقد تبين به الأوصاف المشروطة في الإمام.
ونعود الآن إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
وقوله: (وكل من لا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء) يدخل فيه من لا تصح صلاته أصلًا، ومن تصح صلاته صحة غير مغنية عن القضاء؛ لأن كل صلاة ليس لها نفس الصحة ليس لها الصحة الخاصة، وحكم الضربين ما ذكره.
وقوله: "فلا يصح الاقتداء به" مطلق، وظاهره يقتضي أن لا يصح اقتداء من لم
_________________
(١) في أكمن.
(٢) أخرجه ابن ماجة (١٠٨١) وإسناده ضعيف.
(٣) أخرجه البخاري (٦٦٤، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣) ومسلم (٤١٨) وهذه الصلاة كانت صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، وتوفي -ﷺ- يوم الاثنين، انظر سنن البيهقي (٣/ ٨٣).
[ ٢ / ١٦٠ ]
يجد ماء ولا ترابًا بمثله، كما لا يصح اقتداء غيره به، وهو الوجه الذي ذكرنا: أنه الموافق لإطلاق الأكثرين.
وقوله: "ومن صحت صلاته صح الاقتداء به" يعني: صحت صلاته الصحة المبنية في القسم الأول، وهي المغنية عن القضاء.
وقوله: "إلا اقتداء القارئ" معلم بالزاي؛ لأن عند المزني هذه الصورة غير مستثناة كما سبق، ثم نظم الكتاب لا يصرح إلا باستثناء اقتداء القاريء بالأمي عن هذا الضابط، لكن اقتداء الرجل بالمرأة مستثنى عنه أيضًا، والمراد: إلا اقتداء الرجل بالمرأة، وقد حصر إمام الحرمين الاستثناء في هذين الموضعين، وضم إليهما في "الوسيط" ثالثًا، وهو: الاقتداء بالمقتدي ولك أن تقول: قولنا من صحت صلاته صح الاقتداء به، إما أن يريد به صحة اقتداء كل واحد به أو يعني صحة الاقتداء به في الجملة، فإن عنينا الأول فالاستثناء غير منحصر في الموضعين، ولا في الثلاثة؛ بل من صور الاستثناء الاقتداء بمن يتعين في زعم المأموم كونه محدثًا، وغير هذه الصورة على ما تقدم، وإن عنينا الثاني فلا حاجة إلى استثناء الأمي إذ يصح اقتداء مثله به، ولا استثناء المرأة، إذ يصح اقتداء المرأة بها.
وقوله: (ومن لا يحسن حرفًا من الفاتحة، والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه) أي فيحصل فيه الخلاف المذكور في اقتداء القارئ بالأمي.
قال الغزالي: فَإنْ اقْتَدَى الرَّجُلُ بِخُنْثَى فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَوْنُهُ رَجُلًا وَجَبَ القَضَاءُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي نَفْسِ الصَّلاَةِ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الفَرَاغِ كَوْنُهُ أُمِّيًّا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا فَلاَ قَضَاءَ (ح)، وَلَوْ بَانَ كَونُهُ امْرَأَةً أَوْ كَافِرًا وَجَبَ القَضَاءُ لِأَنَّ لَهُمَا عَلاَمَةً، وَلَوْ بَانَ كَوْنُهُ زِنْدِيقًا فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: جميع ما سبق فيما إذا عرف المأموم حال الإمام في الصفات المشروطة وجودًا وعدمًا، وغرض هذا الفصل الكلام فيما إذا ظن شيئًا وتبين خلافه، فمن صوره:
ما لو اقتدى رجل بخنثى، وَبَانَ بعد الصلاة كونه رجلًا، وقد قدمنا أن هذا الاقتداء غير صحيح، وإذا لم يصح فلا يخفى وجوب القضاء، فلو لم يقض حتى بَانَ كون الإمام رجلًا، فهل يسقط القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه قد تبين كون الإمام رجلًا.
وأظهرهما: لا يسقط، لأنه كان ممنوعًا من الاقتداء به للتردد في حاله، وهذا التردد يمنع من صحة الصَّلاَةِ، وإذا لم تصح فلا بد من القضاء.
[ ٢ / ١٦١ ]
وقوله في الكتاب: (وجب القضاء على أظهر القولين) ليس المراد منه استفتاح الوجوب، وإنما المراد استمراره على ما بَيَّنَّا، ويجري القولان فيما لو اقتدى خُنْثَى بامرأة، ولم يَقْضِ الصلاة حتى بَانَ كونُه امرْأة، وفيما إذا اقتدى خنثى بخنثى، ولم يقض المأموم حق بَانَا رجلين أو امرأتين، أو بَانَ كون الإمام رجلًا (١) أو كون المأموم امرأة، وذكر الأئمة لهذه الصور نظائر.
منها: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فبَانَ أنه كان ميتًا، ففي صحة البيع قولان (٢).
ومنها: لو وكل وكيلًا بشراء شيء، وباع ذلك الشيء من إنسان على ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد، وكان قد اشتراه ففي صحة البيع قولان.
ومن مسائل الفصل: ما لو اقتدى برجل ظنه متطهرًا، ثم بَانَ بعد ما صلى أنه كان جنبًا، أو محدثًا، فلا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يجب، ولمالك وأحمد حيث قالا: إن كان الإمام عالمًا بحدثه وأَمَّ مع ذلك وجب على المأموم القضاء، وإن لم يكن عالمًا لم يجب، وحكى صاحب "التلخيص" مثل ذلك قولًا للشافعي -﵁- منصوصًا.
لنا: ما رويِ أنه -ﷺ-: "دَخَلَ فِي صَلاَتِهِ، وَأَحْرَمَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ جُنُبٌ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ كَمَا أنْتُمُ، ثُمَّ خَرَجَ، واغْتَسَلَ، وَرَجَعَ وَرَأْسُهُ يَقْطُر مَاءٌ" (٣) وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
وروي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا صَلَّى الإمَامُ بِقَوْمٍ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَجْزَأَتْهُمْ وَيُعِيدُ هُوَ" (٤).
_________________
(١) ولا فرق في ذلك بين أن يظهر الحال بعد الصلاة أو وقتها وصور الماوردي وغيره المسألة فيمن لم يعلم حالة ثم علم بعد الصلاة خنوثته ثم بان رجلًا، وعبارة الماوردي لو أئتم رجل بخنثى وهو يعلم بحالة حتى فرغ ثم علم فعليه الإعادة فلو لم يعد حتى بان رجلًا أعاد من الأصح لأنه لو ائتم به عالمًا بالخنوثة فلم يعد حق بأن رجلًا لم تسقط الإعادة فكذا إذا علم بحاله بعد فراغه وخرج فيها قولًا أنه لا إعادة فما لو ظنوا سواء أعدوا. وهذا يقتضي أن الخلاف فيما إذا لم يعلم بخنوثته إلا بعد الفراغ ثم علم بذكورته وأنه إذا كان عالمًا بخنوثته فلا خلاف في وجوب الإعادة وهو مشكل أيضًا من جهة أنه كيف يجوز له أن يتمادى في الصلاة بعد علمه وكيف تنقعد وهو عالم على أنهما أطلقا حكاية الخلاف ولعله محمول على ما إذا علم بخنوثته وجهل بطلان الاقتداء به.
(٢) وهذه تدور تحت قاعدة، لا عبرة بالظن البين خطوة.
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٦١، ٣٦٢) ومن طريق آخر عند أبي داود (٢٣٣) وابن حبان، ذكره الهيثمي في الموارد (٣٧٢).
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦٣) من رواية البراء بن عازب، والبيهقي (٢/ ٤٤٠) وقال: غير قوي وقال ابن الجوزي: لا يصح.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَأَيْضًا: فإنه غير مأمور بالبحث عن حدث الإمام وطهارته؛ لأنه لا علامة للمحدث والمتطهر يعرفان بها، فليس منه تقصير في الاقتداء به، وكل مصل لنفسه ففساد صلاة الإمام لا توجب فساد صلاة المأموم، والمسألة فيما إذا لم يعرف المأموم حدثه أصلًا، فإن علم حدثه، ولم يتفرقا، ولم يتطهر، ثم اقتدى به ناسيًا وجبت الإعادة، وهي مفروضة في غير الجمعة، فأما إذا اتفق ذلك في الجمعة فسيأتي الكلام في بابها.
ومنها: لو اقتدى بمن ظنه قارئًا فبَانَ أنه أمي.
قال في "التهذيب": تجب الإعادة على قولنا: إن الصلاة خلف الأمي لا تصح، والذي ذكره في الكتاب أنه لا قضاء عليه؛ كما لو بان جنبًا، ووجهه إمام الحرمين بأن البحث عن كون الإمام قارئًا لا يجب، بل يجوز حمل الأمر على الغالب، وهو أنه لا يؤم إلا قارئ، كما يجوز حمل الأمر على أنه متطهر، فإذا بان خلاف الغالب فهو كما لو بانت الجنابة، قال: وإذا كانت الصلاة جَهْرِيَّةٌ فيظهر فيها أنه قارئ، أو أمي، فإن لم يجهر فيها فحينئذ اختلف الأصحاب في أنه هل يجب البحث، وما حكاه صاحب "التهذيب" في المسألة أقرب إلى سياق الأكثرين، ويجوز أن يفرق بينه وبين ما إذا بَانَ جنبًا بأن الحدث ليس بنقص في الشخص، وهذا نقص، فصار كما لو بَانَ كون الإمام كَافِرًا، أو امرأة، وأيضًا فإن الوقوف على كونه قارئًا أسهل من الوقوف على كونه متطهرًا؛ لأن عروض الحدث وإن عرف أنه تطهر قريب، وصيرورته أميًا بعد ما سمعه يقرأ في غاية البعد، وأما إذا اقتدى بمن لا يعرف حالة في صلاة جهرية ثم لم يجهر فحكاية العراقيين فيه عن نصه في "الأم" أنه يلزمه الإعادة؛ لأن الظاهر أنه لو كان قارئًا لجهر، فلو سلم وقال: أسررت ونسيت الجهر لم تجب الإعادة، وتستحب.
وإذا وقفت على ما ذكرنا أعلمت قوله: (فلا قضاء) بالحاء والميم والألف، وكذلك بالواو ولأمرين:
أحدهما: القول الذي حكاه صاحب "التلخيص".
والثاني: الخلاف الذي نقلناه في مسألة الأمي.
فإن قلت: ولم قيد هذه الصور بما إذا بَانَ الحال بعد الفراغ من الصَّلاَة، وكذلك قيد ما إذا اقتدى بخنثى، وبَانَ كونه رجلًا بما بعد الفراغ، وما الحكم لو بَانَ ذلك قبل الفراغ من الصلاة.
فالجواب: أما في صورة الخنثى: فالقولان جاريان في الحالتين، وحكى القاضي ابن كج القولين فيما إذا اقتدى خنثى بامرأة، ثم لم يخرج من الصلاة حتى بَانَ للمأموم
[ ٢ / ١٦٣ ]
أنه أنثى، وقد سبق أن هذه الصورة وصورة الكتاب يستويان في طرد القولين، فإذًا قوله: (بعد الفراغ): في مسألة الخنثى ليس للتقييد.
وأما إذا بَانَ في الصلاة كونه جنبًا، أو محدثًا، فلا قضاء أيضًا إذا أتم، ويجب أن ينوي المفارقة كما علم الحال، وكذلك الحكم فيما إذا بَانَ في الصَّلاة كونه أُمِّيًا على ما ذكره في الكتاب، وإذا اقتدى بمن ظنه رَجُلًا فَبَانَ كونه امرأة وجب القضاء؛ لأن المرأة تمتاز عن الرجل بالصوت والهيئة، وسائر العلامات، فالمقتدي منتسب إلى التقصير بترك البحث، وكذلك الحكم لو بَانَ خنثى عند أكثر الأصحاب؛ لأن أمر الخنثى ينتشر في الغالب، ولا يخفى إذ النفوس مجبولة على التحديث بالأعاجيب وإشاعتها، وعن صاحب "التلخيص": أنه لا تجب الإعادة إذا بَانَ خنثى، ولو اقتدى بمن ظنه مسلمًا فبَانَ كافرًا ينظر إن كان كافرًا يتظاهر بكفره كاليهودي والنصراني وجب القضاء لمعنيين:
أحدهما: ذكره الشافعي -﵁-: وهو أن الكافر لا يجوز أن يكون إمامًا [بحال النقص فيه بخلاف الجنب فإنه لا يجوز أن يكون إمامًا] (١) لحالة عارضة لا لصفة نقصان، وأيضًا فالجنب إذا تَيَّمَم يجوز أن يؤم مع أن حدثه باق.
والثاني: ذكره الأصحاب (٢) وهو الذي أورده في الكتاب: أن للكافر أمارات يعرف بها من الغيار وغيره، فالمقتدي مقصر بترك البحث، وإن كان كافرًا يظهر الإسلام ويسر الكفر كالزنديق والدهري والمرتد الذي يخفي رِدَّتَهُ خوفًا من القتل، ففي وجوب القضاء وجهان بناهما العراقيون على المعنيين: إن قلنا بالأول وجب القضاء؛ لأنه لا يجوز أن يكون إمامًا بحال النقصان فيه، وإن قلنا بالثاني: لا يجب، وهذا الثاني أصح عند صاحب "التهذيب" وجماعة (٣).
ولو اقتدى برجل ثم بَانَ أنه كان على بدنه أو ثوبه نجاسة (٤)، فإن كانت خفيفة فهو كما لو بَانَ الحدث، وإن كانت ظاهرةً فقد قال إمام الحرمين فيه احتمال عندي، لأنه من جنس ما يخفى.
_________________
(١) سقط في (ط).
(٢) في (ط): ذكره في الكتاب.
(٣) قال النووي: هذا الذي صححه هو الأقوى دليلًا. لكن الذي صححه الجمهور، وجوب القضاء. وممن صححه الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والقاضي أبو الطيب، والشيخ نصر المقدسي، وصاحبا "الحاوي" و"العدة" وغيرهم ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي -﵁-. قال صاحب "الحاوي" وهو مذهب الشافعي وعامة أصحابه -والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٤٥٧).
(٤) أي فيكون من الإعادة وجهان أشار النووي في التحقيق إلى ضعفه فقال لو بأن على الإمام نجاسة فكمحدث وإن كانت ظاهرة قيل وجهان لكن في شرح المهذب أنه أقوى وجرى في المنهاج على التفضيل بين الخفية والظاهرة.
[ ٢ / ١٦٤ ]
وقوله في الكتاب: (ولو بَانَ كونه امرأة أو كافرًا) [يعني كافرًا (١)] لا يستسر بكفره، ومسألة الزنديق بعده توضحه، وليكن قوله: (وجب القضاء) معلمًا بالزاي لأن عند المزني لا يجب القضاء لا فيما إذا بَانَ امرأة، ولا فيما إذا بَانَ كافرًا.
قال الغزالي: وَيصِحُّ الاقْتِدَاءُ بِالصَّبِيِّ وَالعَبْدِ وَالأعْمَى وَهُوَ أَوْلَى (ح) مِنَ البَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ.
قال الرافعي: في الفصل صور:
إحداها: الاقتداء بالصبي المميز صحيح، خلافًا لأبي حنيفة ومالك، وأحمد -﵏- حيث قالوا: لا يصح الاقتداء به في الفرض، واختلفت الرواية عنهم في النفل.
لنا: ما روي أن عمرو بن سلمة: "كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ" (٢).
ولا خلاف في أن البالغ أولى منه.
والثانية: الاقتداء بالعبد صحيح من غير كراهة، لكن الحر أولى منه، وعند أبي حنيفة أنه تكره إمامته.
لنا ما روي أن عائشة -﵂- كان يؤمها عَبْدٌ لَهَا لم يعتق يُكْنَى أبا عمرو.
وروي أنه -ﷺ- قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَجْدَعُ مَا أَقَامَ فِيكُمْ الصَّلاَةَ" (٣).
واَعلم أن الصورتين فيما إذا أَمَّا في غير الجمعة، فأما في الجمعة فسيأتي.
الثالثة: إمامة الأعمى صحيحة؛ لما روي أن النبي -ﷺ-: "اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁- فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ يَؤُمُّ النَّاسَ" (٤).
وهل هو أولى من البصير أم كيف الحال؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو الذي ذكره في الكتاب، ويحكى عن أبي إسحاق المروزي-: أن
_________________
(١) سقط من (ط).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٠٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٣، ٦٩٦، ٧١٤٢) وأحمد (٣/ ١١٤ - ١٧١) وابن ماجة (٢٨٦٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٥٩٥) من حديث أنس، وابن حبان من حديث عائشة -﵂- أورده الهيثمي في الموارد (٣٧٠).
[ ٢ / ١٦٥ ]
الأعمى أولى؛ لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله، فيكون أبعد عن تفرق القلب، وأخشع.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة: أن البصير أولى؛ لأنه أحفظ لبدنه وثيابه عن النجاسات؛ ولأنه مستقل بنفسه في الاستقبال [وهذا] (١) اختيار الشيخ أبي إسحاق الشَّيرَازِي.
والثالث -وهو: المنقول عن نصه في "الأم" وغيره: أْنهما سواء لتعرض المعنيين، وهذا هو المذهب عند عامة الأصحاب، ولم يورد الصيدلاني والإمام وصاحب "التهذيب" [شيئًا] (٢) سواه.
قال الغزالي: وَالأَفْقَةُ الصَّالِحُ الَّذِي يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ أَوْلَى مِنَ الأَقْرَأ وَالأَوْرَعِ وَالأسَنِّ وَالنَّسِيبِ، وَفِي الأَسنِّ وَالنَّسِيبِ قَوْلاَنِ لِتَقَابُلِ الفَضِيلَةِ، وإذَا تَسَاوَتِ الصِّفَاتُ قُدِّمَ بِحُسْنِ الوَجْهِ وَنَظَافَةِ الثَّوبِ (٣).
قال الرافعي: ما ذكره في أول الفصل الثاني إلى هذا الموضع كلام فيمن يجوز الاقتداء به، ومن لا يجوز، ومن هاهنا إلى آخر الفصل كلام فيمن هو أولى بالإمامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها والأصل في التقديم بالفضائل ما روي أنه -ﷺ- قال: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَأُهُمْ لِكِتَاب اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءَ فَأَقْدَمُهُمْ فِي الْهِجْرَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرةِ سَوَاءً فَأكْبَرُهُمْ سِنًّا" (٤).
وقد تعرض في الكتاب لخمس خصال من أصول خصال التقديم، وهي: الفقه، والقراءة، والورع، والسِّن والنَّسَبُ، وأبدل كثير من الأصحاب الورع بالهجرة، وقالوا: صفات التقديم خمس، وجمع بينهما في "التهذيب" وضم إليهما الأربع البواقي فجعلها ستًا.
أما الفقه والقراءة فالمراد منهما ظاهر.
وأما الورع فليس المراد منه مجرد العدالة (٥)، بل ما يزيد عليِه من العِفَّةِ وحُسْنِ السِّيَرةِ، وهو أيضًا بين.
_________________
(١) في أوهو.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أالثانية.
(٤) أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري (٦٧٣).
(٥) الصواب في تفسيره ما ذكره القشيري في رسالته وتابعه في التحقيق وشرح المهذب أنه عبارة عن اجتناب الشبهات أي خوفًا من الله كما ذكره القاضي عياض في المشارق ولم يذكر الزهد وهو أعلى رتبة في الورع واختيار رجحانه ظاهر حق إذا اشتركا في الورع وامتاز أحدهما بالزهد قدمناه.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وأما السن فقد قال الأصحاب: المعتبر أن يمضي عليه في الإسلام فلا يقدم شيخ أسلم اليوم على شاب نشأ في الإسلام، ولا على شاب أسلم أمس، والظاهر أنه لا تعتبر الشيخوخة، وإنما النظر إلى تفاوت السِّنِّ على ما يشعر به قوله -ﷺ-: "فَأكْبَرهُمْ سِنًّا" وأشار بعضهم إلى أن النظر إلى الشيخوخة.
وأما النسب فلا خلاف أن نسب قريش معتبر، وهل يعتبر غيره؟.
قال في "النهاية" رأيت في كلام الأئمة ترددًا فيه، والظاهر: أنه لا يختص بالانتساب إلى قريش، بل تراعى كل نسب يعتبر في الكفاءة في "باب النكاح"، كالانتساب إلى العلماء والصُّلَحَاءِ؛ وعلى هذا فالهاشمي والمطلبي يقدمان على سائر قريش، وسائر قريش يقدمون على غيرهم، ثم يقدم العرب على العجم، وأما الهجرة فمن هاجر إلى رسول الله -ﷺ- يقدم على من لم يهاجر، ومن تقدمت هجرته يقدم على من تأخرت هجرته، وكذلك الهجرة بعد الرسول -ﷺ- من دار الحرب إلى دار الإسلام (١) معتبرة، وأولاد من هاجر، أو تقدمت هجرته يقدمون على أولاد غيرهم، وهذا التقديم في الأولاد يندرج تحت شرف النسب، هذه مقدمة الفصل، ويتلوها مسائل:
احداها: لو اجتمع عدل وفاسق، فالعدل أولى بالإمامة، وإن اختص الفاسق بزيادة الفقه والقراءة وسائر الأفضال؛ لأن الفاسق يخاف منه أن لا يحافظ على الشرائط، وفي لفظ الكتاب إشارة إلى هذا حيث قال: "والأفقه الصالح " إلى آخره فشرط الصَّلاَحِ في تقديم الأَفْقَه على غيره، وبالغ مالك فمنع الاقتداء بالفاسق بغير تأويل، كشارب الخمر، والزاني، وعنه روايتان في الفاسق بالتأويل، كمن يسب السَّلَفَ الصَّالِحَ.
وعن أحمد روايتان في جواز الاقتداء بالفاسق مطلقًا:
أصحهما: المنع، ونحن اقتصرنا على الكراهة، وجوزناه؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِر" (٢). ويمكنك أن تستدل بكراهة الاقتداء بالفاسق على كراهة الاقتداء بالمبتدع بطريق الأولى؛ لأن فسق الفاسق يفارقه في الصَّلاة، واعتقاد المبتدع لا يفارقه، وهذا فيمن لا يكفر ببدعته، أما من يكفر فلا يجوز الاقتداء به، كما سبق، وعند صاحب "الإفصاح" من يقول بخلق القرآن (٣)، أو بنفي شيء من صفات الله تعالى ممن
_________________
(١) في (ط): إلى دار السلام.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٩٤) والدارقطني (٢/ ٧٥٦)، وضعفه، وقال البيهقي، قد روى في الصلاة على كل بر وفاجر، والصلاة على من قال لا إله إلا الله أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما روى في هذا الباب، حديث مكحول عن أبي هريرة، وهو الحديث الذي ساقه المصنف -﵀-.
(٣) انظر ما كتبناه على كتاب التنبه للحافظ السيوطي.
[ ٢ / ١٦٧ ]
يكفر، وكذلك جعل الشيخ أبو حامد ومتابعوه المعتزلة ممن يكفر، والخوارج (١) ممن لا يكفر، ويحكى تكفير القائل بخلق القرآن عن الشافعي -﵁-، وأطلق كثير من الأصحاب منهم القفال القول بجواز الاقتداء بأهل البدع، وأنهم لا يكفرون، قال في "العدة": وهو ظاهر مذهب الشافعي -﵁- (٢) لقوله -ﷺ-: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَخَلْفَ مَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ" (٣).
الثانية: قال صاحب "التهذيب" و"التتمة": الأورع أولى من الأفقه، ومن الأقرأ؛ لأن الإمامة سفارة بين الله تعالى، وبين الخلق، فأولاهم بها أكرمُهم على الله تَعَالى، ورُوِي مِثْله عن الشيخ أبي محمد، وهذا خلاف ما ذكره في الكتاب، فإنه قدم الأفقه على الأقرأ والأورع، وهو أظهر وأوفق لإطلاق الأكثرين، ووجهه ما سيأتي في تقديم الأفقه على الأقرأ.
وينبغي أن يعلم لفظ (الأورع) بالواو لذلك.
الثالثة: إذا اجتمع شخصان: أحدهما لا يقرأ إلا ما يكفي في الصلاة لكنه صاحب فقه كثير، والآخر يحسن القرآن كله وهو قليل الفقه فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أن الأفقه أولى خلافًا لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: الأقرأ أولى احتاجًا بالخبر الذي تقدم، فإنه قدم الأقرأ على الأعلم بالسُّنة وهو الأفقه.
لنا أن الواجب [من القراءة] (٤) في الصلاة محصور، والوقائع الحادثة في الصَّلاة غير محصورة، فالحاجة إلى الفِقْهِ أهَمّ، وأجاب الشافعي -﵁- عن الاحتجاج بالخبر بأن أهل العصر الأول كانوا يتفقهون قبل أن يقرأوا، وما كان يوجد منهم قارئ إلا وهو فقيه، وإذا كان كذلك فالذي يقتضيه الخبر تقديم القارئ على الفقيه الذي ليس بقارئ، وذلك مما لا نزاع فيه، وكذلك تقديم الجامع لهما على
_________________
(١) وسموا بذلك لخروجهم على سيدنا علي -﵁-.
(٢) قال النووي: هذا الذي قاله القفال، وصاحب العدة هو الصحيح أو الصواب، فقد قال الشافعي - ﵀-: أقبل شهادة أهل الأهوال إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، ولم يزل السلف والخلف على الصلاة خلف المعتزلة وغيرهم، ومناكحتهم، وموارثتهم، وإجراء أحكام المسلمين عليهم، وقد تأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وغيره من أصحابنا المحققين، ما جاء عن الشافعي وغيره من العلماء، من تكفير القائل بخلق القرآن، على كفران النعمة، لا كفر الخروج عن الملة، وحملهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام المسلمين عليهم. الروضة (١/ ٤٦٠).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) وقال: ليس فيها شيء يثبت.
(٤) سقط من (ط).
[ ٢ / ١٦٨ ]
القارئ الذي ليس بفقيه، وحكى القاضي الروياني وغيره وجهًا آخر أن الأقرأ والأفقه يستويان لتقابل الفضيلتين، فليكن قوله: (أولى من الأقرأ) معلمًا بالواو مع الحاء والألف؛ وإنما قال الذي يحسن الفاتحة، إشارة إلى أن الأفقه لو لم يحسن الواجب من القراءة لا يكون أولى من الأقرأ، وإنما الأولوية بشرط أن يقرأ ما يجب.
الرابعة: تقدم كل واحدة من خصلتي الفقه والقراءة على السِّنِّ والنَّسَبِ والهجرة، ونَصَّ في صلاة الجنازة على تقديم الأسن على الأفقه كما سيأتي في موضعه، فحكى صاحب "النهاية" أن العراقيين حكوا عن بعض الأصحاب جعل المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا، فيجوز أن يعلم بالواو لذلك لفظ: (الأسن) أيضًا، وإذا استويا فيهما فبماذا يقع التقديم، أما المتعرضون للهجرة فقد اختلفت طرقهم، قال الشيخ أبو حامد وجماعة؛ لا خلاف في تقدم السِّنِّ والنَسَبِ جميعًا على الهجرة، وفي السِّنِّ وفي النسب إذا تعارضا فاجتمع شاب قرشي وشيخ غير قرشي قولان:
الجديد: أن الشيخ أولى؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" (١) ولأن النسب فضيلة في الآباء، والسِّنِّ فضيلة في ذات الشخص، واعتبار الفضيلة التي في ذاته أولى.
والقديم: أن الشَّاب النسيب أولى لقوله -ﷺ-: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا" (٢) ولأن شرف النسب بفضيلة اكتسبها الآباء، والسِّن مُضِيُّ زَمَانٍ لا اكتساب فيه، واعتبار الفضيلة المكتسبة أولى، وعكس صاحب "التهذيب" و"التتمة" الترتيب، فقال: الهجرة مقدمة على السِّنِّ والنسب، وفيهما القولان، وأدرج آخرون منهم صاحب "المهذب" الهجرة في حكاية القولين فقالوا في الجديد: يقدم بالسن [ثم بالنسب] (٣)، ثم بالهجرة، ثم في "القديم" يقدم بالنسب، ثم بالهجرة، ثم بالسن، وأما صاحب الكتاب ومن لم يتعرض للهجرة اقتصروا على ذكر القولين في السِّنِّ والنَّسَبِ، وطريقتهم توافق ما ذكره الشيخ أبو حامد، فإنهم يرجحون بالهجرة بعد السن والنسب لا محالة، وإن لم يعدوها من أصول الخصال، ورَجَّحَ جماعة من الأصحاب القول القديم في المسألة على خلاف الغالب.
الخامسة: إذا تساويا في جميع الصفات المذكورة؛ قدم بنظافة الثوب والبدن عن الأوساخ، وطيب الصنعة وحسن الصوت، وما أشبهها من الفضائل؛ لأنها تفضي إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٨، ٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٨١٩، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦). ومسلم (٦٧٤).
(٢) أخرجه الشافعي (١٨٤١) ومن طريقه البيهقي في المعرفة (١/ ٦٩) وفي مناقب الشافعي (١/ ٢١) وقال: وهو مرسل جيد.
(٣) سقط من (ط).
[ ٢ / ١٦٩ ]
استمالة القلوب، وكثرة الجمع، وحكى الأصحاب عن بعض متقدمي العلماء أنهم قالوا: يقدم أحسنهم، واختلفوا في معناه، منهم من قال: أحسنهم وَجْهًا، وجعلوا له اعتبارًا في التقديم، ومنهم من قال: المراد منه حسن الذكر بين النَّاس، والأول هو المذكور في الكتاب، ويجوز أن يعلم بالواو، ثم ليس في لفظ الكتاب ما يوجب تقديم حسن الوجه على نظافة الثوب ولا عكسه، وفي "التتمة": أنه تقدم النظافة، ثم حسن الصوت، ثم حسن الصورة (١).
قال الغزالي: وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ المَكَانِ فَالوَالِي أَوْلَى مِنَ المَالِكِ، وَالمَالِكُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالمُكْتَرِي أَوْلَى مِنَ المُكْرَى، وَالمُعِيرُ أَوْلَى مِنَ المُسْتَعِيرِ (ح م)، وَالسَّيِّدُ أَوْلَى مِنَ العَبْدِ السَّاكِنِ.
قال الرافعي: ما ذكرنا من الأسباب المقدمة صفات في الشَّخْصِ، وقد يكون المتقدم باعتبار اقتضاء المكان التقديم، لا باعتبار صفة فيه، فالوالي في محل ولايته أولى من غيره وإن اختص ذلك الغير بالخصال التي سبقت، ووي أنه -ﷺ- قال: "لاَ يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ الرجُلَ فِي سُلْطَانِهِ" (٢) وكان ابن عمر -﵄- يصلي خلف الحَجَّاج، ويتقدم على الإمام الراتب في المسجد (٣)، وكذلك يتقدم على مالك الدَّار ونحوها إذا اجتمعوا في موضع مملوك، ورضي المالك بإقامة الجماعة فيه؛ لأن تقدم غيره بحضرته لا يليق ببذل الطاعة، فإن أذن فلا بأس، ثم يراعى في الولاة تفاوت الدرجة، فالإمام الأعظم أولى من غيره، ثم الأعلى، فالأعلى من الولاة والحكام، وحكى القاضي ابن كج وأخرون؛ قولًا آخر، أن في المواضع المملوكة المالك أولى من الوالي، فليكن قوله: (أولى من المالك) معلمً بالواو، لذلك ولو اجتمع قوم في موضع مملوك وليس فيهم الوالي، فساكن الموضع بالاستحقاق أولى بالتقديم والتقدم من الأجانب، عن ذلك الموضع، فإن لم يكن أهلا للتقدم فهو أولى بالتَّقْدِيم، روي عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يَؤُمَّهُمْ إِلاَّ صَاحِبُ البَيْتِ" (٤)، ولا فرق بين أن يكون الساكن عبدًا أسكنه سيده فيه، أو حرًا مالكًا كان أو مستعيرًا، أو مستأجرًا، ولو كانت
_________________
(١) وفي التحقيق للنووي: فإن استويا قدم بحسن الذكر ثم بنظافة الثوب والبدن وطيب الصنعة وحسن الصوت ثم الوجه. وفي المجموع: تقديم أحسنهم ذكرًا ثم صوتًا ثم هيئة، فإن استويا وتشاحا أقرع بينهما، والمراد بطيب الصنعة: الكسب الفاضل وقال المصنف -﵀- من نكتة: هذا كله إذا كانوا من موات أو مسجد ليس له إمام راتب أوله وأسقط حقه وجعله لأولى الحاضرين.
(٢) أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري (٦٧٣).
(٣) البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٢١ - ١٢٢).
(٤) أخرجه الشافعي (٣٧٥).
[ ٢ / ١٧٠ ]
الدار مشتركة بين شخصين، وهما حاضران، أو أحدهما، والمستعير من الآخر فلا يتقدم غيرهما إلا بإذنهما، ولا أحدهما إلا بإذن الآخر، وإن لم يحضر إلا أحدهما فهو الأخرى، ولو اجتمع مالك الدار والمكتري فأيهما أولى؟ فيه وجهان نقلهما القاضي الروياني وغيره:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن المكتري أولى؛ لأن استحقاق المنافع له، وهذا استيفاء للمنافع.
والثاني: أن المكري أولى؛ لأنه المالك للرقبة، ولو اجتمع المعير والمستعير، فقد نقل عن القفال اختلاف الجواب فيه، قال مرة: المعير أولى؛ لأنه يملك الرقبة ويملك الرجوع في المنفعة، وقال مرة: المستعير أولى؛ لأنه صاحب السكنى، إلى أن يمنع وهذا ما ذكره آخرًا، ورجع إليه، ولم يورد صاحب "التهذيب" سواه، لكن الأظهر، عند الأئمة الأول، وهو الذي ذكره في الكتاب، وأما إذا اجتمع السيد والعبد السَّاكن فالسيد أولى، ولا يجيء في الخلاف المذكور في المعير والمستعير؛ لأن فائدة السكون، لم ترجع إلى المستعير فيجوز أن يدام له الحق، ما لم يرجع المعير، وفائدة سكون العبد في الدَّارِ ترجع إلى السيد أيضًا؛ لأنه ملكه فإذا حضر وهو المالك والمنتفع بالسكون كان أولى؛ ولا فرق بين المأذون في التجارة وغيره، ولو حضر السيد والمكاتب في دار المكاتب فالمكاتب أولى، ولو حضر قَوْمٌ في مسجد له إمام راتب فهو أولى من غيره، فإن لم يحضر بعد، يستحب أن يبعث إليه ليحضر، فإن خيف فوات أول الوقت استحب أن يتقدم غيره.