قال الرافعي: الفصل ينتظم مسائل:
أحدها: الأذان مثنى والإقامة فرادى خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: "والإقامة كالأذان، إلا أنه يزاد فيها كلمة الإقامة".
لنا: ما روى عن ابن عمر -﵁- قال: "كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَثْنَى وَالإقَامَةِ فُرَادَى إِلاَّ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ مَرَّتَيْنِ" (١).
ثم قولنا: (الأذان مثنى) ليس المراد منه أن جميع كلماته مثناه؛ لأن كلمة: "لا إله إلا الله" في آخره لا يؤتى بها إلا مرة واحدة فكلمة التكبير يؤتى بها في أوله أربع مرات خلافًا لمالك حيث قال: "لا يؤتى بالتكبير في أوله إلا مرتين".
لنا: "أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ (٢) كَذَلِكَ حَكَاهُ عَنْ تَلْقِين رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِيَّاهُ" وكذلك هو في قصة رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وهي مشهورة (٣).
وقولنا: (الإقامة فرادى) لا نعني به أن جميع كلماتها موحدة، بل كلمة التكبير مثناه في الابتداء والانتهاء، وكذلك كلمة الإقامة، هذا قوله في "الجديد" وفي "القديم" لا يقول هذه الكلمات أيضًا إلا مرة، وبه قال مالك: لما روى: "أَنَّهُ أَمَرَ بِلاَلًا أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرِ الإقَامَةَ" (٤). وهذا يقتضي إيتار جميع الكلمات، وحجة الجديد ما قدمنا من خبر ابن عمر -﵄- ومنهم من يقتصر في حكاية القديم على إفراد كلمة الإقامة دون التكبير، ويجوز أن يعلم قوله: (والإقامة فرادى) مع الحاء بالواو؛ لأن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٥٥٦٩) وأبو داود (٥١٠) والنسائي (٢/ ٣) والدارمي (١١٩٥) وابن حبان (١٦٦٩) والدارقطني (١/ ٢٣٩) وابن خزيمة ٣٧٤ والحاكم (١/ ١٩٧) وابن الجارود (١٦٤) وقال الحاكم صحيح الإسناد. وقال الحافظ: أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث شعبة عن أبي جعفر المؤذن عن مسلم ابن المغني عنه قاِل شعبة لا يحفظ لأبي جعفر غير هذا الحديث، انظر التلخيص (١/ ١٩٦).
(٢) أخرجه مسلم (٣٧٩) وأبو داود (٥٠٥) (١٥٩) والنسائي (٢/ ٤ - ٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٩) والترمذي (١٨٩) وابن ماجه (٧٠٦) وابن حبان (١٦٧١).
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٣ - ٦٠٥) ومسلم (٣٧٨) والنسائي (٢/ ٣) وابن حبان (١٦٦٧).
[ ١ / ٤١١ ]
محمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا قال: إن رجع في الأذان ثنى الإقامة وإلا أفردها جمعًا بين الأخبار في الباب، وذكر في "التهذيب" أنه قول الشافعي -﵁-، لما روي عن أبي محذورة أن النبي -ﷺ-: "عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَ كَلِمَةً" (١).
الثانية: المستحب أن يرتل الأذان ويدرج الإقامة، والترتيل: أن يأتي بكلماتها مبينة من غير تمطيط يجاوز الحد. والإدراج أن يأتي بالكلمات حدرًا من غير فصل، لما روى عن جابر -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال لبلال: "إِذَا أَذنت فَتَرَسَّلْ وإِذَا أَقَمْتَ فَأحْدِرْ" (٢)، والترسل: هو الترتيل.
الثالثة: ينبغي أن يرجِّع في أذانه خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، والترجيع هو أن يأتي بالشهادة مرتين مرتين بصوت خفيق ثم يمد صوته فيأتي بكل واحدة منهما مرتين آخريين بالصوت الذي افتتح الأذان به.
لنا: ما روي عن أبي محذورة قال: "أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- التَّأْذِينَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: قُلْ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ أَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجعْ فَمُدَّ صَوْتَكَ أشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" وذكر باقي الأذان (٣) ووافقنا مالك على أنه يرجع، لكن الصيدلاني روى من مذهبه: أنه لا يزيد في كلمات الأذان بل الترجيع أن يقول مرة: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم مرة أشهد أن محمدًا رسول الله ثم يرجع فيمد صوته ويعيد الكلمتين مرة مرة بصوتٍ عالٍ، ثم إن المصنف لم يزد في الكتاب على كون الترجيع مأمورًا به، والأمرُ به يشمل المستحق والمستحب فمن أي القسمين هو؟ الأصح أنه مستحب، ولو تركه لم يضر كالتثويب، ولأن المقصودَ الإعلامُ والإبلاغُ والذي يأتي به بصوت خفيض لا يسمعه إلا من حوله فلا يتعلق به إبلاغ. وفيه وجه آخر: أنه مستحق
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٩) والدارمي (١/ ٢٧١) وأبو داود (٥٠٢) والترمذي (١٩٢) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٢/ ٤) وابن ماجه (٧٠٩) وابن حبان، كذا في الموارد (٢٨٨) والدارقطني (١/ ٢٣٨) (٧) وقال الحافظ وتكلم البيهقى عليه بأوجه من التضعيف، وردها ابن دقيق العيد في الإلمام وصحح الحديث، انظر التلخيص (١/ ٢٠٠).
(٢) أخرجه الترمذي (١٩٥ - ١٩٦) والبيهقي ضعفه (١/ ٤٢٨). والحاكم (١/ ٢٠٤) ومال إلى تصحيحه. قال الحافظ: الترسل التأتي والحدر بالحاء والدال المهملتين الاسراع، ويجوز في قوله (فاصدر) ضم الدال وكسرها وروي فاحدم بالميم، وهو الأسراع أيضًا، والأول أشهر.
(٣) أخرجه مسلم (٣٧٩).
[ ١ / ٤١٢ ]
فيه كسائر الكلمات المأمور بها، ومنهم من يحكيه قولًا:
الرابعة: "التَّثْوِيبُ فِي أَذَانِ الصُّبْح وَرَدَ الْخَبَرُ بِهِ (١)، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ الْنَّوْمِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَأتِي بِبَاقِي الأَذَانِ".
وسمى تثويبًا من قولهم ثاب إلى الشيء أي عاد، والمؤذن يعود به إلى الدعاء إلى الصَّلاة بعد ما دعى إليها بالحيعلتين. وفيه طريقان:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أن فيه قولين:
القديم: أنه يثوب. والجديد: أنه لا يثوب.
والثاني: القطع بأنه يثوب، وبه قال مالك وأحمد؛ لما روي عن بلال -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لاَ تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلاَّ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ" (٢). وبهذه الطريقة قال أبُو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ والشَّيْخُ أبو حامد والقاضي ابن كج، وحكاها الصيدلاني واعتمدها، قال هؤلاء: وإنما كرهه في الجديد معللًا بأن أبا محذورة لم يحكه، وقد ثبت عن أبي محذورة أنه قال: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الأَذَانَ وَقَالَ: "إذَا كُنْتَ فِي أَذَانِ الصُّبْح فَقُلْتَ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ فَقُلِ الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ" (٣). فيحتمل: أنه لم يبلغه عن أبي محذورة، وبنى التثويب في القديم على رواية غيره، ويحتمل أنه بلغه في "القديم" ونسبه في "الجديد"، وعلى كل حال فاعتماده في الجديد على خبر أبي محذورة وروايته فكأنه قال: مذهبي ما ثبت في حديثه، ومن أثبت القولين قال المسألة مما يفتى فيها على "القديم". وأما أبو حنيفة فقد روي عنه مثل مذهبنا، وروي أنه يمكث بعد الأذان بقدر عشرين آية ثم يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين، وقال: إنه التثويب، ثم المشهور في التثويب القطع بأنه ليس بركن في الأذان. وقال إمام الحرمين: فيه احتمال عندي من جهة أنه يضاهي كلمات الأذان في شرع (٤). رفع الصوت به فكان أولى بالخلاف من الترجيع.
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (٣٨٦) والدارقطني (١/ ٢٤٣) والبيهقي (١/ ٤٢٣) من حديث أنس وابن ماجه (٧١٥ - ٧١٦) من حديث بلال والنسائي (٢/ ١٣ - ١٤) من حديث أبي محذورة.
(٢) أخرجه الترمذي (١٩٨) وضعه أحمد في المسند (٦/ ١٤). ومال ابن الجوزي إلى تصحيحه، انظر الخلاصة (١/ ١٠٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٤) وابن حبان (١٦٧٤) وصححه، وضعفه ابن القطان، قال ابن الملقن: وادعى الرافعي ثبوته. قال الحافظ فيه محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو غير معروف الحال، والحارث بن عبيد، وفيه مقال، وذكره أبو داود من طريق أخرى عن أبي محذورة. انظر التلخيص (١/ ٢٠٢).
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ٤١٣ ]
وقوله: "وكذا التثويب في أذان الصبح" مطلق يشمل الأذان الأول والثاني للصبح لكن ذكر في "التهذيب" أنه إذا أذن مرتين وَثَّوَب في الأول لا يثوب في الثاني على أصح الوجهين:
الخامسة: ينبغي أن يؤذن ويقيم قائمًا: "لَأَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ فِي الْمَنَام أَذَّنَ قَائِمًا (١) وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِلاَلُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤَذِّنِي رَسُولِ الله -ﷺ-" ولأنه أبلغ في الإعلام، فلو ترك القيام مع القدرة ففيه وجهان:
أصحهما: أن الأذان والإقامة صحيحان لحصول أصل الإبلاغ والإعلام؛ ولأنه يجوز ترك القيام في صلاة النفل ففي الأذان أولى إلا أنه يكره ذلك إلا إذا كان مسافرًا فلا بأس بأن يؤذن راكبًا قاعدًا.
والثاني: أنه لا يعتد بأذانه وإقامته كما لو ترك القيام في الخطبة، وهذا لأن شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه، وينبغي أن يستقبل فيهما القبلة بمثل ما قدمنا، ولو تركه وأذن مستديرًا ففيه الخلاف المذكور في ترك القيام (٢). ويستحب الالتفات في الحَيْعَلَتَيْنِ يمينًا وشمالًا وذلك بأن يلوي رأسه وعنقه من غير أن يحول صدره عن القبلة أو يزيل قدميه عن مكانهما، لما روي عن أبي جحيفة قال: "رَأَيْتُ بلاَلًا خَرَجَ إلَى الأَبْطَح فَأذَّنَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًَا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدبِرْ" (٣).
وكيفيته: أن يلتفت يمينًا فيقول: حي على الصَّلاَة مرتين، ثم يلتفت شمالًا فيقول: حي على الفلاح مرتين، وهذا هو الأصح وعليه العمل، وبه قال أبو حنيفة.
وعن القفال، أنه يقسم كل حيعلة على الجهتين فيقول: حي على الصلاة مرة عن يمينه ومرة عن يساره، وكذلك قوله: حي على الفلاح، ولفظ الكتاب يصلح لهذا الوجه بأن يكون المعنى أن يلتفت في كل حيعلة يمينًا وشمالًا ولكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد الهيئة المشهورة، والمعنى مستحب أن يلتفت في الحيعلتين يمينًا في الأُولى وشمالًا في الثانية، ثم حكى صاحب "البيان" على الوجه الأول وجهين. فيما يفعل إلى إتمام كل واحدة من الحَيْعَلَتَيْن.
أحدهما: أنه يلتفت يمينًا ويقول: حي على الصّلاة مرتين، ثم يرد وجهه إلى
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٦) والبيهقي (١/ ٤٢٠).
(٢) قال النووي: أذان المضطجع، كالقاعد. إلا أنه أشد كراهة وفي وجه شاذ: لا يصح وإن صح أذان القاعد -والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٣١٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٢٠) إلا أنه قال: لم يستدر، وهو متفق عليه بنحوه، انظر التلخيص (١/ ٢٠٤).
[ ١ / ٤١٤ ]
القبلة ثم يلتفت شمالًا ويقول: حي على الفلاح مرتين، وهذا ما عليه العمل.
والثاني: يلتفت يمينًا ويقول: حي على الصلاة مرة، ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلتفت يمينًا، ويقول: حي على الصلاة مرة أخرى وكذلك يفعل بالجهة الثانية، وإنما اختصت الحيعلتان بالالتفات دون سائر الأذان؛ لأن سائر الأذان ذكر الله تعالى وهنا خطاب الآدمي فلا يعدل عن القبلة فيما ليس بخطاب الآدمي، وهذا كالسلام في الصلاة ويلتفت فيه، ولا يلتفت في سائر الأذكار، وإنما لم يستحب في الخطبة أن يلتفت يمينًا وشمالًا، لأن ألفاظها تختلف، والغرض منها الوعظ والإفهام فلا يخص بعض الناس بشيء منها كيلاَ يختل الفهم بذهاب بعض الكلام عن السماع، وهاهنا الغرض الإعلام بالصوت، وذلك يحصل بكل حال، وفي الالتفات إسماع النواحي، وهل يستحب الالتفات في الإقامة؟ فيه وجهان:
أشهرهما: نعم كما في الأذان.
والثاني: لا، لأن المقصود منها إعلام الحاضرين فلا حاجة إلى الإلتفات إلا أن يكبُرَ المسجد، ويحتاج إليه وليكن قوله: "ولا يحول صدره عن القبلة" معلمًا بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد إن أذن على المنارة دار عليها، وإن أذن على وجه الأرض اقتصر على الالتفات.
قال الغزالي: وَرَفْعُ الصَّوْتِ في الأذان رُكْنٌ.
قال الرافعي: ينبغي للمؤذن أن يرفع الصوت بالأذان وأن يبالغ فيه ما لم يجهده، وروي أنه -ﷺ- قال: "يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ" (١).
ثم الأذان ينقسم إلى ما يأتي به الإنسان لنفسه وإلى ما يأتي به للجماعة.
أما الأول: فيكفي فيه أن يسمع نفسه على المشهور؛ لأن الغرض منه الذكر، دون الإعلام. وقال الإمام: الاقتصار على إسماع النفس يمنع كون المأتي به أذانًا وإقامة، فليرد عليه قدر ما يسمع من عنده لو حضر، ثم يقر، بخلاف الذي قدمناه في أن المنفرد إذا أذن هل يرفع صوته؟ مفروض على المشهور في أنه هل يستحب الرفع؟ وعلى ما ذكره الإمام في أنه هل يعتد به دون الرفع؟ وأما الأذان للجماعة فقد ثقل عن نصه أنه لو جهر بشيء من الأذان وخافت بشيء لم يكن عليه إعادة ما خافت به كما لو أسر بالقراءة في موضع بالجهر، وللأصحاب فيه ثلاثة أوجه:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥١٥) وابن ماجة (٧٢٤) والنسائي (٢/ ١٢) وابن حبان (١٦٥٨) وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
[ ١ / ٤١٥ ]
أحدها: أنه لا بأس بالإسرار جريًا على ظاهر النص.
وثانيها: أنه لا يجوز الإسرار بالكل، ولو أسر بكلمة أو بكلمتين فلا بأس، والنص محمول على هذه الحالة.
وأصحها: وبه قال صاحب "الإفصاح" أنه لا يجوز الإسرار بشيء منه؛ لأن ذلك مما يبطل مقصود الأذان، وهو الإبلاع والإعلام، والنص محمول على أذان المنفرد، وقد عرفت بما ذكرنا أن لفظ الكتاب محمول على أذان الجماعة، ثم هو معلم بالواو للوجهين الآخرين، وأما الإقامة فلا يكفي فيها الاقتصار على إسماع النفس كما في الأذان على الأصح، ولكن الرفع فيها دون الرفع في الأذان لأنها للحاضرين.
قال الغزالي: وَالتَّرْتِيبُ فِي كَلِمَاتِ الأذانِ شَرْطٌ فَلَوْ عَكَسَهَا لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، وَإن طَوَّلَ السُّكُوتَ في أَثْنَائِهَا فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ بَنَى عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَقْوَلانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْبُطْلاَنِ، وَلَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الأذَانِ بَطُلَ وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةُ تُحْبِطُ العِبَادَةَ.
قال الرافعي: لعلك تقول لم عد رفع الصوت ركنًا والترتيب شرطًا فاعلم أنه ليس في هذا كبير شيء، وكلاهما مما لا بد منه، ولو عد الترتيب ركنًا في الأذان كما فعل في الوضوء لم يبعد، لكن يمكن أن يقال: ركن الشيء ما يفوت بفواته المقصود من ذلك الشيء، والشرط زينة الشيء وتتمته، وإذا كان كذلك فرفع الصوت مما يفوت بفواته المقصود من الأذان وهو الإعلام، والترتيب زينة وهيئة للكلمات، وبهذا فرقنا بين الترتيب وسائر الأركان في الوضوء، فجعلنا النسيان عذرًا فيه دون غيره على قول: إن الظن إنه ما قصد تحقيق فرق بينهما، وفي سياق كلامه في "الوسيط" ما يفهم ذلك وغرض الفصل: أنه يعتبر في الأذان شيئان:
أحدهما: الترتيب بين كلماته؛ لأن النبي -ﷺ- "علمه مرتبًا" فيتبع، ولأنه لو لم يكن لها ترتيب خاص لأورث ذلك اختلال الإعلام والإبلاغ، فلو عكس الكلمات لم يعتد بها معكوسة، ويبني على القدر المنتظم، ولو نزل بعض الكلمات من خلاله أتى به وأعاد ما بعده.
الثاني: الموالاة؛ لأن غرض الإعلام يبطل إذا تخلل الفصل الطويل ويظن السامعون أنه لعب أو تعليم. ويتعلق بهذا الشرط مسائل:
إحداها: لو سكت في أثناء الأذان يسيرًا لم يضر؛ لأن مثله يقع للنفس والاستراحة ولا ينقطع به الولاء، وإن طول السكوت فقد حكى في الكتاب فيه قولين، وبناهما الإمام على القولين في الطهارة، وهذا أولى باعتبار الموالاة فيه كيلا يلتبس الأمر على السامعين ولا يبطل غرض الإعلام، فإن أعتبرنا الموالاة بطل المأتي به بالسكوت
[ ١ / ٤١٦ ]
الطويل ووجب الاستئناف، وإلا فله البناء على المأتي به، وبنى بعض الأصحاب القولين على القولين في جواز البناء على الصَّلاَة، إذا سبقه الحدث.
الثانية: الكلام في خلال الأذان بمطلقه لا يبطله؛ لأنه ليس بآكد من الخطبة، وهي لا تبطل به، ولكن ينظر إن كان يسيرًا لم يضر كما في الخطبة وكما في السكوت اليسير، هذا هو المشهور، وعن الشَّيْخِ أبي محمد تردد في تنزيل الكلام اليسير إذا رفع الصوت به منزلة السكوت الطويل، لأن الكلام أيقع وأشد جرًا للبس من السكوت، وإن تكلم بكلام كثير ففيه قولان مرتبان على السكوت الطويل وهو أولى بإبطال الولاء لما ذكرنا، وإذا خرج عن أهلية الأذان بغير الردة كما إذا أغمي عليه أو نام في خلال الأذان، فهو على هذا التفصيل: إن كان يسيرًا أو زال على قرب لم يضر وجاز البناء عليه، وإن طال ففيه القولان، وإن خرج عن أهلية الأذان بالردة فسيأتي. واعلم أن صاحب "الإفصاح" والعراقيين قالوا: يجوز البناء في هذه الصور وإن طال الفصل، وحكوه عن نص الشافعي -﵁-، لكن الأشبه وجوب الاستئناف عند تخلل الفصل الطويل؛ لأنهم اتفقوا على اشتراط الترتيب في الأذان، وما يقتضي اشتراط الترتيب فيه هو بعينه يقتضي اشتراط الموالاة، وهذا هو الذي أورده الصيدلاني والشيخ أبو علي وتابعهما صاحب "التهذيب" وغيره، وحملوا كلام الشافعي -﵁- على الفصل اليسير، ثم في الإغماء والنوم يستحب الاستئناف وإن لم يجب إما لقصر الزمان أو على قولنا أنه لا يضر وإن طال الزمان، وكذلك يستحب الاستئناف في الكلام والسكوت الكثيرين وإن قلنا: إنهما لا يبطلان ولا يستحب الاستئناف إذا كانا يسيرين.
الثالثة: المستحب أن لا يتكلم في أذانه بشيء، فلو عطس حمد الله تعالى في نفسه وبنى، ولو سلم عليه إنسان أو عطس لم يجب ولم يشمت حتى يفرغ، ولو أجاب أو شمت أو تكلم بما فيه مصلحة لم يكره، وإن ترك المستحب، وإن رأى أعمى يكاد يقع في بئر فلا بد من إنذاره.
الرابعة: إذا لم يحكم ببطلان الأذان بالفصل المتخلل فله أن يبني على أذانه، وهل لغيره البناء عليه؟ فيه [قولان] (١) بناهما بعضهم على جواز الاستخلاف في الصلاة.
وقال: إن جوزنا صلاة واحدة بإمامين ففي الأذان أولى، وإن لم نجوز ففي الأذان قولان.
والفرق أن الأذان لا يتأثر بالكلام اليسير والإغماء بخلاف الصلاة، ومنهم من بناهما على جواز البناء على خطبة الخطيب إذا أغمي عليه في أثنائها، وهما قريبان، لأن
[ ١ / ٤١٧ ]
الخلاف في الخطبة أيضًا مبني على قولي الاستخلاف في الصلاة، ولذلك إذا جوزنا البناء شرطنا أن يكون الذي يبني ممن سمع الخطبة من أولها، ومنهم: من رتب بناء غيره على بنائه على أذان نفسه عند طول الفصل وهو أولى بالبطلان؛ لأن صدور الآذان من رجلين أبلغ في أثارة اللبس، وهذا الترتيب هو المذكور في الكتاب، وظاهر المذهب المنع من بناء الغير عليه.
الخامسة: لو ارتد بعد الفراغ عن أذانه ثم أسلم وأقام جاز، لكن المستحب أن لا يصلي بأذانه وإقامته بل يعيد غيره الأذان ويقيم؛ لأن ردته تورث شبهة في حاله، ولو ارتد في خلال الآذان لم يجز البناء عليه في الردة بحال، لأن أذان الكافر لا يعتد به كما سيأتي، ولو عاد إلى الإسلام فهل يجوز البناء عليه؟ منهم من يحكي فيه قولين، وكذلك فعل المصنف، ومنهم من رواهما وجهين، وهم الأكثرون، وإنما كان كذلك لأنهما ليس بمنصوصين، لكن روي عن نصه في الآذان أنه لا يبني، وفي المعتكف إذا ارتد ثم أسلم أنه يبني فخرجوهما على قولين:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يجوز البناء؛ لأنه عبادة واحدة فتحبط بعروض الردة فيها كالصلاة وغيرها، وأصحهما الجواز، والردة إنما تمنع العبادة في الحال فلا تبطل ما مضى إلا إذا اقترن بها الموت، وتخرج عليه الصلاة ونحوها من العبادات؛ لأنها لا تقبل الفصل بحال، وقطع بعضهم بهذا الوجه الثاني، وحمل كلام الشافعي -﵁- على ما إذا أطال زمان الردة، فالحاصل في الردة طريقتان:
إحداهما: طرد الخلاف في مطلق الارتداد، طال زمانه أم قصر، وعلى هذا فللبطلان عند طول الزمان مأخذان طول الفصل، وكون الردة مبطلة للعبادة.
والطريقة الثانية: تخصيص الخلاف بما إذا طال زمان الارتداد، وتجويز البناء إذا قصر جزمًا، وعلى هذا فالردة بمثابة الإغماء والكلام وغيرهما، وهل لغير المرتد البناء على أذانه؟ فيه الخلاف الذي سبق، وكذا لو مات في خلال الأذان.
وقوله: "ولو ارتد في أثناء الأذان بطل وإن قصر الزمان على أحد القولين" جرى على الطريقة الأولى وإثبات للخلاف في طول الزمان وقصره تعليلًا بأن الردة مبطلة للعبادة.