قال الغزالي: النَّظَرُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ المُخْرَجِ فِي الكمَالِ وَالنُّقْصَانِ، وَالنُّقْصَانُ خَمْسَةٌ: (الأَوَّلُ) المَرَضُ فِإنْ كَانَ كُلُّ المَالِ مِرَاضًا أَخَذَ (م) مِنْهُ مَرِيضَةً، فَإنْ كَانَ فِيهَا صَحِيحٌ لَمْ يَأخُذْ إِلاَّ صَحِيحَةً تقَرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ إِذَا كَانَ مَالُهُ أَرْبَعِينَ شاةً.
قال الرافعي: هذا النظر لا يختص بزكاة الإبل، ومقصوده السلام في صفة المخرج في الكمال والنُّقصان، ومن الصفات ما يعد في هذا الباب نقصانًا وهو كمال في غيره كالذّكورة: لأن الإناث في مظنَّة الدّر والنّسل فهي أرفق بالفقراء، ثم جعل أسباب النصقان خمسة:
أحدها: المرض، فإن كانت ماشيته كلها مراضًا لم يكلفه السّاعي إخراج صحيحة. وعن مالك: أنه يكلف ذلك. لنا أن ماله رديء فلا يلزمه إخراج الجَيِّد كما في الحُبُوب ثم المأخوذ من المراض الوسط جمعًا بين الحقّين، ولو انقسمت الماشية إلى صحاح ومراض. فإما أن يكون الصَّحيح منها قدر الواجب فصاعدًا، أو كان دونه فإن كان قدر الواجب فصاعدًا لم يَجُزْ إخراج المريضة. لما روي أنه -ﷺ- قال: "لاَ تُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ" (١). فإن كانت المريضة ذات عَوَار فالنَّصُّ مانع منها وإلاَّ فهي مَقِيسَةٌ عليها، وقضية ذلك أنْ لا تؤخذ المريضة أصلًا. خالفنا [فيما] (٢) إذا كانت ماشيته كلها مراضًا، قيبقى الباقي على قضية الدَّليل، هذا إذا وجب حيوان واحد، فإن وجب اثنان ونصف ماشيته مراض كبنتي لَبُون في ستِّ وسبعين وشاتين في مائتين من الشِّياه، فهل يجوز أن يخرج صحيحه ومريضه؟ فيه وجهان حكاهما في "التهذيب":
أظهرهما: عنده: نعم.
وأقربهما: إلى كلام الأكثرين: لا، وإن كان الصَّحيح منها دون قدر الواجب،
_________________
(١) = يؤخذ من ذلك ترجيح في المسألة كما صرح به الرافعي في مواضع. أعني أن الاولوية لا يؤخذ منها ترجيح، والأصح في المسألة الجواز كذا ذكره في "شرح المهذب".
(٢) تقدم ضمن حديث كتاب الصدقة.
(٣) في أ: في ذلك.
[ ٢ / ٤٩١ ]
كما إذا وجب شاتان في مائتي شاة، وليس فيها إِلاَّ صحيحة فوجهان:
أحدهما: ويحكى عن الشيخ أبي محمد: أنه يجب عليه صحيحتان ولا يجزئه صحيحة ومريضة؛ لأن المخرجتين كما يزكيان ماله يزكّي كل واحد منهما الأخرى، فيلزم أن تزكّى المريضة الصحيحة وهو ممتنع.
وأصحهما ولم يذكر العراقيون والصَّيْدلاَنيّ غيره: أنه يجزئه صحيحه ومريضه؛ لأن امتناع إخراج المراض يقدر بقدر وجود الصّحاح، أَلاَ ترى أن ماشيته لو كانت مراضًا بأسرها جاز له إخراج محض المراد؟ فالمطلوب أن لا يخرج مريضه ويستبقي صحيحه كي لا يكون مُتيّممًا بخبيث ماله لينفق منه، وإذا أخرج صحيحه من المال المنقسم إلى الصِّحاح والمراض فلا يجب أن تكون من صحاح ماله ولا مما يساويها في القيمة، ولكن يؤخذ صحيحة لائقة بماله.
مثاله: أربعون شاة نصفها صحاح وقيمة كل صحيحة ديناران، وقيمة كل مريضة دينار يخرج صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وذلك دينار ونصف، ولو كان الصِّحاح منها ثلاثين والقيمة ما ذكرناه أخرج صحيحة بقيمة ثلاثة أرباع صحيحة وربع مريضة وهو دينار ونصف وربع، ولو لم يكن فيها إلاَّ صحيحة أخرج صحيحة بقيمة تسعة وثلاثين جزءًا من أربعين من مريضة وجزء من أربعين من صحيحه وذلك دينار وربع عشر دينار، وجميع ذلك ربع عشر المال على ما قال في الكتاب: تقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان ماله أربعين شاة، واعرف في هذا اللَّفظ شيئين:
أحدهما: أن قوله: "تقرب قيمتها" يشعر بأن الأمر في ذلك على التقريب، وهذا لم أره في كلام غيره ولا ينبغي أن يسامح بالنُّقصان والبخس.
والثاني: الذي ذكرناه من طريق التَّقسيط هو ما أورده أكثر الأصحاب وهو يتضمن النظر إلى آحاد الماشية، ولا يستمر إلا فيما إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة القيمة، ولفظ الكتاب يغني عن النّظر إلى الآحاد، ورأيت القاضي ابن كَجّ رواه عن أبي إسحاق فمتى قُوّم جملة النصاب وكانت الصحيحة المخرجة ربع عشر القيمة كفى ثم لا يخفى أن هذا في الشَّاة مع الأربعين، فإن ملك مائة وإحدى وعشرين شاة فينبغي أن يكون قيمة الشاتين قدر جزء من مائة وإحدى وعشرين من قيمة الجملة، وإن ملك خمسًا وعشرين من الإبل فينبغي أن تكون النَّاقة المأخوذة بالقيمة جزءًا من خمسة وعشرين جزءًا من قيمة الكل، وقِسْ على هذا سائر النّصب وواجباتها.
ومن الأمثلة في الباب: لو ملك ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير وقيمة كل مريضة ديناران يجب عليه صحيحه بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وهو ثلاثة دنانير، أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ولك
[ ٢ / ٤٩٢ ]
أن تقول: هلاّ كان هذا ملتفتًا إلى أن الزكاة هل تنبسط على الوقص أم لا؟
فإن انبسطت فذاك وإلاَّ قسط المأخوذ على الخمس والعشرين (١).
قال الغزالي: (الثَّاني) العَيْبُ فَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيبًا أخَذَ مَعِيبَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سَلِيمَةٌ طَلَبْنَا سَلِيمَةً تَقْرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيبًا وَبَعْضُهُ أَرْدَأَ أَخَذَ الوَسَطَ مِمَّا عِنْدَهُ.
"النقص الثاني":
قال الرافعي: السلام في العَيْب كالكلام في المرض، سواء تمحضت الماشية معيبة أو انقسمت إلى سَلِيمَة ومعيبة. وأعلم قوله: "أخرج الوسط مما عنده" بالواو، وليس هذا الاعلام للخلاف الذي يوهمه نظم "الوسيط" ولكنه يصح لغيره. وأما أنه ليس لما يوهمه نظم "الوسيط" فلأنه لا خلاف في ذلك الوجه ولا عبرة بإيهامه.
بيانه: أنه قال في "الوسيط": قال الشافعي -﵁- يخرج أجود ما عنده.
وقال الأصحاب: يأخذ الوسط بين الدرجتين وهو الأصح فأوهم أنَّ في المسألة خلافًا، وأراد بما نقله عن الشَّافعي -﵁- ما رواه المزني في "المختصر" حيث قال: "ويأخذ خير المعيب" لكن الأصحاب متفقون على أنه مأول، منهم من قال: أراد: بـ "الخير" الوسط، ومنهم من قال غير ذلك، ولم يثبتوا خلافًا بحال. وأما أنه يصح لغير ذلك فلأن إمام الحرمين حكى وجهين فيما إذا ملك خمسًا وعشرين من الإبل معيبة وفيها بنتا مخاض إحداهما من أجود المال مع العيب، والأخرى دونها.
أحدهما: أنه يأخذ التي هي أجود.
وأصحهما: أنه يأخذ الوسط، وذكر أن من قال بالأول شبه المسألة بأخذ الأغبط من الحِقَاق وبنات اللبون إذا اجتمع الصِّنفان في المالين ثم العيب المرعى في الباب ماذا؟ فيه وجهان:
أصحهما: ما ثبت الرَّد به في البيع.
والثاني: هذا مع ما يمنع الإِجْزَاء في الضَّحَايَا.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) الذُّكُورَةُ فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أُنْثَى أَوْ كَانَ الكُلُّ إِنَاثًا لَمْ تُؤْخَذْ
_________________
(١) ضعف النووي في "شرح المهذب" هذا؛ لأن الواجب بنت مخاض موزعة بالقيمة نصفين، فلا اعتبار بالوقص.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
إِلاَّ الأُنْثَى لِورُودِ النَّصِّ بِالإِنَاثِ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ ذُكُورًا لَمُ يُؤْخَذِ الذَّكَرُ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ.
"النقص الثالث":
قال الرافعي: غرض الفصل يتَّضح بتفصيل أَجْنَاس النّعم، أما الإبل فإن تمحضت إناثاَ أو انقسمت إلى إناث وذكرر فلا يجوز فيها إخراج الذكر إلاَّ في خمس وعشرين، فإنه يجزئ فيها ابن لَبُون عند عدم بنت المَخَاض (١) وإن كانت كلها إناثًا، وذلك في المستثنى والمستثنى منه مأخوذ من النّص على ما تقدم وإن تمحّضت ذكورًا، فهل يجوز أخذ الذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن سلمة وأبو إسحاق: لا، ويروى هذا عن نص مالك؛ لأن النّص ورد بالإناث من بنت المَخَاض وبنت اللبون وغيرهما فلا عدول عنها، وعلى هذا فلا يؤخذ منها أنثى كانت تؤخذ لو تمحضت إبله إناثًا بل تقوم ماشيته لو كانت إناثًا وتقوم الأنثى المأخوذة منها ويعرف نسبتها من الجملة ثم تقوم ماشيته الذكور، ويؤخذ منها أنثى قيمتها ما تقتضيه النسبة، وكذلك الأنثى المأخوذة من الإناث، والذكور تكون دون الأنثى المأخوذة من محض الإناث، فطريق التّقسيط ما ذكرناه في المِراض.
وأظهرهما: وبه قال ابن خَيْران، ويروى عن نصه في "الأم": أنه يجوز أخذ الذكور منها كما يجوز أخذ المريضة من المراض، والمعنى فيه أن في تكليفه الشّراء حرجًا وتشديدًا وأمر الزكاة مبني على الرفق، ولهذا شرع الجِبْرَان، ومنهم من فَصَّل فقال: إن أدَّى أخذ الذكور إلى التَّسوية بين نِصَابَيْن لم يؤخذ، وإلاَّ فيؤخذ بيانه: يؤخذ ابْن مَخَاض من خمس وعشرين وحق من ست وأربعين وجذع من إحدى وستين، وكذا يؤخذ الذكر إذا زادت الإبل واختلف الفرض بزيادة العدد، ولا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين؛ لأن ابن اللبون مأخوذ من خمس وعشرين عند فقد بنت الخاض، فيلزم التّسوية بينهما. ومن قال بالوجه الثاني قال: لا تسوية، لا في كيفية الأخذ ولا في المأخوذ. أما في كيفية الأخذ فلأن أخذ ابن اللَّبون من ست وثلاثين مشروط بعدم بنت اللَّبون لا بعدم بنت المخاض، وأخذه من خمس وعشرين مشروط بعدم بنت المَخَاض لا بعدم بنت اللبون. وأما في المأخوذ: فلأن عندي يؤخذ من ست وثلاثين ابن لَبُون
_________________
(١) قال في الخادم: هذا الاستثناء قاصر، بل الذكر يؤخذ عن مواضع: أحدها ابن اللبون عند فقد بنت المخاض. ثانيها: الحق عند فقد ابن اللبون. ثالثها: إذا تمخضت الشياة ذكورًا. رابعها: الشاة المأخوذة عن دون خمس وعشرين. خامسها: في الجبران يجوز أخذ الذكر. سادسها: إذا كان الفرض تبيعًا إلى آخر ما ذكره.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فوق ابن اللَّبون المأخوذ من خمس وعشرين، ويعرف ذلك بالتَّقْويم والنِّسْبة.
وأما البقر فالتَّبيع مأخوذ منها في مواضع وجوبه وجب واحد منه أو عدد للنص الذي رويناه، ولا فرق بين أن تتمحَّض إناثًا أو ذكورًا أو تنقسم إلى النَّوْعين وحيث تجب المسنّة، فهل يؤخذ المسن عنها إن تمحضت إناثًا، أو انقسمت إلى ذكور وإناث؟ فلا، وإن تمحضت ذكورًا فوجهان كما في الإبل، وأما الغنم فإن تمحضت إناثًا أو كانت ذكورًا وإناثًا لم يَجُزْ فيها الذَّكر خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يؤخذ الذكر منها مكان الأنثى، وسلم في الإبل أنه لا يؤخذ إلا على طريق اعتبار القيمة على أصله في دفع القيم لنا قياس الغنم على الإبل، وأيضًا فقد روي أنه -ﷺ- قال: "وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ" (١) وإن تمحَّضت ذكورًا فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه يؤخذ الذّكر منها.
والثاني: طرد الوجهين المذكورين في الإبل والأول هو ما أورده الأكثرون، وفرقوا بأن أخذ الذكر منها لا يؤدي إلى التَّسوية بين نصابين، فإن الفرض فيها يتغير بالعدد، وفي الإبل يؤدي إلى التَّسوية بين القليل والكثير؛ لأن الفرض فيها يتغير بالسِّن أولًا كما سبق. وعد بعد هذا إلى لفظ الكتاب، وأْعلم قوله: "لم يؤخذ، إلاَّ الأنثى" بالحاء، فإن عند أبي حنيفة -﵀- يؤخذ الذّكر على ما بيناه، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقًا لكن لا بد من استثناء أخذ التَّبيع في مواضع وجوبه عنه، وكذلك أخذ ابن اللَّبون بدلًا عن بنت مَخَاض، وذكروا وجهين فيما إذا أخرج عن أربعين من البقر أو خمسين تبيعين.
أظهرهما عند الأكثرين: الجواز؛ لأن إخراجهما عن ستين جائز فعمَّا دونها أجوز، فعلى هذا تستثنى هذه الصُّورة أيضًا. وقوله: "لم يأخذ الذكر أيضًا" يجوز أن يعلم بالألف؛ لأن ظاهر كلام أحمد فيما رواه أصحابه أنه يجوز أخذه. وقوله: "على أحد الوجهين" بالواو؛ لأن اللفظ يشمل الغَنَم وغيرها، وفي الغنم طريقة أخرى قاطعة بالجواز و[الله أعلم].
قال الغزالي: (الرَّابعُ) الصِّغَرُ فَإِنْ كَانَ فِي المَالِ كَبِيرَةٌ لَمْ تُؤْخَذِ الصَّغِيرَةُ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ صِغَارًا كَالسِّخَالِ وَالفِصْلاَنِ أَخَذْنَا الصَّغِيرَةِ، وَقِيلَ: لاَ تُؤْخَذُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي في الإِبِلِ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي غَيْرِ الإِبِلِ وَفِي الإِبِلِ فِيمَا جَاوَزَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَلاَ يُؤْخَذُ فِيمَا دُونَهُ كَيْلاَ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَةِ.
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
"النقص الرابع":
قال الرافعي: الماشية إمَّا أن تكون كلها أو بعضها في سِنِّ الفرض أو لا يكون شيء منها في تلك السِّنِّ، وحينئذ إِمَّا أَنْ تكون في سنِّ فوقها أو دونها، فهذه ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون كلها أو بعضها في سن الفرض، فيؤخذ لواجبها ما في سِنِّ الفرض ولا يؤخذ ما دونه ولا يكلف بما فوقه. أما الأول فللنصوص المقتضية لوجوب الأَسْنَان المقدّرة. وأما الثاني فلما فيه من الإِجْحَاف والإضرار بالمالك.
وقد روي أن عمر -﵁- قال لساعين سفيان بن عبد الله الثقفي -﵀-: "اعتد عليهم بالسَّخلة التي يروح بها الرّاعي على يده ولا تأخذها ولا تأخذ الأَكُولَة والرُّبَّى والمَخَاض ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية، فذلك عدل بين غذاء المال وخياره" (١). الأكولة: هي المُسمنة للأكل في قول أبي عبيدة.
وقال شمر: أكولة غنم الرجل الخصي، والهَرِمَة: العاقر، والرُّبَى: هي الشاة الحديثة العهد بالنِّتَاج، ويقال: هي في رِبَائِهَا كما يقال: المرأة في نِفَاسِهَا، والجمعُ رُباب بالضّم، والماخض: الحامل، وفحل الغنم: الذكر المعدّ للضّرَاب والغذَاء السخال الصغار، جمع غذي وهذه التي فسَّرناها لو تبرَّع بها المالك أخذت إلا فحل الغنم، ففيه ما ذكرنا في أخذ الزكاة.
الحالة الثانية: أن تكون كلّها في سن فوق سن الفرض فلا يكلَّف بإخراج شيء منها بل يحصِّل السِّن الواجب ويخرجها، وله الصعود والنزول كما في الإبل كما سبق.
والحالة الثالثة: أن يكون الكلّ في سن دونه، وقد يستبعد تصوير الحالة ببادى الرأي، فيقال لا شك أن المراد من الصّغر هو الانْحِطاط عن السِّن المجزئة، ومعلوم أن أحد شروط الزكاة الحَوْل وإذا حال الحول فقد بلغت الماشية حدَّ الإجزاء، والأصحاب صوروها فيما إذا حدثت من الماشية في أثناء الحَوْل فَصْلان أو عجُول أو سخَال ثم ماتت الأمهات كلها وتم حولها وهي صغار بعد، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أن الحول لا ينقطع بموت الأمهات بل تجب الزكاة في النِّتَاج إذا كان نِصَابًا عند تمام حول الأصل، وبه قال مالك، وذهب أبو القاسم الأَنْمَاطِيُّ من أصحابنا إلى أن الأمهات مَهْمَا نقصت عن النِّصاب انقطع حَوْل النِّتاج فضلاَ من أن لا يبقى منها شيء، فعلى قوله: لا تتصور هذه الحالة الثالثة من هذا الطريق، وكذلك لا يتصور عند أبي حنيفة -﵀-؛ لأنه شرط
_________________
(١) أخرججه مالك في الموطأ (١/ ١٩٩) وأبو داود منقطعًا (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠) والبيهقي متصلًا (٤/ ٩٥).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
بقاء شيء من الأمهات ولو واحدة، وإن لم يشترط بقاء النصاب.
وعند أحمد -﵀- روايتان:
أصحهما: كمذهبنا والأخرى كمذهب أبي حنيفة -﵀-، وسيأتي هذا الأول بشرحه في "شرط الحول" -إن شاء الله تعالى- ويمكن أن تصور هذه الحالة في صورة أخرى، وهي أَنْ يملك نِصَابًا من صغار المَعز ويمضي عليها حول فتجب فيها الزكاة، وإن لم تبلغ سن الإجزاء فإن الثنية من المعز على أظهر الأوجه التي سبقت هي التي لها سنتان، وهذه الصورة لا تستمر على مذهب أبي حنيفة -﵀- أيضًا؛ لأن عنده لا ينعقد الحَوْل على الصّغار من المواشي، وإنما يبتدئ الحَوْل من وقت زوال الصغر. إذا عرف التصوير ففيما يؤخذ وجهان. وقال صاحب "التهذيب" وغيره: قولان:
القديم: أنه لا يؤخذ إلاَّ كبيرة؛ لأن الأخبار الواردة في الباب تقتضي إيجاب الأسْنَان المقدرة من غير فرق بين أن تكون الماشية صغارًا أو كبارًا، وعلى هذا تؤخذ كبيرة هي دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة، كذا إذا انقسم ماله إلى صغار وكبار يأخذ الكبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره فإن لم توجد كبيرة بما يقتضيه التقسيط يؤخذ منه القيمة للضرورة، ذكره المَسْعُودِيّ في "الإفصاح".
والجديد: أنه لا يشترط كونها كبيرة بل يجوز أخذ الصَّغيرة من الصّغَار كما يجوز أخذ المريضة من المِرَاض، وعلى هذا فتؤخذ مطلقًا أم كيف الحال؟ قطع الجمهور بأخذ الصَّغيرة من الصّغار من الغنم، وذكروا في البقر والإبل ثلاثة أوجه:
أحدها: وبه قال أبو العباس وأبو إسحاق: أنه لا يؤخذ منها الصغار؛ لأنا لو أخذنا لسوَّيْنا بين ثلاثين من البقر وأربعين في أخذ العجل وبين خمس وعشرين من الإبل، وإحدى وستين وما بينهما من النّصابين في أخذ فَصِيل، ولا سبيل إلى التَّسوية بين القليل والكثير بخلاف ما في الغنم، فإن الاعتبار فيها بالعدد فلا يؤدي أخذ الصغار إلى التسوية، وعلى هذا فتؤخذ كبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره، ولا يكلف كبيرة فتؤخذ من الكبار.
والوجه الثاني: أنه لا يؤخذ الفَصِيل من إحدى وستِّين فما دونها؛ لأن الواجب فيها واحد، واختلافه بالسِّن فلو أخذنا فَصِيلًا لسوَّينا بين القليل والكثير، أما إذا جاوز ذلك فالاعتبار بالعدد فأشبه الغنم وكذلك البقر.
والثالث: أنه يؤخذ الصّغار منهما مطلقًا اعتبارًا بجنس المال كما يؤخذ من الغنم، ولكن يجتهد الساعي ويحترز عن التَّسوية فيأخذ من ست وثلاثين فصيلًا فوق الفصيل
[ ٢ / ٤٩٧ ]
المأخوذ من خمس وعشرين ومن ست وأربعين فصيلًا فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس -والله أعلم-. ولنبين ما في الكتاب من هذه الاختلافات.
والأظهر منها: قوله: "أخذنا الصغيرة" وهو الوجه الأخير المجوز لأخذ الصّغار من الغنم وغير الغنم وإيراده يشعر بترجيحه، وكذلك ذكر صاحب "التَّهذيب" وآخرون أنه الأصح. وليكن قوله: "أخذنا" معلم بالميم والحاء. أما بالميم فلأن عنده لا تؤخذ إلاَّ الكبيرة وأما بالحاء فلأن عنده لا تؤخذ الصغيرة ولا الكبيرة، ولا زكاة في الصّغار كما سبق بيانه. وقوله: وقيل: لا يؤخذ، هو المحكي عن القديم الصائر إلى المنع مطلقًا، وأراد بقوله: "لأنه في الإبل يؤدي إلى التسوية" أنا لو أخذنا الصغيرة لأخذناها من الإبل أيضًا، كالمريضة والمعيبة حيث تؤخذ تؤخذ من غير الإبل من جميع النعم، ولو أخذنا من الإبل لزم التَّسوية بين القليل والكثير فامتنع الأخذ أصلًا ورأسًا.
وقوله: "وقيل: يؤخذ في غير الإبل " إلى آخره هو الوجه الثاني من الوجوه التي بَيَّنَّاها على الجديد، وزيفه الأئمة من وجهين:
أحدهما: أن التسوية التي تلزم في إحدى وستين فما دونها تلزم في ست وسبعين وإحدى وتسعين أيضًا، فإن الواجب في ست وسبعين بنتًا لَبُون وفي إحدى وتسعين حقَّتَان، فإذا أخذنا فَصِيلين من هذا ومن ذاك فقد سوينا بينهما لا فرق إلا أن المأخوذ قبل مجاوزة إحدى وستين واحد وبعد مجاوزتها اثنان، فإن وجب الاحتراز عن تلك التسوية فكذلك عن هذه.
والثاني: أن هذه التسوية تلزم في البقر بين الثلاثين والأربعين، وعبر قوم من الأصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع هذين الالْتِزَامين، وهي أن الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدي أخذها إلى التسوية بين القليل والكثير، ولا تؤخذ حيث يؤدي أخذها إلى التسوية، وهكذا ذكر المصنف في "الوسيط" والإمام في "النهاية".
وقوله: "ولا يؤخذ فيما دونه" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن صاحب "التهذيب" خص وجه المنع بالست والثلاثين والست والأربعين فما فوقهما، وجوز إخراج فصيل من خمس وعشرين إذ ليس في تجويزه وحدة تسوية وفي كلام، الصيدلاني مثل ذلك -[والله أعلم]-.
قال الغزالي: (الخَامسُ) رَدَاءَةُ النَّوْعِ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مَعْزًا أَخَذَ المَعْزَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الأغْلَبِ وَعِنْدَ التَّسَاوِيَ يُرَاعِي الأَغْبَطَ لِلْمَسَاكين، وَالثَّانِي: أنَّهُ يؤْخَذ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بِقِسْطِهِ، هَذَا بَيَانُ النِّصَابِ وَلاَ زَكَاةَ فِيمَا دُونَهُ إلا إِذَا تَمَّ بِخَلْطَةٍ نِصَابًا.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
قال الرافعي: نوع الجنس الذي يملكه من الماشية إن اتحدَّ أخذ الفرض منها، كما إذا كانت إبله أَرْحبِيَّةً (١) كلها أخذ الفرض منها، وإن كانت مُهَرِيَّةً (٢) أخذ الفرض منها وإن كانت غنمه ضأنًا أخذ الضأن، وإن كانت مَعِزًا أخذ المعز، وذكر في "التهذيب" في ذلك وجهين في أنه هل يجوز أن يؤخذ ثنية من المعز باعتبار القيمة عن أربعين ضأنًا، أو جذعة من الضأن عن أربعين معزًا؟:
أحدهما: لا، كما لا يجوز البقر من الغنم.
وأصحهما: نعم، لاتفاق الجنس، كالمهرِيَّةِ مع الأرَحبِيَّةِ.
وحكى عن القاضي حسين: أنه يحتمل أن لا يؤخذ المعز من الضّأن ويؤخذ الضأن من المعز؛ لأن المعز دون الضَّأن كما تؤخذ المهرِيَّة عن المجِيدِيَّة (٣)، وكلام إمام الحرمين -﵀- يقرب من هذا التفصيل، فإنه قال: الضأن أشرف من المعز، فلو ملك أربعين من الضّأن الوسط فأخرج ثَنِية من المَعِز الشريفة، وهي تساوي جذعة من الضّأن الذي يملكه فهذا محتمل والظاهر إجزاؤها، وإن اختلف نوع الجنس الذي يملكه من الماشية كالمُهَرِيَّة والأَرْحَبِيَّةِ من الإبل وَالعِرَاب والجَوَامِيس من البَقر والضَّأْن والمَعِزِ من الغَنَم فيضم البعض إلى البعض لاتِّحاد الجنسَ، وفي كيفية أخذ الزكاة منها قولان مشهوران:
أحدهما: أنها تؤخذ من الأغلب، لأن النظر إلى كل نوع مما يشق فيتبع الأقل والأكثر ولو استوى النوعان أو الأنواع في المقدار، فقد قال في "النهاية" تفريعًا على هذا القول: إنه عند الأئمة بمثابة ما لو اجتمع في المائتين من الإبل الحِقَاق وبنات اللَّبون، فظاهر المذهب أن السّاعي يأخذ الأَغْبَطَ للمساكين، وهو المشهور، والمذكور في الكتاب، ومن قال: ثم الخيرة إلى المالك، فكذلك يقول هاهنا، فيجوز أن يرقم لهذا قوله: "وعند التساوي يراعي الأغبط" بالواو.
والقول الثاني: وهو الأظهر: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط رعاية للجانبين، وليس معناه أن يُؤْخَذ شِقْص من هذا، وشِقْص من ذاك (٤) فإنه لا يجزئ بالاتِّفاق، ولكن
_________________
(١) الأرحبية نوع من الإبل بالحاء المهملة والباء الموحدة منسوبة إلى أرحب قبيلة من همدان.
(٢) والمهرية بفتح الميم منسوبة إلى مهرة ابن حيدار.
(٣) والمجيدية بضم الميم وجيم بعدها ياء بنقطتين من تحت ودال مهملة وهي إبل دون المهرية، وهي نسبة إلى فحل من الإبل يقال له مجيد.
(٤) قال في المهمات: وما ذكراه من الاتفاق على امتناع التشقيص في الزكاة غريب فقد حكى الخلاف جماعة كثيرة منهم الجرجاني في المعاياة فقال: لا يجرز إخراج نصفي شاتين عن شاة في الزكاة على أصح الوجهين ويجرز مثله في المهدي، والأضحية وكفارات الحج، وأما إخراج =
[ ٢ / ٤٩٩ ]
المراد النَّظر إلى الأَصْناف باعتبار القيمة على ما سنبينه في الأمثلة، وإذا اعتبرت القيمة والتَّقسيط فمن أي نوع كان المأخوذ جاز، هكذا قال الجمهور.
وقال ابن الصباح: ينبغي أن يَكُونَ المأخوذ من أعلى الأنواع، كما لو انْقَسَمَت ماشيته إلى صحاح ومراض يأخذ بالحصَّة من الصِّحاح، ولك أن تقول: ورد النهي عن المريضة والمعيبة (١) فلذلك لا نأخذها ما قدرنا على صحيحة وما نحن فيه بخلافه.
في المسألة قول ثالث محكي عن "الأم": وهو أنه إذا اختلفت الأنواع يؤخذ الفرض من الوسط كما في الثِّمار، ولا يجئ هذا القول فيما إذا لم يكن إلا نَوْعين، ولا فيما إذا كانت أَنْوَاعًا متساوية في الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ.
وحكى القاضي ابن كج وجهًا: وهو أنه يؤخذ من الأجود أخذًا من نَصِّه في اجتماع الحِقَاقِ وبنات اللَّبُون (٢) ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فقولان" بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى عن أبي إسحاق أن موضع القولين ما إذا لم تحتمل الإبل أخذ واجب كل نوع لو كان وحده منه، فإن احتمل أخذ كذلك بلا خلاف، مثل أن يملك مائتين من الإبل مائة مُهَرِيَّة، ومائة أَرْحَبِيَّة، فيؤخذ حقَّتَان من هذه، وحقَّتَان من هذه، والمشهور طرد الخلاف على ما يقتضيه لفظ الكتاب، ونوضح القولين بمثالين:
أحدهما: له خمس وعشرون من الإبل عشرة مهَرِيَّة، أرحِبيَّة أَرْحَبِيَّة، وخمسة
_________________
(١) = نصفي رقبتين في الكفارة فإن كان باقيهما حرًا جاز أو رقيقًا جاز على أصح الوجهين، ومنهم الروياني فقال: في الظهار في البحر ولو أخرج نصفي شاتين بدل شاة هل يجوز فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو قول عامة الأصحاب. ومنهم الماوردي الظهار الحاوي فقال في أجزائه ثلاثة أوجه، والثالث: إن كان باقي الشاتين للفقراء أجزأه لارتفاع الضرر عنهم وإن كان لغيرهم لم يجز لدخول الضرر عليهم. وقال السبكي في تعليق القاضي ما يقتضي إثبات خلافه، وقيل مقتضى كلام الرافعي والمصنف أن المدة في إخراج الواجب بالتقسيط من أي نوع كان إلى المالك وأن القاضي قال: إلى الساعي، وادعى في التتمة أنه المذهب المشهور يوافقه قول ابن الصباغ أنه ينبغي أن يكون المأخوذ من أعلى الأنواع كما إن انقسمت إلى صحاح ومراض، ورد عليه الرافعي بأن المراض ورد النهي عنها وحكى كثير أنه يؤخذ من الوسط كما في الثمار، ولا يأتي هذا في نوعين ولا في ثلاثة تساوية.
(٢) تقدم.
(٣) هكذا نقله الرافعي وجهًا عن ابن كج، قال في "القوت": والذي رأيته في كتاب ابن كج نقله قولًا منصوصًا، وليس بمنافاة زائدة على ما سبق كما يفهمه كلام الشيخين وهو من تفاريع القول الأول في الكتاب الناظر إلى الأول الأغلب إذا غلب أحد النوعين، فإن استويا كان كاجتماع الحقاق وبنات اللبون. فهذا الوجه هو القول الأول لا محالة، ففي ذكره ثانيًا تكرار في إبهام.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
مجِيْدِيّة، فعلى القول الأول تؤخذ بنت مَخَاض أَرْحَبِيَّة أو مهرية بقيمة نصف أَرْحَبِيّة ومهرية؛ لأن هذين النَّوْعين أغلب، ولا نظر إلى المجِيدِيّة.
وعلى الثاني يؤخذ بنت مَخَاض من أي الأنواع أعطى بقيمة خمس مهَرِيّة، وخمس أَرْحَبِيَّة، وخمس مجِيْدِيّة (١) فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة وقيمة بنت مخاض أرحبية خمسة وقيمة بنت مخاض مجيدية ديناران ونصف فيأخذ بنت مخاض من أحد أنواعها قيمتها ستة ونصف وهي خمسًا عشرة وخمسًا خمسة وخمس ديناران ونصف، وصور بعضهم قيمة المجيدية أكثر، وذلك فرض في إبل الشخص على الخصوص، وإلاَّ فالمجيدية أردأ الأنواع الثلاثة، وغرض التمثيل لا يختلف.
والثاني: له ثلاثون من المعز، وعشر من الضَّأْن، فعلى القول الأول يؤخذ ثنية من المعز. قال في "النهاية": ويكتفي بماعزة كما يأخذها، لو كانت غنمة كلها معزًا، وعلى عكسه لو كانت ثلاثون منها ضأنًا أخذنا جذعة من الضَّأن كما نأخذها لو تمخَّضت غنمه ضأنًا، وعلى القول الثاني يخرج ضائنة، أو ماعزة بقيمة ثلاثة أرباع ماعزة وربع ضائنة الصورة الأولى وبقيمة ثلاثة أرباع ضائنة وربع ماعزة في الصُّورة الثانية، ولا يجيء قول اعتبار الوسط هاهنا وعلى الوجه الذي رواه ابن كج يؤخذ من الأَشرف فلا يخفى قياسها في المثال الأول.
_________________
(١) قال في المهمات: وهو غير مستقيم فإنه قد تقدم عند حكاية القولين، أما إذا فرعنا على القول الأول، وهو اعتبار الغالب فاستويا، فإنا نوجب الأغبط على المشهور، وقياس ذلك أنا ننظر إلى الأغبط منهما فنأخذها لا إلى ما ذكرنا من إعطاء ما شاء باعتبار التوزيع على قيمتها، ولما ذكر السبكي كلامهما قال: والنظر فيه بحال، وللبحر مثله فيما إذا كان النصاب أثلاثًا بالسّوية، وحينئذ فيكون ذلك رجوعًا إلى القول بالتقسيط في هذه الصورة. فائدة: قال في "شرح المهذب": لو اختلف صفة الماشية مع أنها نوع واحد ولا عيب فيها ولا صغير، ولا غيرها من أسباب النقص السابقة فوجهان في البيان: أحدهما وهو قول عامة أصحابنا يختار الساعي خيرهما، وقال ابن إسحاق: من وسطها. ونقله القاضي أبو الطيب عن أكثر الأصحاب كما يختار أربع حقائق أو خمس بنات لبون في مائتين من الإبل. وقال ابن كج: قال في "الأم": وللساعي أن يختار السن التي وجبت له في خير الغنم إذا كانت الغنم واحدة، واختلف أصحابنا فمنهم من قال: صورتها أن كلها -جذاع أو بناتًا- في الماعز يجزي في الزكاة؛ فيختار جبرها كلها؛ لأنه وكيل المساكين، فيختار جبر ذلك كله. ومنهم من قال: أراد جبرًا في الأدون وهو الأوسط لئلا يأخذ الكرائم، واعلم أنما ذكرناه ليقتضي أنه لا يكفي انتفاء أنواع النقص بخلاف ما اقتضاه كلام "الروضة" و"المنهاج" وأصلهما في الاكتفاء بانتفائها، وهي رداءة النوع والمرض والعيب والذكورة والصغر، بل تجب مراعاة صفة المال، فإن كان كله سمانًا لا يجوز أدون منه وإن صح.
[ ٢ / ٥٠١ ]