قال الرافعي: يدخل وقت الصبح بطلوع الفجر الصادق ولا عبرة بالفجر الكاذب.
والصادق هو المستطير الذي لا يزال ضوؤه يزداد ويعترض في الأفق، سمى مستطيرًا لانتشاره قال الله تعالى: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٢) والكاذب يبدو مستطيلاٍ ذاهبًا في السماء، ثم ينمحق وتصير الدنيا أظلم مما كانت والعرب تشبهه بذنب السرحان، لمعنيين:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨١) وأبو داود (٤٣٧) والترمذي (١٧٧).
(٢) سورة الإنسان، آية ٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
أحدهما: طوله.
والثاني: أن الضوء يكون في الأعلى دون الأسفل كما أن الشعر يكثر على أعلى ذنب الذئب دون أسفله وروي أنه -ﷺ- قال: "لاَ يَغُرَّنَّكُمُ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ" (١). ويتمادى وقت الاختيار إلى الإسفار، لحديث جبريل ﵇. وهل يزيد الوقت عليه؟ قال أبو سعيد الإصطخري: لا، والمذهب أنه يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس لقوله -ﷺ-: "وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" (٢) ثم من الإسفار إلى طلوع الحمرة جواز بلا كراهية، ووقت طلوع الحمرة وقت الكراهية فيكره تأخير الصلاة إليها من غير عذر، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وكذلك [أورده] (٣) في "التهذيب" فيحصل للصبح أربعة أوقات كما للعصر.
وقوله: "ووقت الجواز إلى الطلوع" إن كان المراد منه ما تشترك فيه حالة الكراهية وحالة عدمها فلا مخالفة بينه وبين ما حكيناه، ولكنه خص اسم الجواز بما لا كراهة معه في فصل العصر، ألا تراه يقول: "وبعده وقت الجواز إلى الاصفرار ووقت الكراهية عند الاصفرار" فيشبه أن يريد بالجواز هاهنا مثل ذلك أيضًا، وحينئذ يكون ما ذكره مخالفًا لما حكيناه والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يُقَدَّمُ (وح) أَذَانُ هَذِهِ الصَّلاَةِ عَلَى الوَقْتِ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعِ بَقين مِنَ اللَّيْلِ، وَفي الصَّيْفِ بِنِصْفِ سُبْعٍ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ وَقْتُ أَذَانِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ اخْتِيَارِ العِشَاءِ، ثُمَّ لْيَكُنْ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ يؤَذِّنُ أحَدُهُمَا قَبْلَ الصُّبْحِ والأخَرُ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: صلاة الصبح تختص في حكم الأذان بأمور، ذكر منها هاهنا شيئين:
أحدهما: أنه يجوز تقديم آذانها على دخول الوقت خلافًا لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" (٤) والمعنى فيه إيقاظ النُّوَامِ، فإن الوقت وقت النوم والغفلة ليتأهبوا للصلاة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠٩٤) من رواية سمرة ولفظه: "لا يغرن أحدكم نداء بلال من السحور ولا هذا البياض، حتى يستطير" وفي رواية: "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض -لعمود الصبح- حتى يستطير" ورواه الترمذي ولفظه "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق" وقال: حسن. قال ابن الملقن انظر الخلاصة (١/ ٨٨ - ٨٩).
(٢) تقدم.
(٣) في أذكره.
(٤) أخرجه البخاري (٦١٧ - ٦٢٠ - ٦٢٣ - ١٩١٨) ومسلم (١٠٩٢).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وقال الشيخ يحيى اليمني في "البيان": ذكر بعض أصحابنا أنه إذا جرت عادة أهل بلد بالأذان بعد طلوع الفجر لم يقدم فيها الأذان على الوقت كيلا يشتبه عليهم الأمر، وهذا التفصيل غريب، وليكن قوله: "ثم يقدم" معلمًا بالواو مع الحاء لذلك، ثم في القدر الذي يجوز به التقديم وجوه، ذكر منها في الكتاب وجهين:
أحدهما: أنه يقدم في الشتاء لِسُبُعٍ بقي من الليل، وفي الصيف لِنْصِف سُبُع [بقي من الليل، وروي عن سعد القرظي (١) قال: "كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله -ﷺ- فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ"] (٢) (٣) وهذا القدر لا يعتبر تحديدًا، وإنما يعتبر تقريبًا، والغرض أن يتأهب الغافلون لأسباب الصلاة وفي التنبيه قريبًا من السحر ما يحصل هذا المقصود.
والثاني: أنه إذا خرج وقت اختيار العشاء إما الثلث وإما النصف على اختلاف القولين فقد دخل وقت أذان الصبح؛ لأنه لا يخاف اشتباه أحد الأذانين بالآخر فإن الظاهر أن العشاء لا تؤخر عن وقت الاختيار.
والوجه الثالث: أن وقته النصف الأخير من الليل، ولا يجوز قبل ذلك، وإن قلنا: إن وقت اختيار العشاء لا يجاوز ثلث الليل وشبه ذلك بالدفع من "المزدلفة" والمعنى فيه ذهاب معظم الليل.
والرابع: حكاه القاضي أبو القاسم بن كج وآخرون: أن جميع الليل وقت له كما أنه وقت لنية صوم الغد. واحتج له بإطلاق قوله -ﷺ-: "إِنَّ بلاَلًا يُؤَذِّنْ بِلَيْلٍ" وأظهر الوجوه أنما هو الأول، ولم يفصل في "التهذيب" بين الصيف والشتاء، واعتبر السبع على الإطلاق تقريبًا، وكل هذا في الأذان. أما الإقامة فلا تقدم على الوقت بلا خلاف.
وهذا الفصل ليس من أحكام الأذان إلا أن الشافعي -﵁- ذكره في هذا الموضع لتعلقه بالمواقيت وتأسى به الأصحاب.
_________________
(١) سعد بن عائذ مولى عمار بن ياسر، المعروف بسعد القرظ، صحابي مشهور أذن بقباء على عهد النبي -ﷺ-، ثم نقله عمر إلى المدينة. انظر الخلاصة (١/ ٣٦٩). وقع في الرافعي والوسيط، سعد القرظي بياء النسب، وتعقبه ابن الصلاح وقال: إن كثيرًا من الفقهاء صحفوه اعتقادًا منهم أنه من بني قريظة، وإنما هو سعد القرظ، مضاف إلى القرظ بفتح القاف وهو الذي يدبغ به، وعرف بذلك لأنه اتجر في القرظ فربح، فيه فلزمه فأضيف إليه.
(٢) قال الحافظ هذا السياق، كما قال ابن الصلاح: والنووي، مخالف لما أورده الرافعي تبعًا للغزالي، وكذا ذكره قبلهما إمام الحرمين وصاحب التقريب، قال النووي: وهذا الحديث مع ضعفه إسناده محرف، والمنقول مع ضعفه مخالف لما استدل به.
(٣) سقط من ب.
[ ١ / ٣٧٥ ]
الثاني: يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الصبح والآخر بعده كما كان لمسجد رسول الله -ﷺ-، والأول أولى بالإقامة، وإن لم يكن إلاَّ مؤذن واحد فيؤذن مرتين، مرة قبل الصبح، وأخرى بعده، ويجوز أن يقتصر على مرة واحدة، إما قبل الصبح أو بعده، أو بعض الكلمات قبل الصبح وبعضها بعده، فإذا اقتصر على مرة فالأولى أن تكون بعد الصبح على المعهود في سائر الصلوات (١).
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ، تَجِبُ الصَّلاَةُ بأَوَّلِ (ح) الوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا (ح)، فَلَوْ مَاتَ فِي وَسَطِ الوَقْتِ قَبْلَ الأَدَاءِ عَصَى عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُ الصَّلاَةِ عَنِ الوَقْتِ فَفِي كَوْنهِ أَدَاءً ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثُ يُجْعَلُ القَدْرُ الخَارجُ قَضَاءً (ح).
قال الرافعي: الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعاَ، ومعنى كونه موسعًا أن له أن يؤخرها إلى آخر الوقت ولا يأثم. وعند أبي حنيفة تجب بأخر الوقت، لكن لو صلى في أول الوقت سقط الفرض. لنا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢) والأمر للوجوب. ولو أخر من غير عذر ومات في أثناء الوقت فهل يعصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ترك الواجب.
وأصحهما: لا (لأنه أبيح له التأخير) (٣)، بخلاف ما لو أخر الحج بعد الوجوب فمات بعد إمكان الأداء يعصى؛ لأن آخر الوقت غير معلوم، وأبيح له التأخير بشرط أن يبادر الموت، فإذا مات قبل الفعل أشعر الحال بتقصيره وتوانيه وفي الصلاة آخر الوقت معلوم فلا ينسب إلى التقصير ما لم يؤخر عن الوقت.
ولو وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها بعد خروج الوقت، فقد حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه ولم يفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة أو دونها.
أحدها: أن الكل أداء اعتبارًا بأول الصلاة.
والثاني: أن الكل قضاء اعتبارًا بالآخر، فإنه وقت سقوط الفرض بما فعل.
_________________
(١) قال النووي في زياداته: مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، أن صلاة الصبح من صلوات النهار، ويكره أن يقال للمغرب: عشاء، وأن يقال للعشاء. عتمة والاخيار أن يقال للصبح: الفجر، أو الصبح. وهما أولى من الغداه ولا تقول: الغداه مكروه ويكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها لغير عذر، إلا في خير. واختلف العلماء في الصلاة الوسطى. فنص الشافعي -﵁- والأصحاب أنها الصبح، وقال صاحب "الحاوي" نص الشافعي أنها الصبح. وصحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث فصار مذهبه: أنها العصر، قال: ولا يكون في المسألة قولان. كما وهم بعض أصحابنا، -والله أعلم-.
(٢) سورة: آية
(٣) سقط في ب.
[ ١ / ٣٧٦ ]
والثالث: أن الواقع في الوقت أداء وفي الخارج قضاء كما أنه لو وقع الكل في الوقت كان أداء وإذا وقع خارجه كان قضاء. والذي ذكره معظم الأصحاب الفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة فصاعدًا أو دونها واقتصروا على وجهين:
أصحهما: أنه إن وقع في الوقت ركعة فالكل أداء، وإلا فالكل قضاء، وبه قال ابن خيران؛ لقوله -ﷺ-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" (١).
وأيضًا فإن للركعة من التأثير ما ليس بغيرها. ألا ترى أنه تدرك الجمعة بركعة، ولا تدرك بما دونها.
والوجه الثاني: أن ما وقع في الوقت أداء والخارج عنه قضاء، وأورد إمام الحرمين الأوجه الثلاثة المذكورة في الكتاب ولكن بعد الفرض في الركعة، ثم قال: إن الأئمة ذكروا الركعة فيما يقع في الوقت، وكان شيخي يرد ذلك إلى تفصيل المذهب فيما يدرك به أصحاب الضرورات الفرض. قال: والذي ذكره غير بعيد.
وإذا عرفت ذلك، فإن كان صاحب الكتاب أراد بالبعض الذي [أطلقه] (٢) الركعة، فذاك وإلا فهو جري على المنقول عن الشيخ أبي محمد. ثم فيما يدرك به أصحاب الضرورة الفرض قولان: أحدهما: ركعة. والثاني: تكبيرة.
ففرض الخلاف في مطلق البعض تكون جوابًا على هذا القول الثاني، وليكن قوله: "يجعل القدر الخارج قضاء" معلمًا بالألف؛ لأن القاضي الروياني روى أن عند أحمد إذا وقعت ركعة من الصلاة في الوقت فالكل أداء، كما هو الصحيح عندنا، ولا بأس بإعلامه بالحاء أيضًا؛ لأن عند أبي حنيفة لو طلعت الشمس -في خلال صلاة الصبح- بطلت، ولا يعتد بها لا قضاء ولا أداء، وسلم أنه لو غربت الشمس في خلال الصلاة من عصر يومه لا تبطل الصلاة.
لنا: ما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ وَإذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ" (٣). ومتى قلنا الخارج عن الوقت قضاء، أو قلنا الكل قضاء لم يجز للمسافر قصر تلك الصلاة على قولنا أن القصر لا مدخل له في القضاء، وهل يجوز تأخير الصلاة إلى حد يخرج بعضه عن الوقت؟ إن قلنا إنها مقضية، أو أن بعضها مقضي
_________________
(١) تقدم.
(٢) في أأدركه.
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٦) من رواية أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٣٧٧ ]
فلا، وإن قلنا مؤداة فقد حكى إمام الحرمين عن أبيه ترديد الجواب في ذلك، ومال إلى أنه لا يجوز، وهذا هو الذي أورده في "التهذيب" من غير ترديد وبناء على خلاف، ولو شرع فيها وقد بقي من الوقت ما يسع الجميع لكن مدها بطول القراءة حتى خرج الوقت. لم يأثم، ولا يكره أيضًا في أظهر الوجهين.
قال الغزالي: ثُمَّ تَعْجِيلُ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ (ح) عِنْدَنَا، وَفَضِيلَةُ الأَوَّليَّةِ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِأسْبَابِ الصَّلاَة كَمَا دَخَلَ الوَقْتُ، وَقِيلَ: تَتَمَادَى الفَضِيلَة اِلَى نِصْفِ وَقْتِ الاخْتِيَارِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ العِشَاءِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ويُسْتَحَبُّ الإبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ إِلَى وُقُوعِ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ السَّاعي إِلَى الجَمَاعَةِ، وَفِي الإبْرَادِ بِالجُمُعَةِ وَجْهَانِ لِشِدَّةِ الخَطَرِ في فَوَاتِهَا.
قال الرافعي: روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَآخِرُ الْوَقْتِ عَفْوُ اللهِ" (١) قال الشافعي -﵁-: "رضوان الله إنما يكون للمحسنين "والعفو" يشبه أن يكون للمقصرين. وروي أن النبي -ﷺ- قال: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاَةُ لِأوَّلِ وَقْتِهَا" (٢). وبم تحصل فضيلة الأولية؟ حكى الإمام فيه ثلاثة أوجه:
أقربها: عنده وهو الذي ذكره صاحب "التقريب" أنها تحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان فإن دخل الوقت، فإنه لا يعد حينئذ متوانيًا ولا مؤخرًا.
والثاني: يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت؛ لأن معظم الوقت باقٍ ما لم يمض النصف، فيكون موقعًا للصلاة في حد الأول، وإلى هذا مال الشيخ أبو محمد واعتبر نصف وقت اختيار.
والثالث: لا تحصل الفضيلة إلا إذا قدم [قبل الوقت] ما يمكن تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول دخول الوقت، وعلى هذا قيل: لا ينال المتيمم فضيلة الأولية (٣)، وعلى الأول: لا يشترط تقديم ستر العورة كالطَّهَارَةِ، وعن الشيخ أبي محمد اشتراطه؛ لأن ستر العورة لا تختص بالصلاة، والشغل الخفيف كأكل لُقَمٍ وكلام قصير لا يمنع إدراك الفضيلة، ولا يكلف العجلة على خلاف العادة (٤). ولنتكلم في الصلاة
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٧١) والدارقطني (١/ ٢٤٩) والبيهقي (١/ ٤٣٥) من حديث ابن عمر والدارقطني ١/ ٢٤٩ والبيهقي ١/ ٤٣٥ من حديث أبي محذورة.
(٢) تقدم.
(٣) قال النووي: هذا الوجه الثالث، غلط صريح، مخالف للسنة المستفيضة عن رسول الله -ﷺ- والصواب. الأول -والله أعلم-.
(٤) سقط في ط.
[ ١ / ٣٧٨ ]
واحدة واحدة. أما الظُّهْرُ فيستحب فيها التعجيل، إلا إذا اشتد الحر، وظاهر المذهب، أنه يستحب الإبراد به، لقوله -ﷺ-: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحُرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" (١). ومن الأصحاب من قال الإبراد رخصة (٢)، فلو تحمل القوم المشقة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣٦) ومسلم (٦١٥) من رواية أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
(٢) الرخصة لغة التيسير والسهولة، فرخصه الله تسهيلة على عباده، والرخصة في الأمر التخفيف، أما عن الإصطلاح فقد اختلف الأصوليون فيها من حيث اللفظ، فعرفها البيضاوي فقال: "هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" وعرفها ابن الهمام: "ما شرع تخفيفًا لحكم مع اعتبار دليله قائم الحكم لعذر" وقد قسم الشافعي -﵃- الرخص إلى أربعة أقسام: الأول: أن تكون الرخصة واجبة كحل أكل الميتة للمضطر. الثاني: أن الرخصة مندوبة كالقصر في الصلاة لمن كان سفره يبلغ ثلاثة أيام فصاعدًا. الثالث: أن تكون الرخصة مكروهة -أي خلاف الأولى- كالفطر في حق المسافر إذا لم يجهده الصوم. الرابع: أن تكون الرخصة مباحة، تشمل كل ما رخص فيه من المعاملات كالسلم والمساقاة والقراض والعرايا أما الحنفية فقد حصروا الرخص في أربعة أنواع: نوعان: يطلق عليهما لفظ الرخصة حقيقة، لقيام دليل العزيمة فيه، وقيام حكمه من غير دليل دال على تراخيه عنه. غير أن أحدهما أحق من الآخر. ونوعان: يطلق عليهما لفظ الرخصة "مجازًا" لا حقيقة، وأحدهما أتم من الآخر في كونه مجازًا. فالرخصة الحقيقية: هي التي تبقى عزيمتها معمولًا بها، فكلما كانت العزيمة ثابتة، كانت الرخصة أيضًا في مقابلتها ثابتة، معمولًا بها في الشريعة. وهذا بيان أنواعها:
(٣) النوع الأول: ما استبيح من المحظورات عند الضرورة، أو عند الحاجة، مع قيام السبب المحرم، وقيام حكمها: كإباحة التلفظ بكلمة الكفر، فإنه يرخص لمن أكره، بإجراء قول الكفر على لسانه بعذر الإكراه، وقلبه مطمئن بالإيمان، لأن حرمة الكفر قائمة لضرورة وجوب حق الله تعالى في الإيمان. وإنما رخص لمن خاف التلف على نفسه -عند الإكراه- إجراء الكلمة، لأن في الامتناع حتى يقتل، تلف نفسه سورة ومعنى. والامتناع من إجراء كلمة الكفر عزيمة، فلو صبر حتى قتل كان مأجورًا؛ لأن حرمة الكفر ثابتة أبدًا لقيام السبب المحرم، وهو الدلائل الدالة على أن حق الله تعالى في وجوب الإيمان به قائم لا يحتمل السقوط، لأن الموجب، وهو وحدانية الله تعالى وحقيقة صفاته، وجميع ما أوجب الإيمان به، لا يحتمل التغيير، ولكن رخص للعبد أجراؤها عند الإكراه، لأن حقه في نفسه يفوت عند الامتناع سورة بتخريب البنية، ومعنى بزهوق الروح، وحق الله لا يفوت معنى، لأن التصديق بالقلب باق، والاقرار الذي سبق منه مه التصديق صح إيمانه به، واستدامة الإقرار في كل وقت ليست بركن، إلا أن في إجراء كلمة الشرك هتك حرمة حق الله تعالى سورة. فإذا أقدم عليها يكون ساعيًا في بقاء حياته، مؤثرًا حقه على حق مولاه، وإذا أمتنع يكون باذلًا حياته مؤثرًا حق مولاه على نفسه وهواه. فلهذا كان تقديم حق نفسه بإجراء كلمة الكفر على اللسان ترخيصًا يسقط المؤاخذة. ولا يلزم من سقوط المؤاخذة ثبوت الإباحة وسقوط الحرمة. كمن ارتكب كبيرة فعفى عنه، فإن العفو لا يصير الكبير مباحة. والمرخص بإجراء الكلمة، يعمل لنفسه من حيث السعي في دفع سبب الهلاك عنها، فهذه رخصة =
[ ١ / ٣٧٩ ]
وصلوا في أول الوقت، فهو أفضل. والأول المذهب، ثم الإبراد المحبوب أن يؤخر إقامة الجماعة عن أول الوقت في المسجد (١) الذي يأتيه الناس من بُعد بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة.
فلا ينبغي أن يؤخر عن النصف الأول من الوقت ولو كانت منازل القوم قريبة من
_________________
(١) = له، وإن أقدم عليها لم يأثم، وإن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه حبسة في دينه، فامتنع عن إجراء كلمة الكفر مراعاة لحقه تعالى صورة ومعنى، لأن الممتنع مطيع لربه مظهر الصلابة في الدين، فهو جهاد، فيكون أفضل وأولي.
(٢) النوع الثاني: ما شرع تخفيفًا لحكم آخر، فأباح ترك الواجب، وتأخير أدانه عن وقته، إذا وجد عذر يجعل أداؤه في وقته شاقًا على المكلف. مع قيام المسبب المحرم الموجب لحكمه. ومثال ذلك: إفطار المسافر والمريض في رمضان، فقد رخص لهما الفطر مع قيام السبب الموجب للصوم، المحرم للفطر -وهو شهود شهر رمضان- الثابت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وترخى حكمها -هو وجوب أداء الصوم- عن محل الرخصة -وهو السفر والمرض- لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فحرمة الأفطار في حقهما غير قائمة إلى إدراك الأيام الأُخَر، ولهذا لو ماتا قبل الإدراك لم يلزمهما شيء، ولو كان الوجوب ثابتًا للزمهما الأمر بالفدية عنهما، لأن ترك الواجب بعذر يرفع الإثم، ولكن لا يسقط الخلف، وهو القضاء أو الفدية. ولقيام السبب الموجب للصوم، صح أداؤهما لو صاما ولتراخي الحكم لم يلتزمهما الأمر بالفدية. وحكم هذا النوع: أن الأخذ بالعزيمة -وهي الصوم- أولى عند الحنفية لقيام السبب الموجب فكان المؤدي للصوم عاملًا لله تعالى في أداء الفرض، والمترخص بالفطر عاملًا لنفسه فيما يرجع إلى الترفة، فقد ورد في الصحيحين عن أنس "كنا نسافر مع رسول -ﷺ- فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
(٣) النوع الثالث: ما لم يوجبه الله علينا من أصر وأغلال كان واجبًا على من قبلنا. وهي التكاليف الشاقة، مما كان في الشرائع السالفة: كقتل النفي في صحة توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة. ولما كانت الأشياء أوجبت على غيرنا ولم يشرعها الله علينا أصلًا فقد وضعها عنا تخفيفًا وتيسيرًا وتوسعة رحمة بنا وتكريمًا لنبينا -ﷺ- لم تكن هذه رخصة حقيقية؛ لأنها غير مشروعة في حقنا أصلًا، فلذا شابهت الرخصة. وحكم هذا النوع: أننا إذا عملنا به أحيانًا أثمنا وعوقبنا.
(٤) النوع الرابع: وهو ما يستباح تيسيرًا لخروج السبت من أن يكون موجبًا للحكم، مع بقائه مشروعًا في الجملة. فإنه من حيث انعدام السبب الموجب للحكم، كانت الرخصة مجازًا لأن العزيمة لم تكن في مقابلتها، ومن حيث إنه بقي المسبب مشروعًا في الجملة كان شبيهًا بحقيقة الرخصة. مثال ذلك: سقوط إتمام الصلاة الرباعية في السفر، فسقوط الركعتين منها رخصة إسقاط -عند الحنفية- لا يجوز العمل بعزيمتها فليس له أن يصليها أربعًا.
(٥) تعبيره بالمسجد خرج على الغالب، والمراد موضع الاجتماع للصلاة، نبه على ذلك الأذرعي والأسنوي وغيرهما.
[ ١ / ٣٨٠ ]
المسجد، أو حضر جمع في موضع، ولا يأتيهم غيرهم: فلا يبردون بالظهر.
وفيه قول آخر: أنهم يبردون بها، ولو أمكنهم المشي إلى المسجد في ركن، أو في ظل، أو كان يصلي منفردًا في بيته، فلا إبراد أيضًا. وفي وجه يستحب الإبراد، فمن قال الإبراد -في هذه الصور- احتج بإطلاق الخبر، ومن منع قال: المعنى المقتضي للإبراد دفع المشقة، والتأذي بسبب الحر، وليس في هذه الصور كبير مشقة، وهذا هو الأظهر. وهل يختص الاستحباب بالبلاد الحارة أم لا؟ فيه وجهان:
منهم من قال: لا، وبه قال الشيخ أبو محمد؛ لأن التأذي في إشراق الشمس حاصل في البلاد المعتدلة أيضًا، وهذا بخلاف النهي عن استعمال الشمس يختص بالبلاد الحارة على الظاهر؛ لأن المحذور الظني لا يتوقع مما يشمس في البلاد المعتدلة. ومنهم من قال: باختصاصه بالبلاد الحارة، وبه قال الشيخ أبو علي؛ لأن الأمر هَيِّنٌ في غيرها، وهذا أظهر وحكاه القاضي ابن كج عن نص الشافعي -﵁-. وهل يلحق صلاة الجمعة بالظهر في لإبراد؟. فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالظهر في سائر الأيام.
والثاني: لا، لشدة الخطر في فواتها، فإنها إذا أخرت ربما تكاسلوا فيها، وإذا حضروا فلا بد من تقديم الخطبة، ولأن النَّاسَ يبكرون إليها فلا يتأذون بالحر، وهذا أظهر. وأما العصر والمغرب، فالأفضل أن يعجلهما في جميع الأحوال. وأما العشاء، ففيها قولان:
أظهرهما: أن تعجيلها أفضل كسائر الصلوات، لعموم الأخبار.
والثاني: أن تأخيرها أفضل ما لم يجاوز وقت الاختيار لقوله -ﷺ-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ" (١).
وأما الصبح، فيستحب فيها التعجيل أيضًا مطلقًا؛ لما روي عن عائشة -﵂- قالت: "كَانَ النِّسَاءُ يَنْصَرفْنَ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُنَّ مُتَلَفِّعَات بِمُرُوطِهِنَّ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ" (٢). وينبغي أن يعرف مما يتعلق بنظم الكتاب سببين (٣):
أحدهما: أن كلمة "عندنا" في قوله: "ثم تعجيل الصلاة أفضل عندنا" على خلاف عادة الكتاب، ثم ليس فيه كبير فائدة، فإنا إذا أطلقنا الكلام أطلقناه بما عندنا لا بما عند
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٥٠) والترمذي (١٦٧) وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجة و(٦٩١) والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٦) وقال صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي.
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٨) ومسلم (٦٤٥).
(٣) في ح وط: سببين.
[ ١ / ٣٨١ ]
غيرنا، وغايته الإشارة إلى خلاف في المسألة، لكن لا يعرف به المخالف من هو، وأنه ماذا يقول، ولا نعني عن الرموز التي هي عادة الكتاب، فليكن قوله: "هو أفضل" معلمًا بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الأفضل في صلاة الصبح الإسفار بها، وفي العصر التأخير ما لم تتغير الشمس، وفي العشاء التأخير ما لم يجاوز ثلث الليل، وساعدنا في المغرب على استحباب التعجيل، وكذلك في الظهر إذا لم يشتد الحر، وليكن معلمًا بالميم أيضًا، لما روي عن مالك، أنه يستحب تأخير الظهر إلى أن يصير الفيء قدر ذراع، وفي العصر أيضًا يستحب التأخير قليلًا.
والثاني: أن قوله: "تعجيل الصلاة أفضل" يشمل الصلاة كلّها.
وقوله بعد ذلك: "يستحب تأخير العشاء على قول، ويستحب الإبراد" استثناء في الحقيقة عما أطلقه أولًا وإن لم يكن لفظه لفظ الاستثناء. وينبغي أن يعلم قوله: "ويستحب الإبراد" بالواو للوجه الصائر إلى أنه رخصة.
قال الغزالي: فَرْعٌ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الوَقْتُ يَجْتَهِدُ وَيسْتَدِلُّ بِالأَوْرَادِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ وَقَعَتْ صَلاتُهُ فِي الوَقْتِ أَوْ مَا بَعْدَهُ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قَبْلُ قَضَى عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكذَا فِي طَلَبِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالقَادِرُ عَلَى دَرْكِ اليَقِينِ بِالصَّبْرِ هَلْ لَهُ المُبَادرَةُ بِالاجْتِهَادِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه وقت الصلاة بغيم، أو حبس في موضع مظلم، أو غيرهما اجتهد، واستدلَّ عليه بالدرس والأعمال والأوراد وما أشبهها.
ومن جملة الأمارات صياح الديك المجرب إصابة صياحِهِ الوقت، وكذلك أذان المؤذنين في يوم الغيم، إذا كثروا، وغلب على الظن لكثرتهم أنهم لا يخطئون.
والأعمى يجتهد في الوقت كالبصير. وإنما يجتهدان إذا لم يخبرهما عدل عن دخول الوقت عن مشاهدة. فلو قال رأيت الفجر طالعًا والشفق غاربًا، فلا مساغ للاجتهاد ووجب قبول قوله. ولو أخبر عن اجتهاد فليس للبصير القادر على الاجتهاد تقليده، والأخذ بقوله، وهل للأعمى ذلك؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ويسوغ له الاجتهاد، والتقليد جميعًا، ويترتب على هذا الاعتماد على أذان المؤذن، فإن كان بصيرًا لم يعتمد عليه في يوم الغيم، لأنه يؤذن عن اجتهاد، ويعتمد عليه في يوم الصحو، إذا كان المؤذن عدلًا عالمًا بالمواقيت، لأنه يؤذن عن مشاهدة، وإن كان أعمى فهل يعتمد عليه؟ فيه الوجهان المذكوران في جواز التقليد له وحكى في "التهذيب" وجهين في تقليد المؤذن من غير فرق بين الأعمى والبصير.
وقال: الأصح الجواز، واحتج عليه بقوله -ﷺ-: "الْمُؤَذِّنُونَ أمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى
[ ١ / ٣٨٢ ]
صَلَوَاتِهِمْ" (١). ويحكى: أن ابن سريج ذهب إليه والتفصيل أقرب، وهو اختيار القاضي الروياني وغيره (٢). وإذا لزم الاجتهاد فصلى -من غير اجتهاد- لزمه الإعادة وإن وقعت صلاته في الوقت، وإن لم يكن دلالة أو كانت ولم يغلب على ظنه شيء أخَّرَ إلى أن يغلب على ظنه دخول الوقت.
والاحتياط أن يؤخر إن لم يغلب على ظنه أنه لو أخر عنه خرج الوقت. وعند أبي حنيفة -﵀- في يوم الغيم يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء وحكم الفجر - كما ذكر في يوم غير يوم الغيم، وهل يجتهد إذا قدر على الصبر إلى استيقان دخول الوقت؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه لا يجتهد؛ للقدرة على الإيقاع في الوقت يقينًا.
وأظهرهما: أنه يجتهد؛ إذ لا قدرة على اليقين في حالة الاشتباه، وهذا كالخلاف فيما إذا اشتبه عليه إناءان ومعه ماء طاهر بيقين.
فإن قلت: وما من حالة إلا ويمكن الصبر فيها إلى درك اليقين، فإن الأوقات في المضي والاشتباه إنما يقع في أوائلها، فإذا صبر زال الاشتباه.
قلنا: يجوز أن يكون محبوسًا في مطمورة (٣)، لا يعرف شيئًا من الأوقات أصلًا، ولا يدري أن الساعة التي هو فيها ليل أو نهار ويجوز في حق غيره أيضًا ألا يحصل له يقين أصلًا، بأن لا يعرف في يوم إطباق الغيم هل دخل وقت الظهر أم لا؟ ولا يعرف أنه إن دخل هل بقي أم لا؟.
ثم إذا اجتهد وصلى، فإن لم يتبين الحال فذاك، وإن تبين نظر: إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه، وما فعله بعد الوقت قضاء، أو أداء فيه جهان:
أصحهما: أنه قضاء، حتى لو كان مسافر يجب عليه إعادة الصلاة تامة إذا قلنا لا
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٦) قال الحافظ في التلخيص في إسناده يحيى الحماني مختلف فيه، وقال ابن عدي لم أر في مسنده حديث منكر ورواه وابن ماجة (٧١٢) بلفظ: "خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين صلاتهم وصيامهم" وفي إسناده رواية بن سالم الجزري وهو ضعيف، ورواه الشافعي في "الأم" عن عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن النبي -ﷺ-، قال الدارقطني في العلل: هذا هو الصحيح مرسل، انظر التلخيص (١/ ١٨٣).
(٢) قال النووي: الأصح: ما صححه صاحب "التهذيب" وقد نقله عن نص الشافعي، وبه قال الشيخ أبو حامد. وصححه البندنيجي وصاحب "العدة" وغيرهم -والله أعلم- روضة الطالبين: (١/ ٢٩٧).
(٣) المطمورة السجن انظر المعجم الوسيط (٢/ ٥٧١).
[ ١ / ٣٨٣ ]
يجوز قصر القضاء، فإن وقعت صلاته قبل الوقت نظر: إن أدرك الوقت، أعاد، وإلا فقولان، وكل ذلك خلافًا ووفاقًا يجري فيما إذا اشتبه شهر رمضان على الأسير فاجتهد وأخطأ، وأصح القولين وجوب الإعادة، وهما مبنيان على أن المفعول بعد الوقت قضاء كما في غير حالة الاشتباه، أو أداء قائم مقام الواقع في الوقت؛ لمكان العذر، فإن قلنا بالأول لم يعتد بما تقدم على الوقت، وإن قلنا: بالثاني اعتد به.