قال الرافعي: يعني: في الوتر، فإن أوتر بركعة قَنَتَ فيها، وإن زاد قَنَتَ في الركعة الأخيرة، وفي استحباب القنوت في الوتر فيما عدا النِّصْفِ الأخير من رمضان وجهان:
أحدهما: أن الاستحباب يعم جميع السَّنةِ، وبه قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ -﵁- وأبو الفضل بن عبدان (٢)، وأبو منصور بن مهران (٣)، وأبو الوليد النيسابوري (٤) من أصحابنا -﵏-؛ لما روي: أنه -ﷺ-: "كَانَ إِذَا أَوْتَرَ قَنَتَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ" (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٥٠) والدارقطني (٢/ ٢١) والحاكم (١/ ٣٠٠) والبيهقي (٢/ ٤٦٨).
(٢) أبو الفضل، عبد الله بن عبدان تثنية عبد كان شيخ همذان وعالمها ومفتيها، أخذ عن ابن لآل وغيره، وصنف كتابًا في الفقه سماه (شرائط الأحكام) ومات -﵀- في صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. الأسنوي (٨٠٢).
(٣) قال الأسنوي شيخ الأزدي، انظر طبقات الأسنوي (١٠١٧).
(٤) أبو الوليد النيسابوري من ولد سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. الحاكم: "كان إمام أهل الحديث بخراسان، وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم، وأكثرهم تقشفًا ولزومًا لمدرسته وبيته. درس على ابن سريج". وشرح "رسالة" الشافعي شرحًا حسنًا توفي ليلة الجمعة الخامس من شهر ربيع الأول، سنة تسع وأربعين وثلثمائة عن اثنتين وسبعين سنة. طبقات الأسنوي (١١٥٥)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧١).
(٥) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٢) وفي إسناده عمرو بن شمر كذاب.
[ ٢ / ١٢٦ ]
وهذا مطلق، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وأظهرهما: وبه قال جمهور الأصْحَابِ: أن الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان؛ "لِأَنَّ عُمَرَ -﵁- جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، فَلَمْ يَقْنُتْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَدٍ إِنْكَارٌ عَلَيْهِ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعًا".
وعن عمر -﵁- قال: "السُّنَّةُ إذَا انْتَصَفَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَنْ يلْعَنَ الْكَفَرَةُ فِي الْوِتْرِ بَعدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" (١). فعلى الوجه الأول، لو ترك القنوت سجد للسهو، كما في الصبح، وعلى الوجه الثاني المشهور لو تركه في النصف الأخير سجد لِلسَّهْوِ ولو قنت من غير النصف الأخير سهوًا سجد للسهو (٢) وذكر القاضي الروياني: أن كلام الشافعي -﵁- يدل على كراهية القنوت في غير النصف الأخير، فضلًا عن نفي الاستحباب، ثم حكي عن بعض الأصحاب وجهًا متوسطًا، وهو أنه يجوز أن يقنت في جميع السَّنَةِ من غير كَرَاهِيَةٍ، لكن لو ترك لا يسجد للسَّهْوِ، بخلاف ما لو تركه في النِّصْفِ الأخير يَسْجُد.
قال: وهذا اختيار مشايخ طبرستان، واستحسنه، وأثبت ما روي عن مالك موافقة ظاهر مذهبنا، وروي عنه أنه يقنت في جميع شهر رمضان، وروي في جميع السَّنَةِ، وقد أعلم قوله: (في النصف الأخير) بالحاء والميم والألف؛ إشارة إلى مذاهبهم ثم لنا في موضع القنوت من الركعة وجهان:
أصحهما: ويحكى عن نصه في حرمله أنه بعد الركوع؛ لما روينا من حديث عمر -﵁- وكما في الصبح، فإن ما قبل الركوع محل القراءة، والقنوت دعاء، فهو في موضع الدعاء، حيث يقول: سمع الله لمن حمده: أليق.
الثاني -وبه قال ابْنَ سُرَيْجٍ-: أنه يقنت قبل الركوع؛ لما روي عن أبي -﵁- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرِّكُوعِ" (٣).
وأيضًا فإن الفرق بين الفرض والنفل مقصوِد، كما أن خطبة الجمعة قبل الصلاة، وخطبة العيدين بعدها، وبهذا الوجه قال مَالِكَ وَأْبُو حَنِيفَة، وبالأول قالَ أَحْمَدُ، وحكي في "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يتخير بين التقديم والتأخير، وأنه إذا قدم
_________________
(١) غريب وذكره ابن المنذر بإسناده وقال في آخره صحيح، رواه البخاري ومسلم وهو غلط منه. انظر خلاصة البدر المنير (١/ ١٨٤) والتخليص (٢/ ٢٤).
(٢) سقط في "ط".
(٣) أخرجه النسائي (٢/ ٢٢٥) وابن ماجة (١١٨٢) والبيهقي (٢/ ٤٠).
[ ٢ / ١٢٧ ]
كبر بعد القراءة، ثم قنت، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وقال في "التتمة": إذا قلنا يقنت قبل الركوع، يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير، وبه قالَ مَالِكٌ.
والقنوت: هو الدعاء الذي ذكرناه عن رواية الحسن بن علي -﵄- في "باب صفة الصلاة" واستحب الأئمة، منهم صاحب "التلخيص" أن يضيف إليه ما روي عن عمر -﵁- أنه قنت به وهو: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغفِرُكَ، وَنسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّه، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُركَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفَدُ، نَرْجُوا رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكً، إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدُّ بالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ" ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنَا" إلى آخره، هكذا ذكره القاضي الروياني، وعليه العمل، ونقل في "البيان" عن القاضي أبو الطيب أنه قال: كان شيوخنا يدعون بقنوت عمر -﵁- بعد الكلمات التي رواها الحسن -﵁-، فعكس الترتيب وزاد هو وغيره في المنقول عن عمر -﵁- "اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَاب، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَاصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وألِّفْ بَيْنَ قلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَان وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ، وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ"، ونقل القاضي الروياني عن ابن القاص: أنه يزيد في آخر القنوت: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا" إلى آخر السورة واستحسنه (١) ثم حكمه في الجهر، ورفع اليدين، وغيرهما على ما سبق في الصُّبْح.
ويستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى:: ﴿سَبِّحْ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَين، رُوِي ذلِكَ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ- (٢) وبه قَالَ مَالِكُ.
وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يقتصر على "الإخلاص" في الثالثة.
وقال الكرخي في "مختصره": ليس في الوتر قراءة سورة معلومة، ولكن يقرأ في الأولى بقدر: ﴿سَبِّحْ﴾، وفي الثانية بقدر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بقدر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ وَمَا شُرِعَتِ الجَمَاعَةُ فِيهَا كالعِيدَيْنِ وَالخُسُوفَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّوَاتِبِ وَمِنْ صَلاَةِ الضُّحَى وَرَكْعَتَي التَّحِيَّةِ
_________________
(١) ضعفه النووي في شرح المهذب لأن المشهور كراهة القراءة من غير القيام.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٤) والترمذي (٤٦٣) وابن ماجة (١١٧٣) والحاكم (١/ ٣٠٥).
[ ٢ / ١٢٨ ]
وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ أَفْضَلُهَا صَلاَةُ العِيدَيْنِ، ثُمَّ الخُسُوفَيْنِ، وَأَفْضَلُ الرَّوَاِتبِ الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ، وَفِيهِمَا قَوْلاَنِ.