قال الرافعي: إذا صار ظل الشيء مثليه فقد دخل وقت العصر، لما روينا من
[ ١ / ٣٦٨ ]
حديث ابن عباس، وقد يوهم الخبر اشتراكًا بين الظهر والعصر في قدر من الوقت كما حكيناه عن مالك؛ لأنه قال: صلّى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مِثليه، [وصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ كلَّ شيء مثليه] (١) وأوَّله الشافعي -﵁- على أنه ابتدأ العصر من اليوم الأول حين صار ظل الشّيء مثليه، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثليه.
ودليل التأويل ما روي عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ" (٢). ثم يمتد وقت العصر إلى غروب الشمس؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَد أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ" (٣). وفيه وجه آخر، وإليه ذهب أبو سعيد الإصطخري: أنه لا يمتد إلى غروب الشمس، بل آخر وقت العصر إذا صار ظل الشيء مِثْلَيْهِ، لأنه لو زاد عليه لبينه جبريل ﵇، وعلى ظاهر المذهب وقت الاختيار إلى مصير الظل مِثْلَيْهِ، وبعده وقت الجواز بلا كراهية إلى اصفرار الشمس، ومن اصفرار الشمس إلى الغروب، وقت الكراهية، ومعناه أنه يكره تأخيرها إليه.
روي عن النبي -ﷺ- قال: "تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرَنَي الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لاَ يَذْكُرً اللهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا" (٤).
وأما ما يتعلق بألفاظ الكتاب، فقوله: "وبه يدخل وقت العصر" ينبغي أن يعلم بالحاء؛ لما قدمناه، وقوله: "ويمتد إلى غروب الشمس" بالواو للوجه المنسوب إلى الإصطخري.
فإن قلت: قال الشافعي -﵁- في "المختصر": "ثم لا يزال وقت الظهر قائمًا حتى يصير ظل كل شيء مثله، فإذا جاوز ذلك بأقل زيادة، فقد دخل وقت العصر ظاهرًا"، هذا يقتضي اعتبار زيادة على مصير الظل مثله، ليدخل وقت العصر، وذلك ينافي قوله: "وبه يدخل وقت العصر" فهل في ذلك اختلاف قول أم وجه أم كيف الحال؟ فالجواب أنه لا خلاف في دخول وقت العصر حتى يخرج وقت الظهر عندنا. وكلام الشافعي محمول على أن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف إلا بزيادة الظل على المثل وإلا فتلك الزيادة من وقت العصر. وقوله: ووقت الفضيلة في الأول لا يختص به العصر، بل وقت فضيلة جميع الصلوات أول أوقاتها على ما سيأتي، لكن اجتماع الأوقات الأربعة الفضيلة، والاختيار، والجواز، والكراهية من خاصية وقت العصر والصبح وما عداهما.
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) أخرجه مسلم (٦١٢).
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٦ - ٥٧٩ - ٥٨٠) ومسلم (٦٠٨).
(٤) أخرجه مسلم (٦٢٢) من رواية أنس -﵁-.
[ ١ / ٣٦٩ ]
أما ذات وقتين: الفضيلة والاختيار كالظهر، وأما ذات ثلاث أوقاتِ الفضيلة، والاختيار، والجواز، كالعشاء، والعصر أول الصلاتين المخصوصتين بالأوقات الأربعة في الترتيب المذكور، فهذا هو الداعي إلى تقسيم وقت العصر إلى الفضيلة وغيرها.
قال الغزالي: وَوَقْتُ المَغْرِبَ يَدْخُلُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَيمْتَدُّ (م) إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: إِذَا مَضَى بَعْدَ الغُرُوبِ وَقْتُ وُضُوءٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَقَدْرِ خَمْسَ (و) رَكَعَاتٍ فَقَدِ انْقَضَى (ح) الوَقْتُ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ صَلاَّهَا فِي الْيَومَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلاَةٍ فَمَدَّ آخِرَ الصَّلاَةِ إلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّفَقِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لا خلاف في أن وقت المغرب يدخل بغروب الشمس، والاعتبار بسقوط قرصها، وهو ظاهر في الصحارى.
وأما في العمران، وقلل (١) الجبال، فالاعتبار بأن لا يرى من شعاعها شيء على أطراف الجدران وقلل الجبال، ويُقبل (٢) الظلام من المشرق، وروي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا أَقْبَلَ الظَّلاَمُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا- وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ - فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٣). وإلى متى يمتد وقت المغرب؟ فيه [قولان] (٤) القديم: أنه يدوم وقتها إلى غيبوبة الشفق، لما روي عن بريدة "أَنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَقَالَ: صَلِّ مَعَنَا هذَيْنِ"، يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: "وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " (٥).
وروي في الصحيح أن النبي -ﷺ- قال: "وَوَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ" (٦).
ويعبر عن هذا القول بأن للمغرب وقتين كسائر الصلوات، وفي "الجديد" إذا مضى قدر وضوء وستر عورة وآذان وإقامة وخمس ركعات فقد إنقضى الوقت؛ لأن جبريل ﵇ صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين كما في سائر الصلوات؛ ثم معلوم أن ما لا بد منه من شرائط الصَّلاَةِ لا يجب تقديمه على الوقت،
_________________
(١) جمع قلة، بضم القاف: أعلى الرأس والسنام والجبل. وبكسرها: الرعدة، والخوف، وبفتحها النهضة من علة أو فقر.
(٢) في ز: ويظهر.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٥٤) ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر والبخاري (١٩٥٥) ومسلم (١١٠١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
(٤) في أوجهان.
(٥) أخرجه مسلم (٦١٣) وابن خزيمة (٣٢٣).
(٦) أخرجه مسلم (٦١٢) وأبو داود (٣٩٦) والنسائي (١/ ٢٦٠) وأحمد في المسند (٦٩٦٦ - ٦٩٩٣) في السنن (١/ ٣٦٤).
[ ١ / ٣٧٠ ]
فيحتمل التأخير بعد الغروب قدر ما يشتغل بها، والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل (١)، ويحتمل أيضًا أكل لقم يكسر بها سورة الجوع (٢).
وفي وجه: ما يمكن تقديمه على الوقت كالطهارة، وستر العورة يسقط من الاعتبار.
وفي وجه: لا يعتبر خمس ركعات، وإنما يعتبر ثلاث ركعات، ويعبر عن هذا القول بأن للمغرب وقتًا واحدًا يعتبر تقديره بالفعل، وعلى هذا القول لو شرع في المغرب في الوقت المضبوط فهل يجوز أن يستديم صلاته إلى أن ينقضي هذا الوقت؟ إن قلنا: إن الصلاة التي وقع بعضها في الوقت وبعضها بعد الوقت أداء، وأنه (٣) يجوز تأخيرها إلى أن يخرج عن الوقت بعضها - فله ذلك لا محالة، وإن قلنا: لا يجوز ذلك في سائر الصلوات، ففي المغرب وجهان: أحدهما: المَنْعُ كسائر الصلواتِ.
وأصحهما: أنه يجوز مدها إلى غروب الشفق، لما روي أنه -ﷺ- "قرأ سورة الأعْرَافِ في المغرب" (٤) فظاهر المذهب القول الجديد.
واختار طائفة من الأصحاب القول الأول، ورجحوه، وعندهم أن المسألة مما يفتى فيها على القديم (٥).
وإذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب وعلم قولَه: (ويمتد إلى غروب الشفق) بالميم، لأن مذهب مالك مثل القول الجديد في أظهر الروايتين، وقوله: (فقد انقضى الوقت) بالحاء والألف؛ لأن مذهبهما مثل القول القديم، ولفط (الوضوء) بالواو، وكذا قوله: (وقدر خمس ركعات) لما حكينا من الوجهين، وادعى القاضى الروياني أن المذهب: اعتبار الثلاث دون الخمس، وقوله) (وعلى هذا، فلو مد آخر الصلاة إلى غروب الشفق، فوجهان) فيه، إشارة إلى أن الوجهين مبنيان على قولنا أن من سائر الصلوات لا يجوز الإتيان بها، بحيث يقع بعضها بعد الوقت، لا ما إذا جوزنا ذلك، فلا اختصاص للامتداد بغروب الشفق، مهما كان الشروع في الوقت المضبوط.
_________________
(١) قال في شرح المهذب: كذا أطلق الجمهور، وقال القفال: يعتبر في حق كل إنسان الوسط من قبل نفسه لاختلافهم في هذا، فبعضهم خفيف الحركات والقراءة وبعضهم عكسه واستحسنه في التوسط.
(٢) قال في شرحي المهذب والوسيط: الصحيح بل الصواب أن من حضره الطعام يأكل حتى يشبع للحديث الصحيح.
(٣) في ب: إذا فاته.
(٤) أخرجه البخاري (٧٦٤) من رواية زيد بن ثابث وفي رواية الحاكم (١/ ٢٣٧) وفرقها في ركعتين وقال: صحيح على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال.
(٥) قال النووي: الأحاديث الصحيحة، مصرحة بما قاله من القديم، وتأويل بعضها متعذر، فهو الصواب. وممن اختاره من أصحابنا، ابن خزيمة والخطابي، والبيهقي، والغزالي في "الأحياء" والبغوي في "التهذيب" وغيرهم -والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٢٩٢).
[ ١ / ٣٧١ ]
قال الغزالي: وَوَقْتُ العِشَاءِ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَهُوَ الحُمْرَةُ (ح) الَّتِي تَلِي الشَّمْسَ دُونَ البَيَاضِ والصُّفُرَةِ، ثُمَّ يَمْتَدْ وَقْتُ الاخْتِيَارِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَإِلَى النِّصْفِ عَلَى قَوْلٍ، وَوَقْتُ الجَوَازِ اِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ.