الطَّائفة الثّانية، ليحرسوا جاز إذا لم تكثر فِعَالُهُم، وذلك بأن يتقدَّم كلُّ وَاحِدٍ من أهل الصَّفِّ الثَّانِي خطْوَتين، ويتأخر كل واحد من أهل الصَّفِّ الأول خطوتين، وينفذ كل واحد منهم بين رجلين، وهل هذا أولى أم الأولى أن يلازم كل واحد منهم مكانه؟ أشار في الكتاب إلى أن التقدم والتأخر أحسن وأولى؛ لأن الحراسة بالصَّف الأول أَلْيَقُ، وقد سبق وجهه، وهكذا ذكر الصيدلاني، والمسعودي وآخرون، وقال أصحابنا العراقيون: الأولى أن يلازم كل منهم مكانه، فلا يضطرب ولا ينتقل ولفظ الشافعي -﵁- في "المختصر" على هذا أدل، وهذا كله مبني على ما ذكره الشافعي -﵁- أن في الركعة الأولى يحرس الصَّف الأول، فأما على ما اختاره أبو حامد واشتهر في الخبر أن الصف الثَّاني يحرسون في الركعة الأولى، ففي الركعة الثانية يتقدم أهل الصَّفِّ الثاني، ويتأخر أهل الصف الأول، فتكون الحِرَاسة في الركعتين مِمَّنْ خلف الصف الأول لا من الصف الأول، كذلك ورد في الخبر، وقوله في الكتاب: (فإذا سجد في الأولى حرسه الصف الأول) يجوز أن يعلم بالحاء، وكذا قوله: "سجدوا ولحقوا به" وكذا يفعل الصف الثاني في الركعة الثانية؛ لأن أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة أنه إذا كان العدو في جهة القبلة لم يُصَلّ بهم إلا كما يصلّي والعدو في غير جهة القبلة، وتفصيله على ما سيأتي في النوع الثالث، ورسموا هذه مسألة خلافية بيننا وبينه.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ يَلْتَحِمَ القِتَالُ وَيَحْتَمِلَ الحَالُ اشْتِغَال بَعْضِهِمْ بِالصَّلاَةِ فَيَصْدع الإمَامُ أَصْحَابَهُ صَدْعَيْنِ وَينْحَازَ بطَائِفَةٍ إلَى حَيْثُ لاَ تَبْلِغُهُمُ سِهَامُ العَدُوُّ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ انْفَرَدُوا بِالثَّانِيَةِ وَسَلَّمُوا وَأَخَذُوا مَكَانَ إِخْوَانِهِم فِي الصَّفِّ وَانْحَازَ الفِئَةُ المُقَاتِلَةُ إلَى الإِمَامِ وَهُوَ يَنْتِظرُهُمْ وَاقْتَدَوْا بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا وَأَتَمُّوا الثَّانِيَةَ وَلَحِقُوا بِهِ قَبْلَ السَّلاَمَ وَسَلَّمَ بِهِمْ هَكَذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِذَاتِ الرَّقَاعِ فِي رِوَايَةِ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ وَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ الانْفِرَادُ عَنِ الإِمَامِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَانْتِظَارُ الإِمَامِ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ مَرَّتَيْنِ (١)، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ فِيهَا كَثْرَةَ الأَفْعَالِ مَعَ الاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
قال الرافعي: النوع الثالث: صلاة ذات الرقاع (٢) في كيفيتها في الصُّبح، والصَّلاة المقصورة في السفر ثم في الصلاة الثلاثية والرباعية، أما في ذات الركعتين فيفرق الإمام القوم فرقتين وتقف طائفة جِهَة العدوّ، وينحاز بطائفة إلى حيثُ لا تبلغهم سهامُ العدوِّ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٥ - ٨٣٩) وأبو داود (٢٤٤٣) والنسائي (٣/ ١٧١).
(٢) سقط في "ط".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
فيفتتح بهم الصلاة ويصلِّي بهم ركعة، هذا القدر اتفقت الرواية عليه، ثم فيما يفعل بعد ذلك؟ روايتان فَصَّلَ في الكتاب إحداهما، وأجْمَل ذكر الأخرى، أما المُفَصَّلة فهي أنه إذا قام إلى الثانية، خرج المقتدون عن متابعته، وأتموا الثانية لأْنفسهم، وتشهدوا، وسلَّموا، وذهبوا إلى وجاه العدو، وجاء أولئك واقتدوا به في الثانية، وهو يطيل القيام إلى لحوقهم فإذا لحقوه صلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية، وهو ينتظرهم، فإذا لحقوه سلم بهم؟ هكذا روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح عن خوات بن جبير عمن صَلَّى مع النَّبيِّ -ﷺ- صَلاةَ يَومِ ذَاتِ الرِّقَاعِ" ورواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل ابن خيثمة عن النبي -ﷺ- (١).
وأما الرواية التي أجملها فهي أن الإمام إذا قام إلى الثانية لا يتم المقتدون به الصَّلاة، بل يذهبون إلى مكان إخوانهم وجاه العدو، وهم في الصَّلاة فيقفوا سكوتًا، وتجيء تلك الطَّائفة فَتُصَلِّي مع الإمام الركعة الثانية، فإذا سَلَّم ذهبت إلى وجاه العدو، وجاء الأولون إلى مكان الصَّلاة، وأتموا لأنفسهم، وذهبوا إلى وجاه العدو، وجاءت الطَّائفة الثانية إلى مكان الصَّلاة وأتمت أيضًا، وهذه رواية ابن عمر -﵄-.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الشافعي -﵁- اختار الرواية الأولى؛ لأنها أوفق للقرآن، قال الله تعالى جده: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ (٢). وذلك يشعر بأن الطائفة الأولى قد صَلَّت، ولأنها أليق بحال الصَّلاة، لما في الرواية الأخرى من زيادة الذهاب والرجوع، وكثرة الأفعال والاستدبار، ولا ضرورة إلى احتمال جميع ذلك، ولأنها أحوط لأمر الحرب، فإنها أخف على الطَّائفتين جميعًا، إذ الحراسة خارج الصَّلاَةِ أهون، وااَختار مالك وأحمد أيضًا ما اختاره الشافعي -﵁- لكن مالكًا -رحمة الله عليه-، قال في رواية: إذا صلَّى الإمام بالطَّائفة الثانية الركعة الثانية تَشَهَّد بهم وَسَلَّم، ثمِ يقومون إلى تمام صلاتهم كالمسبوق في غير صلاة الخوف، ونقل الصيدلاني قولًا عن القديم مثل ذلك، وحكى صاحب "الإفصاح" والعراقيون قولًا قريبًا من ذلك، فقالوا: يقومون في قول إذا بلغ الإمام موضع السَّلام، ولم يسلم بعد، وذهب أبو حنيفة إلى اختيار رواية ابن عمر -﵄- وقال: الطائفة الأولى: يتمون الصلاة بعد سلام الإمام بغير قراءة، لأنهم أدركوا التحريمة، فسقط عنهم القراءة في جميع الصَّلاَةِ، والطائفة الثانية يتمونها بقراءة؛ لأنهم أدركوا التحريمة.
واعلم أن إقامة الصَّلاة على الوجه المذكور ليس عزيمةً لا بُدَّ منها، بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فصلى بالآخرين، وصلَّى بعضهم أو كلهم منفردين جاز، لكن
_________________
(١) البخاري (٤١٢٩) ومسلم (٨٤١).
(٢) سورة النساء، الآية ١٠٢.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
كان أصحاب النبي -ﷺ- لا يسمحون بترك فضيلة الجماعة، ويتنافسون في الاقتداء به، فأمره الله تعالى جَدُّه بترتيبهم هكذا؛ لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبيرة معه والأخرى فضيلة التسليم معه، وهل تَصِحّ الصلاة على الوجه الذي رواه ابن عمر -﵄-؟ ذكروا فيه قولين.
أحدهما: وتحتمل تلك الرواية على النسخ، لخبر سهل، فإنها مطلقة ورواية سهل مقيدة بذات الرقاع وهي آخر الغزوات.
وأصحهما: نعم، وبه قال أحمد؛ لصحة الرواية وعدم العلم بالنسخ، ولا سبيل إلى المصير إليه بمجرد الاحتمال.
وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بنظم الكتاب: فأقول: قد سبق أن موضع هذا النوع ما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة ثبتت ذلك من جهة النقل، ونَصَّ عليه الأصحاب، وإن لم يتعرض له لفظ الكتاب وفي معناه ما إذا كانوا في جهة القبلة، لكن كان بينهم وبين المسلمين حائل يمنع من رؤيتهم لو هجموا.
وقوله: (إن يلتحم القتال) ليس مذكورًا على سبيل الاشتراط، بل لو كان العدو قارين في معسكرهم في غير جهة القبلة، ولم يلتحم القتال بعد وكان يخاف هجومهم، فالحكم كما لو التحم فيجعلهم طائفتين، واحدة تحرس، وأخرى تقتدي به، وإذا التحم القتال، فإنما تمكن (١) هذه الصَّلاة، إذا أكثر القوم، وأمكن الانحياز لطائفة وحصل الكفاية بالباقيين، فإن لم يكن كذلك فالحال حال شدة الخوف، وسنذكرها، فلهذا قال: (ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة).
وقوله: (فإذا قام إلى الثانية انفردوا بالثانية) مر قوم بالحساء، لأنه عنده لا ينفرد بالثانية، إذا قام الإمام إليها بل بعد سلامة.
ثم في هذا الفصل شيئان ينبغي أن يتنبه لهما:
أحدهما: أن قوله: انفردوا بالثانية، ليس المراد منهم انفرادهم بالفعل فحسب، بل ينوون مفارقته وينفردون بالفعل، وفي حق الطائفة الثانية قال: (قاموا وأتموا الركعة الثانية) ولم يقل وانفردوا بها، لأنهم لا يخرجون عن المتابعة، كذا قاله الجمهور، وفيه شيء آخر سيأتي.
والثانية: أنه قال: (فإذا قام الإمام إلى الثانية) ولم يقل: فإذا أتم الأولى؛ لأنه الأَولى أن ينووا مفارقته بعد الانتصاب لا عند رفع رأسه من السّجود الثاني فإنهم
_________________
(١) في أتكن.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
صائرون إلى القيام كالإمام، ولو فارقوه عند رفع الرأس من السجود جاز أيضًا، ذكره في "التهذيب" وغيره، وقوله: (وانحاز الفئة المقاتلة) إنما سماها مقاتلة؛ لأنه فرض الكلام فيما إذا التحم القتال، فإما إذا كان يخاف هجومهم ويتوقع القتال، فليست هي بمقاتلة في الحال، يجوز أن يقرأ الفئة المقابلة بالباء، فيشمل الحالتين؛ لأنهما على التقديرين مقابلة للعدو
وقوله (فإذا جلس للتشهد، قاموا وأتموا) معلم بالحاء؛ لأن عنده إنما يقومون إذا سلم الإمام لا إذا جلس لِلتَّشَهُّدِ، وبالميم والواو لما سبق.
وقوله (هكذا صَلَّى رسول الله -ﷺ- بِذَاتِ الرِّقَاعِ) اختلفوا في اشتقاق هذه اللفظة قيل: كان القتال في سفح جبل فيه جُدَدٌ بِيضٌ وحمر وصفر كالرقاع، وقيل: كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- حفاة لَفُّوا على أرجلهم الخرق والجلود، لِئلاَّ تحترق.
وقوله في رواية خوات بن جبير: (اشتهر في كتب الفقه نسبة هذه الرواية إلى خوات) والمنقول أصول الحديث رواية صالح عن سهل وَعَمَّنْ صلَّى مع النبي -ﷺ- فالفعل هذا المبهم ذِكْرُ خواتٍ أبو صالح ولله أعلم.
وقوله: (وليس فيها إلا الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية) هذا الانفراد ظاهر في حق الطائفة الأولى، فأما الطائفة الثانية فهم على متابعته بعد الركعة الثانية، وفي الركعة الثانية كلام سيأتي ذكره مِنْ بَعْد، والمقصود منه بيان رُجْحَان هذه الرواية على رواية ابن عمر -﵄-، وفيه إشارة إلى مسألة لاَ بُدَّ من ذكرها وهي أنه لو أقام الصَّلاة بهم على هذه الهيئة في حالة الأمن، هل يجوز ذلك أم لا؟ أما صلاة الإمام فمنهم من قال: لا تصح قولًا واحدًا؛ لأنه تطويل صلاة بالقراءة أو التَّشَهد، وذلك مما لا منع منه (١).
وقال الأكثرون: فيه قولان؛ لأنه انتظر المأمومين بغير عذر، وبنى القاضي أبو الطيب القولين فيما إذا فرقهم أربع فرق في الصَّلاة الرباعية؛ لأنه في الصورتين انتظر في غير محل الحاجة، وأما الطَّائفة الأولى ففي صِحّة صلاتها قولان؛ لأنها فارقت الإمام بغير عذر، وأما الطائفة الثانية، فإن قلنا: صلاة الإمام تبطل امتنع عليهم الاقتداء، والأصح إجزاؤهم، ثم تبنى صلاتهم إذا قاموا إلى الركعة الثانية على خلاف يأتي في أنهم متفردون بها أم حكم الاقتداء باق عليهم؟
إن قلنا بالأول ففي صلاتهم (٢) قولان مبنيان على أصلين:
_________________
(١) في ط منه.
(٢) في ط قولهم صلاتان.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
أحدهما: أنهم انفردوا من غير عذر.
والثاني: أنهم اقتدوا بعد الانفراد.
وإن قلنا بالثاني بطلت صلاتُهم، لانفرادهم بركعة مع بقاء القدوة، ولو فرضت الصَّلاَة في حالة الأمن الذي رواه ابن عمر -﵁- فصلاة المأمومين باطلة قطعًا.
وقوله: (وهذا أولى) يجوز أن يريد أنه أولى بأن يفعله الإمام مما رواه ابن عمر -﵄- فيكون جوابًا على تجويز إقامة الصَّلاة على ذلك الوجه أيضًا، ويجوز أن يريد به أن الأخذ به والمصير إليه أولى، فلا يلزم تجويز ذلك الوجه، وعلى التقديرين هو معلم بالحاء.
قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنْ الإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ قَبْلَ لُحُوقِ اَلْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ لَكِنْ يَمُدُّ القِرَاءَةَ عِنْدَ لُحُوقِهِمْ، وَنَقَلَ المُزَنِيُّ -﵀- أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الفَاتِحَةَ إِلَى وَقْتِ لُحُوقِهِمْ، وَكَذَا هَذَا الخِلاَفُ فِي انْتِظَارِهِ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ لُحُوقِهِمْ.
قال الرافعي: إذا قام الإمام إلى الثانية، فهل يقرأ الفاتحة في انتظاره الفرقة الثانية أم يؤخر إلى لحوقها؟ نقل الربيع أنه يقرؤها، ثم بعد لحوقهم يقرأ بقدر الفاتحة سورة قصيرة، ونقل المزني أنه يقرأ بعد لحوقهم، بأمِّ القرآن وسورة، وهذا قول بتأخير القراءة إلى لحوقهم؛ لأن الفاتحة لا تكرر، واختلف الأصحاب على طريقتين.
أصحهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه لا يقرأ إلى لحوقها؛ لأنه قرأ في الركعة الأولى بالطَّائفة الأولى، فليقرأ في الثانية بالطائفة الثانية، تسوية بينهما.
وأصحهما -وبه قال أحمد-: أنه يقرأ أولًا، ولا يؤخر.
واحتجوا عليه بأنه لو لم يقرأ فإما أن يسكت أو يقرأ غير الفاتحة من القرآن، وكل واحد منهما خلاف السنة، أو يشتغل بذكر وتسبيح، وليس القيام محلًا لذلك، وهذا لا يسلمه من صار إلى القول الأول على الإطلاق، بل ذكروا تفريعًا عليه أنه يسبح ويذكر اسم الله تعالى جدُّه بما شاء.
والطريق الثاني: أنها ليست على القولين، ثم اختلفوا فعن أبي إسحاق أن النصين مُنَزَّلاَن على حالتين حيث قال: "يقرأ" أراد إذا كان الإمام يريد قراءة [سورة طويلة بعد الفاتحة فتمكن استدامة القراءة إلى لحوق الطائفة الثانية، وحيث قال: لا يقرأ أراد إذا
[ ٢ / ٣٢٨ ]
كان يريد، (١) سورة قصيرة فتفوت القراءة على الطَّائفة الثانية فهاهنا يستحب الانتظار، ومنهم من قطع بما رواه الربيع، وغلط المزني في النقل وقال: لفظ الشَّافعي -﵁-: ويقرأ بعد إتيانهم بقدر أم الكتاب وسورة قصيرة لا بأم القرآن، وإنما أمر بذلك لينالوا فضيلة القراءة، فلو لم يفعل وأدركوه في الركوع، كانوا مدركين للركعة.
وقوله في الكتاب: (لكنه يمد القراءة عند لحوقهم) إشارةً إلى ما ذكرنا وهو أنه يمكث في قراءته بعد لحوقهم قدر قراءة أم القرآن وسورة، وفي بعض القراءة ولكنه يمد القراءة إلى وقت لحوقهم، وعلى هذا ففرض الكلام أنه لا يؤخر القراءة إلى لحوقهم، لا أنه يقطع القراءة كما لحقوا.
وأما قوله: (وكذا هذا على الخلاف في انتظاره في التشهد قبل لحوقهم) فاعلم أنه مبني على أن الطائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جلس الإمام للتشهد، وهو المذكور في الكتاب، والمشهور، وقد حكينا قولًا آخر أنهم يقومون إليها بعد سلامه، فعلى ذلك القول ليس له انتظار في التشهد، وعلى المشهور هل يتشهد قبل لحوقهم، أما القاطعون في الانتظار الأول بأنه يقرأ الفاتحة فقد قطعوا هاهنا بأنه يتشهد بطريق الأولى، وأما المثبتون للخلاف ثُمَّ فقد اختلفوا هاهنا، منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بأنه يتشهد؛ لأن الأمر بتأخير القراءة في قول إنما كان ليقرأ بالطائفة الثانية كما قرأ بالطائفة الأولى، وهذا المعنى لا يفرض في التشهد.
إذا عرفت ذلك فلا يخفى عليك أن قوله: (وكذا هذا الخلاف) جواب على طريقة طرد القولين في التشهد، ويجب أن يعلم بالواو؛ للطريقة الأخرى على أنها أظهر عند الأكثرين.
قال الغزالي: ثُمَّ هذِهِ الحَاجَةُ إنْ وَقَعَتْ فِي صَلاَةِ المَغْرِبِ فَلْيُصَلِّ الإِمَام بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَتَينِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً لِأَنَّ فِي عَكْسِهِ تَكْلِيفَ الطَّائفَةِ الثَّانِيَةِ تَشَهُّدًا غَيرَ مَحْسُوبٍ، ثُمَّ الإمَامُ إِنِ انْتَظَرَهُمْ فِي التَّشَهُدِ الأَوَّلِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ انْتَظَرَهُمْ فِي القِيَامِ الثَّالِثِ فَحَسَنٌ.
قال الرافعي: ما سبق كلام في الصلاة الثَّنَائِيَّة كيف تؤدي بالنَّاسِ في الموضع الذي بيناه، فإما إذا كانت الصلاة مَغْرِبًا، وفرض الخوف كذلك فلا بد من تفضيل إحدى الطائفتين على الأخرى، فيجوز أن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، ويجوز أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة وأيهما أولى فيه قولان:
أصحهما: أن الأفضل أن يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة؛ لأن
_________________
(١) ما بين المعكوفتين سقط من
[ ٢ / ٣٢٩ ]
الطائفة الأولى سابقون فهم أولى بالتفضيل؛ ولأنه لو عكس فَصَلَّى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين لزاد في صلاة الطائفة الثانية تشهدًا غير محسوب؛ لأنهم حينئذ يحتاجون إلى الجلوس مع الإمام في الركعة الثانية، وهو غير محسوب لهم، فإنها أولاهم، والألْيَقُ بالحال التخفيف دون التطويل.
والثاني: أن الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين؛ لأَنَّ عَلِيًّا -﵁- صَلَّى لَيْلَةَ الْهَرِيرِ (١) بالنَّاسِ هكَذَا، ثم إن فعل هكذا، فالطائفة الأولى تفارقه إذا قام إلى الثَّانِية، وتتم لنفسها على ما ذكرنا في ذات الركعتين، وإن صلى بالأولى ركعتين فيجوز أن ينتظر الثانية في التشهد الأول، ويجوز أن ينتظرهم في القيام الثالث، وأيهما أولى؟ فيه قولان:
أحدهما: أن انتظارهم في التَّشهد الأول أولى، ليدركوا معه الركعة من أولها، وينقل هذا عن "الإملاء".
وأصحهما: أن انتظارهم في القيام الثالث أولى؛ لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأولى مبنية على التخفيف، ولأن في ذات الركعتين ينتظر قائمًا، فكذلك هاهنا؛ لأنه إذا انتظرهم في الجلوس لا تدري الطائفة الأولى متى يقومون؟ ثم إذا انتظرهم في القيام - فهل يقرأ الفاتحة أم يصير إلى لحوق الفرقة الثانية؟ فيه الخلاف المتقدم.
وقوله في الكتاب: (فليصل بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة) جواب على القول الأول، ويجوز أن يكون جزمًا بأنه يفعل كذلك؛ لأن القاضي الرويان حكى طريقة جازمة به مع طرد القولين، وعلى التقديرين فلفظ: (الركعة والركعتين) معلَّمٌ بالواو.
وقوله: (فليصل) أمر استحباب وفضيلة، وليس ذلك بلازم.
وقوله: (وإن انتظرهم في القيام الثالث، فحسن) هو لفظ الشافعي -﵁- في "المختصر"، وقد حملوه على أن الأفضل الانتظار فيه، وإذا كان كذلك فيجوز أن يعلم بالواو؛ إشارة إلى القول المنقول عن "الإملاء".
قال الغزالي: وَإِنْ كَانَ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ في الحَضَرِ فَلْيُصَلِّ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ فَالانْتِظَارُ الثَّالِثُ زَائِدٌ عَلَى المَنْصُوصِ وَفِي تَحْرِيمِهِ قَوْلاَنِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الانْتِظَارُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ هُوَ الانْتِظَارُ الثَّانِي فِي حَقِّ الإِمَامِ فَلاَ مَنْعَ مِنْهُ.
قال الرافعي: إذا كان الخوف في السفر فسبيل الصَّلاة الرباعية أن تقصر وتُؤَدَّى
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
كما سبق، فلو أرادوا إتمامها وكانوا في الحضر وقد جاءهم العدو فينبغي أن يفرق الإمام الناس فرقتين، ويصلي بكل طائفة ركعتين، ثم هل الأفضل أن ينتظر الثَّانِيَة في التشهد الأَوَّل، أو في القيام الثَّالث؟ فيه الخلاف المذكور في المغرب، ويتشهد بكل واحدة من الطائفتين بلا خلاف؛ لأنه موضع تشهدهما، ويتضح بما ذكرناه أن قوله: (وإن كان في صلاة رباعية في الحضر) ليس الحضر مذكورًا على سبيل الاشتراط، لجواز الإتمام في السَّفَرِ، لكن الغالب أن الإتمام لا يكون. إلا في الحضر، لأن القصَر أفضلُ مطلقًا عند الإمكان على الأصح، وأليق بحال الخوف، فلهذا قال في الحضر:
وقوله: (فليصل بكل طائفة ركعتين) معلّم بالميم؛ لأن في رواية عن مالك لا يجوز أن يصلي بهم الصلاة الرباعية كذلك.
لنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١) الآية، لا فرق فيها بين السفر والحضر، ولو فرقهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة، وذلك بأن يصلي بفرقة ركعة، وينتظر قائمًا في الثانية، وينفردوا هم بثلاث، ويسلموا، ويذهبون، ثم يصلي الركعة الثانية بفرقة ثانية، وينتظر جالسًا في التشهد الأول، أو قائمًا في الثالثة، ويتموا لأنفسهم، ثم يصلّي بفرقة ثالثة، وينتظر في قيام الرابعة، ويتموا صلاتهم، ثم يصلي الرابعة بالفرقة الرابعة، وينتظرهم في التشهد الأخير إلى أن يتموا صلاتهم، ويسلم بهم فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الأصل أن لا يحتمل الانتظار في الصلاة أصلًا؛ لما فيه من شغل القلب، والإخلال بالخشوع، وقد ورد عن فعل رسول الله -ﷺ- انتظاران فلا يزاد عليهما.
وأصحهما: نعم؛ لأن جواز انتظارين إنما كان للحاجة، وقد تقتضي الحاجة أكثر من ذلك بأن لا يكون في وقوف نصف الجند، في وجه العدو كفاية بل يحتاج إلى وقوف ثلاثة أرباعهم بكل حال.
التفريع: إن جوزنا فقد قال إمام الحرمين من شرطه (٢)، أن تمس الحاجة إليه، فأما إذا لم تكن حاجة فالحكم كما لو جرى ذلك في حالة الاختيار، والطائفة الرابعة على هذا القول كالطائفة الثانية في ذات الركعتين، فيعود الخلاف في أنهم يفارقونه قبل التشهد، أو يتشهدون معه ويقومون بعد سلام الإمام إلى ما عليهم كالمسبوق، وتتشهد الطائفة الثانية معه في أظهر الوجهين.
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من "ط".
[ ٢ / ٣٣١ ]
والثاني: تفارقه قبل التشهد، وعلى هذا القول تصح صلاة الإمام، وفي صلاة الطوائف قولان: المنقول عن "الأم" أن صلاتهم صحيحة، وعن "الإملاء" أن صلاتهم باطلة سوى صلاة الطائفة الرابعة، وبنوا ذلك على أن المأموم إذا أخرج نفسه عن صلاة الإمام بغير عذر هل تبطل صلاتُه أم لا؟ وقالوا: الطوائف الثلاث خرجوا عن صلاة الإمام بغير عذر؛ لأن وقت المفارقة ما نقل عن فعل المقتدين بالنبي -ﷺ- وهو نصف الصَّلاة، وكل طائفة من الثلاث قد فارقته قبل تمام النصف، وأما الطَّائفة الرابعة فإنها لم تخرج عن صلاة الإمام، بل أتمت صلاة على حكم المتابعة، وليس هذا البناء والفرق صافيًا عن الإشكال -والله أعلم-.
وإن فرعنا على أن لا يجوز ذلك فصلاة الإمام باطلة، ومتى تبطل؟ فيه وجهان.
قال ابن سُرَيْج: تبطل بالانتظار الثالث، وهو الواقع في الرَّكعة الرابعة، ولا تبطل بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة، لأنه انتظر مرَّة للطائفة الثانية في الركعة الثانية، وانتظاره في الركعة الثالثة هو انتظاره الثاني إذا لم يكن له في الأولى انتظار، وقد ثبت من فعل رسول الله -ﷺ-، انتظاران فلا بأس بهما، ولا فرق في الفصلين سوى أن المنتظر ثم في المرتين الطائفة الثانية، والمنتظر هاهنا في المرة الثانية طائفة أخرى، لكن هذا لا يضر إذا لم يزد عدد الانتظار، كما لا يضر زيادة قدر الانتظار لو فرقهم فرقتين وصلَّى بكل واحدة ركعتين، وقال جمهور الأصحاب: تبطل صلاتُه بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة؛ لمخالفته الانتظار الثاني الذي ورد النقل به في المنتظر وفي القدر، فأما المنتظر فقد وضح، وأما في القدر فلأن النبي -ﷺ- انتظر في الركعة الثانية فراغ الطائفة الثانية فحسب والإمام هاهنا ينتظر فراغ الثانية وذهابها إلى وجه العدو، ومجيء الثَّالثة، والذي قاله الجمهور وهو ظاهر النص، ولذلك قد يعبر عن هذا الخلاف بقولين منصوص ومخرَّجٌ لابن سريج، ثم حكي في "البيان" وجهين تفريعًا على ظاهر النص.
أحدهما: أن صلاته تبطل بمضي الطائفة الثانية، لأن النبي -ﷺ- لم ينتظرهم في المرة الثَّانية إلا قدر ما أتمت صلاتها، فإذا زاد بَطَل.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: أنها تبطل بمضي قدر ركعة من انتظاره الثاني، لأن النبي -ﷺ- لم ينتظر الطَّائِفتين جميعًا، إلا بقدر الصَّلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء وهذا وقد انتظر في المرة الأولى قدر ما صَلَّت الطائفة الأولى ثلاث ركعات وذهبت وجاءت الثانية، فإذا مضى قدر ركعة فقد تَمَّ قدر الانتظار المنقول فتبطل صلاتُه بالزيادة عليه، هذا هو الكلام في صلاة الإمام تفريعًا على قول المنع، وأما صلاة الطَّوائف فتبنى على صلاته فَتَصحّ صلاة الطائفة الأولى والثانية على ظاهر النَّص وقول ابْنُ سُرَيْج معًا؛ لأنهم فارقوه قبل بطلان صلاته، وصلاة الطَّائفة الرابعة باطلة إن علمت
[ ٢ / ٣٣٢ ]
بطلان صلاة الإمام، وإن لم تعلم فَلاَ، وحكم الطائفة الثالثة حكم الرابعة على ظاهر النّص: وحكم الطائفتين الأوليين على قول ابْنُ سُرَيْج (١) ولو فرق القوم في صلاة المغرب ثلاث فرق وصلى بكل فرقة ركعة، وقلنا: لا يجوز ذلك فصلاة جميع الطوائف صحيحة عند ابْنِ سُرَيجٍ، وعلى ظاهر النص صلاة الطائفة الثالثة باطلة إلا أن لا يعلم بطلان صلاة الإمام، وإذا عرفت ما ذكرناه ولخصت ما في المسألة من الخلاف، قلت: فيها أربعة أقوال:
أصحها: صحة صلاة الإمام والقوم جميعًا.
والثاني: صحة صلاة الإمام والطائفة الرابعة لا غير.
والثالث: بطلان صلاة الإمام، وصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية، والفرق في حق الثَّالثة والرابعة بين أن تعلم بطلان صلاة الإمام أو لا تعلم.
والرابع: صحة صلاة الثالثة لا محالة.
والثاني: كما ذكرنا في القول الثالث وهو ابن سُرَيْج (٢).
وقوله في الكتاب: (فلانتظار الثالث زائد على المنصوص) أي على نَصِّ الشارع وما ثبت من فعله، وأراد بالانتظار الثالث: الانتظار الواقع في الركعة [الثالثة وهو الثاني من انتظارات الإمام ثم يلزمه من إثبات الخلاف فيه إثباته في الانتظار الواقع في الركعة] (٣) الرابعة بطريق الأولى، وهو الثالث في الحقيقة، ولو أراد الانتظار الثالث
_________________
(١) قال النووي في زياداته: يجزم الإمام الرافعي بصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية على هذا القول، وليس هو كذلك، بل فيهما القولان فيمن فارق بغير عذر، كما قلنا في الطوائف الثلاث، على قول صحة صلاة الإمام، وهذا لا بد منه، وصرح به جماعة من أصحابنا، وحكى القاضي أبو الطيب وصاحب "الشامل" وآخرون وجهًا ضعيفًا أن المبطل للطائفة الرابعة أن تعلم أنه انتظار رابع، وإن جهلت كونه مبطلًا. الروضة (١/ ٥٦٢).
(٢) قال النووي: وقول خامس: وهو بطلان صلاة الجميع، ولو فرقهم فرقتين فصلى بفرقة ركعة، والثانية ثلاثة أو عكسه، قال أصحابنا: صحت صلاة الإمام وجميعهم بلا خلاف، وكانت مكروهة ويسجد الإمام والطائفة الثانية سجود السهو، للمخالفة بالانتظار في غير موضعه، هكذا صرح به أصحابنا، ونقله صاحب "الشامل" عن نص الشافعي -﵀- قال: وهذا يدل على أنه إذا فرقهم أربع فرق، وقلنا: لا تبطل صلاتهم، فعليهم سجود السهو. وقال صاحب "التتمة": لا خلاف في هذه الصورة أن الصلاة مكروهة، لأن الشرع ورد بالتسوية بين الطائفتين، قال: وهل تصح صلاة الإمام أم لا؟ إن قلنا: إذا فرقهم أربع فرق تصح، فهنا أولى، وإلا فقد انتظر في غير موضعه، فيكون كمن قنت في غير موضعه، قال: وأما المأمومون فعلى التفصيل فيما إذا فرقهم أربع فرق، وهذا الذي قاله شاذ، والصواب ما قدمناه عن نص الشافعي والأصحاب. الروضة (١/ ٥٦٣).
(٣) ما بين المعكوفين سقط من ط.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
حقيقة لكان ذلك عين قول ابْنِ سُرَيج، ولما انتظم من أن يقول بعد ذلك.
وقال ابن سريج، ورتب في "الوسيط" الخلاف في بطلان الصَّلاة، بالانتظار الثالث على الخلاف في تحريمه، فقال: في تحريمه قولان: إن قلنا يحرم ففي بطلان الصلاة به قولان، ولم يذكر المعظم هذا الترتيب، وإنما تكلموا في الصحة والبطلان، وذكر الشافعي -﵁- مع القول بصحة صلاة الجميع، أنهم مسيئون بذلك، وهذا يشعر بالجزم بالتحريم والله أعلم.
قال الغزالي: وَفِي إِقَامَةِ الجُمُعَةِ عَلَى هذِهِ الهَيْئَةِ وَجْهَانِ (م) وَوَجْهُ المَنْعِ أَنَّ العَدَدَ فِيهَا شَرْطٌ وَيُؤَدِّي إِلَى الانْفِضَاضِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: إذا كان الخوف في بلد ووافق ذلك يوم الجمعة وأرادوا إقامة صلاة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، فقد نقل المصنف فيه وجهين:
أحدهما: الجواز كسائر الصلوات الثنائية.
والثاني: المنع، لأن العدد شرط فيها، وتجويز ذلك يفضي إلى انفراد الإمام في الركعة الثانية، والأول هو الذي حكاه أصحابنا العراقيون عن نصه في "الأم"، ثم ذكروا في طريقتين:
إحداهما: أن ذلك جواب على أحد الأقوال في مسألة الانفضاض، وهو أنه إذا نفض القوم عنه وبقي وحده يُصَلِّي الجُمُعَة، قلنا إذا لم نقل بذلك امتنع إقامة الجمعة على هذا الوجه.
والثانية: القطع بالجواز بخلاف سورة الانفضاض؛ لأنه معذور هاهنا بسبب الخوف، ولأنه يترقب مجيء الطائفة الثانية، ويجوز أن يرتب فيقال: إن جوزنا الانفضاض فتجويز إقامة الجمعة على هذه الهيئة أولى، وإلا فوجهان، والفرق العذر، وإيراد الكتاب إلى هذا الترتيب أقرب، وكيف ما كان فالأظهر عند الأكثرين الجواز، ثم له شرطان:
أحدهما: أن يخطب بهم جميعًا ثم يفرقهم فرقتين، أو يخطب بطائفةٍ ويجعل فيها (١) مع كل واحد من الفرقتين أربعين فصاعدًا، فأما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى فلا يجوز.
والثاني: أن تكون الفرقة الأولى أربعين فصاعدًا، فلو نقص عددهم عن الأربعين
_________________
(١) في "ب": منها.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
لم تنعقد الجمعة، ولو نقصت الفرقة الثانية عن أربعين، فقد حكى ابن الصَّباَّغ عن الشيخ أبي حامد أنه لا تضر ذلك بعد انعقادها بالأولى، وعن غيره أنه على الخلاف في الانفضاض، ولو خطب الإمام بالناس وأراد أن يقيم الجمعة بهم على هيئة صلاة عَسَفَان فهي أولى، بالجواز إن جوزناها على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، ولا يجوز إقامتها على هيئة صلاة بطن النَّخْلِ، إذ لا تقام جمعة بعد جمعة.
قال الغزالي: ثمَّ يجب حَمْلُ السِّلاحَ في هذِهِ الصَّلاَةِ وَصَلاة عَسَفَانَ إنْ كَانَ فِي وَضْعِهَا خَطَرٌ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ السَّلاَمَةَ وَاحْتَمَلَ الخَطَرَ فَيُسْتَحَبُّ الأخْذُ وَفِي الوُجُوبِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: قال الشافعي -﵁- في "المختصر" وغيره: واجب للمصلي -أي في الخوف- أن يأخذ سلاحه، وقال في موضع: ولا أجيز وضعه، واختلف الأصحاب على طرق:
أظهرها -وبه قال أبو إسحاق-: إن في المسألة قولين:
أحدهما: أنه يجب؛ لظاهر قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى جدُّه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (٢) أشعر ذلك بقيام الجناح، إذا وُضِعَ من غير عُذْر.
وأصحهما -وبه قال أبو حنيفة وأحمد-: أنه لا يجب، والآية محمولة على الاستحباب. واحتجوا لهذا القول بأنه لا خلاف، أن وضعه لا يفسد الصلاة، فوجب أن لا يجب حملهما كسائر ما لا يفسد تركه الصلاة ولا يجب فعله.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب.
والثالث: القطع بالإيجاب.
والرابع: ما يدفع به عن نفسه كالسَّيْفِ والسِّكين يجب حمله، وما يدفع به عن نفسه وغيره كالرمح والقوس لا يجب حمله؛ لأن الدفع عن النفس أولى بالوجوب، وهؤلاء حملوا النصين على هذين النوعين، والخلاف في المسألة مشروط بشروط:
أحدها: أن يكون طاهرًا، فأما السّلاح النجس فلا يجوز حمله بحالٍ، ومنه السَّيْف الذي سقى السُّم النَّجِس، والنبل المريش بريش طائر لا يؤكل، أو طائر ميت؛ لأنه نجس على الصَّحِيح.
_________________
(١) سورة النساء، الآية ١٠٢.
(٢) سورة النساء، الآية ١٠٢.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
والثاني: أن لا يكون مما يمنع من بعض أركان الصلاة، كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة (١) المصلَّي بالجبهة، فإن كان كذلك لم يحمل بلا خلاف.
والثالث: أن لا يتأذى به الغير كالرمح، فإن حَمْلَه في وسط الصِّفِّ يؤذي القوم فيكره، إلا أن يكون في حاشية الصَّف فلا يتأذى بحمله أحد.
والرابع: قال الإمام: موضع الخلاف أن يخاف من وضع السلاح وتنحيته خطر على سبيل الاحتمال، فأما إذا كان يتعرض للهلاك ظاهرًا، لو لم يأخذ السلاح فيجب القطع بوجوب الأخذ، وإلا فهو استسلام للكفار، وهذا الشرط قد ذكره في الكتاب، فأوجب الحمل إذا كان في موضع خطر، وخص الخلاف بما إذا ظهرت السَّلامة واحتمل الخطر.
واعلم أن ترجمة المسألة هي حمل السلاح، قال إمام الحرمين: وليس الحمل معينًا لعينه بل لوضع السيف بين يديه، وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد، كان ذلك بمثابة الحمل قطعًا، وأما لفظ السلاح فقد قال القاضي ابن كج: إنه يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها، أما الترس فليس بسلاح، وكذا لو لبس درعًا لم يكن حاملًا سلاح والله أعلم.
ثم في لفظ الكتاب شيئان:
أحدهما: أنه خص الكلام بصلاة ذات الرِّقَاعِ، وصلاة عسفان، وأشعر ذلك بنفي الوجوب في صلاة بطن النخل، لكن معنى الخوف يشملها جميعًا، والجمهور أطلقوا القول في صلاة الخوف إطلاقًا.
والثاني: أنه قال في آخر الفصل: (فيستحب الأخذ وفي الوجوب قولان): وقضية هذا الكلام الجزم بالاستحباب، وقصر الخلاف على الوجوب وإنما يكون كذلك، إن لو اشتمل الوجوب على الاستحباب اشتمال العام على الخاص، وفيه كلام لأهل الأصول، فإن لم يحكم باشتماله عليه فالصائر إلى الوجوب نافٍ للاستحباب فلا يكون الاستحباب إذًا مجزومًا بِهِ.
قال الغزالي: فَرْعٌ: سَهْوُ الطَّائِفَتَيْنِ مَحْمُولٌ فِي وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمُ الإِمَامَ، وسَهْوُ الطَّائِفَةِ الأُولى غَيْرُ مَحْمُولٍ فِي رَكْعَتِهِمُ الثَّانِيَةَ وَذلِكَ لاِنْقِطَاعِهِمْ عَنِ الإمَامِ، وَمَبْدَأُ الانْقِطَاعِ الاعْتِدَالُ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَوْ رَفْعُ الإمَامِ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ الأُولَى فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا
_________________
(١) في "ب": من مباشرة الأرض.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
سَهْوُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي حَمْلِهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُمْ سَيَلْتَحِقُونَ بِالإِمَامِ قَبْلَ السَّلاَمِ، وَهُوَ جَارٍ فِي المَزْحُومِ إِذَا سَهَا وَقْتَ التَّخَلُّفِ، وَفِيمَنْ انْفَرَدَ بِرَكْعَةٍ وَسَهَا ثُمَّ اقْتَدَى فِي الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: أصل الفرع أن سهو المأموم يحمله الإمام، وهذه قاعدة شرحناها في "باب سجود السهو" إذا تذكرت ذلك فنقول: إذا سها بعض المأمومين في صلاة ذات الرقاع على الرواية المختارة فينظر، إن سهت الطائفة الأولى فسهوها في الركعة الأولى محمول؛ لأنها مقتدية بالإمام، وسهوها في الثانية غير محمول؛ لانقطاعها عن الإمام، وما مبدأ الانقطاع؟ فيه وجهان، حكاهما الإمام عن شيخه:
أحدهما: أن مبدأ الانقطاع الاعتدال في الركعة الثانية؛ لأن القوم والإمام جميعًا صائرون إلى القيام، فلا تنقطع القدوة ما لم يعتدلوا قائمين.
والثاني: أن مبدأ الانقطاع رفع الإمام رأسه من السجود الثاني؛ لأن الركعة تنتهي بذلك، فعلى هذا لو رفع الإمام رأسه وهم بعد في السجود، وفرض منهم سهو لم يكن محمولًا، ولك أن تقول: قد نصوا على أنهم ينوون المفارقة عن الإمام، وأنه يجوز ذلك عند رفع الرأس وعند الاعتدال كما سبق، وإذا كان كذلك فلا معنى لفرض الخلاف في أن الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك، فإنه ليس شيئًا يحصل بنفسه، بل هو منوط بنية المفارقة، فوجب قصر النظر على وقتها.
وأما الطائفة الثانية فسهوها في ركعتها الأولى محمول أيضًا؛ لأنها على حقيقة المتابعة، وفي سهوها في الركعة الثانية وجهان:
أحدهما -وينسب إلى ابن خيران وابن سريج-: أنه غير محمول؛ لأنهم منفردون به في الحقيقة.
وأصحهما: أنه محمول؛ لأن حكم القدوة باقٍ بدليل أنهم مقتدون به إذا حصلوا معه في التشهد، وإلا لما كان لانتظاره إياهم معنى، وإذا كان كذلك فلولا استمرار حكم القدوة لاحتاجوا إلى إعادة نية القدوة إذا جلسوا للتشهد، ولا يحتاجون إليها والوجهان جاريان في المزحوم في الجمعة إذا سَهَا في وقت تخلفه، وأجروهما أيضًا فيما كان يصلي منفردًا فَسَهَا في صلاته، ثم اقتدى بإمام وجوزنا ذلك على أحد القولين، واستبعد الإمام إجراء الخلاف في هذه الصورة، وقال: الوجه القطع بأن حكم السّهْوِ لا يرتفع بالقدوة اللاَّحقة، فإن السهو كان أو هو منفرد لا يخطر له أمر القدوة، فلا ينعطف حكمهما على ما تقدَّم من الانفراد، وقوله: (لأنهم سيلحقون بالإمام) يجوز أن يريد به التحاقهم في الصورة مصيرًا إلى أن حكم القدوة مستمر في الحال، ويجوز أن يريد به
[ ٢ / ٣٣٧ ]