كون هذه الزيادة جابرة لها، والمذكور في الكتاب من هذين الوجهين هو الأول، لكن المذهب الثاني بل الجمهور لم يذكروا سواه ولم يتعرض للخلاف إلا الأقلون منهم الحناطِيُّ.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ إِذَا مَلَكَ مَائَتَيْنِ مِنَ الإبِلِ، فإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أَحَدُ السِّنَّيْنِ أَخَذَ مِنْهُ المَوْجُودَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ اشْتَرى (و) مَا شَاءَ مِنَ الحِقَاقِ أَوْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، وَإِنْ وُجِدَا جَمِيعًا وَجَبَ إِخْرَاجُ الأغْبَطِ لِلْمَسَاكِينَ، وَقِيلَ: الخِيَرَةُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الحِقَاقُ فَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي غَيْرَ الأَغبَطِ قَصْدًا عَلَى قَوْلِنَا: يَجِبُ الأَغْبَطُ لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ وَإِنْ أَخَذَ بِاجتِهَادِهِ فَقِيلَ: لاَ يَقَعُ المَوْقِعَ، وَقِيلَ: يَقَعُ المَوْقِعَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَبْرُ التَّفَاوتِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ جَبرُ التَّفَاوتِ بِبَذْلِ الدَّرَاهِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَبْرُةُ بِأنْ يَشْتَرِي بَقِدْرِ التَّفَاوُتِ شِقْصًا إِنْ وَجَدَهُ إِمَّا مِنْ جِنْسِ الأَغْبَطِ عَلَى رَأيٍ أَوْ مِنْ جِنْس المُخْرجِ عَلَى رَأْيٍ.
قال الرافعي: مقصود هذا النظر الكلام فيما إذا بلغت ماشيته حدًّا يخرج فرضه بحسابين كما إذا ملك مائتين من الإبل فهي أربع خمسينات وخمس أربعينات.
وقد روينا في الخبر أنه -ﷺ- قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينِ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ" (١). فما الواجب فيها؟ نص في الجديد على أن الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وفي القديم على أنه يجب أربع حقاق واختلفوا على طريقين:
أحدهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أنَّ الواجب أحد الصّنفين لما ذكرنا أن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيتعلق بها أحد الفرضين.
والثَّاني: أن الواجب الحِقَاق؛ لأن الاعتبار في زكاة الإبل بزيادة السّن ما وجد إليها سبيل، ألا ترى أن الشّرع رقي في نصيبها إلى منتهى الكمال في الأسنان ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة في السن.
والطريق الثاني: القطع بما ذكره في الجديد، وحمل القديم على ما إذا لم يوجد إلا الحقاق، فإن أثبتا القديم وفرعنا عليه نظر إن وجدت الحِقَاق بصفة الإجزاء لم يجز غيرها، وإلاَّ نزل منها إلى بنات اللَّبون أو صعد إلى الجِذَاع مع الجبْرَان، وإن فرعنا على الجَدِيد الصّحيح فللمسالة أحوال، ذكرنا ثلاثًا منها في الكتاب فنشرحها، ثم نذكر غيرها على الاخْتِصار. إحدى الأحوال الثلاث: أن يوجد في المال القدر الواجب من أحد
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٤٨١ ]
الصِّنفين بكماله دون الآخر فيؤخذ ولا يكلف تحصيل الصنف الثاني وإن كان أنفع للمساكين، ولا يجوز النّزول والصّعود عنه مع الجبران ولا فرق بين أن لا يوجد الصنف الآخر أصلًا وبين أن يوجد بعضه والناقص كالمعدوم، ولا يجوز أن يؤخذ الموجود من الناقص، ويعدل بالباقي إلى الصعود والنزول مع الجبران، إذ لا ضرورة إليه، ولو وجد الصنفان لكن أحدهما معيب فهو كالمعدوم.
والحالة الثانية: أن لا يوجد في ماله شيء من الصّنفين، وفي معناه أن يوجد أو هما معيبان، فإن أراد تحصيل أحدهما بشراء وغيره فوجهان:
أحدهما: يجب تحصيل الأغبط كما يجب على الظَّاهر إخراج الأَغْبَط إذا وجد على ما سيأتي:
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب يحصل ما شاء من الحقاق أو بنات اللبون، فإنه إذا اشترى أحد الصّنفين صار واجدًا له دون الآخر فيجزئه، والوجهان كالوجهين فيما إذا ملك خمسًا وعشرين، وليس فيها بنت مَخَاض، ولا ابن لبون، هل يجب تحصيل بنت المَخَاض أم لا؟ يجوز في هذه المسألة أن لا يحصل الحقاق ولا بنات اللبون، ولكن ينزل أو يصعد مع الجبران، وحينئذ إن شاء جعل بنات اللبون أصلًا ونزل منها إلى خمس بنات مَخَاض فأخرجها مع خمس جبراناتا، وإن شاء جعل الحِقَاق أصلًا وصعد منها إلى أربع جِذَاع فأخرجها وأخذ أربعة جبرانات، ولا يجوز أن يجعل الحقاق أصلًا وينزل منها إلى أربع بنات مخاض، مع ثمان جبرانات ولا أن يجعل بنات اللبون أصلًا ويصعد منها إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات لإمكان تقليل الجبْرَان بجعل الجِذَاع بدل الحِقَاق وبنات المخاض بدل بنات اللبون. وحكى الشيخ أبو محمد في "الفروق" وجهًا آخر وهو أنه يجوز النّزول والصّعود فيهما كما لو لزمته حقة فلم يجدها ولا بنت لَبُون في ماله فنزل إلى بنت مخاض فأخرجها مع جبرانين أو لزمته بنت لبون فلم يجدها، ولا حقّة في ماله فيصعد إلى الجذعة فيخرجها ويأخذ جبرانين يجوز والظاهر الأول. والفرق أن في صورتي الاستشهاد لا يتخطّى واجب ماله، وفيما نحن فيه يتخطّى في الصعود، والنزول أحد واجبي ماله.
والحالة الثالثة: أن يوجد الصِّنْفان معًا بصفة الإجْزَاء فقد قال الشّافعي -﵁- نصًا: يأخذ السَّاعي ما هو الأَغْبَط منهما لأهل السَّهْمَيْن؛ لأن كل واحد من الصَّنفين فرض نصابه لو انفرد، فإذا اجتمعا روعي الأصلح للمحتاجين، واحتج له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢١٧.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وعن ابن سريج: أن المالك بالخيار يعطي ما شاء منهما، كما أنه بالخيار في الصعود والنُّزول عند فقد الفرض، وأجاب الأصحاب أن المالك ثَمَّ يسبيل من ترك الصُّعود والنزول معًا، بأن يحصل الفرض، وإنما شرع ذلك تخفيفًا للأمر عليه ففوض إليه وهاهنا خلافه. التفريع إن خيرنا المعطي على رأي ابن سريج فيستحب له مع ذلك أن يعطي الأَغْبط إلا أن يكون وَلِيَّ يتيم فيراعى حظه، وإن فرعنا على النّص وهو ظاهر المذهب فلو أخذ السَّاعي غير الأغبط نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحالة واحدة من غير اجتهاد، ونظر في أن الأغبط ماذا، أو وجد تقصير من المالك بأن دلَّس وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن جهة الزَّكاة، وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع عن جهة الزَّكاة، هذا ما اعتمده الأكثرون منهم صاحب "المهذّب" وهو الظاهر، وزاد في التَّهذيب شيئًا آخر، وهو أن لا يكون باقيًا بعينه في يَدِ السَّاعي، فإن كان باقيًا لم يقع عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما، وهذا قد حكاه الشيخ أبو الفضل بْن عَبْدَان عن ابن خَيْرَان ووراء ما نقلنا من الظَّاهر وجوه أخر:
أحدها: أنه يقع عن الزَّكَاة بكل حال، وإن أخذ من غير اجتهاد حكاه ابن كج وغيره؛ لأنه يجزئ عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع وهذا رجوع إلى رأي ابن سريج.
والثاني: لا يقع عن الزَّكاة بحال؛ لأنه ظهر أنَّ المأخوذ غير المأمور به.
والثالث: إن فرقة على المستحقّين ثم ظهر الحال حسب عن الزَّكاة بكل حال وإلاَّ لم يحسب، والفرق عسر الاسْتِرْجاع.
والرابع: عن أبي الحسين بن القطَّان عن بعض الأصحاب: أنه إن دفع المالك مع العلم بأنه الأدنى لم يجزه، وإن كان السَّاعىِ هو الذي أخذ جازِ، ويقرب عن هذا عد صاحب "التَّهْذيب" مجرَّد علم المالك بحالة تقصيرًا مانعًا من الإجزاء، وإن لم يوجد إخفاء وتدليس. وفي كلام الصيدلاني وغيره ما ينازع فيه إذا أخذه السَّاعي بالاجتهاد، فهذا بيان الاختلافات في هذا الموضع. التَّفْريع حيث قلنا: لا يقع المأخوذ عن الزَّكَاة فعليه إخراج الزكاة، وعلى السَّاعي ردُّ ما أخذه إن كان باقيًا وقيمته إن كان تالفًا، وحيث قلنا: يقع فهل يجب إخراج قدر التَّفاوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستحب ولا يجب؛ لأن المخرج محسوب عن الزكاة فيغني عن غيره كما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة وأخذها لا يجب شيء آخر.
وأصحهما: أنه يجب لنقصان حتى أهل السَّهْمين، قال الأئمة: وإنما يعرف قدر التفاوت بالنَّظَرِ إلى القِيمَة، فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسون وقد أخذ الحقاق فقدر التفاوت خمسون. التّفريع: إن كان قدر التَّفاوت يسيرًا لا يؤخذ به شِقْص من ناقة دفع الدَّراهم للضّرورة. وحكى إمام الحرمين -﵀-
[ ٢ / ٤٨٣ ]
عن صاحب "التقريب" إشارة إلى أنه يتوقف إلى أن يجد شِقْصًا واستبعدها، وإن كان قدرًا يؤخذ به شقص، فهل يجب شراؤه أم يجوز دفع الدراهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن الواجب الإبل والعدول إلى غير جنس الواجب في الزكاة ممتنع على أصلنا.
وأصحهما: أنه يجوز دفع الدَّراهم لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المُشَاركة، وقد يعدل إلى غير جنس الوَاجب لضرورة تعرض أَلاَ ترى أنه لو وجب شاة عليه في خمس من الإبل، ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها، ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثّمن يعدل إلى القيمة على أن الغرض هاهنا جبْرَان الواجب فأشبه دراهم الجبران. التفريع إن قلنا: يجوز دفع الدراهم فلو أخرج بها شِقْصًا، فالظَّاهر جوازه.
قال في "النهاية" وفيه أدنى نظر، لما فيه من العسر على المَسَاكين، وإن قلنا: يجب إخراج شِقْص ينبغي أن يكون ذلك الشّقص من الأَغْبَط، أو من المخرج، فيه وجهان:
أحدهما: من المخرج كيلا تتفرق الصدقة.
وأظهرهما: عند الصّيدلاني وغيره: من الأغبط فإنه الواجب في الأصل، ففي المال الذي سبق ذكره يخرج على الوجه الأول نصف حقة، لأن قيمة كل حقة مائة وقدر التّفاوت خمسون.
وعلى الوجه الثاني: يخرج خمسة أتساع بنت اللبون؛ لأن قيمة كل بنت لَبَون تسعون، فإذا أخرج الشّقص لزمه صرفه إلى السّاعي على قولنا: يجب الصَّرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة، وإذا أخرج الدَّراهم فوجهان:
أحدهما: لا يجب الصَّرف إليه؛ لأنها من الأموال البَاطنة.
والثاني: يجب؛ لأنها جبران المال الظَّاهر (١) هذا تمام السلام في الأحوال المذكورة في الكتاب.
ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض كل واحد من الصّنفين، كما إذا وجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فهو بالخيار بَيْنَ أن يجعل الحِقَاق أصلًا فيعطيها مع بنت لبون وجبران وبين أن يجعل بنات اللبون أصلًا فيعطيها مع حقة ويأخذ جبرانًا، وهل يجوز أن يعطي حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانَات؟ فيه وجهان لبقاء بعض الفرض عنده،
_________________
(١) هذا الثاني أصح.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وكثرة الجبران مع الاستغناء عنه. ويجري الوجهان فيما إذا لم يجد إلا أربع بنات لبون وحقة، فأعطى الحقَّة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ونظائره.
قال صاحب "التهذيب" ويجوز في الصورة الأولى أن يعطي الحقاق مع الجذعة ويأخذ جبرانًا، وأن يعطي بنات اللبون وبنت مخاض مع جبران.
ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض أحد الصنفين، ولا يوجد من الآخر شَيْء، كَمَا إذا لم يجد إلا حِقَّتَيْن فله أن يجعلها أصلًا، ويخرجها مع جذعتين ويأخذ جبرانَيْن، وله أن يجعل بنات اللَّبون أصلًا فيخرج بدلها خمس بنات مَخَاض مع خمس جبرانات، ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون فله أن يخرجها مع بنتي مخاض وجبرانين وله أن يجعل الحقاق أصلًا فيخرج أربع جذاع بدلها ويأخذ أربع جبرانات.
هكذا ذكر الصورتين في "التهذيب" ولم يحك خلافًا أصلًا، وقياس الوجهين المذكورين في الحالة السّابقة على هذه يقتضي طرد الخلاف في جعل بنات اللَّبون أصلًا في الصورة الأولى، وجعل الحقاق أصلًا في الصورة الثانية لبقاء بعض الفروض عنده وكثرة الجبران، فإن كان هذا جوابًا على الظاهر، فالظاهر ثم أيضًا الجواز.
واعلم: أنه إذا بلغت البقر مائة وعشرين كان حكمها حكم بلوغ الإبل مائتين، فإنها ثلاث أربعينات وأربع ثلاثينات، والواجب فيها ثلاث مسنّات، أو أربع أَتْبِعة، ويعود فيها الخلاف والتَّفاريع التي ذكرناها، ولهذا قلنا: إن السلام في النظر الثالث لا يختص بزكاة الإبل، وأعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب ونظمه.
أما قوله: "إذا ملك مائتين من الإبل، فإن كان في ماله أحد السّنين" ففيه شيء مدرج تقديره إذا ملك مائتين من الإبل فعليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فإن كان في ماله هذا، أو ما أشبهه.
وقوله: "وجب إخراج الأغبط للمساكين"، لفظ المساكين في هذا الموضع وأمثاله لا يعني به الَّذين هم أحد الأَصناف الثَّانية خاصة، بل أهل السَّهمان كلعهم لكن المساكين والفقراء أشهر الأصناف فيسبق اللِّسان إلى ذكرهم. وقوله: "وقيل: الخيرة إليه" هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج. وقوله: "وقيل: تتعين الحقاق" هو القول المنقول عن القديم، لكن إيراده في الموضع المذكور في الكتاب يقتضي اختصاصه بما إذا وجد الصّنفان جميعًا في ماله، وهكذا زعم القَاضِي ابن كج، لكن الشيخ أبو حامد وعامة من نقل ذلك القول أثبته عند بلوغ الإبل مائتين على الإطلاق وتفريعه ما قدمناه.
وقوله: فيما إذا أخذ غير الأغبط قصدًا "لم يقع الموقع" معلم بالواو؛ لأنه لم يَحْكِ الخلاف إلا فيما أخذه بالاجتهاد، وقد حكينا وجهًا أنه يقع الموقع وإن أخذه من
[ ٢ / ٤٨٥ ]
غير الاجتهاد. وقوله: "قيل: لا يقع الموقع" "وقيل: يقع الموقع" ليس المراد منه السلام في كونه مجزئًا، إذ لو كان كذلك لما انتظم التفريع على وجه وقوع الموقع بأنه هل يلزم جبر التفاوت أم لا؟ وإنما المراد من وقوعه الموقع كونه محسوبًا عن الزّكاة.
وقوله: "وقيل: عليه جبر التفاوت ببذل الدراهم" يشبه أن تكون الدراهم في كلام الأصحاب ليست معينة في هذا الفصل بعينها بل المعتبر نقد البلد، وهذه العبارة هي التي أوردها الشيخ إبراهيم المروزيّ فيما علق عنه (١).
وقوله: "إمَّا من جنس الأَغْبط على رأي أو من جنس المخرج على رأي" يجوز أن يعلّم بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى عن إشارة بعض المصنفين وجهًا ثالثًا، ومال إليه وهو أنه يتخير بين الصنفين بعد حصول الجبران، ولا يتعين هذا ولا ذاك.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ حَقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفاَ لَمْ يَجُزْ للتَّشْقِيصِ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعمائَةٌ فَأَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: مالك المائتين من الإبل لو أخرج حقَّتَيْن وبنتي لَبُون ونصفًا لم يجز؛ لأن التَّشْقيص نقصان وعيب، ولو ملك أربعمائة من الإبل فعليه ثمان حِقَاق أو عشر بنات لبون؛ لأنها ثمان خمسينات وعشر أربعينات، ويعود فيها جميع ما في المائتين من الخلاف والتفريع. ولو أخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون، ففي جوازه وجهان:
قال الإصطخري: لا يجوز؛ لأنه تفريق الفريضة كما في المائتين وتمسك بنصه في "المختصر"، ولا يفرق الفريضة.
والأصح وبه قال الجمهور: يجوز؛ فإن كل مائتين أصل علي الانفراد، فيجوز إخراج فرض من إحداهما وفرض من الأخرى، كما يجوز في إحدى الكَفَّارتين الإطعام وفي الأخرى الكسوة، وكما يجوز في أحد الجبرانين الشِّياه وفي الآخر الدراهم، بخلاف ما إذا لم يملك إلا مائتين، فإن التَّفْريق فيها كالتفريق في الجبران الواحد، والكفَّارة الواحدة على أنه ليس المانع في المائتين مجرد التَّفريق، أَلاَ تَرَى أَنَّه لو أخرج حِقَّتَيْن وثلاث بنات لَبُون يجوز، قاله صاحب "التهذيب" وكذا لو أخرج أربع بنات لبون وحقة بدل بنت لبون يجوز، وإنما المانع من المائتين التَّشقيص، ولا تشقيص هاهنا.
_________________
(١) قال في المهمات وصرح به القاضي أبو الطيب وحسين وإمام الحرمين الماوردي والروياني ومرادهم نقد البلد قطعًا، وصرح به جماعة، منهم القاضي حسين وغيره، وعليه يحمل قرل صاحب "الحاوي" وإمام الحرمين وغيرهما: دراهم أو دنانير. يعنيان أيهما كان نقد البلد.
[ ٢ / ٤٨٦ ]