قال الغزالي: (وَالنَّظَرُ فِي شُرُوطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ)، وَلَهُ شَرْطَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَلْبَسَ الخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ كَامِلَةٍ قَوِيَّةٍ، فَلَوْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَمْ يَصِحَّ لُبْسُهُ حَتَّى يَغْسِلَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَبْتَدِئَ اللُّبْسَ، وَكَذَا لَو صَبَّ المَاءَ فِي الخُفِّ (ح) بَعْدَ لُبْسِهِ عَلَى الحَدَثِ،
_________________
(١) قال النووي: ولو لم يجد المريض من يجوله للقبلة، لزمه الصلاة بحسب حاله، وتجب الإعادة على المذهب، قال الروياني: وقيل قولان وهو شاذ قال إمام الحرمين وغيره: ثم ما حكمنا من الأعذار: بأنه دائم، وأسقطنا به الفرض فزال بسرعة فهو كدائم، وما حكمنا بأنه لا يدوم فدام، فله حكم ما لم يدوم إلحاقًا لشاذ الجنس بالجنس، ثم كل صلاة أوجبناها في الوقت وأوجبنا إعادتها، فهل الفرض الأولى أم الثانية، أم كلاهما، أم إحداهما لا بعينها؟ فيه أربعة أقوال أظهرها: عند الجمهور: الثانية، وعند القفال والفوراني وابن الصباغ: كلاهما وهو أفقه، فإنه مكلف بهما -وهذه مسائل منثورة لا يستحب (فيها) تجديد التيمم على المذهب- وبه قطع الجمهور، وفي المستظهري وجهان، ويتصور في مريض وجريح ونحوهما ممن تيمم مع وجود الماء، إذا تيمم وصلى فرضأ ثم أراد نفلًا، ويتصور في متيمم لعدم الماء إذا صلى فرضًا ولم يفارق موضعه، ولم نوجب طلبًا لتحققه لعدم أو لم نوجبه ثانيًا، وحكم اليد المقطوعة كهو في الوضوء، حتى إذا لم يبق شيء من محل الفرض استحب مسح العضد، قال الدارمي: وإذا لم يكن مرفق استطهر حتى يعلم، ولو وجد المسافر على الطريق خابية ماء مسبلة تيمم، ولا يجوز الوضوء منها؛ لأنها إنما توضع للشرب، ذكره المتولي ونقله الروياني عن الأصحاب، ولو منع الوضوء إلا منكوسًا فهل له الاقتصار على التيمم، أم عليه غسل الوجه لتمكنه منه؟ فيه القولان فيمن وجد بعض ما يكفيه، حكاه الروياني عن والده قال: ولا يلزمه قضاء الصلاة إذا امتثل المأمور على القولين، وفي القضاء نظر لندوره، لكن الراجح ما ذكره لأنه في معنى من غصب ماؤه ولا قضاء، قال: "صاحب الحاوي" و"البحر": لو مات رجل معه ماء لنفسه لا يكفيه لبدنه، فإن أوجبنا استعمال الناقص، لزم رفقته غسله به، وإلا يمموه، فإن غسلوه به، ضمنوا قيمته لوارثه، ولو تيمم لمرض فبرأ في أثناء الصلاة، فكرؤية الماء في صلاة المسافر، ولو تيمم عن جنابة أو حيض ثم أحدث، حرم ما يحرم على محدث، ولا يحرم قراءة القرآن واللبث في المسجد، ولو تيمم جنب فرأى ماء، حرمت القراءة، وكل ما كان حرامًا حتى يغتسل، قال الجرجاني: ليس أحد يصح إحرامه بصلاة فرض دون نفل، إلا من عدم ماء وترابًا، أو ستره طاهرة، أو كان على بدنه نجاسة، عجز عن إزالتها -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
[ ١ / ٢٦٩ ]
قال الرافعي: عن أبي بكرة أَنَّ رسول الله -ﷺ- رخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْهِ أن يمسح عليهما (١).
وعن صفوان بن عَسَّال قال: أمرنا رسول الله -ﷺ- إذا كنا مسافرين أو سفرًا، ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جَنَابَةٍ لكن من غَائِطٍ أو بَوْلٍ أو نَوْمٍ (٢)، والأحاديث في باب المسح كثيرة، ومن شرط المسح على الخفِّ أن يلبسه، وهو متطهِّر، وعند أبي حنيفة لا يشترط تقديم الطَّهَارة على اللّبس، وإنما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة.
لنا حديث أبي بكرة، وعن المغيرة بن شعبة قال: "سَكَبْتُ الوضوء لرسول الله -ﷺ- فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال: دع الخُفَّيْنِ، فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" (٣)، علل جواز المسح بطهارتهما عند اللّبس، وإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء طاهرة؛ لأن التَّرتيب واجب، وغسل الرجل آخر الأركان، ويترتب على هذا الأصل، ما لو غسل إحدى الرجلين، وأدخلها الخُفَّ، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخف، لم يجز المسح عليهما، إذا أحدث؛ لأن أول اللبس تقدم على تمام الطَّهَارة، وإذا كانت الطّهارة شرطًا للبس، يجب تقدمها بكمالها على اللبس، كلما يشترط تقدمها على الصلاة، فلو نزع ما لبسه أولًا، وأعاد اللّبس، وهو على طهارته جاز المسح إذا أحدث لكمال الطهارة حين اللبس المعاد، والآخر ملبوس على كمال الطَّهارة، فقد تحقَّق الشَّرْط فيهما جميعًا.
وعن ابن سريج أنه إذا نزع الأول، وجب نزع الثاني أيضًا، ويستأنف لبسهما ليجوز له المسح؛ لأن حكم كل واحد منهما مرتبط بالآخر، أَلاَ ترى أن نزع أحدهما بعد الحدث يوجب نزع الثاني، ولو لبس الخُفَّين قبل أن يغسل رجليه، ثم صبّ فيهما الماء حتى انغسلتا، لم يجز له المسح، وإن تم وضوءه بما فعل؛ لأنه لبسهما قبل كمال الطَّهارة فإن نزعهما ثم لبسهما فله المسح، إذا أحدث، وعند أبي حنيفة، والمزني له المسح في الصورتين، ولا حاجة إلى النَّزْع.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مختصر المزني (٩) وابن ماجة (٥٥٦) وابن خزيمة (١٩٢) والدارقطني (١/ ١٩٤) (١) والبيهقى في السنن (١/ ٢٧٦) قال الحافظ صححه الخطابي، ونقل البيهقي أن الشافعي صححه في سنن حرملة انظر التلخيص (١/ ١٥٧).
(٢) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٣٤ - ٣٥) وأحمد في المسند (٤/ ٢٢٩) والترمذي (٩٦) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن (١/ ٨٤) وابن ماجة (٤٧٨) والدارقطني (١/ ١٩٧) (١٥) وابن خزيمة، وابن حبان (١٩٦) قال ابن الملقن: قال البخاري: إنه أصح حديث في التوقيت، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والخطابي. انظر الخلاصة (١/ ٧٣).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٠٣ - ٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).
[ ١ / ٢٧٠ ]
واعلم أنَّ الاعتبار فيما ذكرنا بحالة استقرار القَدَمَيْنِ في مقرّهما من الخُف، حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما، وغسلهما في الساق، ثم أدخلهما موضع القدم جاز له المسح؛ لأنه حين استقرتا في مقرّهما على كمال الطهارة، ولو ابتدأ اللّبس، وهو متطهر، ثم أحدث قبل أن وصلت الرجل إلى قدم الخف، لم يَجُزِ المسح، نص عليه في الأم، وذكر فيه أنه إذا مسح على الخُفَّيْنِ بشرطه، ثم أزال قدمه من مقرها، ولم يظهر من محل الفرض شيء، فلا يبطل المسح، وقياس الأول أن يبطل، لكن الفرق إن الأصل عدم المسح، فلا يباح إلا باللّبس التَّام، وإذا مسح فالأصل استمرار الجواز، ولا يبطل إلا بالنَّزع التام.
ونقل القاضي أبو حامد، أنه يبطل المسح في الصورة الثانية، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، كما أنه في الابتداء لا يمسح، وفي الصورة الأولى إيضاحه، أنه يجوز المسح إذا ابتدأ اللبس على طهارة، ثم أحدث قبل أن تستقر الرجلان في موضعهما.
وفرض القاضي حسين المسألة، فيما إذا أحدث وقد أدخل بعض قدمه في مقرها، والباقي في ساق الخف. وقال: اختلفوا في صورتي الابتداء والانتهاء، في أن حكم البعض هل هو حكم الكل أم لا. وقوله في الكتاب: "على طهارة تامة قوية" لفظ التامة معلم بالحاء والزاي، لما حكيناه، واحترز به عما إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم الثانية، وأدخلها الخُفِّ، وعما إذا لبسهما ثم صب الماء في الخف حتى انغسلتا ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى قيد التمام، لأن من لم يغسل رجليه، أو إحداهما ينتظم أن يقال: إنه ليس على الطَّهارة، وأما قيد "القوة" فالغرض منه الاحتراز عن طهارة المستحاضة، وما في معناها.
قال الغزالي: وَالْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا لَبِسَتْ عَلَى وُضُوئِهَا لَمْ تَمْسَحْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ طَهَارَتِهَا، وَوُضُوءُ المَجْرُوحِ إِذَا تَيَمَّمِ لِأَجْلِ الجِرَاحَةِ كَوُضُوءِ المُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا فَلاَ تَسْتَفِيدُ بِطَهَارَةِ المَسْحِ إلاَّ مَا كانَ يَحِلُّ لَهَا لَوْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا الأُوْلَى، وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ وَنَوَافِلُ.
قال الرافعي: إذا توضَّأَتِ المُسْتَحَاضة، ولبست الخفين، ثم أحدثت حدثًا غير حدث الاستحاضة، فهل لها أن تمسح على الخف؟ فيه وجهان، نسبهما الشيخ أبو علي إلى تخريج ابن سريج:
أحدهما: لا، لأن وضوءها ضعيف ناقص (١)، وإنما يجوز المسح بعد طهارة
_________________
(١) في ط طهارتهما ضعيفة ناقصة.
[ ١ / ٢٧١ ]
قوية؛ لأنه ضعيف، فلا يحتمل انضمام ضعف إلى ضعف.
وأصحهما: الجواز، ويروى أن أبا بكر الفارسي حكاه عن نص الشافعي -﵁- في عيون المسائل، ووجهه أنها تحتاج إلى اللبس والارتفاق (١) به كغيرها، وأيضًا فإنها تستفيد الصَّلاة بطهارتها، وتستفيد المسح أيضًا، وموضع الوجهين ما إذا لم يقطع دمها قبل أن تمسح، فأما إذا انقطع دمها قبل المَسْحِ، وشفيت نزعت، وأَتَتْ بطهارة كاملة بلا خلاف؛ لأن الطهارة التي ترتب المسح عليها قد زالت بالشّفاء الطارئ، فيمتنح ترتيب المسح عليها، وطرد بعضهم الوجهين هاهنا أيضًا، وجعل انقطاع دمها بمثابة الحدث الطارئ، والمشهور الأول، ثم إذا جوزنا المسح، نظر إن أحدثت قبل أن تصلّي فريضة بطهارتها، مسحت وصلت فريضة، ونوافل، وإن أحدثت بعد ما صلّت فريضة مسحت، ولم تصل به إلاّ النوافل، لأن ما تستفيد بطهارتها فريضة ونوافل، فلا تستفيد بالمسح المترتِّب عليها أكثر من ذلك، ولا يجوز لها استيفاء مدة المسح، بل إذا مسحت وصلت فريضة ونوافل، أو نوافل على اختلاف الحالتين، ثم أرادت قضاء فائته، أو دخل وقت فريضة أخرى، وجب نزع الخف، والوضوء الكامل لتلك الفريضة، وكذلك لو أحدثت حدثًا غير حدث الاستِحَاضة بعد أَنْ صلَّت فريضة ونوافل بالمسح. وحكى عن تعليق أبي حامد أن لها أن تستوفي مدة المسح، إما يومًا وليلة، وإما ثلاثة أيام ولياليهن، لكن عند كل صلاة فريضة تعيد الطَّهَارة، وتمسح على الخف. وقال إمام الحرمين في كلامه إلى هذا من جهة المعنى، وقطع بنفيه نقلًا، وفي معنى طهارة المستحاضة، طهارة سلس البول، وكل من به حدث دائم، وكذلك الوضوء المضموم إليه التَّيمم بسبب جراحة، أو انكسار، فيجري فيها الخلاف المذكور في المستحاضة بالاتفاق (٢)، وإما محض التَّيمم، فهل يستفاد به جواز المسح؟ ننظر إن كان سببه إعْوَاز الماء [فلا، بل إذا وجد الماء] (٣) لزمه النزع والوضوء الكامل.
وعن ابن سريج أنه يجوز المسح لفريضة ونوافل، كما ذكرنا في المُسْتَحَاضَة؛ لأن التيمم يبيح الصَّلاة أيضًا فيبيح المسح.
والصحيح: الأول بخلاف طهارة المُسْتَحَاضة؛ لأن التَّيمم طهارة تفيد وتبيح عند الضرورة، ولا ضرورة بعد وِجْدان الماء، فلا سبيل إلى ترتيب المسح عليه، وطهارة المستحاضة لا تتأثر بوجدان الماء، كطهارة غيرها، وإن كان سبب التّيمم شيئًا آخر سوى إعواز الماء، فهو كطهارة المُسْتَحَاضة في جواز ترتيب المسح عليه، فإنه لا يتأثَّر بوجدان
_________________
(١) في (ب): الارتفاق.
(٢) في أبلا فرق.
(٣) سقط في (ب).
[ ١ / ٢٧٢ ]
الماء، لكنه ضعيف لا يرفع الحدث كطهارتها، ولا يخفى بعد هذا الشَّرْحِ معنى قوله: "إن جوزنا فلا تستفيد بالمسح إلا ما كان يحل لها" إلى آخره، لكن ظاهر لفظه لا يتناول إلا ما إذا أحدثت قبل أن تُصلِّي الفريضة بطهارتها، فإنها حينئذ تَحِلُّ لها فريضة ونوافل، لو بقيت طهارتها الأولى، أما إذا أحدثت بعد أن تصلي الفريضة، فلا يحل لها، لو بقيت تلك الطهارة إلا النّوافل، والوافي بحكم الحَالَتَيْنِ على النظم الذي ذكره أن يقال في آخره، وهو فريضة واحدة، ونوافل أو نوافل.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ المَلْبُوسُ سَاِترًا قَوِيًّا حَلاَلًا فَإِنْ تَخَرَّقَ أَوْ كَانَ دُونَ الكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ سَاتِرًا وَالمَشْقُوقُ القَدَمِ الَّذِي يُشَدُّ مَحَلُّ الشَّقِّ مِنْهُ بِشَرَجٍ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالقَوِيُّ مَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ فِي المَنَازِل، لاَ كَالجَوْرَبِ وَاللِّفَافِ وَجَوْرَبِ الصُّوفِيَّةِ، وَالمَغضُوبُ (و) لاَ يَجُوزُ الَمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ المَسْحَ لِحَاجَةِ الاسْتِدَامَةِ وَهُوَ مَأمُورٌ بِالنَّزْعِ.
قال الرافعي: اعتبر في الملبوس ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون ساترًا لمحل فَرْضِ الغسل من الرِّجْلَيْنِ، فلو كان دون الكعبين لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن فرض الظاهر الغسل، وفرض المستور المسح، ولا صائر إلى الجمع بينهما، فيغلب حكم الغسل، فإنه الأصل، ولهذا لو لبس أحد الخُفَّيْنِ لم يَجُزِ المسح له، ولو كان الخُفُّ مُتَخَرِّقًا. ففيه قولان:
القديمِ وبه قال مالك: إنه يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش الخرق، لأنه مما يغلب في الأسْفَارِ، حيث يتعذَّر الإصلاح، والخرز فالقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يسامح، وعلى هذا فما حد الفاحش منه.
قال الأكثرون: ما دام يتماسك في الرجل، ويتأتى المشي عليه، فهو ليس بفاحش، وقال في "الإفصاح": حده ألا يبطل اسم الخُفِّ، والقول الجديد: أنه لا يجوز المسح عليه قليلًا كان التَخَرُّق، أو كثيرًا، لأن بعض محل الفرض غير مستور، ومواضع الخرز التي تَنْسَدُّ بالخيوط أو ينضم لا عبرة بها، فإن لم تكن كذلك، وظهر منها شيء لم يَجُزِ المسح أيضًا، ولو تخرقت الظّهارة (١) وحدها، أو البِطَانَة وحدها جاز المسح؛ إن كان ما بقي صَفِيقًا، وإلا فلا يجوز في أظهر الوجهين، وعلى هذا يقاس ما إذا تخرَّقَ من الظّهارة موضع، ومن البطانة موضع لا يحاذيه، والخف المشقوق القدم إذا شد منه محل الشق بالشَّرج إن كان يظهر منه شيء، مع الشد فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يظهر منه شيء فَوَجْهَان:
_________________
(١) الظهارة بالكسر ما يظهر للعين، وهي خلاف البطانة، انظر المصباح المنير (٢/ ٥٣٠).
[ ١ / ٢٧٣ ]
أحدهما: لا يجوز أيضًا، كما لو لف قطعة أدم على القدم وشَدَّها، لا يجوز المسح عليها.
وأظهرهما: ونقله الشيخ أبو محمد عن نصّه، أنه يجوز لحصول الستر به، وارتفاق المشي فيه، فلو فتح الشرج بطل المسح، وإن لم يظهر شيء؛ لأنه إذا مشى فيه ظهر. وليكن قوله في الكتاب: "فلو تخرّق" معلمًا بالواو والميم، لما ذكرنا، وبالحاء أيضًا؛ لأن عند أبي حنيفة إن كان الخرق بحيث يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل، لم يَجُزِ المسح عليه، وإن كان أقل جاز.
الثاني: أن يكون قويًا، والمراد منه كونه بحيث يمكن متابعة المشي عليه، لا فرسخًا ولا مرحلة؛ بل قدر ما يحتاج المسافر إليه من التردّد في حَوَائِجِهِ، عند الحطّ والتّرحال، فلا يجوز المسح على اللَّفائف، والجَوَارب المُتَّخذة من الصُّوف، واللّبد (١)؛ لأنه لا يمكن المشي عليها، ويسهل نزعها، ولبسها بلا حاجة إلى إدامتها في الرّجل؛ ولأنها لا تمنع نفوذ الماء إلى الرجل، ولا بُدَّ من شيء مانع على الأصح، كما سيأتي، وكذلك الجوارب المُتَّخذة من الجلد التي تلبس مع الكعب، وهي جورب الصُّوفية، لا يجوز المسح عليها، حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها، وتمنع نفوذ الماء، إن اعتبرنا ذلك، إما لصفاقتها، أو لتجليد القدمين، والنعل على الأسفل أو الإلصاق بالكعب، وحكى بعضهم أنها وإن كانت صفيقة ففي اشتراط تجليد القدمين قولان:
وعند أبي حنيفة لا يجوز المسح على الجوربين، وإن كانا صفيقين حتى يكونا مجلدين أو منعلين وخالفه صاحباه فهذا إذا تَعَذَّر المَشْيُ فيه لضعف الملبوس في نفسه.
ولو تعذر المشي فيه لِسِعَتِهِ المُفرطة أو لثقله أو لِضِيْقِه ففي جواز المسح عليه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه في نفسه صالح للمشي عليه ألا ترى أنه لو لبسه غيره لارتفق به.
وأصحهما: لا يجوز، لأنه لا حاجة له في إِدَامَةِ مثل هذا الخف في الرِّجل ولا فائدة له فيه، ولو تعذَّر المشي فيه لثقله أو غلظه كما إذا اتخذ خفًا من خَشَبٍ أو حديد وهو بحيث لا يمكن المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه، كما لو تعذَّر المشي فيه لضعفه وكذلك لو كان المتخذ من الخشب محدد الرأس لا يثبت مستقرًا على الأرض ولو كان المتخذ من الخشب والحديد لطيفًا يتأتى المشي فيه جاز المسح عليه.
_________________
(١) اللبد هو ما يتلبد من شعر أو صوف، انظر المصباح المنير (٢/ ٧٥١).
[ ١ / ٢٧٤ ]
هذا قضية ما ذكره الجمهور تصريحًا وتلويحًا.
وذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط": أنه يجوز المسح على الخف من الحديد وإن عسر المشي فيه، فإن ذلك ليس لضعف الملبوس وإنما هو لضعف اللابس ولا نظر إلى أحوال اللابسين فإنه لا ينضبط.
الثالث: أن يكون حلالًا فالخف المغصوب والمسروق في جواز المسح عليه وجهان:
قال صاحب "التلخيص": لا يجوز، لأن المسح عليه لحاجة الاستدامة وهو مأمور بالنزع والرَّفْض ولأن لبسه معصية والمسح رخصة والرُّخْصُ لا تُنَاطُ بالمعاصي.
وقال أبو علي الطبري: والأكثرون يجوز كالوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب. ولو اتخذ من الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ خفًّا فجواز المسح عليه على أحد (١) الوجهين، وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر بالمنع جزمًا والأول أقرب ولعلك تقول أول كلام صاحب الكتاب يقتضي اشتراط الحل جزمًا حيث. قال: الشرط الثاني أن يكون الملبوس ساترًا قويًا حلالًا وبالآخرة (٢) ذكر وجهين في المسح على الخُفّ المغصوب ثم الأظهر منهما في المذهب جواز المسح عليه فينحذف القيد الثالث عن درجة الاعتبار ولا يلائم آخر الكلام أوله، فاعلم أن الضَّوابط في المَذْهَب تذكر كالتَّرَاجم لما قيل باعتباره وفاقًا أو خلاقًا، والاعتماد على ما يذكر من التفصيل آخرًا وكثيرًا ما ينحذف بعض القيود على الأظهر إلا أنه يذكر لمعرفة الخلاف، لكن هاهنا صورة أخرى تقتضي التَّعرض لهذا القيد واعتباره، وإن جوَّزنا المسح على الخف المغصوب والمسروق وهي ما إذا اتَّخذ خُفًّا من جلد الكَلْبِ أو جلد الميتة قبل الدِّبَاغ فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره على أصح القولين، وقد نص في الأمِّ على أنه لا يجوز المسح عليه، لأنه لا يمكن الصَّلاَة فيه، وفائدة المسح وإن لم تنحصر في الصَّلاَة إلا أن المقصود الأصلي الصَّلاة وما عداها فالتَّابع لها وأيضًا فإن الخُفَّ بدل عن الرجل ولو كانت الرجل نجسة لم تغسل عن الوضوء ما لم تطهر عن النجاسة فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين ولا يعود الخلاف في هذه الصورة.
واعلم أنه يعتبر في الملبوس وراء الصفات الثلاث المذكورة في الكتاب صفات أخر:
إحداها: أَنْ لا يتعذَّر المشي عليه بسبب السّعة المفرطة أو الضّيق المفرط أو بسبب الثقل أو الاحتداد كما سبق.
_________________
(١) سقط في (ط).
(٢) في (ط): ولأخرة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
والثانية: ذكر الشَّيخ أبو محمد أنه ينبغي أن يقع عليه اسم الخف حتى لو لف على قدمه قطعة أدم وشده بالرباط لم يجز المسح عليه؛ لأن اللَّف لا يقوى، ولا يتأتَّى التردُّد ومتابعة المشي عليه فإن فُرِضَ ربط قوى فمثل ذلك يعسر إزالته وإعادته على هيئته مع استيفاز المسافر فلا يحصل الارْتِفَاق المقصود بالمسح، فيتبع مورد النّص وهو الخُفّ.
الثالثة: أن يمنع نَشَفُ الماء ووصوله إلى الرّجل فلو لم يمنع الخف المَنْسُوخ والذي لا صَفَاقَة له فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، لأن الغالب من الخِفاف أن تمنع النّفوذ فينصرف إليها نصوص المسح ويبقى الغسل واجبًا فيما عداها.
والثاني: يجوز كما لو تخرَّقت ظهارة الخف وبطانته من موضعين غير متوازيين يجوز المسح عليه مع نفوذ الماء واختار إمام الحرمين هذا الوجه وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط" ولذلك حذف هذا الشرط من أصله هاهنا لكن ظاهر المذهب الأول (١).
قال الغزالي: فَرْعٌ الْجُرْمُوقُ الضَّعِيفُ فَوْقَ الخُفِّ لاَ يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا لَمْ يَجُزِ (م ح) المَسْحُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْجَدِيد بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُدخِلَ اليَدَ بَيْنَهُمَا فَيَمْسَحَ عَلَى الأسْفَلِ.
قال الرافعي: الجُرْمُوق هو الذي يلبس فوق الخف وإنما يلبس غالبًا لشدّة البرد فإذا لبس جرموقين فوق الخُفَّين أو خفين فوق الخفين (٢) فلا يخلو من أربع أحوال:
إحداها: أن يكون الأسفل بحيث لا يمسح عليه [لضعف أو تخرق والأعلى بحيث يمرح عليه] (٣) فالمسح على الأعلى والأسفل والحالة هذه كالجَوْرَبِ واللّفافة.
والثانية: أن يكون الأمر بالعكس من ذلك فيمسح على الأسفل القوي وما فوقه كخرقة تُلَفُّ على الخف فلو مسح على الأعلى فوصل البلل إلى الأسفل فإن قصد المسح على الأسفل جاز وكذا لو قصد المسح عليهما جاز، وبلغوا قصد المسح على الأعلى. وفيه وجه أنه إذا قصدهما لم يعتد بالمسح، وإن قصد المسح على الأعلى الضَّعيف لم يجزه، وإن لم يقصد شيئًا بل كان على نِيَّته الأولى وقصد المسح في الجملة ففيه وجهان:
أظهرهما: الجواز؛ لأنه قصد إسقاط فرض الرجل بالمسح، وقد وصل الماء إليه فكفى.
_________________
(١) قال النووي: ولو ليس واسع الرأس يرى من رأسه القدم، جاز المسح عليه على الصيح، ويجوز على خف زجاج قطعًا، إذا أمكن متابعة المشي عليه -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٤٠).
(٢) في أالجرموفين.
(٣) سقط في (ط).
[ ١ / ٢٧٦ ]
الحالة الثالثة: ألا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه فلا يخفى تعذر المسح.
الرابعة: أن يكون كل واحد منهما بحيث يمسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان:
قال: في "القديم" و"الإملاء" يجوز وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني؛ لأن المسح على الخُفِّ جوز رفقًا وتخفيفًا، وهذا المعنى موجود في الجرموق فإن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه عند كل وضوء. وقال في الجديد: لا يجوز (١) وهو أشهر الروايتين عن مالك؛ لأن الأصل غسل الرّجلين والمسح رخصة وردت في الخُفِّ والحاجة إلى لبسه أهم وأعم فلا يلحق به الجرموق، فإن فرعنا على القديم وجوزنا المسح على الجرموق فكيف السبيل في ذلك: ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان:
أظهرها: أن الجُرْمُوق بدل عن الخف والخف بدل عن الرجل؛ لأنه يستر الخف ستر الخف للرجل ويشق نزعه كما يشق نزع الخف فأقيم مقامه.
وثانيها: أن الأسفل كاللفافة والخف هو الأعلى. لأنا إذا جوزنا المسح عليه فقد جعلناه أصلًا في رخصة المسح.
وثالثها: أن الأعلى والأسفل معًا بمثابة خف واحد فالأعلى كالظّهارة والأسفل كالبطانة ويتفرع على هذه المعاني مسائل.
منها: لو لبسهما جميعًا وهو على كمال الطَّهارة، له أن يمسح على الأعلى على هذا القول، وهل له أن يمسح على الأسفل (٢) بأن يخل اليد بينهما؟ فيه وجهان:
إن قلنا: الأعلى بدل الأسفل، يجوز، كما لو غسل الرجل في الخف، وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، أو هما كطاقتي خف واحد، فلا. ومنها: لو لبس الأسفل على كمال الطّهارة، ولبس الأغلى على الحدث، ففي جواز المسح على الأعلى وجهان:
إن قلنا: بالمعنى الأول، أو الثاني، فلا، يجوز؛ لأنه مقصود بالمسح، وقد لبسه محدثًا، فلا يمسح عليه كالخف الواحد. وإن قلنا: بالمعنى الثَّالث، فيجوز، كما لو لبس الخف على الطهارة، ثم أحدث وألصق به طاقة أخرى.
وفي المسألة طريقة أخرى: أنه لا يجوز المسح عليه جزمًا، ولو لبس الأسفل كذلك وأحدث ومسح عليه، ثم لبس الجُرْمُوق، فهل يمسح عليه؟ منهم من بناه على
_________________
(١) قال النووي: الأظهر عند الجمهور الجديد، وصحح القاضي أبو الطيب في شرح "الفروع" القديم -والله أعلم- ينظر الروضة (١/ ٢٤٠).
(٢) في (ط): على الأقل.
[ ١ / ٢٧٧ ]
المعاني. إن قلنا: الجرموق بدل الخف، أو قلنا: إنه كالظهارة، فيجوز. وإن قلنا: إنه الخف، والأسفل كاللفافة فلا. وقيل: يبنى الجواز على هذا المعنى الثالث، على أن المسح على الخُفِّ هل يَرفع الحدث أم لا؟. إن قلنا: يرفع، فيجوز، وإلا فلا؛ لأنه لم يلبس على طهارة قوية. ومنهم من بني المسألة على هذا الأصل، وقطع النظر عن المعاني الثلاثة، وإذا جوزنا المسح في هذه المسألة على الأعلى، فقد ذكر الشيخ أبو علي: أن ابتداء المدة يكون من حين أحدث أول ما لبس، لا من وقت الحدث بعد لبس الجُرْموقين، لأن كله كاللبس الواحد، يبنى البعض على البعض، وفي جواز المسح على الأسفل الخلاف الذي سبق. ومنها: لو لبس الأسفل على الحدث، وغسله فيه، ثم لبس الأعلى وهو على طهارة كاملة، فلا يجوز المسح على الأسفل لا محالة، وهل يجوز على الأعلى؟ يبنى على المعاني. إن قلنا: الأعلى بدل البدل، فلا يجوز؛ لأن الأسفل ليس ممسوحًا عليه، إذا كان ملبوسًا على الحدث فلا يصلح للبدلية، وإن قلنا: إنهما كالظهارة والبطانة فكذلك لا يجوز، كما إذا لبس الخف [على الحدث] (١) ثم ألصق به طاقة أخرى، وهو متطهِّر، وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة، فله المسح على الأعلى. ومنها: لو تخرق الأعلى من الرجلين جميعًا، أو نزعهما بعد ما مسح عليه، وبقي الأسفل بحاله. فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، لم يجب نزع الأسفل؛ لأنَّ حكم الأصل لا يبطل بسقوط البدل؛ لكن لا بد من المَسْحِ على الخفين، كما إذا نزع الخف لا بد من غسل الرجلين، وهل يكفيه ذلك؟ أم يفتقر إلى اسْتِئنَاف الوضوء؟ فيه قولان، كما سنذكره في نزع الخف. وإن قلنا: إنهما كالظّهارة والبطانة، فلا شيء عليه.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة فينزع الأسفل أيضًا، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاسْتِئْنَاف قولان، فيحصل من مجموع الاخْتِلاَفات في المسألة خمسة أقوال، لا يلزمه شيء، يلزم المسح على الأسفل، لا غير، يلزم المسح مع استئناف الوضوء [يلزم نزع الخفين وغسل الرجلين، يلزم ذلك مع استئناف الوضوء] (٢). ومنها: لو تخرق الأعلى من إحدى الرّجْلين، أو نزعه، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، فهل يلزمه نزعه من الرجل الأخرى؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو نزع أحد الخُفَّيْن يلزمه نزع الثاني، ثم إذا نزع عاد القولان في أنه يكفيه المسح على الأسفلين، أم يحتاج (٣) إلى إعادة الوضوء؟
_________________
(١) ، (٢) سقط في (ط).
(٢) من قوله: غسل الرجلين إلى قوله: المسح على الأسفلين، أم يحتاج جاءت في ط بعد قوله: يجوز المسح عليه جزمًا السابق، وهذا خطأ.
[ ١ / ٢٧٨ ]
والثاني: لا يلزم نزع الآخر؛ لأن كل واحدة من الرِّجلين دونها حائل، والفرض فيهما المسح، بخلاف ما إذا نزع أحد الخُفَّين، فإن فرض الرجل المكشوفة حينئذ الغسل، وعلى هذا فيما يلزمه قولان:
أحدهما: المسح على الخف الذي خلع الأعلى من فوقه.
والثاني: استئناف الوضوء، والمسح على ذلك الخف، وعلى الأعلى من الرجل الأخرى. وإن قلنا: الأعلى والأسفل كطاقتي خف واحد، لم يلزمه شيء.
وإن قلنا: بالمعنى الثّالث نزع الأسفل من الرجل التي نزع منها الأعلى، أو تخرق، ونزعهما من الثانية، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاستئناف قولان:
ومنها: لو تخرَّق الأسفل من الرجلين جميعًا لم يضر على المعاني كلها، وإن تخرق من إحداهما، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل نزع واحدة من الرْجل الأخرى أيضًا؟ كيلا يكون جامعًا بين البدل والمبدل، كذلك ذكره في التَّهْذِيب وغيره، ولك أن تقول هذا المعنى موجود فيما إذا تخرَّق الأعلى من إحدى الرجلين. وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الأخرى، فليحكم بِطَرْدِهِمَا هاهنا ثم إذا نزع (١) فما يلزمه؟ قولان:
أحدهما: الأعلى من فوقه.
والثاني: استئناف الوضوء والمسح عليه وعلى الأعلى الذي تخرق الأسفل تحته، وإن قلنا بالمعنى الثاني، أو الثالث فلا شيء عليه. ومنها: لو تخرَّق الأعلى والأسفل من الرجلين جميعًا أو من إحداهما لزم نزع الكل على المعاني كلها.
نعم. إن قلناهما كَطَاقتي خُفٍّ واحد وكان الخرق في موضعين غير متجازيين لم يضر على ما تقدم. ومنها: لو تخرق الأعلى من رجل والأسفل من الثانية فإن قلنا: إنه بدل البدل نزع الأعلى المتخرق وأعاد المسح على ما تحته وهل يكفي ذلك أم يحتاج إلى اسْتِئْنَاف الوضوء ماسحًا عليه وعلى الأعلى من الرجل الأخرى.
فيه قولان، وإن قلنا: هما كطاقتي خف واحد لم يضر. وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة وجب نزع الكل كما لو تخرق أحد الخفين ثم إذا نزع غسل الرّجلين، وفي استئناف الوضوء قولان: هذا كله تفريع على القديم، وإن فرعنا على الجديد ومنعنا المسح على الجُرْمُوق والخُفّ الأعلى، فان نزع الأعلى ومسح على الأسفل فذاك، وإن أدخل اليد بينهما ومسح على الأسفل فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما لو غسل رجليه وهما في الخف يجوز.
_________________
(١) سقط في (ط).
[ ١ / ٢٧٩ ]
والثاني: لا يجوز؛ لأن المسح ضعيف فلا يجوز إذا كان هناك حائل؛ لانضمام ضعف إلى ضعف، وعلى هذا القول لو تَخَرَّق الخفان تحت الجرموقين نظر، إن كان عند التخرُّق على طهارة لبس الأسفل مسح على الأعلى؛ لأنه صار أصلًا بخروج ما تحته عن أن يمسح عليه، وإن كان محدثًا في تلك الحالة لم يمسح على الأعلى كما لو ابتدأ اللبس على الحدث؛ وإن كان على طَهَارة المسح، وذلك إذا جوزنا إدخال اليد بينهما، والمسح على الأسفل منهما ففي جواز المسح على الأعلى وجهان، كما ذكرنا في التفريع على القديم -والله أعلم-.
ولو لبس الجُرْمُوق في إحدى الرِّجْلين، واقتصر في الأخرى على الخف وأراد المسح على جرموق وخف، فلا شك أنه يمتنع ذلك على الجديد، وعلى القديم يبنى على المعاني الثّلاثة إن قلنا: الجرموق بدل البَدَل لم يجز ذلك؛ لأن إثبات البدل في إحدى الرجلين يمتنع كما يمتنع المسح في إحدى الرجلين والغسل في الأخرى، وقد ذكرنا أنه لو مسح على الجُرْموقين ثم نزع أحدهما لا يلزمه شيء على رأى، ويستدام حكم المسح على جُرْمُوقٍ وخف، والفرق على هذا أن الأمر في الاستدامة أقوى ألا يرى أن اعتراض العدّة والرّدّ في دوام النَكِّاح لا تبطله، بخلاف ما في الابتداء.
وإن قلنا: هما كطاقتي خف يجوز له المسح على الجرموق والخف الآخر، كما لو لبس خُفَّينِ لأحدهما طاقة واحدة وللآخر طَاقَتان. فإن قلنا: الأسفل كاللّفافة فوجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو لبس خفًّا ولف على الرجل الثَّانية لفافة.
وأصحهما: الجواز، لأنه إنما ينزل منزلة اللّفافة إذا كان مستورًا، فأما إذا كان باديًا فهو مستقل بنفسه بدل عن الرجل بخلاف ما لو نزع أحد الجرموقين يجب نزع الكل على ذلك التقدير؛ لأنه يلبس الجرموق، والمسح عليه صار الأسفل لفافة -والله أعلم-.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ المَسْحِ وَأَقَلُّهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ مِمَّا يُوَازِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الأَسْفَلِ فَظَاهِرُ النَّصِّ مَنْعُهُ، وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ، وَأَمَّا الغُسْلُ وَالتَّكرَارُ فَمَكْرُوهَانِ، وَاسْتِيعَابُ الجَمِيعِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية المسح يتعلّق بالأقل والأكمل، فأما الأقل فيكفي في قدره ما ينطلق عليه اسم المسح خلافًا لأبي حنيفة، حيث قدر الأقل بثلاثة أصابع من أصابع اليد. ولأحمد حيث أوجب مسح أكثر الخف.
لنا أن النصوص متعرضة لمطلق المسح، وإذا أتى بما وقع عليه اسم المسح فقد
[ ١ / ٢٨٠ ]
مسح، وهذا كما ذكرنا في مسح الرأس، ثم لا بد وأن يكون محل المسح ما يوازي محل الفرض من الرّجل، إذ المسح بدل عن الغسل، وهل جميع ذلك محل المسح؟ أم لا؟ لا كلام في أن ما يحازي غير الأَخْمُصَيْن وَالعَقِبَيْن محل له، وأما ما يحازي الأخمصين وهو أسفل الخف ففي جواز الاقْتِصَار على مسحه ثلاثة طرق:
أظهرها: أن فيه قولين:
أظهرهما: أنه لا يجوز؛ لأن الرخص يجب فيها الاتباع، ولم يؤثر الاقتصار على الأسفل. قال أصحاب هذه الطريقة: وهذا هو المراد فيما رواه المزني في "المختصر"؛ أنه إن مسح باطن الخف وترك الظاهر، وأعاد.
والثاني: وهو مخرج أنه يجوز؛ لأنه محاذ لمحل الفرض كالأعلى، وعبر بعضهم عن هذا الخلاف بالوجهين:
والطريق الثاني: القَطْعُ بالجواز، ثم من الصَّائرين إليه من غلط المزني، وزعم أن ما رواه لا يعرف الشافعي في شيء من كتبه. ومنهم من قال: أراد بالباطن الداخل، لا الأسفل.
والطريق الثالث: القطع بالمنع، وأما عقب الخف ففيه وجهان أنه ثم منهم من رتب العَقِبَ على الأسفل، وقال: العقب أولى بالجواز لأنه ظاهر يرى والأسفل لا يرى في أغلب الأحوال فأشبه الدّاخل. ومنهم من قال العقب أولى بالمنع إذ لم يرد له ذكر أصلًا ومسح الأسفل مع الأعلى منقول: وإن لم ينقل الاقتصار عليه.
وتنبه بعد هذا الأمور على ألفاظ الكتاب:
أحدها: قوله: "فإن اقتصر على الأسفل" بعد قوله: "مما يوازي محل الفرض" كالمنقطع عنه، ولو قال، لكن لو اقتصر أو نعم لو اقتصر، وما أشبه ذلك كان أولى ليشعر باستثنائه مما يوازي محل الفرض.
الثاني: قوله: "فظاهر النص منعه" جواب على طريقة القولين؛ لأن هذا الكلام إنما يطلق غالبًا حيث يكون، ثم قول آخر، مخرج الثالث، ظاهر كلامه يقتضي تَجْوِيز المسح على عقب الخف؛ لأنه قال: أقله ما ينطلق عليه الاسم مما يوازي محل الفرض، ولم يخرج عنه إلا أسفل الخف وموضع العقب مما يوازي محل الفرض وليس هو من أسفل الخف لكن الأظهر عند الأكثرين أنه لا يجوز الاقتصار عليه، كالأسفل، وأما الأكمل فهو أن يمسح أعلى الخف وأسفله، خلافًا لأبي حنيفة، وأحمد حيث قالا: لا يمسح الأسفل. لنا ما روي عن المغيرة بن شعبة -﵁-: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-
[ ١ / ٢٨١ ]
مَسَح أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ" (١). والأولى أن يضع كفه اليسرى تحت العقب، واليمنى على ظهور الأصابع، ويمر اليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل، واليمنى إلى الساق، تروى هذه الكيفية ابن عمر -﵄- (٢).
وقوله: "إلا أن يكون على أسفله نجاسة" استثناء لم يذكره في "الوسيط"، ولا تعرض له الأكثرون، وفيه إشعار بالعفو عن النجاسة التي تكون على الخف، ولا شك أنه إن كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة فلا يمسح عليه؛ لأن المسح يزيد فيها، وأما إشعاره بالعفو والقول في أنه كيف يصلي فيه، أيتعين إزالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع؟ أم يكفي دلكه بالأرض فسيأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى، وهل يستحب مسح عقب الخف؟ فيه قولان: وقيل وجهان:
أصحهما: نعم، كسائر أجزاء الخف من الأعلى والأسفل.
والثاني: لا؛ لأن السنة ما جاءت به؛ ولأنه موضع ثقيل، وبه قوام الخُفِّ، فإدامة المسح عليه تفسده، ومنهم من قطع بالاستحباب، ونفى الخلاف فيه، ثم مسح الأعلى والأسفل وإن كان محبوبًا، لكن استيعاب الكل ليس بسنة مَسَحَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى خُفِّهِ خُطُوطًا مِنَ الْمَاءِ" (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥١) وأبو داود (١٦٤) والترمذي (٩٧) وابن ماجة (٥٥٠) والدارقطني (١/ ١٩٥) (٦) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٩٣٩) وابن الجارود (٨٤) والبيهقي (١/ ٢٩٠ - ٢٩١) قال ابن الملقن: ضعفه أحمد، والترمذي، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو داود، وغيرهم، انظر الخلاصة (١/ ٧٤).
(٢) قال الحافظ: كذا قال، والمحفوظ عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله، كذا رواه الشافعي والبيهقي، انظر التلخيص (١/ ١٥٩) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٩١).
(٣) قال الحافظ: قال ابن الصلاح تبع الرافعي فيه الإمام، فإنه قال في "النهاية": إنه صحيح، فكذا جزم به الرافعي وليس بصحيح، وليس له أصل في كتب الحديث انتهى. وفيما قال نظر، ففي الطبراني الأوسط من طريق جرير بن يزيد عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: مر رسول الله -ﷺ- برجل يتوضأ فغسل خفيه، فنخسه برجليه، وقال: ليس هكذا السنة، أمرنا بالمسح هكذا، وأمر بيديه على خفيه، وفي لفظ له: ثم أراه بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه، قال الطبراني: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، وعزاه ابن الجوزي في التحقق إلى رواية ابن ماجة، عن محمد بن مصفى، عن بقية، عن جرير بن يزيد، عن منذر، عن المنكدر. عن جابر نحوه، ولم أره في سنن ابن ماجة، قلت: هو في بعض النسخ دون بعض، وقد استدركه المزي على ابن عساكر في الأطراف، وإسناده ضعيف جدًا، وأما قول إمام الحرمين المذكور، فكأنه تبع القاضي الحسين، فإنه قال: روى حديث علي: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، قال فحكى عنه أنه قال: ولكني رأيت رسول الله -ﷺ- يمسح على ظهور الخف خطوطًا بالأصابع، وتبع الغزالي في "الوسيط" إمامه، وقال النووي في "شرح =
[ ١ / ٢٨٢ ]
وحكى عن تعليق القاضي: أنه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس، وأما قوله: "الغسل وَالتَّكرار مكروهان" فإنما يكره الغسل؛ لأنه تعييب للخُفِّ بلا فائدة، وكذلك التَّكرار يوجب ضعف الخف وفساده وهذا المسح رخصة مبنية على التَّخْفيف.
ولك أن تعلم قوله: "فمكروهان" بالواو، وأما في الغُسْلَ، فلأن القول بالكراهة مبني على أن الغسل جائز قائم مقام المسح في صحة الوضوء، وفيه وجه: أن الغسل لا يجزئ كما ذكرنا في مسح الرَّأس إلا أنه مكروه، وأما في التَّكْرار فلأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى وجهًا أنه يستحب فيه التَّكرار ثلاثًا، كما في مسح الرَّأْس (١).
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ وَهوَ إِبَاحَةُ الصَّلاَة إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ أَوْ نَزْعِ الخُفِّ، وَمُدّتُهُ لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (م و) وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاَثةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ الحَدَثِ فَلَوْ لَبِسَ المُقِيمُ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الحَدَثِ أَتَمَّ مُدَّةَ المُسَافِرِينَ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الحَضَرِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ (ح ز) ثُمَّ سافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ المُقِيمِينَ (ح) تَغْلِيبًا لِلإِقَامَةِ، وَلَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ لَمْ يَزِدْ (ز) عَلَى مُدَّةِ المُقِيمِينَ وَلَوْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَنُقِضَت المُدَّة أَوْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ، فَالأَصْلُ وُجُوبُ الغَسْلِ وَلاَ يُتْرَكُ مَعَ الشَّكِّ.
قال الرافعي: يباح بالوضوء الذي مسح فيه على الخُفَّين الصلاة وسائر ما يفتقر إلى الطَّهارة ومد صاحب الكتاب ذلك إلى إحدى غايتين إما قضاء مدة المسح وإما نزع الخف وفي معناه تفرقه فأما الغاية الأولى وهي مضي المدة فتعرف بمعرفة مدته، وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان قال: في القديم: لا.
وبه قال مالك لما روى عن خزيمة قال: "رَخَّصَ رَسُولُ الله -ﷺ- لِلْمُسَافِرِ أن
_________________
(١) = المهذب": هذا الحديث ضعيف، روى عن علي مرفوعًا، وعن الحسن -يعني البصري- قال: من السنة أن يمسح على الخفين خطوطًا، وقال في "التنقيح": قول إمام الحرمين: إنه صحيح، غلط فاحش، لم نجده من حديث علي، لكن روى ابن أبي شيبة أثر الحسن المذكور. وروي أيضًا من حديث المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله -ﷺ- بال ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني انظر إلى أصابعه -ﷺ- على الخفين، ورواه البيهقي من طريق الحسن عن المغيرة بنحوه، وهو منقطع. انظر التلخيص (١/ ١٦٠ - ١٦١).
(٢) قال النووي: قال أصحابنا: لا تتعين اليد للمسح، بل يجوز بخرقة وخشبة وغيرهما، ولو وضع يده المبتلة ولم يمرها، أو قطر الماء عليه، أجزاءه على الصحيح، كما تقدم في الرأس. والله أعلم. انظر الروضة (١/ ٢٤٣).
[ ١ / ٢٨٣ ]
يمسح ثَلاَثَةَ أيام وَلَيَالِيهِنَّ لَوِ اسْتَزَدْنَاهُ (١) لَزَادَنَا" (٢) وعن أبي بن عمارة وكان ممن صلَّى إلى القبلتين قال: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: يَوْمًا، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ، قُلْتُ: وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: نَعَمْ وَمَا شِئْتَ" (٣).
وقال في الجديد: وهو المذكور في الكتاب يتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن، لحديث صفوان بن عَسّال كما سبق، وعن علي بن أبي طالب -﵁- أن النّبي -ﷺ-: "جَعَلَ الْمَسْحَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ" (٤). ويتفرع على الجديد مسائل:
إحداهما: يعتبر ابتداء المدة في حق المسافر والمقيم جميعًا من وقت الحدث بعد اللّبث خلافًا لأحمد حيث قال: في ما رواه أصحابنا: يعتبر من وقت المسح والذي رأيته لأصحابه أنه يعتبر من وقت الحدث كما ذكرنا ونسبوا الاعتبار من وقت المسح إلى داود.
لنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصَّلاة وغيره وغاية ما يمكن فعله بالمسح من الصَّلوات المؤدَّاة على التَّوالي ست عشرة إذا لم يجمع وإن جمع فيتصور أن يؤدي به سبع عشرة صلاة وذلك في حالة عدم الجمع مثل أن يحدث بعد طلوع الفجر بقدر ما يسع صلاة الفجر وقد بقي إلى طلوع الشمس ما يسعها أيضًا فيتوضأ ويمسح على خُفَّيه ويصلّي الفجر، ويصلّي باقي صلوات اليوم والليلة بالمسح، وكذلك صلوات اليوم الثاني والثالث ويصلّي الفجر في اليوم الرابع قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٧) وابن ماجة (١٥٣) وابن حبان (١٣١٩ - ١٣٢٢). قال ابن حجر: قال الترمذي قال البخاري: لا يصح عندي، لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة، وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: صحيح، وقال ابن دقيق العيد: الروايات متظافرة متكاثرة برواية التيمي له، عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي عن خزيمة، وقال ابن أبي حاتم في العلل: قال أبو زرعة: الصحيح من حديث التيمي عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة مرفوعًا، والصحيح عن النخعي، عن الجدلي بلا واسطة، وادعى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على ضعف هذا الحديث، وتصحيح ابن حبان له يرد عليه، مع نقل الترمذي عن ابن معين أنه صحيح أيضًا. انظر التلخيص (١/ ١٦١)
(٢) في (ط): استذدناه.
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٨) وابن ماجة (٥٥٧) والدارقطني (١/ ١٩٨) قال ابن الملقن: ضعفه الأئمة أحمد، والبخاري، وأبو داود والدارقطني، وابن القطان، والحازمي، وابن الجوزي، وابن الصلاح، ونقل الاتفاق على ضعفه واضطرابه، وأنه لا يجوز الاحتجاج به النووي في "شرح المهذب"، وخالف الحاكم فصححه.
(٤) أخرجه مسلم (٢٧٦).
[ ١ / ٢٨٤ ]
فتلك ست عشرة وفي حالة الجمع مثل أن يحدث بعد الزَّوال بقدر ما يسع صلاة الظهر والعصر، وقد بقي من وقت الظهر ما يسعهما، أيضًا فصلاّهما بالمسح وكذا ما بعدهما من الصلوات إلى أن يدخل وقت الزوَال في اليوم الرابع فيصلي بالجمع الظهر والعصر قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول فيكون قد صَلَّى أربع صلوات من صلوات اليوم الأول وعشرًا من صلوات اليوم الثَّاني والثَّالث ثلاث صلوات من صلوات اليوم الرابع فجملتها سبع عشرة، وغاية ما يصلّي المقيم بالمسح من صلوات الوقت ست صلوات إن لم يجمع وسبع إن جمع، بعذر مطر ولا يخفى تصويره مما ذكرنا في المسافر.
الثانية: إنما يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن بشرطين:
أحدهما: أن يكون سَفَرُهُ طويلًا، أما السفر القصير فهو كالإقامة.
والثاني: ألا يكون سفر معصية فإن كان سفر معية لم يمسح ثلاثة أيام ولياليهن كما لا يترخَّص بالقصر والإفطار، وهل يمسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان مذكوران في باب صلاة المسافرين في الكتاب وسنشرحهما ثم ويجريان في أن العاصي بالإقامة كالعَبْدِ المأمور بالسفر إذا أقام عل يمسح يومًا وليلة أم لا.
الثالثة: لو لبس الخف في الحضر ثم سافر وأحدث في السَّفَرِ فله أن يمسح مسح المسافرين وكذلك لو أحدث في الحضر ثم سافر وابتدأ المسح في السفر خلافًا للمزني حيث قال في هذه الصورة: يمسح مسح المقيمين، لأن ابتداء المدة وقع في الحضر.
لنا أن أول المسح أول العبادة، فإذا وقع في السَّفَر أقيمت العبادة كما تقدم في السفر ولا نظر إلى دخول الوقت في الحضر ألا ترى أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصَّحيح ولا فرق بين أن يخرج وقت الصلاة بعد ما أحدث في الحضر وبين ألا يكون كذلك.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا مضى الوقت في الحضر ولم يصل ثم سافر مسح مسح المقيمين، لأنه عاص بإخراج الصلاة عن الوقت ولا رخصة للعاصي.
والأول: أصح، كما لو فاتتة صلاة في الحضر له أن يقضيها بالتيمم في السفر.
وليكن قوله في الكتاب: "وكذا لو أحدث في الحضر" معلمًا بالزّاي لمذهب المزني وبالواو للتفصيل الذي رويناه عن أبي إسحاق.
ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين ولا يزيد عليه، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يمسح مسح المسافرين إلا أن يتم اليوم والليلة قبل مفارقة العمران. وعن أحمد روايتان:
[ ١ / ٢٨٥ ]
إحداهما: مثل مذهبنا.
والثانية: أنه يمسح مسح المسافر.
لنا أنه عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فيغلب حكم الحضر كما لو كان مقيمًا في أحد طرفي صلاته لا يجوز له القصر.
واعلم أن الاعتبار في المسح بتمامه حتى لو تَوَضَّأَ في الحَضَرِ، ومسح على أحد الخفين ثم سافر ومسح على الآخر، كان له أن يمسح مسح المُسَافرين؛ لأنه لم يتم المسح في الحضر (١) ولو ابتدأ المسح في السَّفَرِ ثم صار مقيمًا نظر إن أقام بعد تمام يوم وليلة لم يمسح، بل ينزع ويستأنف اللبس ويجزئه ما مضى، وإن زاد على يوم وليلة وإن أقام قبل تمام يوم وليلة فله أن يتم يومًا وليلة مسح المقيمين.
وقال المزني كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم وليلة في الحضر، فإن مسح يومًا وليلة في السفر ثم أقام، فله ثلثا يوم وليلة. وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلثا يوم وليلة. لنا تغليب جانب الحَضَرِ كما تقدم.
الرابعة: لو شك في انقضاء مدة المسح: أما المقيم في مدة المقيمين أو المسافر في مدة المسافرين وجب عليه غسل الرجلين وتعذر المسح.
قال صاحب "التلخيص": هذا مما يستثنى عن قولنا: اليقين لا يترك بالشك؟ لأن جواز المسح يقين وانقضاء المدّة مشكوك فيه، أجاب الأصحاب بأن قالوا: لا بل هذا أخذ باليقين، لأن الأصل وجوب غسل الرّجلين والمسح رخصة منوطة بشرائط فإذا شك في المدة فقد شك في بعض الشّرائط فيعود، إلى الأصل وهذا كما لو توضَّأت المستحاضة ثم شكت في انقطاع دمها.
قال الشافعي -﵁-: لا تُصَلِّي حتى تتوضأ ولا نقول: الأصل سَيَلاَنُ الدم بل نقول: الأصل أن من أحدث توضأ وإنما جَوَّزَ لها الصلاة للضرورة فإذا شكت في بقاء الضرورة عادت إلى الأصل.
وكذلك لو دخل المسافر بعض البلاد، ولم يدر أنه البلد الذي قصده، أم غيره فلا يقصر؛ لأن الأصل وجوب الأربع وقد شَكَّ في شرط القصر وهو السَّفر.
_________________
(١) قال النووي: هذا الذي جزم به الإمام الرافعي -﵀- في مسألة المسح على أحد الخفين في الحضر، هو الذي ذكره القاضي حسين وصاحب (التهذيب)، لكن الصحيح المختار ما جزم به صاحب "التتمة"، واختاره الشاشي: أنه يمسح مسح مقيم لتلبسه بالعبادة في الحضر. والله أعلم. انظر الروضة (١/ ٢٤٤).
[ ١ / ٢٨٦ ]
ولو شك المسافر في أن ابتداء مسحه كان في الحضر أو في السّفر لا يزيد على مدة المقيمين أخذًا بالأصل المقتضي لوجوب الغسل فلو مسح في اليوم الثاني على الشَّكِّ وصلى ثم زال الشّك في اليوم الثالث وعلم أنه ابتدأ المسح في السَّفَرِ فعليه إعادة صلوات اليوم الثاني؛ لأنه صلاها على الشك ويجوز أن يصلي بالمسح في اليوم الثالث ثم إن كان على مسح اليوم الأول ولم يحدث في اليوم الثاني له أن يصلي في اليوم الثَّالث بذلك المسح، وإن كان قد أحدث في اليوم الثَّاني لكنه مسح على الشك وجب عليه إعادة المسح لصلوات اليوم الثَّاني، وفي وجوب استئناف الوضوء قولان. ويجوز له أن يعيد صلوات اليوم الثَّاني بالمسح في اليوم الثَّالث، ذكر كل ذلك في "التَّهْذِيب" وقال ابن الصباغ في الشامل: يجب إعادة الصلوات لكن يجزئه المسح مع الشك، والأول أظهر هذا تمام الكلام في إحدى الغَايَتَيْنِ.
قال الغزالي: وَمَهْمَا نَزَع الخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَيَجِبُ غَسْلُ القَدَمَيْنِ، وَأَمَّا الاسْتِئْنَافُ فَلاَ يَجِبُ إِن قُلْنَا: إِن المَسْحَ لاَ يَرْفَعُ الحَدَثَ وَإِنْ قُلْنَا: يَرفَعُ وَجَبَ لِأَنَّهُ فِي عَوْدِهِ لاَ يَتَجَزَّأُ.
قال الرافعي: الغاية الثّانية نزع الخفين أو أحدهما، ومهما اتّفق ذلك وهو على طهارة لزم غسل الرِّجْلَيْنِ سواء كان عند انقضاء المدة أو قبلها، وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب وبه قال أحمد:
وأصحهما: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني، واختلف الأصحاب في أن القولين مستقلان بنفسهما أو هما مبنيان على أصل آخر: منهم من قال: هما مستقلان ووجه قول الاكتفاء بغسل الرّجلين بأن المسح بدل زال حكمه بظهور محل مبدله فيرجع إلى المبدل وهو الغسل كالمتيمّم يرى الماء. ووجه قول الاستئّناف بأن قال: عبادة بطل بعضها فيبطل كلها كالصَّلاة. ومنهم من قال: هما مبنيان على أصل واختلفوا فيه على ثَلاَثَةِ طرق.
أحدهما: أنهما مبنيان على القولين في تفريق الوضوء إن جوزنا كفى غسلهما وإلا وجب الاستئناف، ويحكى هذا عن ابن سريج وأبي إسحاق لكن زيفه الجمهور، من وجوه منها أنه لا خلاف في جواز التفريق في الوُضُوء على الجديد ونص في مواضع من الجديد على وجوب الاستئناف هاهنا، ومنها: أن قولي التَّفريق يَخْتَصَّان فالتفريق الكثير
[ ١ / ٢٨٧ ]
فأَمَّا اليسير منه فهو جائز بلا خلاف ولا سائر إلى الفرق فيما نحن فيه، ومنها أن التَّفْرِيق بالعُذْرِ جائز والعذر موجود هاهنا.
والثاني: أنهما مبنيان على أن بعض الطّهارة هل يختص بالانتقاض أم يتداعى انتقاض البعض إلى انتقاض الكل؟ فيه قولان:
أحدهما: يختص البعض بالانْتِقَاض؛ لأنه لو غسل بعض أعضاء طهارته يرتفع الحدث عنه، وإن لم يرتفع عن الباقي، وإذا جاز أن يَتَبَعَّضَ ارتفاعًا جاز أن بتبعض ثبوتًا فعلى هذا لا يجب الاستئناف.
والثاني: لا يختص البعض بالانتقاض كالصلوات وسائر العبادات فعلى هذا يجب الاستئناف والثَّالث وهو المذكور في الكتاب، وبه قال القَفَّال والشيخ أبو حامد وأْصحابهما أنهما مبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: يرفع؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع به بين فرضين ولو لم يرفع الحدث لما جاز كالتَّيمم.
والثاني: لا يرفع لأنه لو رفع الحدث لما تقدر بمدة ولا يمتد أثره إلى وجود الحدث فإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث عن الرجل فلا يجب استئناف الوُضُوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عن سائر الأعْضَاء إِلا عن الرجلين فإذا غسلهما ارتفع عنهما أيضًا، وكفى. قال في "التَّتمَّة": وهذا إذا لم يقع تفريق كثير وإن وقع ففيه خلاف التَّفريق، وإن قلنا: إن المسح يرفع الحدث عن الرجل فيجب استئناف الوُضُوء؛ لأن وجوب غسل الرجلين عند النزع يدل على عود الحدث فيهما والحدث، لا يتجَزَّأ في عوده (١).
واعلم أن هذه الطريقة والتي قبلها متقاربتان، ومن يجوز انتقاض بعض الطَّهَارة دون بعض لا يبعد أن يقول بأن الحدث يتجزَّأُ عند العود، ولا يسلم لزوم الاستئناف -والله أعلم- هذا تمام الكلام في الغايتين ولك أن تقول غاية فائدة المسح لا تنحصر في الأمرين المذكورين بل تنتهي بأمرين آخرين.
_________________
(١) قال النووي: الأصح عند الأصحاب أن مسح الخف يرفع الحدث عن الرجل كمسح الرأس، ولو خرج الخف عن صلاحية المسح لضعفه أو تخرقه أو غير ذلك، فهو كنزعه، ولو انقضت المدة أو ظهرت الرجل وهو في علاة، بطلت، فلو لم يبقى من المدة إلا ما يسع ركعة، فافتتح ركعتين، فهل يصح الافتتاح وتبطل صلاته عند إنقضاء المدة أم لا تنعقد؟ وجهان في "البحر" أصحهما: الانعقاد، وفائدتهما: أنه لو اقتدى به إنسان عالم بحاله ثم فارقه عند إنقضاء المدة، هل تصح صلاته أم لا تنعقد؟ فيه الوجهان، وفيما لو أراد الاقتصار على ركعة. والله أعلم. ينظر الروضة (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
[ ١ / ٢٨٨ ]
أحدهما: أن يلزم الماسح غسل جنابة أو كانت امرأة فلزمها غسل حَيْضٍ أو نِفَاسٍ فيجب غسل الرجلين، واستئناف اللّبس بعد ذلك إن أراد المسح.
قال صفوان: كان يأمرنا أن لا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جَنَابَةٍ والمعنى فيه أن الجنابة لا تتكرر فلا يشق نزع الخف لها.
الثاني: إذا دَمِيَتْ رجله في الخف ولم يمكن غسلها فيه وجب النزع وغسل الدَّم ولا يكون المسح بدلًا عنه وإن أمكن غسلها فيه فغسلها لم يبطل المسح.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ لَبِسَ فَرْدٌ خُفَّهُ لَمْ يَجُزِ المَسْحُ إلاَّ أَنْ تَكُونَ الرِّجْلُ الأخُرَى سَاقِطَةً مِنَ الكَعْبِ.
قال الرافعي: سليم الرجلين إذا لبس أحد الخفين دون الآخر لم يجز المسح عليه لوجهين:
أحدهما: أن المسح إنما جوز للارْتِفَاقِ بلبس الخف لغرض المشي، أو دفع الحَرِّ والبرد وغيرهما، والمعهود في تحصيل هذه الأغراض لبسهما جميعًا، فإذا لم يفعل لزمه الغسل الذي هو الأصل.
والثاني: أن الرجلين بمثابة العضو الواحد وهو مخير فيهما بين الغسل وبين المسح على الخفين، وإذا تخير بين خصلتين في العبادة الواحدة، لم يَجُزْ له التَّوزيع كما في خِصَال الكفارة ولو لم يكن له إلا رجل واحدة إما بأصل الخِلْقة أو بسبب عارض فهي وحدها كالرجلين إن شاء غسلها وإن شاء مسح على سائرها بالشَّرَائط السَّابقة؛ لأنه قد يحتاج إلى اللَّبس أيضًا للمشي عليه مع عصا يتخذها، أو لدفع الحر والبرد ولو بقيت من الرجل الأخرى بقية لم يَجُزِ المسح حتى يواريها بساتر مستجمع لشرائط المسح (١).
_________________
(١) قال النووي: لو كان إحدى رجليه عليلة، بحيث لا يجب غسلهما، فلبس الخف في الصحيحة، قطع الدارمي بصحة المسح عليه، وصاحب البيان بالمنع، وهو الأصح، لأنه يجب التيمم عن الرجل العليلة، فهي كالصحيحة. والله أعلم. ينظر الروضة (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ٢٨٩ ]