قال الغزالي: مَنْ تركَ صَلاةً وَاحِدَةً عَمْدًا وَامْتَنَعَ عَنْ قَضَائِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الرَّفَاهِيَةِ وَالضَّرُورَةِ قُتِلَ (ح) بِالسَّيْفِ وَدُفِنَ كمَا يُدْفَنُ سَائِرُ المُسْلِمينَ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يُطْمسُ قَبْرُهُ، وَقِيلَ: لاَ يُقْتَلُ إلاَّ إِذَا صَارَ التَّرْكُ عَادَةً لَهُ، وَقيلَ: إِذَا تَرَكَ ثَلاَثَ صَلَوَاتٍ، واللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: أخر حجة الإسلام -﵀- هذا الباب إلى هذا الموضع، وهو في ترتيب المُزَنِّي وجمهور الأصحاب مقدم على كتاب "الجَنَائز" ولعلّه أليق، ومقصود السلام في عقوبة تارك الصلاة، فنقول: تارك الصلاة ضربان:
أحدهما: أن يتركها جاحدًا لوجوبها، فهذا مرتدٌّ تجري عليه أحكام المرتدين، إلا أن يكون قريب عهد بالإِسْلام، ويجوز أن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يَخْتَصُّ بِالصَّلاة،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣٢)، وانظر البخاري (١٢٨٩).
(٢) قال الشافعي -﵁-: قياس غلبة الأشباه أن يكون الفرع دائرًا بين أصلين، فإن كانت المشابهة لأحدهما أقوى ألحق به هذا لفظه ومراده الله المعنوي، أما الله الصوري فقد اعتبره بعض الأصحاب في صور، ومن الفروع الدائرة بين أصلين فيلحق بأقواهما شبهًا. ترك الصلاة، فإن الصلاة ترددت بين مشابهة الإيمان وبين بقية الأركان من جهة الإسلام يتم بدونها وأشبهت الإيمان من جهة أن النيابة تدخل فيها، وهي تدخل في الزكاة والحج وكذلك الصوم في الجملة فقوي عند الشافعي شبهها للإيمان بالأحاديث الدالة على شدة الاهتمام بها فقال: يقتل تاركها إذا أَصَرَّ كتارك الإيمان.
[ ٢ / ٤٦١ ]
بل يجري في جحود كُلِّ حكم مجمع عليه (١).
والثاني: أنْ يتركها غير جاحد، وهو ضربان:
أحدهما: أن يترك بعذر من نوم أو نسيان فعليه القضاء لا غير، ووقت القضاء موسع.
والثاني: أن يترك من غير عذر بل كَسَلًا أو تهاونًا بفعلها، فلا يحكم بكُفْرِه خلافًا لأحمد، وبه قال شِرْذَمة من أصحابنا، حكاه الحَنَّاطي وصاحب "المهذب" وغيرهما.
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّة، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْد، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ" (٢). ويشرع القتل في هذا القسم حدًّا، وبه قال مالك خلافًا لأبي حنيفة حيث قال في رواية: لا يتعرض لتارك الصلاة، فهي أمانة بينه وبين الله -تعالى- وحده والأمر فيها موكول إلى الله -تعالى-.
وقال في رواية: إنه يحبس ويؤدب حتى يصلّي، وبه قال المزني. لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَةُ" (٣)؛ ولأنها ركن من الخمسة لا يدخلها النِّيابة ببدن ولا مال، فيقتل تاركه كالشَّهادتين. إذا عرف ذلك نُفَرِّع عليه مسائل:
إحداها: في عدد الصَّلاة المستحق بتركه القَتْل، وظاهر المَذْهَب اسْتِحْقَاق القَتْلِ بترك صلاة واحدة، فإذا تضيق وقتها طالبناه بفعلها، وقلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك، فإذا أخَّرها فقد اسْتَوْجَبَ القتل، ولا يعتبر بضيق وقت الثَّانية، وبهذا قال مالك.
_________________
(١) قال النووي: أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه، وليس هو على إطلاقة، بل من جحد مجمعًا عليه فيه نص؛ وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام، كالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو تحريم الخمر، أو الزنا، ونحو ذلك، فهو كافر. ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة، وكما إذا أجمع أهل عصر على حكم حادثة، فليس بكافر للعذر، بل يعرف الثواب ليعتقده. ومن جحد مجمعًا عليه، ظاهرًا لا نص فيه. ففي الحكم بتكفيره خلاف يأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه في باب الردة، وقد أوضح صاحب "التهذيب" القسمين الأولين في خطبة كتابه -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٦٦٧).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١١٠ - ١١١)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، وأبو داود (٤٢٥)، وابن ماجة (١٤٠١)، وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (٢٥٢) وإسناده صحيح قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت.
(٣) أخرجه ابن ماجة (٤٠٣٤) من حديث أبي الدرداء. وانظر التلخيص (٢/ ١٤٨).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
واحتج له بقوله -ﷺ-: "مَنْ تَرَكَ صَلاَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ" (١) أي: استوجب ما يستوجبه الكَافِر. وهذا قد تَرَكَ صلاة، وُيحْكَى عن أبي إسحاق أنه إنما يستوجب القَتْل إذا ضاق وقت الثَّانية وامتنع عن أدائها. وعن الإصْطَخُري أنه لا يقتل حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة، ويمتنع من أدائها هذه هي الرواية المشهورة عنه. وفي "النهاية" روايتان أخريان عن الإصْطَخْرِي.
إحداهما: أنه إنما يستوجب القَتْلَ إذا ترك أربع صلوات، ويمتنع عن القَضَاءِ.
والثَّانِية: أنه لا تَخْصِيص بعدد، ولكن إِذَا ترك من الصَّلوات قدر ما يظهر لنا به اعتياده الترك وتهاونه بأمر الصلاة فحينئذ يقتل، وقد نقل صاحب "الإفصاح" هذا وجهًا لبعض الأصحاب، وإن لم ينص على قائله، والمذهب الأول والاعتبار بإخراج الصلاة عن وقت العذر والضرورة، فإذا ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشّمس، وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، حكاه الصَّيدلاني وتابعه الأئمة عليه.
الثانية: على اخْتِلاَف الوُجُوه لا بدَّ من الاسْتِتَابة قبل القتل، فإنه ليس بأشدِّ حالًا من المرتدّ والمرتد يستتاب، وهل تكفي الاستتابة في الحال أم يمهل ثلاثًا؟ فيه قولان كما سيأتي ذكرهما في استتابة المرتدِّ، واختار المزنيّ للشَّافعي -﵁- أنه لا يمهل، وذكر في "العدة" أنه المذهب، والقولان في الوُجُوب أَوْ فِي الاسْتِحبَاب، حكى المعلق عن الشيخ أبي محمد فيه طريقين: أصحهما: أنهما في الاستحباب.
الثالثة: الظاهر أنه يقتل صبرًا بالسَّيف كالمرتد، وهو الذي ذكره في الكتاب.
وعن صاحب "التلخيص": أنه ينخس فيه حديدة، ويقال: قم فصل، فإن قام ترك، وإلا زيد في النخس حتى يصلِّي أو يموت، لأن المقصود حمله على الصَّلاة، فإذا فعل فذاك، وإلا عُوقِبَ كما يعاقب الممتنع من سائر الحُقُوق ويقاتل. ويروى مثل هذا عَن ابْنِ سريج، ويروى عنه أنه يضرب بالخَشَبِ حتى يصلّي أو يموت.
الرابعة: إذا قتل غسل وصلى عليه، ودفن في مقابر المسلمين، ولا يُطْمَس قبره كسائر أصحاب الكبائر إذا حدوا وقد حكينا من قبل عن صاحب "التلخيص": أنه لا يصلّى عليه ولا يغسل، وإذا دفن في مقابر المسلمين طمس قبره حتى ينسى ولا يذكر، وإن أَرَادَ الإمامُ المُعَاقَبَةَ عَلَى تَرك الصَّلاة فقال قَد صَلَّيْتُ في بيتي صدق. وإذا عرفت ما ذكرنا أعلمت قوله في الكتاب: "قتل" بالحاء والزاي. وقوله: "بالسيف" بالواو.
وقوله: "كما يدفن سائر المسلمين" بالواو، وكذا قوله: "ويصلى عليه ولا يطمس
_________________
(١) أخرجه البزار من حديث أبي الدرداء، وفي إسناده ضعف. انظر التلخيص (٢/ ١٤٨).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قبره" ولك أن تعلم قوله: "كما يدفن" وقوله: "ويصلى عليه" بالألف، لما حكينا عن أحمد -﵀- أنه يكفر بترك الصلاة.
فرعان: أحدهما: قال حجة الإسلام في "الفَتَاوَى": لو امتنع عن صلاة الجُمعة من غير عذر، وقال: أصليها ظهرًا لم يقتل؛ لأن الصوم لم يلحق بالصلاة في هذا الحكم، فالجمعة مع أن لها بدلًا وأعذارها أكثر أولى ألا تلحق (١).
الثاني: حكى القاضي الرُّوياني في تارك الوُضُوءِ وجهين:
أصحهما: أنه يقتل؛ لأن الامتناع منه امتناع من الصلاة والله أعلم.
_________________
(١) قال النووي: قد جزم الإمام الشاشي في فتاويه بأنه يقتل بترك الجمعة إن كان يصليها ظهرًا، لأنه لا يتصور قضاؤها، وليست الظهر قضاء عنها. وقد اختار هذا غير الشاشي، واستقصيت الكلام عليه في أول كتاب الصلاة من شرح "المهذب". ولو قتل إنسان تارك الصلاة في مدة الإمهال، قال صاحب "البيان": يأثم ولا ضمان عليه كقاتل المرتد. وسيأتي كلام الرافعي فيه في كتاب الجنايات -إن شاء الله تعالى-. وإن ترك الصلاة وقال: تركتها ناسيًا، أو للبرد أو عدم الماء، أو لنجاسة كانت على، ونحو ذلك من الأعذار، صحيحة كانت أو باطلة، قال صاحب "التتمة": يقال له: صلِّ، فإن امتنع، لم يقتل على المذهب، لأن القتل بسبب تعمد تأخيرها عن الوقت، ولم يتحقق ذلك، وفي وجه: أنه يقتل لعناده. قال: ولو قال: تعمدت تركها، ولا أريد أن أصليها، قتل قطعًا. وإن قال: تعمدت تركها بلا عذر، ولم يقل: ولا أصليها، قتل أيضًا على المذهب، لتحقق جناية. وفيه وجه: أنه لا يقتل ما لم يصرح بالامتناع من القضاء. واعلم أن قضاء من ترك الصلاة بعذر، على التراخي على المذهب، ومن ترك بغير عذر، فيه وجهان: أصحهما عند العراقيين: على التراخي، والصواب ما قاله الخراسانيون: أنه على الفور. وستأتي المسألة في كتاب الحج -إن شاء الله تعالى- كما قدمنا الوعد به في آخر صفة الصلاة، -والله أعلم- ينظر الروضة (١/ ٦٦٩).
[ ٢ / ٤٦٤ ]