قال الغزالي: الأَوَّلُ: زَكَاةُ النَّعَمِ، والنَّظَرُ فِي وُجُوبِهَا وَأَدَائِهَا، أَمَّا الوُجُوبُ فَلَهُ ثَلاثَةُ أَرْكَان: (الأَوَّلُ) قَدْرُ الوَاجِبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (الثَّانِي) مَا يَجِبُ فِيهِ وَهُوَ المَالُ وَلَهُ سِتَّةُ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ نَعَمًا نِصَابًا مَمْلُوكًا مُتَهَيِّئًا لِكَمَالِ التَّصَرفِ سَائِمَةً بَاقِيَةً خَوَلًا، الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ نَعَمًَا، فَلاَ زَكَاةَ إلاَّ فِي الاِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَم، وَلاَ تَجِبُ فِي غَيْرِهَا وَلاَ فِي الخَيْلِ (ح) وَلاَ فِي المُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالغَنَمِ وَإنْ كَانَتِ الأُمَّهَاتُ (ح) مِنَ الغَنَمِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢).
وقال -ﷺ-: "مَانِعُ الزَّكَاةِ فِي النَّارِ" (٣).
الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها جاحدًا كفر إلاَّ أن يكون حديث عهد بِالإِسْلاَم، لا يعرف وجوبها، فيعرف ومن منعها وهو معتقد لوجوبها أخذت منه قهرًا، فإن لم يكن في قَبْضَة الإمام وامتنع القوم قاتلهم الإمام على منعها، كما فعل الصِّدِّيق -﵁-. قال الأصحاب: الزَّكاة نوعان: زكاة الأبدان وهي الفطرة ولا تعلّق لها بمال، إنما يراعى فيها إمكان الأداء. وزكاة الأموال: وهي ضربان: زكاة تتعلق بالقيمة والمالية، وهي زكاة التِّجارة وزكاة تتعلّق بالعين. والأعيان التي تتعلّق بها الزَّكاة ثلاث حيوان وجوهر ونبات. وتختص من الحيوان بالنَّعَم (٤) ومن الجواهر بالنَّقْدَين ومن النَّبات بما يُقْتَات على ما سنفصل فيه، وصاحب الكتاب ترك التَّرْتِيب والتَّقسيم، واقتصر على
_________________
(١) سورة المزمل، الآية ٢٠.
(٢) سورة البينة، الآية ٥.
(٣) قال ابن الصلاح: بحثت عنه فلم أجد له أصلًا. وقال الحافظ ابن حجر: وهو عجيب منه وأخرجه الطبراني في الصغير (٩٣٥).
(٤) سميت نعمًا لكثرة نعم الله فيها على خلقه؛ لأنها تتخذ للنماء غالبًا لكثرة منافعها. والنعم اسم جمع لا واحد له من لفظه، يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾، وفي موضع آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، وجمعه أنعام، وأنعام جمع أناعم. (قاله الخطيب).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
المَقَاصد، فقال: (الزكاة ستة أنواع، وهي زكاة النَّعَم والمُعشرات والنَّقْدَين والتِّجَارة والمَعَادن وزكاة الفطر) ثم تَكَلَّمَ في زكاة النَّعَمِ في طرفين: الوجوب، والأداء ولك أن تقول: كان الأَحْسن في التَّرتيب أن يقول أولًَا النظر في الزَّكاة في طرفين الوجوب، والأداء ونتكلم في الأنواع السِّتة في طرف الوجوب، ثم نعود إلى طَرَفِ الأَدَاء؛ لأن الكَلاَم في الأداء لا اخْتِصَاص له بزكاة النَّعَمِ، بل يعمّ سائر الأَنْوَاع، ثم جعل للوجوب ثَلاثةَ أرْكَانٍ: قدر الواجب، وما تجب فيه ومن تجب عليه ولك أن تقول: من تجب عليه زَكَاة النّعم، هو الذي تجب عليه زكاة المُعشرات وغيرها، فلا تفصيل فيه بين الأنواع، وإنما التَّفْصيل في الرُّكْنين الباقيين، فكان الأولى أن يقول: النظر في الزكاة في الوجوب، والأداء، وللوجوب أركان:
أحدها: من تجب عليه ونفرغ منه ثم نذكر الرُّكْنين الآخرين، ويدرج فيهما تفصيل الأنواع وما يختلف فيه، ثم قدر الواجب من الأركان الثَّلاثة يتبين في خلال بيان النّصب فلذلك أحاله على ما بعده، وأما ما تجب فيه وهو المال فقد قال له ستة شروط:
أحدها: كونه نعمًا (١). والثاني: كونه نِصَابًا. والثالث: الحَوْل. والرابع: دوام المِلْك فيه مدة الحَوْل. والخامس: السَّوْم. والسادس: كمال المِلْك، وهاهنا كلامان:
أحدهما: أن من هذه الشروط ما لا يختص بزكاة النَّعَم كالحَوْل وكمال الملك، وما يعتبر في هذا النوع وغيره لا يحسن تخصيص هذا النوع بذكره بل الأحسن إيراد يستوي نسبتها إليه.
والثاني: أن قوله: ما تجب فيه، وهو المال لا شك أن المراد منه ما تجب فيه زكاة النَّعَم، فإن الكلام فيها ولا معنى لزكاة النَّعَمِ سوى الزكاة الواجبة في النَّعَم، فكأنه قال: شرط الزكاة الواجبة في النَّعم أن يكون الواجب فيه نعمًا، وهذا رَكِيكٌ من الكلام، وإن لم يكن رَكيكًا فهو أوضع من أن يحتاج إلى ذكره.
وفقه الفصل أنه لا تجب الزكاة في غير الإبل والبقر والغنم من الحيوانات كالخيل والرقيق إلاَّ أن يكون للتجارة.
وقال أبو حنيفة -﵀- إذا كانت الخَيْل ذكورًا وإناثًا أو إناثًا فصاحبها بالخِيَار
_________________
(١) هذا الشرط في الحقيقة؛ ليخرج المتولد من الغنم والظباء إلى آخر ما ذكره. وقال الشيخ الإمام البلقيني: لا تولد بين الإبل والبقر أو بين البقر والغنم، فهل نقول لا زكاة فيه لأنه لم يتمحض من الإبل ولا من البقرة ولا من الغنم، أم نقول تجب فيه الزكاة لأن كلاهن أصله زكوي؟ وسكت عن الجواب وهو مهم. وقال الولي العراقي في مختصر المهمات: والظاهر أنه يزكي زكاة أخفهما، فالمتولد بين الإبل والبقر يزكي زكاة البقر لأنه المتيقن.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
إن شاء أعطى من كل فرس دينارًا وإن شاء قَوَّمَهَا وأعطى من كل مائتي درهم خَمْسة دَرَاهم، وإن كانت ذكورًا منفردة فلا شيء فيها. لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١). ولا تجب الزكاة فيما يتولد من الظِّباء (٢) والغَنَمِ سواء كَانت الغَنَم فُحولًا أو أمهات خلافًا لأحمد -﵀- حيث قال: تجب في الحالتين، ولأبي حنيفة ومالك حيث قالا: تجب إن كانت الأمهات من الغنم.
لنا أنه لم يتولّد من أصلين تجب الزَّكاة في جنسهما فلا تجب فيه الزَّكاة كما إذا كانت الفُحُول والأمهات ظِبَاء، وأيَّد الشّافعي -﵁- المسألة بأن البغل لا يسهَّم له بِسَهْم الفَرَس، وإن كان أحد أصليه فرسًا وموضع العلامة في الصورتين من لفظ الكتاب واضح، وإنما ذكرهما ليشير إلى الخلاف فيهما، وإلا ففي قوله: فلا زكاة إلا في الإبِل والبَقَرِ والغنم ما يفيد نفي الوجوب في الصُّورتين بل في قولنا: يشترط كونه نعمًا ما يفيد نفي الوجوب في غير الإبل والبقر والغنم؛ لأن اسم النَّعَم لهذه الحيوانات الثلاثة عند العرب.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ (٣). ففصل الخيل عن الأنعام، وإنما صرح بقوله: فلا زكاة إلا في الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وفيه إشارة إلى اخْتِصَاص اسم النَّعَم بالأنواع الثَّلاثة، وأما قوله بعد ذلك: ولا تجب في غيرها فلا فائدة فيه.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّعَمُ نِصَابًا (أَمَّا الإِبِلُ) فَفِي أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ، فِي كُلِّ خَمْس شَاةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْس وَثَلاَثينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونِ ذَكَرٌ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونِ، فَإِذَا بَلَغَت سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حَقّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُون، فَإذَا بَلَغَت إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ، فَإذَا صَارَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، فَإذَا صَارَتْ مِائَةً وَثَلاَثينَ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ (ح)، كُلُّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٦٣، ١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢).
(٢) الظبي هو جنس حيوانات من ذوات الأظلاف والمحفوفات القرون، أشهرهما الظبي العربي، ويقال له: الغزال الأعفر. المعجم الوسيط (٢/ ٥٨١).
(٣) سورة النحل، الآية ٨.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
ذَلِكَ لَفظُ أَبِي بَكْرِ -﵁- فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، وَبِنْتُ المَخَاضِ لَهَا سَنَةٌ، وَلبِنْتِ اللَّبُون سنَتَانِ، وَللْحِقَّةِ ثَلاَثٌ، وَللْجَذَعَةِ أَرْبعٌ،
قال الرافعي: الأصل المرجوع إليه في نِصَاب الإبل ما روى الشَّافِعِي -﵁- بإسناده عن أنس بن مالك -﵁- أنه قال: هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى المُسْلِمِيْنَ الَّتِيَ أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سَأَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سَأَلَهَا فَوْقَ حَقِّهِ فَلاَ يُعْطِهِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الكِتَاب لَفْظًا بِلَفْظٍ إلى قوله: فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ إلا أنه قال: في سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ فَفِيها حَقَّةٌ طَرُوقَةٌ الجَمَل، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ (١).
قوله: هذه الصَّدقة ترجمة الكتاب وعنوانه، كما يقال: هذا مختصر كذا وكتاب كذا ثم افتتح الكتاب. وقوله: هذه فريضة الصَّدَقة أي: بيان الصَّدَقة التي أمر اللهُ بِهَا، وأجمل ذكرها بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (٢). وقوله: التي فرضها رسول الله -ﷺ-. قال الصيدلاني: يعني قدرها، وقال المَسْعُودي: يعني أوجبها وصاحب "الشَّامل" أوردهما معًا على سبيل الاحتِمَال. وقوله: "من سألها فوق حقه فلا يعطه" فيها وجهان لأصحابنا: منهم من قال: لا يعطه شيئًا. ومنهم من قال: لا يعطه الزِّيَادة، وهو الأصحّ باتِّفاق الشَّارحين.
إذا تقرَّر ذلك فنقول: لا زكاة في الإبل (٣) حتى تبلغ خَمْسًا، فإذا بلغت خَمْسًا ففيها شاةً، ولا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ عشرًا، فحينئذ ففيها شَاتَان، ولا يزياد بزيادتها شيء حتى تبلغ خمس عشرة، فحينئذ فيها ثَلاَثُ شياه ولا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ عشرين فحينئذ فيها أربع شياه ثم لا يزيد شيء حتى تبلغ خَمْسًا وعشرين فحينئذ فيها "بِنْت مَخَاض"، ثم لا شَيْءَ حَتى تَبْلُغ سِتًّا وثلاثين ففيها "بِنْتُ لَبُون" ثم لا شيء حتى تبلغ ستًّا وأربعين ففيها "حِقَّة"، ثم لا شيء حتى تَبْلُغ إحدى وستين، ففيها جَزَعَة، ثم لاشيء حتى تبلغ ستًا وسبعين ففيها "بِنْتًا لبون"، ثم لاشيء حتى تَبْلُغ إحدى وتسعين ففيها "حِقَّتَان"، ثم لا يزيد شيء بزيادتها حتى تجاوز مائة وعشرين، فإن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٤٨، ١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥).
(٢) سورة التوبة، الآية ١٠٣.
(٣) والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه وتسكن باؤه للتخفيف، ويجمع على آبال كجمل وأجمال.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
زادت واحدة وجبت ثلاث "بَنَات لَبُون"، وإن زاد شقْصٌ من واحدة فهل هو كزيادة الوَاحِدَة حتى تجب ثلاث بنات لَبُون أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما وبه قال الإصطخري: نعم، لظاهر قوله -ﷺ-: "فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ" (١)، وزيادتها على هذا المبلغ كما تحصل بواحدة تحصل بما دونها.
وأصحهما: لا، ولا يجب إلا حِقَّتَان؛ لأن الزيادة مفسّرة بالواحدة، في رواية ابن عمر -﵄-؛ ولأن الزكاة مبنيّة على تغيير واجبها بالأَشْخَاص دون الأَشْقاص، وإذا زادت واحدة وأوجبنا ثلاث بنات لَبُون، فهل للواحدة قسط من الواجب أم لا؟ فيه وجهان: قال الاصطخري: لأنه -ﷺ- قال: "فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ" (٢) ولو قدرنا أنَّ لها قسط من الوَاجب، لكانت كلُّ بنت لَبُون في أربعين وثلث. وقال الأكثرون: نعم، لأن تغيُّر الواجب بالواحدة، فيتعلّق الواجب بها كالعَاشِرَة والخَامِسَة والعشرين وغيرهما، وما ذكر من الظَّاهِرِ يعارضه ما روى في بعض الروايات أنه -ﷺ- قال: "فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ" (٣).
فعلى هذا لَوْ بَلَغَتْ الواحدة بعد الحَوْل وقبل التَمَكُّن، سقط من الواجب جزء من مائة واحدى وعشرين جزءًا، وعلى قول الإِصْطخري لا يسقط شيء؛ ثم الأمر يستقرُّ بعد بلوغ الإبل مائة وإحدى وعشرين، فيجب في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حقة، وإنما يتغير الواجب بزيادة عشر عشر، وإذا وجب عدد من بنات اللَّبون، ثم زادت عشر فصيرت ثلاثين أربعين، أبدلت بنت لبون بحقة، فإن زادت عشرة أخرى أبدلت بأخرى وهكذا، حتى يصير الكل حقَاقًا، فإذا زادت عشر عشر بعد ذلك أبدلت الحَقاق كلها ببنات اللَّبون، وزيدت واحدة.
مثاله: في مائة واحدى وعشرين ثلاث بَنَات لَبُون، كما عرفت فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها بِنْتا لَبُون وحِقَّة، فإذا صارت مائة وأربعين ففيها بنت لَبُون وحقَّتَان، فإذا صارت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقَاق، فإذا صارت مائة وستّين ففيها أربع بنات لَبُون، ثم في مائة وسَبْعِين ثلاث بنات لَبُون وحقة، وفي مائة وثمانين بنتا لَبُون وحقَّتان، وعلى هذا القِيَاس هذا مذهبنا، والحُجَّة عليه الخبر الذي تقدَّم، وساعدنا أبو حنيفة ومالك وأحمد -﵏- على ما ذكرنا إلى مائة وعشرين، ففيها حَقَّتان بالاتفاق، ثم عند أبي حنيفة يستأنف الحساب، ففي كل خمس تزيد شاة مع الحِقَّتَيْن فإذا بلغت مائة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٦٨، ١٥٦٩، ١٥٧٠) من رواية ابن عمر والترمذي (٦٢١) وضعفه ابن الملقن (١/ ٢٨٦).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وخمسًا وأربعين، ففيها بنت مَخَاض مع الحِقَّتين، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حِقَاق، ثم يستأنف الحساب فيجب في كل خمس تزيد شاة مع الحقاق الثّلاث، إلى أن تبلغ مائة وخمسًا وسبعين، فحينئذ فيها بنت مَخَاض وثلاث حقَاق، وفي مائة وست وثمانين بنت لَبون وثلاث حقاق، وفي مائة وست وتسعين أربع حِقَاق، وربما قيل وفي مائتين أربع حِقاق؛ لأن الأربع عفو لا يختلف الوَاجِبُ بوجودها وعدمها، ثم بعد المائتين يستأنف الحِساب، وعلى رأس كل خمسين يجعل أربع عفوًا على ما ذكرنا، وعند مالك إِذَا زَاد على عشرين ومائة أقل من عشر لم يتغير الواجب، فإذا بلغت مائة وثلاثين فحينئذ فيها بنتا لَبُون وحِقَّة، وقد استقر الحساب في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا، ورواية ثالثة أنه إذا زادت واحدة على المائة والعشرين تغيَّر الفرض، وتخيَّر السَّاعي بين الحِقَّتَيْن وبين ثلاث بنات لَبون.
وعن أحمد روايتان كالروايتين الأوليين عن مالك، والأصح عنه مثل مذهبنا.
إذا عرفت هذه المذاهب رقّمت قوله في الكتاب: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، بالحاء والميم والألف وقد أعلم بالواو أيضًا؛ لأن إمام الحرمين قال: حكى العراقيون أن ابْن خَيْرَان من شيوخنا كان يخيّر وراء المائة والعشرين بين مذهب الشّافعي -﵁- ومذهب أبي حنيفة -﵀-، فجعل ذلك وجهًا، لكن لم أَجِدْ في الكتب المَشْهُورَة للعراقيين، وتعليقاتهم، نسبة هذا المذهب إلى ابْنِ خيران، وإنما حكوه عن ابْنِ جرير الطَّبَرِي، وربما وقع تغيير في بعض النّسخ، لتقارب الاسمين، وتفرد ابْنُ جَرِير لا يعد وجهًا في المذهب، وإن كان معدودًا من طبقة أصحاب الشافعي -﵁-، ثم في الفَصْلِ أمور لا بد من معرفتها:
أحدها: أن قوله: في الكتاب فإن لم يكن في ماله بنت مَخَاض فابن لَبُون ذكر إنما ذكره جريًا على لفظ الخبر ونظامه، وأما فقهه وتعريفه فهو مذكور من بعد، ولماذا قيد ابن اللَّبون بالذَّكر وبنت المَخَاض قبل ذلك بالأنثى؟ ذكروا فيه قولين:
أصحهما: أنه وقع تأكيدًا في الكلام كما يقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني، وكما قال -ﷺ-: "ما أبقت الفرائض فَلأَوْلى رجل ذكر".
والثَّاني: أن الغَرَض منه أن لا يؤخذ الخُنْثَى فإن في خلقته تشويهًا وعيبًا، والصَّحيح أجزاء الخُنْثَى على ما سيأتي، ثم في لفظ الابْنِ والبنت ما يغني عنه.
الثَّاني: أنك ربما تجد في بعض النُّسَخِ عند قوله: فإذا زادت على عِشْرين ومائة، ففي كُلِّ أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة زيادة، وهي فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لَبُون، ثم في كل أربعين بنت لَبُون، وهذه الزيادة صحيحة ولكن الكلام مستقيم دونها، والظاهر أنها مُلْحقة غير مذكورة من جهة المصنف لأمرين.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
أحدهما: أنه لم يذكرها في "الوسيط".
والثاني: أنه قال: آخرًا كل ذلك لفظ أبي بَكْرٍ -﵁- في كتاب "الصَّدَقَة" وليس فيما نقل من لفظ أبي بكر -﵁- الزَّيَادة، وإنَّمَا نسبه إلى أبي بكر؛ لأنه -﵁- هو الَّذي كتب لأنس بن مالك -﵁- كتاب "الصَّدقة" لمَّا وجهه إلى البحرين (١).
والثالث: بيان الأَسْنان التي جرى ذكرها في الفصل.
اعلم أن النَّاقة أوَّل ما ولدت، يسمى وَلَدُهَا الذَّكر رَبْعًا، والأنثى رَبْعَة، ثم يقال له: هيعاو هيعة (٢) ثم فَصِيلٌ إلى تَمام سنة، فإذا تمت له السَّنة، وطعن في الثانية سعى ابْن مَخَاض إن كان ذكرًا، وبنت مَخَاض إن كانت أنثى وذلك لأن الناقة بعد تمام سنة من ولادتها تحيل مرة أخرى، فتصير من المَخَاض وهي الحَوَامل، فيكون الولد ولد ناقة هي المَخَاض، وتسمى بذلك وإن لم تحبل بعد نظر إلى الوقت ثم إذا تمَّت للولد سنتان، وطعن في الثالثة سمى الذكر ابن لبون، والأنثى بنت لَبُون، لأن الأم قد ولدت وصارت لَبونًا، ثم إذا استوفى الولد ثلاث سنين وطعن في الرَّابعة سمى الولد حقًّا، والأنثى حقَّة، ولمَ سمى بذلك؟ اختلفوا فيه منهم من قال: لاستحقاقه الحَمْل عليه وركوبه، ومنهم من قال: لأن الذَّكر استحق أن يَنْزُوَ والأنثى استحقت أن يُنْزَى عليها، وَبِحَسب هذين القولين اختلفوا في قوله: طَرُوقَةُ الجَمَل، على ما سبق في الخبر، فمن قال بالأول قرأ: طَرُوقَةُ الجمل -بالحاء- أي استحقت الحمل عليه، ومن قال بالثَّاني قرأ طَرُوقَة الجمل بالجيم، لأنها استحقَّت أن يطرقها الجَمل، ذكر ذلك كله المَسْعُودي والمشهور الصَّحيح هو الجمل، ويدل عليه ما روي في بعض الروايات طروقة الفَحْل، ثم إذا استوفى الولد أربع سنين، وطعن في الخَامسة سمى الذَّكر جَزَعًا والأنثى جَذَعَة، لأنه يجذع مَقْدم أَسْنانه أي يسقطه وهذه غاية أَسْنَان الزكاة.
قال الغزالي: (وَأَمَّا البَقَرُ) فَفِي ثَلاِثينَ مِنْهُ تَبِيعُ وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ
_________________
(١) تقدم.
(٢) قال النووي: بضم أول الجميع وفتح ثانية. وفي شرح المهذب والكفاية والثلاث كما ذكرا. قال في المهمات: والذي نص عليه أهل اللغة -ومنهم الأزهري في الكلام على المختصر، والجوهري في باب العين- أن الربع هو الذي يفتح أول زمان النتاج وهو زمان الربيع، وجمعه رباع بكسر الراء وأرباع، والهبع هو الذي يفتح من آخر النتاج في زمان الصيف، وسمي بذلك كما نقله الجوهري في قرلهم: هبع إذا استعان بعنقه في مشيته. قال الشاعر يصف بعيرًا عَوْجٌ يَبُدُّ الذَامِلاَتِ الهُبَّعَا. الصحاح (٣/ ١٢١٢، ٣/ ١٣٠٥).
[ ٢ / ٤٧١ ]
مُسِنَّةٌ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، ثُمَّ فِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ ثَلاَثينَ تَبِيع، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
قال الرافعي: عن النبي -ﷺ- أنه أمر معاذًا حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تَبِيعًا ومن أربعين مُسِنَّةٌ" (١).
لا شيء في البقر (٢) حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تَبِيعٌ، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أْربعين، ففيها مُسِنَّة ثم لا شيء حتى تبلغ ستِّين ففيها تَبِيعَان، وقد استقرَّ الحساب في كل ثلاثين تَبِيعٌ، وفي كل أربعين مُسِنَّة، ويتغير الواجب بزيادة عَشْر عشر، ففي سبعين تَبِيعٌ ومُسنَّة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث أَتْبعه، وفي مائة مسنة وَتَبِيعان، وعلى هذا القياس، وبقولنا قال أحمد ومالك، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
إحداها: مثل قولنا:
وأظهرها: أن فيما زاد على الأربعين يجب بحساب ذلك في كل بقرة ربع عشرة مُسِنَّة، إلى أن يبلغ ستين.
والثالثة: أنه لا شيء في الزيادة على الأربعين حتى تبلغ خمسين فيجب فيها مسنة وربع مسنَّة، وإذا بلغت ستِّين وجب تَبيعَان على الرِّوايات كلّها، واستقر الحساب كما ذكرنا، والتّبيع هو الذي له سنة وطعنَ في الثَّانية، سمى بذلك لأنه يتبع الأم، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه ويكاد يساويها، والأنثى تبيعة، والمِسنَّة هي التي تَمَّت لها سنتان ودخلت في الثَّالثة، والذكر مسن هذا هو المشهور في تفسيرهما، ويجوز أن يعلّم قوله: "وهو الذي له سنة" وقوله: "وهي التي لها سنتان" بالواو، لأن صاحب "العدة" وغيره حكوا وجهًا أن السنة ما تم لها سنة، والتَّبيع ما له ستة أشهر، وقد أشار في "النِّهاية" إلى هذا الوجه، قال: ورد في بعض أخبار الجَذع مكان التَّبِيع والجَذع من البَقَرِ كالجَذع من الضَّأن، وفي سن الجَذَعة من الضَّأْن تردد سيأتي، وهو يجري في التَّبِيع، قال: والمُسِنَّةُ في البَقَرِ بمثابة الثّنية في الغَنَمِ.
قال الغزالي: (وَأَمَا الغَنَمُ) فَفِي أَرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ، وَفِي مَائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٠٧٦) والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦)، وابن ماجة (١٨٠٣)، والدارقطني (٢/ ١٠٢)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، والبيهقي (٤/ ٩٨) وانظر تلخيص (٢/ ١٥٢).
(٢) وهو اسم جنس، واحده بقرة وباقور للذكر والأنثى، سمى بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها بالحراثة.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
شَاتَانِ، وَفِي مَائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعْمَائَة أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا أَوْقَاصٌ لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ مَائَةٍ شَاةٌ، وَالشَّاةُ الوَاجِبَةُ فِي الغَنَمِ إمَّا الجَذَعَةُ مِنَ الضَّأنِ وَهِيَ الَّتي لَهَا سَنَة أَوْ الثَّنِيَةُ مِنَ المَعْز وَهِيَ الَّتي لَهَا سَنَتَانِ.
قال الرافعي: عن أنس ابن مالك أن أبا بكر -﵄- كتب له: "فريضة الصَّدَقة التي أمر الله -تعالى- ورسوله -ﷺ-، وفي صدقة الغَنَم في سَائمتها، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عِشْرِين ومائة واحدة إلى مائتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين واحدة إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه فإن زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة: "ليس في الغَنَمِ زكاة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة، ثم لا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان ثم لا يزاد شيء حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، ثم لا يزاد شيء حتى تبلغ أربعمائة ففيها أربع شياه، وقد استقرَّ الحساب في كل مائة شاة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، والشّاة الواجبة فيها الجَذعة من الضَّأن أو الثنية من المعز وبه، قال أحمد خلافًا لمالك: حين قنع فيهما بالجذعة، ولأبي حنيقة حيث أوجب فيهما الثّنية؟ وروي عنه مثل مذهبنا أيضًا لنا ما روي سعيد بن غفلة قال سمعت مصدق النَّبي -ﷺيقول: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- بَالْجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، أو الثَّنِيَّةِ مِنَ الْمَعِزِ" (١). ولأنهما ساعدانا في الأضحية على ذلك.
واحتج الأصحاب على مالك في الجذعة من المَعِزِ، بأن هذا سن لا يجوز في الأضحية فلا يجوز في صدقة الغَنَمِ قياسًا على ما دونها وعلى أبي حنيفة في الجذعة من الضَّأن بأنها سنٌّ يجوز أضحية فيجوز في صدقة الغنم كالثَّنية، واختلفوا في تفسيرهما على أوجه:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن الجذعة ما استوفت سَنَةٌ ودخلت في الثَّانية، والثَّنية ما استوفت سنتين سميت الجذعة جذعة، لأنها تجدع السِّنّ كما [ذكر] (٢) في الإبل.
والثاني: أن الجذعة ما لها ستة أشهر، والثَّنية ما لها سنة وهو الذي ذكره في الثَّنية.
والثالث: أن الجذعة هي التي لها ثمانية أشهر، والثّنية هي التي لها سنة، وهو اختيار القاضي الروياني في "الحلية"، ويقال: إذا بلغ الضَّأن سبعة أشهر، وكان من بين
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر (٢/ ١٥٣) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي من حديث سويد -﵁-.
(٢) في أ: ذكرنا.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
شَاتَيْن، فهو جذع؛ لأن له نزوًا وضرَابًا، وإن كان من بين هَرَمين، فلا تسمى جَذَعَةً حتى تستكمل ثمانية أشهر.
وقوله: في أثناء الكلام وما بينها أَوْقَاصٌ هي جمع وقْص وهو ما بين الفَرِيضَتَيْن، ثم منهم من يقول: القاف من الوَقْص متحركة، وهو الذي ذكره في "الصِّحاح"، قالوا: ولو كانت ساكنة لجاء الجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وكلب وأكلب، ومنهم من يسكن القاف ويقول: هو مثل هَوْل وأَهْوَال، وحول وأحوال، والشّنْق بمعنى الوَقْصِ، ومنهم من قال: الوَقْصَ في البقر والغنم خاصّة، والشّنق في الإبل خاصة (١).
وقوله: لا يعتدّ بها يجوز أن يريد به أنها لا تؤثر في زِيادَةِ الوَاجِب، ويجوز أن يريد به أن الوَاجب لا ينبسط عليها بل هو عفو، وهو الصَّحيح وفيه خلاف مذكور في الكتاب من بعد. وقوله: أما الجَذَعة من الضَّأن، وهي التي لها سنة ليس المفسّر الجَذَعَة من الضَّأن بخصوصها بل الجَذَعة من الغَنم هي التي لها سنة على الوجه الأظهر سواء كانت من الضّأن أو المَعِز، وكذلك الثّنية من الغَنَمِ هي التي لها سنتان سواء كانت من الضَّأْن أو من المَعِزِ، ثم الواجبة من هذه الجذعة ومن تلك الثَّنية -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: الأَوَّلُ: فِي إِخْرَاجِ شَاةٍ عَنِ الإِبِلِ وَهِيَ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيةٌ مِنَ المَعْزِ، وَالعِبْرَةُ فِي تَعْيِينِ الضَّأنِ
_________________
(١) قال النووي: الشنق بالشين المعجمة والنون المفتوحتين والقاف قال الجمهور أهل اللغة الشنق كالوقص وقال الأصمعي يختص بأوقاص الإبل. والوقص بفتح القاف وإسكانها. المشهور في كتب اللغة فتحها، والمشهور في استعمال الفقهاء إسكانها، وقد جعلها ابن بري من لحن الفقهاء في الجزء الذي جمعه في اللحن والتصحيف، وعقد القاضي أبو الطيب وصاحبه صاحب (الشَّامل) وغيرهما فصلًا في هذه اللفظة حاصله تصويب الإسكان والرد على من غلط الفقهاه في ذلك، ونقلوا أن أكثر أهل اللغة قالوه بالإسكان. وفي هذا النقل نظر؛ لأنه مخالف للموجود في كتب اللغة المشهورة المعتمدة. ثم قيل: هو مشتق من قولهم: رجل أوقص إذا كان قصير العنق لم يبلغ عنقه حد أعناق الناس. فسمي وقص الزكاة لنقصانه عن النصاب. ويقال في الوقص: (وقس) بالسين، وكذا ذكره الشافعي في مختصر المزني، وكذا رواه البيهقي عن الشافعي من رواية الربيع. ورواه البيهقي أيضًا عن المسعودي راوي هذا الحديث، وهو من التابعين. قال المسعودي: هو بالسين فلا يجعلها صادًا، ثم المشهور أن الوقص ما بين الفريضتين كما بين خمس وعشرين. وقد استعملوه أيضًا فيما لا زكاة فيه وإن كان دون النصاب، كأربعٍ من الإبل، ومنه قول الشافعي في البويطي: وليس في الأوقاص شيءٌ، وهي ما لم يبلغ ما تجب الزكاة فيه. فحصل من مجموع. هذا أنه يقال: وقص بفتح القاف وإسكانها، ووقسٌ وشنقٌ، وأنه يستعمل فيما لا زكاة فيه، ولكن أكثر استعماله فيما بين الفريضتين. ينظر تحرير التنبيه (١١٩ - ١٢٠).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
أَوُ المَعْزِ بِغَالِبِ غَنَمِ البَلَدِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِأَنّ الاسْمَ مُنْطَلِقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخْرَجَ ذَكَرًا فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ أَوْ عَنْ عَشْرٍ أَخَذَ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ شَاةٍ.
قال الرافعي: لك أن تقول: النَّظَرُ الثَّالث والخامس لا اختصاص لهما بزكاة الإبل على ما سنبينه من بعد، وإنما كان يحسن قوله في زكاة الإبل في خمسة مواضع، إذا كانت المواضع كلها مختصة بالإبل، إذا تقرر ذلك فالنظر الأول في كيفية إخراج الشَّاة من الإبل، وقد ذكرنا أن الواجب في الإبل قبل بلوغها خمسًا وعشرين الشِّياه، وإنما تجب الجَذَعَة من الضَّأن، والثَّنيةُ من المعز كما ذكرنا في الشَّاة الواجبة في الغنم، لما روي أن مصدق النبيّ -ﷺ- قال: "إنَّمَا حَقُّنَا فِي الجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَنِيَّةِ مِنَ الْمَعْزِ" (١). وروي أنه قال: "أُمِرْنَا بَأَخْذِهِمَا" (٢) وخلاف أبي حنيفة في أن الواجب منها الثنية ومالك في أن الجذعة منهما تجزئ عائد هاهنا أيضًا، ثم في الفصل مسائل؟
إحداها: هل يتعين أحد النوعين من الضَّأن والمَعِزِ؟ حكى في الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: أنه يتعين غالب غنم البلد، إن كان الغالب الضَّأن وجب الضأن، وإن كان الغالب المَعِزُ وجب المعز؛ لأنه مال وجب في الذِّمة بالشرع، فاعتبر فيه عرف البلد كالكَفَّار، هذا ما ذكره صاحب "المهذّب"، وقال: إن استويا يخير بينهما.
والثاني: أنه يخرج ما شَاءَ من النَّوعين، ولا يتعيّن الغالب في البلد، لأنه -ﷺ- قال: "في خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ شَاةً"، واسم الشاة يقع عليهما جميعًا، فصار كما في الأَضْحِيَة لا يتعين فيها غنم البلد؛ وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجه آخر، وهو أنه يتعين نوع غنمه إن كان يملك غنمًا، كما إذا كان يزكي عن الغنم، وكما في إبل العَاقِلَةِ على رأي، ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "فغالب غنم البلد" وكذا قوله: "يخرج ما شاء" بالواو لمكان هذا الوجه الثالث، والثاني معلّم بالميم أيضًا؛ لأن الحكاية عن مالك أنه يجب من غالب غنم البلد. وقوله: "يخرج ما شاء ويؤخذ منه"، لا ضرورة إلى الجمع بين هذين اللفظين، والمقصود حاصل بأحدهما.
ثم اعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأول، وحكاه إمام الحرمين عن العِرَاقيين، وذكر أن صاحب "التَّقْرِيب" نقله عن نص الشافعي -﵁-، ونقل نصوصًا أخر تقتضي التَّخيير ورجحها، وساعده الإمام عليه، وإليه صار الأكثرون وربما
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
لم يذكروا سواه، فإذًا الوجه الثاني أصحُّ في المذهب. والشُّبْهة داخله في حكاية الإمام عن العِرَاقيين من وجهين:
أحدهما: أن الشيخ أبا حامد وَشِيْعته نصوا على أنه لا يعتبر غالب غنم البلد، وإنما يعتبر غنم البلد فحسب.
والثَّاني: أنه يشبه أنهم أرادوا بما ذكروا تَعْيِينَ ضَأْن البلد ومعزه، وذلك لا ينافي التَّخْيير بين الضَّأن والمَعِزِ يدل عليه أن صاحب "الشَّامل" خير بين الضَّأن والمَعِز، ومع ذلك قال: يخرج من غنم البلد وكذلك خير في "التَّتمة" بين النوعين، ثم حكى وجهين في أن الضَّأن المخرج أيضًا مثلًا هل يجب أن تكون مع نوع ضان البلد، أم لا؟ ومن قال: يتعيين غنم البلد قال: لو أخرج غيرها وهي خير من غنم البلد بالقيمة أجزأته، وكذلك لو كانت مثلها إنما الممتنع أن يخرجها وهي دونها.
الثانية: لو أخرج جذعًا من الضَّأن أو ثَنيًا من المَعِزِ هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالشَّاة المخرجة من الأربعين من الغنم، وكَأَسْنَان الإبل المؤدّاة في زكاتها وهذا لأن في الإِنَاثِ رفق الدّر والنَّسل فيبنى أمر الزَّكَاة على اشْتراط الأنوثة في المؤدي فيها:
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق ونعم، لشمول الاسم كما في الأضحية.
ثم ذكر في "التتمة" طريقين:
أشهرهما: أن الوجهين مطردان فيما إذا كانت الإبل ذكورًا كلها وفيما إذا كانت إناثًا أو مختلطة، وهذا هو الموافق لإطلاق الكتاب والمذكور في "التهذيب".
والثاني: أنها إذا كانت إناثًا أو كان بعضها إناثًا لم يَجُزْ إخراج الذكر والوجهان مخصوصان بما إذا كانت ذكورًا كلها والوجهان مبنيان على أصل سنذكره، وهو أن الشَّاة المخرجة عن الإبل أصل بنفسها أم عن الإبل. إن قلنا: بدل جاز إخراج الذَّكر كما لو أخرج عنها بعيرًا ذكرًا يجزئه، وإن قلنا: أصل لم يجز جريًا على الأصل المعتبر في الزكوات وهو كون المخرج أنثى، وقوله في الكتاب: "فعلى هذين الوجهين" أشار به إلى تقارب مأخذ الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها.
الثَّالثة: لو ملك خمسًا من الإبل ولزمته شاة فأخرج بعيرًا، فظاهر المذهب أنه يجزئه، وإن كانت قيمته أقلَّ من قيمة الشَّاة، خلافًا لمالك وأحمد حيث قالا: لا يجزئ إلا الشَّاة. لنا أن البعير يجزئ عن خمس وعشرين، والخمس داخلة فيها، فأولى أن يجزئ عنها منفردة، وفي المسألة وجهان آخران:
أحدهما: أن البعير إنَّما يجزئ إذا بلغت قيمته قيمة شَاة، أما إذا انقصت فلا لما
[ ٢ / ٤٧٦ ]
فيه من الإِجْحاف بالفقراء، حُكِيَ هذا عن القفال والشيخ أبي محمد.
والثاني: أنه إن كانت الإبل مراضًا أو قليلة القيمة لعيب بها فأخرج بعيرًا منها جاز، وإن كانت قيمته أقل من قيمة الشاة أما إذا كانت صحاحًا سليمة لم يجز أن يخرج عنها بعيرًا قليل القيمة. والفرق أنه في المراض لا يعتقد بأداء البعير تطوعًا وفي الصحاح يعتقد التَّطوع.
وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وهذا الوجه هو الذي أورده الصَّيْدَلاَني وحكى المنع فيما إذا كانت الإبل صحاحًا هو وغيره عن نص الشافعي -﵁- وفي كلام الشيخ أبي محمد حمل ذلك النَّص على الاسْتحباب، وإذا قلنا بظاهر المذهب فأخرج بعيرًا عن خمس من الإبل فهل يكون كله فرضًا أو يكون خمسة فرضًا والباقي تطوعًا؟ فيه وجهان شبههما الأئمة بالوجهين في المُتمتع إذا ذبح بُدْنة بدل الشَّاة هل تكون كلها فرضًا أو الفرض سبعها؟ وفيمن مسح جميع الرأس هل يقع الكل فرضًا أم لا؟ وجعلوا المصير إلى أن الكلَّ ليس بفرض، في مسألتي الاسْتِشْهاد أوجه؛ لأن الاقتصار على سبع بدنة في الهَدَايا، وعلى بعض الرأس في المسح جائز، ولا يجزئ هاهنا أخراج خمس بعير بالاتفاق وكذلك قال الإمام من يقول: الفرض مقدار الخمس يعني به، على شرط التَّبرع بالباقي ليزول عيب التَّشْقِيص، وذكر قوم منهم صاحب "التهذيب" أن الوجهين مبنيّان على أصل، وهو أن الشياة الواجبة في الإبل أصل بنفسها أم هي بدل عن الإبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها أصل جريًا على ظاهر النص.
والثاني: بدل لأن الأصل وجوب جنس المال؟ إلاَّ أن إيجاب بعير قبل كثرة الإبل يجحف بربِّ المال وإيجابُ شِقْص بعير ممَّا يشقُّ لما فيه من نقصان القيمة وعسر الانْتِفَاع، فعدل الشَّارع إلى الشَّاة ترفيهًا وإرفاقًا، فإن قلنا: الأصل هو الشاة، فإذا أخرج البعير كان كله فرضًا كالشاة، وإن قلنا: الأصل هو الإبل، فإذا أخرج بعير كان الواجب خمسًا؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين وحصّة كل خمس حينئذ خمسة.
ولو أخرج بعيرًا عن عشر من الإبل أو عن خمس عشرة أو عشرين، هل يجزئه؟ فيه وجهان بنوهما على الخلاف الذي تقدم، إن قلنا: إذا أخرجه عن الخمس وقع الكلام فرضًا، وقام مقام شاة فلا يكفي في العشر بعير واحد، بل لا بد من بعيرين أو بعير وشاة، وفي الخمس عشرة من ثلاثة أَبْعرة أو بعيرين وشاة، أو شاتين وبعير، أو ثلاث شياة، وفي العشرين من أربعة، وإن قلنا: الفرض قدر خمسة فيجزئ ويكون متبرعًا في العشر بثلاثة أخماسه، وفي الخمس عشرة بخمسة وفي العشرين بخمسة، ولم يرتض الإمام هذا البناء، ومن وجوه الإشكال فيه أنه يقال: لم يلزم من كون كله فرضًا
[ ٢ / ٤٧٧ ]