قال الغزالي: وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمِيَاهِ، وَلَوِ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ استُحِبَّ لِغَيْرِهِمْ أَيضًا هَذِهِ الصَّلاَةُ، وَلاَ بَأْسَ بِتَكْرِيرِهَا إِذَا تَأخَّرَتِ الإِجَابَةُ، وَإنْ سُقَينَا قَبْلَ الصَّلاَةِ خَرَجْنَا للشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالوَعْظِ، وَهَل نُصَلِّي لِلْشُّكْرِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المراد من الاسْتِسْقَاءِ في الباب مسألة الله تعالى سُقْيَا عباده عند حاجتهم إليه، وله أنواع:
أدناها: الدُّعاء المجرَّد من غير صلاة ولا خلف صلاة، إمّا فرادى أو مجتمعين لذلك.
وأوسطها: الدّعاء خلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك.
وأفضلها: الاسْتِسْقَاء بركعتين وخطبتين كما سنصفه.
والأخبار وردت بجميع ذلك، وأنكر أبو حنيفة -﵀- استحباب النوع الثالث. وقال: "المسنون في الاسْتِسْقَاء هو الدعاء، والخطبة والصلاة لها بدعة".
لنا: ما روي عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عن عمه أنّ رسول الله: "خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ" (١).
وعن ابْن عباس -﵄- أنَّ النبي: "خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ" (٢). ولا فرق في اسْتِحْبَاب الاسْتِسْقَاء بين
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٠٥، ١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣)، ومسلم (٨٩٤) وأخرجه أبو داود (١١٦١، ١١٦٢، ١١٦٣، ١١٦٤).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٠) وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣/ ١٥٦)، وابن ماجة (١٢٦٦)، والدارقطني (٢/ ٦٦) وذكره الهيثمي في الموارد (٦٠٣)، والبيهقي (٣/ ٣٤٤).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
أهل القُرى والبَوَادِي والأَمصار ولا بين المقيمين والمسافرين، ويُسنُّ لهم جميعًا الصلاة والخطبة له لاستواء الكلِّ في الحاجة. وقوله في الكتاب: "وهي سنة" أُعلم بالحاء لرجوعه إلى ترجمة الباب وهي صلاة الاستسقاء. وقد حكينا عن أبي حنيفة أن الصلاة غير مسنونة. وقوله: "عند انْقِطَاع المِيَاهِ".
بيان لِلسَّبب الدَّاعي إلى الاسْتِسْقَاء وعمم به ما إذا انقطع المطر، وما إذا غارت العُيُون في ناحية أو انبثقت الأنهار ونحوها؛ لحصول الضّرار بجميع ذلك، ولا بد من قيد في قوله: "عند انقطاع المياه" وهو أن تمسّ الحاجة إليها في ذلك الوقت وإلاَّ فلا يستسقون، ثم في الفصل مسائل: أحدها: إذا انقطع المياه عن طائفة من المُسْلِمِين استحبّ لغيرهم أن يصلوا وَيَسْتَسْقوا لهم ويسألوا الزيادة لأنفسهم (١).
روي أنه -ﷺ- قال: "أَرْجَى الدُّعَاءِ دُعَاءُ الأخَ لِلأْخ بِظَهْرِ الْغَيْب" (٢)، وقد اثنى الله -تعالى جدّه- على الدّاعين لإخوانهم بقوله: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ" (٣).
الثانية: إذا استسقوا فسقوا فذاك وإن تأخرت الإجَابة استسقوا وصلّوا ثانيًا وثالثًا حتى يسقيهم الله -تعالى جدّه- فإنَّ الله يحب المُلحِّينَ في الدعاء. وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجَّهَا آخر: أنهم لا يفعلون ذَلك إلا مرّة واحدة إذ لم ينقل زيادة عليها، ثم على
_________________
(١) فائدة: قال في شرح المهذب: قال أصحابنا: يستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، وهكذا عبارة أن يدعوا لأهل الجدب ولم يتعرضوا للصلاة، وظاهر كلامهم أنها لا تشرع الصلاة، وقال في الأم: يستسقى أهل الخصب لأهل الجدب، وكذا قال في المختصر، ولم أر من صرح بالصلاة إلاَّ الرافعي لإشعار كلام الإمام والغزالي به، فإن الإمام ذكر أن الشافعي قال، إذ بلغنا أن طائفة من المسلمين في جدب يحسن أن نخرج ونستسقي لهم وإن لم نبل بما ابتلوا به فإن المسلمين كنفس واحدة. قال في القوت: وهذا اللفظ إن ثبت عن النص دل على ذلك لأن الخروج للاستسقاء يكون معه الصلاة. لكن لم أر من ذكره هكذا عن الإمام والذي اقتفاه كلام القاضي أبي الطيب وأصحاب الشامل والبيان والانتصار والتتمة وغيرها أن الاستسقاء لهم يكون بالدعاء حيث هو الصحيح المختار ولا أعرف أثرًا ولا خبرًا في الاستسقاء لأهل النواحي البعيدة بالصلاة. روضة الطالبين (١/ ٦٠١، ٦٠٢)
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٣٥)، والبخاري في الأدب (٦٢٣)، والترمذي (٠١٩٨١) بلفظ (إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب)، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده الإفريقي، وهو مضعف في الحديث، وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء مرفوعًا. دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه. ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل آمين ولك بمثل (٢٧٣٢).
(٣) سورة الحشر، الآية ١٠.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الأوّل الصحيح، هل يعودون من الغد أم يصومون ثلاثة أيام قبل يوم الخروج كما سيأتي استحباب ذلك للخروج الأول؟ قال في "المختصر": يعودون من الغَدِ.
وحكي عن القديم" أنهم يقدمون صوم ثلاثة أيّام، واختلفوا فيهما على طريقين:
منهم من قال: هما قولان: وبه قال ابن القطان، وزعم أنه ليس في الاسْتِسْقَاء مسألة فيها قولان سوى هذه. والأول منهما أظهر. وقال الشيخ أبُو حَامِدٍ وغيره: هما مُنَزَّلان على حالين إن لم يشقَّ على الناس ولم ينقطعوا عن مصالحهم عَادُوا غدًا وبعد غدٍ، وإن اقتضى الحال التّأخير أيّامًا استأنفوا للخروج صوم ثلاثة أيام (١).
وقوله في الكتاب: "ولا بأس بِتَكْرِيرها"، هذه الكلمة لا توجب إلاَّ نَفْي الخروج والكراهة. لكن الّذي قاله الجمهور أَنَّ التَّكرير مستحبٌّ نعم الاستحباب في المرَّة الأولى آكد. الثالثة: لو تأهَّبوا للخروج لصلاة الاسْتِسْقَاء فسقوا قبل وعد الخروج خرجوا للوعظ والدّعاء والشّكر على إعطاء ما عزموا على سؤاله، وهل يصلون شكرًا؟.
حكى المصنّف وإمَامُ الحَرَمَيْنِ فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن النبي -ﷺ-: "مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلاةَ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ" (٢).
وأصحهما: وهو الذي ذكره الأكثرون وحكاه المُحَامِلِيُّ عن نصه في "الأم": أنهم يصلُّون للشكر كما يجتمعون ويدعون.
وأجرى الوجهان فيما إذا لم تنقطع المياه وأرادوا أن يصلُّوا للاستزادة.
وقوله: "خرجنا للشكر يبين أن صلاة الاستسقاء تقام في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف؛ لأن النبي: "كَانَ يَخْرُجُ لِلاسْتِسْقَاءِ إِلَى الصَّحْرَاءِ" (٣)، أو لأن النَّاس يكثرون فيه فلا يَسَعُهُمُ المسجد غالبًا.
قال الغزالي: وَالأَحَبُّ أَنْ يَأمُرَ الإِمَامُ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ المِيعَادِ بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّام وَبِالْخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يِهِمْ فِي ثِيَابِ بَذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ مَعَ الصِّبيَانِ وَالبَهَائِمِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على آداب لهذه الصلاة: منها: أن يأمر الإمام النّاس بصوم ثلاثة أيَّام قبل اليوم الذي هو ميعاد الخُروج وبالخروج عن المظالم في الدَّم
_________________
(١) قال النووي: ونقل القاضي أبو الطيب عن عامة الأصحاب: أن المسألة على قول واحد، نقل المزني الجواز، والقديم الاستحباب. ينظر الروضة (١/ ٦٠٢).
(٢) قال ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٤٨): معروف مشهور.
(٣) وقال أيضًا مستفيض في الأحاديث الصحيحة.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
والعِرض والمال، وبالتَّقرب إلى الله -تعالى جدّه- بما يستطيعون من الخير، ثم يخرجون في اليوم الرابع صيامًا، ولكل واحدة من هذه الأمور أثر في إجابة الدّعاء على ما ورد في الأخبار. ومنها: يخرج بهم في ثياب بُذِلَةٍ وَتَخَشُّع، ولا يتزينون ولا يتطيبون، لما قدمناه من حديث ابن عباس -﵄-، لكن يتنظَّفون بالماء والسِّواك وما يقطع الروائح الكريهة ويخالف العيد؛ لأن ذلك يوم زينة وهذا وقت مسألة واستكانة، فاللائق به التَّواضع ولبس بَذْلَة الثِّياب دون جديدها. ومنها: يستحبُّ [إخراج] (١) الصِّبيان والمَشَايخ؛ لأن دُعَاؤهم إلى الإجابة أقرب، وكذلك إخراج مَنْ لا هَيْئَةَ لها من النِّساء، وفي إخراج البهائم قصدًا وجهان ذكرهما صاحب "النِّهاية" وغيره.
أحدهما: لا يستحب إذ ليس لها سؤال وأهليّة طلب لكن لو أخرجت فلا بأس.
وأصحهما: أنه يستحبُّ إخراجها؛ لما روي أنها تستسقي (٢).
وعن رسول الله أنه قال: "لَوْلاَ رِجَالٌ رُكَّعُ، وَصِبْيَانٌ رُضَّعُ، وَبَهَائِمُ رُتَّعُ، لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبًّا" (٣). وقوله في الكتاب: "والبَهَائم" جواب على هذا الوجه، وإدراج له في حدِّ الأحب، وليكن معلّمًا بالواو للوجه الأول. وأما خروج أهل الذِّمَّة فقد نص الشَّافعي -﵁- على كراهته والمَنْع منه إن حضروا مستسقى المسلمين؛ لأنهم ربّما كانوا سبب القحط واحتباس القَطْر، وإن تميزوا ولم يختلطوا بالمسلمين لم يمنعوا (٤)؛ لأنهم مُسْتَرْزقة وقد تعجل إجابة دعاء الكافر اسْتدراجًا له.
وحكى القاضي الرُّوياني وجهًا آخر: أنهم يمنعون وإن تميزوا إلا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، وهذا يقتضي إعلام قوله: "وأهل الذمة" بالواو، على أن إيراد الكتاب يقتضي إدراج الخروج بهم في حَدّ الأحبّ، لكن الجمهور ساكتون عنه والتّفصيل في أنهم يمنعون أم لا؟ ومن الآداب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما
_________________
(١) في أ (أن يخرج).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٣٢٥، ٣٢٦) وقال صحيح الإسناد.
(٣) أخرجه البيهقي (٣/ ٣٤٥)، وفيه إبراهيم بن خيثمة وهو غير قوي، وله شاهد آخر ذكره أيضًا.
(٤) قال في القوت: وعبارة نص المختصر وعليه جرى الجمهور وذكره إخراج من خالف دين الإسلام وهي أصوب وأعم فالمكروه أمرهم بالخروج لآخر وجههم وعبارة حاشية الروياني ولا يجرز إخراج أهل الذمة لأن اللعنة تنزل عليهم وقضيتها تحريم إخراجهم وصرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يجوز اختلاطهم بالمسلمين ونقله عن النص. وقال الماوردي: فإن خرجوا إلى بيعهم وكنا نسهم لم يمنعوا. قال الشافعي: لكن ينبغي للإمام أن يحرص على أن يكون خروجهم من غير يوم خروجنا لئلا تقع المساواة والمضاهاة من ذلك، فإن خرجوا فمن أصحابنا من منعهم ومنهم من تركهم فهو الأصح إن شاء الله تعالى وحكي لبعض المالكية خلاف من منعهم وعلى الجواز قال: يمنعون من الانفراد بيوم فإن قد يصادف إجابتهم فتكون فتنة للعوام.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
فعل من خير فيجعله شافعًا. ومن الآداب أن يستسقى بالأكابر وأهل الصَّلاح، سيّما من أقارب رسول الله -ﷺ-: "اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ (١)، وَمُعَاوِيةُ بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ" (٢) -﵃-.
قال الغزالي: وَيُصَلِّي بِهِم رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ العِيدِ وَيَقْرَأُ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَينِ "إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا".
قال الرافعي: قد روينا عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ-: "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ" (٣).
وفي رواية: "صَنَعَ فِي الاسْتِسْقَاءِ مَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى" (٤).
فينبغي أن ينادي لها الصَّلاة جامعة، ويكبّر في الأولى سبع تكبيرات زائدة، وفي الثانية خمسًا ويجهر فيهما بالقراءة، ويقرأ في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية (اقْتَرَبَت) (٥). وعن بعض الأصحاب: أنه يقرأ في إحدى الركعتين (إنَّا أَرْسَلنَا) (٦) حكاه الصيدلاني وغيره، وهو المذكور في الكتاب، ولتكن تلك الركعة هي الثانية ويقرأ في الأولى (ق) رعاية لنظم السور، وهكذا حكاه في "التَّهذِيب"، ثم روى المحاملي عن لفظ الشّافعي -﵁-: أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين، وإن قرأ (إِنَّا أَرْسَلْنَا) كان حسنًا، وهذا يثسعر بأنه لا خلاف في المسألة، وإن كان سائغًا، ومن أثبت خلافًا في أن الأحبّ ماذا؟. وقال: الأصح: أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيد، وعلى هذه الطريقة أعلم قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا) بالواو، وسبب تعيين هذه السورة، أنها لائقة بالحال لما فيها من ذكر الاستسقاء، قال الله -تعالى جده-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٧) الآية.
وأما وقت إقامة هذه الصلاة فمنهم من قال: هي كصلاة العيد في الوقت؛ لأن النَّبي -ﷺ-: "صَلاَّهَا فِي هذَا الْوَقْتِ" وهذا ما ذكره صاحب "التهذيب"، وحكاه الإمام عن الشيخ أبِي عَلِيٍّ واستغربه، وذكر الرُّوياني وآخرون: أن وقتها يبقى بعد الزَّوال ما لم يصل العصر، ولك أن تقول: قدمنا وجهين ذكرهما الأئمة في أنَّ صلاة الاسْتِسْقَاء هل تكره في أوقات الكراهية أم لا؟ ومعلوم أَنَّ الأوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٠).
(٢) أخرجلى أبو زرعة في تاريخ دمشق. انظر الإرواء (٣/ ١٣٩).
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) سورة القمر، الآية ١.
(٦) سورة نوح، الآية ١.
(٧) سورة نوح، الآيتان ١٠، ١١.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
العيد ولا فيه مع انضمام ما بين الزَّوَال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاسْتِسْقَاء منحصرًا (١) في ذلك، وليس لحامل أن يحمل الوجهين في أوقات الكراهية على قضائها، فإن صلاة الاستسقاء لا تقضى (٢). وقد صرح صاحب "التَّتِمَّة" بأن صلاة الاسْتِسْقَاء لا تختص بوقت دون وقت بل أي وقت صلاها من ليل أو نهار جاز.
وقوله: "ويصلي ركعتين" معلم بالحاء لما سبق أنه لا تستحب الصلاة. وقوله: "كصلاة العيد" بالميم والألف؛ لأن عند مالك ليس في هذه الصلاة تكبير زائد وبه قال أحمد في رواية:
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ كَخُطْبَةِ العِيدِ وَلَكِنْ يبُدِّلُ التَّكْبِيرَاتِ بِالاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ فِي الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ، وَيْسَتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِيهِمَا وَيحَوِّلُ رِدَاءَهُ تَفَاؤُلًا بِتَحْوِيلِ الحَالِ فَيَنقْلِبُ الأعْلَى إلَى الأَسْفَلِ وَالَيَمِينَ إِلَى اليَسَارِ وَالظَّاهِرَ إلَى البَاطِنِ، وَيتْرُكُة كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْزِعَ ثِيَابَهُ.
قال الرافعي: قوله: "ثم يخطب" مرقوم بالألف؛ عنده لا خطبة لصلاة اسْتِسْقَاء، ولكن يدعو الإمام ويكثر في دعائه من الاسْتِغْفَار وهو مخير بين أن يدعو قبل الصلاة أو بعدها، وعندنا يخطب له، لما روى ابن عباس -﵄- أنَّ النبي: "صَنَعَ فِي الإسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ" (٣). وعن أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ-: "خَرَجَ إِلَى الإِسْتِسْقَاءِ فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ وَخَطَبَ" (٤).
إذا ثبت ذلك فينبغي أنْ يخطب خطبتين، وهما في الأَرْكَان والشرائط كما تقدم، ويبدل التَّكبيرات المشروعة في أول خُطْبَتي العيد بالاستغفار، فيقول: "أسْتَغفِرُ اللهَ الَّذِي
_________________
(١) وهو غريب، فإن وقت الاستواء من أوقات الكراهة وهو وقت العيد بلا خلاف وأيضًا فإن الأصح أن وقت العيد يدخل بطلوع الشمس وقد جزم من المحرر، ووقت الطلوع من أوقات الكراهة.
(٢) قال النووي: ليس بلازم ما قاله، فقد تقدم أن الأصح: دخول وقت العيد بطلوع الشمس، وهو وقت كراهة وممن قال بانحصار وقت الاستسقاء في وقت العيد، الشيخ أبو حامد والمحاملي، ولكن الصحيح الذي نَصَّ عليه الشافعي، وقطع به الأكثرون وصححه الرافعي في "المحرر" والمحققون: أنها لا تختص بوقت، كما لا تختص بيوم. وممن قطع به صاحبا "الحاوي" و"الشامل" ونقله صاحب "الشامل" وصاحب "جمع الجوامع" عن نص الشافعي -﵁- وقال إمام الحرمين لم أر التخصيص لغير الشيخ أبي علي. ينظر الروضة (١/ ٦٠٤ - ٦٠٥).
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦)، وابن ماجة (١٢٦٨)، والبيهقي (٣/ ٣٤٧)، وقال في خلافياته: رواته ثقات. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيَّومُ وَأتُوبُ إِلَيْهِ" ويختم كلامه بالاستغفار أيضًا ويكثر منه في الخطبة ومن قوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١).
ويجوز أن يعلم قوله: "يبدل التكبيرات بالاستغفار" بالواو؛ لأن صاحب "البَيَان" حكى عن المُحَاملي أنه يكبِّر في أول الخطبتين، كما يكبِّر في أوّل خطبتي العيد.
وقوله: "لكن يبدل" استدراك واستثناء عن تشبيه هذه الخطبة بخطبة العيد، لكن افتراقهما غير منحصر فيه، بل يفترقان في أمور أخر: منها: أن يستقبل القِبْلَة في الخطبة الثانية كما سنذكر. ومنها: أن يدعو في الأولى بما روي عن ابن عمر -﵄ - أنّ النبي: كان إذا استسقى قال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مَرِيعًا غَدَقًا، مُجَلَّلًا سَحًّا، طَبقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلاَدِ مِنَ الَّلأوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لاَ نَشْكُوهُ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلاَءِ مَا لاَ يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدرَارًا" (٢). ويكون في الخطبة الأولى وصدر الثَّانية مستقبلًا الناس مستدبرًا للقبلة كما في الجمعة والعيد ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرًّا أو جهرًا، قال الله -تعالى جدّه-: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٣) وإذا أسرَّ دعا الناس سرًّا ورفعوا أيديهم في الدّعاء. وقد روى عن أنس -﵁- أنَّ النَّبي -ﷺ-: "اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ" (٤).
قال العلماء: وهكذا السّنة لمن دعا لدفع البَلاَء جعل ظهر كفَّيه إلى السَّمَاء، وإذا سأل الله -تعالى- شيئًا جعل بطن كفه إلى السماء.
قال الشافعي -﵁-: وليكن مِنْ دُعَائهم في هذه الحالة: "اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعْدَتْنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةٍ في مَا قَارَفْنَا، وإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا وَسَعَةٍ في رِزْقِنَا".
وقوله في الكتاب: "ويستقبل القبلة فيها"، ربما أوهم استحباب الاستقبال في جميعها وليس كذلك، بل المراد: أنه يستقبل القِبْلَةَ في أثنائها.
ثم إذا فرغ من الدّعاء مستقبلًا أقبل بوجهه على النّاس وحضَّهم على طاعة ربهم،
_________________
(١) سورة نوح، الآيتان ١٠، ١١.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم تعليقًا (٢٢٢١)، وانظر التلخيص (٢/ ٩٨) وما بعدها.
(٣) سورة الأعراف، الآية ٥٥.
(٤) أخرجه مسلم (٨٩٦).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
ويصلي على النبي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ آية أو آيتين ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل، هذا لفظ الشَّافعي -﵀-.
ويستحب عند تحوّله إلى القيام أن يحول (١) رداءه، وهل ينكسه مع التحويل؟ فيه قولان:
الجديد: نعم.
والقديم: لا، وبه قال مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة -﵀- لا يفعل واحدًا منهما.
والتحويل: أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وبالعكس. والتنكيس: أن يجعل أعلاه أسفله وبالعكس. أما التَّحوَّل فهو منقول عن فعل رَسُولِ الله -ﷺ- (٢). وأما التَّنكيس فقد نقل: أَنَّهُ هَمَّ به، لَكِنْ كان عليه خَمِيصَةٌ، فثقلت عليه، فقلبها مِنَ الأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ" (٣)، فرأى الشَّافعي -﵁- في الجديد اتباعه فيما هم به لظهور السَّبب الدَّاعي إلى التَّرك، ومتى جعل الطرف الأسفل الَّذي على شقّه الأيسر على عاتقه الأيمن والطرف الأسفل الذي على شقّه الأيمن على عاتقه الأيسر فقد حصل التحويل والتنكيس جميعًا، وهذا كله في الرِّداء المربع.
فأمّا المقوّر والمثلّث فليس فيه إلاَّ التَّحْويل، والنَّاس يفعلون بأرْدِيَتِهِمْ مثل ما فعل الإمَام؛ والسبب في ذلك التَّفاؤل بتحويل الحال من الجدُوبَة إلى الخَصب، "وكَانَ النَّبي -ﷺ- يُحَبُّ الْفَأْلَ" (٤) وإذا حوَّلوا الأَرْدِيَة تركوها كذلك إلى أن ينزعوا الثِّيَاب. وقوله: "ويحوِّلُ رداءه" مرقوم بالحاء لما ذكرنا. وقوله: "فيقلب" مرقوم به أيضًا وبالميم والأف والواو للقول القديم الصَّائر إلى أنه لا يقلب الأعلى إلى الأسفل، وهذا الكلام تفسير منه لِلتَّحويل والتَّنْكيس مندرج فيه، فقد أخذ في التَّفسير قلب الظَّاهر إلى البَاطن، وإنما قلَّد فيه إمام الحرمين -﵀-، فقد حكي عن الجديد أنه يقلب أسفل الرِّدَاء إلى الأعلى، ويقلب ما كان من جانب اليمين إلى اليسار، ويقلب ما كان باطنًا يلي الثِّياب
_________________
(١) متفق عليه من رواية عبد الله بن زيد بن عاصم وقد تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من رواية عبد الله بن زيد بن عاصم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال صاحب الإلمام: رجاله رجال الصحيح. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٥١).
(٤) أخرجه البخاري (٥٧٥٦، ٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٢٤) من حديث أنس، ومسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٢٣).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
منه إلى الظاهر، فتحصل ثلاثة أوجه من التَّقليب.
واعلم أنَّ هذا الوجه الثَّالث لم يذكره الجُمْهُور، وليس في لفظ الشافعي -﵁- تعرُّض له، والوجه حذفه؛ لأن الأمور الثَّلاثة لا يمكن اجتماعها إلا بوضع ما كان منسدلًا على الرأس أو لفه عليه، ومعلوم أنَّ هذه الهيئَةَ غير مأمور بها وليست هي من الارْتِدَاء في شيء، وفيما عدا ذلك لا يجتمع من الأمور الثلاثة إلا أثنان، إما قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الظاهر إلى الباطن، أو قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الأعلى إلى الأسفل، أو قلب الظَّاهِرِ إلى البَاطِنِ مع قلب الأعلى إلى الأسفل، فإن شككت فيه فجرِّبه يزل شكّك (١)، -[والله أعلم]-.
_________________
(١) قال النووي: قال الشافعي والأصحاب -رحمه الله تعالى-: إذا ترك الإمام الاستسقاء، لم يتركه الناس، ولو خطب قبل الصلاة قال صاحب "التتمة": يجوز وتصح الخطبة والصلاة، ويحتج لها بما ثبت في الحديث الصحيح الصريح في "سنن أبي داود" وغيره أن رسول الله -ﷺ- خطب، ثم صلى، وفي صحيحي "البخاري" و"مسلم" أن رسول الله -ﷺ- خرج يستسقي فدعا، واستقبل القبلة وحوّل رداءه ثم صلى ركعتين قال أصحابنا: وإذا كثرت الأمطار وتضررت بها المساكن والزروع، فالسنة أن يسألوا الله تعالى دفعه: "اللهم حوالينا ولا علينا". قال الشافعي والأصحاب: ولا يشرع لذلك صلاة، ويستحب أن يبرز لأول مطر يقع في السنة، ويكشف عن بدنه ما عدا عورته ليصيبه المطر، وأن يغتسل في الوادي إذا سأل أو يتوضأ، ويسبح عند الرعد والبرق، ولا يتبع بصره البرق، والسنة أن يقول عند نزول المطر: "اللهم صيبًا نافعًا" رواه البخاري في "صحيحه" وفي رواية ابن ماجة "صيبًا نافعًا" مرتين أو ثلاثًا، فيستحب الجمع بينهما. وقد أوضحت ذلك مع زوائد ونفائس تتعلق به في كتاب "الأذكار" الذي لا يستغني متدين عن معرفة مثله. ويكره يسب الريح، فإن كرهها سأل الله تعالى الخير، واستعاذ من الشر وفي "صحيح" مسلم أن النبي -ﷺ- كان إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسالك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" ويستحب أن يقول بعد المطر: "مطرنا بفضل الله ورحمته، ويستحب الدعاء عند نزول المطر، ويشكر الله تعالى عليه" ويكره أن يقول: مطرنا بنوء كذا، فإن اعتقد أن النوء هو المطر الفاعل حقيقة، كفر صار مرتدًا. الروضة (١/ ٦٠٦ - ٦٠٨).
[ ٢ / ٣٩١ ]