قال الغزالي: المُخْتَصَرُ يُسْتقْبَلُ بِهِ القِبْلَةُ فَيُلْقي عَلَى قَفَاهُ (ح م) وَأُخْمُصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُلَقَّنُ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، وَتُتْلَى عَلَيْهِ سُورَةُ يس، وَلْيَكُنْ هُوَ فِي نَفْسِهِ حَسَنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ تَعَالَى.
قال الرافعي: يُسْتَحَبُّ لكل أحد ذكر الموت، قال -ﷺ-: "أكْثِرُوا ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (١) يعني الموت. وينبغي أن يكون مستعدًّا له بالتَّوبة وردّ المظالم، فربُّما يأتيه فجأة، وكل ذلك للمريض آكد، ويستحبُّ له الصَّبْرُ على المرض والتَّدَاوي وترك الأَنِين ما أطاق، ويستحب لغيره عيادته إن كان مسلمًا وإن كان ذميًا جازت عيادته، ولا يستحب إلا لقرابة أو جوار أو نحوهما، ثم العائد إن رأى أمارة البُرْءِ دَعَا للمريض وانْصَرَفَ، وإن رأى خِلاَفَ ذلك رغّبه [في التوبة] (٢) والوصية إذا عرفت ذلك فغرض الفصل الكلام في "آداب المحتضر"، وقد ذكر منها أربعة:
أحدها: أن يستقبل به القبلة وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: أنه يلقى على قفاه وَأَخْمَصَيه إلى القبلة كالموضوع على المُغْتسل.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -﵀- أنَّهُ يفجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللّحد؛ لأنه أبلغ في الاسْتِقبَال، والوجه الأول هو المذكور في الكتاب، لكن الثاني أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر أصحابنا العراقيون سواه، وحكى عن نص الشَّافعي -﵁-. واحتجوا له بما روي أنه قال: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُم فَليَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ" (٣). واستثنوا ما إذا ضاق المكان فلم يمكن وضعه على جنب أو كان به علَّة تمنع
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٠٨) وقال حسن غريب وابن ماجة (٤٢٥٨)، والنسائي (٤/ ٤) وأحمد (٧٩١٢)، وابن حبان ذكره الهيثمي (٢٥٥٩، ٢٥٦٠، ٢٥٦١) والحاكم (٤/ ٣٢١)، وانظر التلخيص (٢/ ١٠١).
(٢) في ط بالتوبة.
(٣) أخرجه ابن عدي (٦/ ٢١٩٩)، والبيهقي في الدعوات (ص ٥٩) من حديث البراء وأصله عند البخاري (٦٣١١)، ومسلم (٢٧١٠)، وانظر التلخيص (٢/ ١٠٢).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
من ذلك فحينئذ يلقى على قفاه ويجعل مستقبلًا بوجهه ورجليه.
والثاني: تَلْقِينُ كلمة الشَّهَادة، قال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَولَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ" (١).
وقال: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢).
والأحب أن لا يلحّ الملقّن عليه، ولا يواجهه بأن يقول: قل: لا إله إلا الله، ولكن يذكر الكلمة بين يديه ليتذكرها فيذكرها، أو يقول ذكر الله -تعالى- مبارك، فنذكر الله جميعًا (٣)، ويقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا قال مرّة لا تعاد عليه إلا أن يتكلّم بعدها بكلام، والأحب أن يلقّن غير الورثة، فإن لم يحضر غيرهم لقّن أشفقهم عليه (٤).
والثالث: تتلى عليه سورة "يس"؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "اقرءوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ" (٥) واستحب بعض التابعين المتأخرين قراءة سورة "الرَّعد" عنده أيضًا.
والرابع: ينبغي أن يكون حسن الظّن باللهِ ﷿؛ لما روى جابر -﵁- قال: "سَمِعْتُ رسول الله -ﷺ- يقول قبل موته بثلاث: "لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ ﷿" (٦).
ويستحب لمن عنده تحسين ظنّه وتطميعه في رحمة الله -تعالى جدّه-.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا مَاتَ تُغْمَضُ عَيْنَاهُ، وَيُشَدُّ لِحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ وَيُسْتَرُ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ سَيْفٌ أَوْ مِرْآةٌ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١١٧) من رواية أبى سعيد، ومسلم (٩١٦) لكن بدون لفظة (قول).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١١٦)، والحاكم (١/ ٣٥١) وقال صحيح الإسناد.
(٣) قال النووي: هكذا قال الجمهور، يلقنه كلمة الشهادة "لا إله إلا الله". وذهب جماعات من أصحابنا إلى أنه يلقن أيضًا: محمدًا رسول الله. ممن صرح به القاضي أبو الطيب، والماوردي وسليم الرازي، ونصر المقدسي وأبو العباس الجرجاني، والثاشي في "المعتمد" والأول أصح. الروضة (١/ ٦١٠، ٦١١).
(٤) قال النووي: هكذا قال الجمهور، يلقنه كلمة الشهادة: "لا إله إلا الله". وذهب جماعات من أصحابنا إلى أنه يلقن أيضًا: محمدًا رسول الله. ممن صرح به، القاضي أبو الطيب، والماوردي، وسليم الرازي، ونصر المقدسي، وأبو العباس الجرجاني، والشاشي في "المعتمد" والأول أصح -والله أعلم-.
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦، ٢٧)، وأبو داود (٣١٢١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٤، ١٠٧٥)، وابن ماجة (١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٥٦٥) وإسناده ضعيف. انظر التلخيص (٢/ ١٠٤).
(٦) أخرجه مسلم (٢٨٧٧).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
قال الرافعي: هذا الفصل في الاداب المَشْرُوعة بعد الموت وقبل الغسل.
أولها: أن يغمض عَيْنَيْه؛ لما روي أن النَّبي -ﷺ-: "أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ. لَمَّا مَاتَ" (١) ولأنه لو لم يغمض لبقيت عيناه مفتوحتين وقبح منظره.
وثانيها: أن يُشَدَّ لِحْيَاه بعَصَابَة عريضة، تأخذ جميع لَحْيَيه، ويربطها فوق رأسه لئلا يبقى فمه منفتحًا فتدخله الهَوَام.
وثالثها: أن تلين مفاصله بأن يرد المتعهّد ساعده إلى عَضُده، ثم يمدها ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه ثم يردها، ويلين أصابعه ليكون الغسل أسهل، فإنَّ في البدن بعد مفارقة الروح بقيَّةُ حرارة، إن ألينت المفاصل في تلك الحالة لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد ذلك.
ورابعها: يستر جميع بدنه بثوب خفيف؛ لما روي أنه -ﷺ-: "لَمَّا تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ" (٢).
قال الغزالي: ولا يجمع عليه أَطْبَاق الثِّياب حتى لا يتسارع إليه الفساد، ويجعل أطراف الثَّوب السَّاتر تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف.
وخامسها: يوضع على بطنه شيء ثقيل من سيف أو مرآة أو نحوهما؛ فإن لم يكن حديد فقطعة طين رطب لئلا ينتفخ ويصان المصحف عنه فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب، ويتولى هذه الأمور أرفق محارمه به بأسهل ما يقدر عليه.
ومنها: أن يوضع على شيء مرتفع من سرير ونحوه لئلا تصيبه نَدَاوَةُ الأرض فيتغير.
ومنها: أن يستقبل به القبلة كما في "المحتضر".
ومنها: أن ينزع عنه ثيابه الَّتِي مات فيها، فإنه على ما حكى يسرع إليه الفساد.
ومنها: أن يبادر إلى قضاء دَيْنِهِ وتنفيذ وصيته إن تيسر ذلك في الحال (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢).
(٣) قال النووي: يكره تمني الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا، فليقل: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. فإن كان تمنيه مخافة فتنة في دينه فلا بأس". ويكره للمريض كثرة الشكوى ويكره إكراهه على تناول الدواء. ويستحب للناس أن يقولوا عند الميت خيرًا. ويجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه، ثبت فيه الأحاديث، وصرح به الدارمي-. ويكره نعيه بنعي الجاهلية، ولا بأس بالإعلام بموته للصلاة عليه وغيرها. الروضة (١/ ٦١١، ٦١٢).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
قال الغزالي: ثُمَّ يُشْتَغَلُ بِغُسْلِهِ وَأَقَلُّهُ إِمْرَارُ المَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائهِ، وَفِي وُجُوبِ النِّيَّةِ عَلَى الغَاسِلِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا لَمْ يَصِحَّ مِنَ الكَافِر، وَأُعِيدَ غُسْلُ الغَرِيقِ.
قال الرافعي: يستحبُّ المبادرة إلى الغُسْلِ والتَّجْهِيز عند تحقُّق الموت وذلك بأن يكون به علة، وتظهر أمارات الموت مثل أن تسترخي قدماه فلا ينتصبا أو يميل أنفه أو ينخسف صدْغَاه أو تمتد جلدة وجهه أو ينخلع كفاه من ذراعيه أو تتقلَّص خِصْيَتَاهُ إلى فوق مع تَدَلِّي الجلدة. وعند الشَّكِّ يتأنَّى إلى حصول اليقين.
وموضعه أن لا يكون به علة، ويجوز أن يكون ما أصابه سَكْتَة أو ظهرت أمارة فزع واحتمل أنه عرض ما عرض لذلك فيتوقف إلى حصول اليقين بتغيُّر الرَّائحة وغيره (١). إذا عرفت ذلك فنقول: غسل الميت من فروض الكفايات، وكذلك التَكفين والصَّلاة عليه والدّفن بالإجماع، والنظر في الغسل في شيئين:
أحدهما: في كفيته. والثاني: فيمن يغسل.
النظر الأول في كيفيته، والكلام في الأقل والأكمل.
أما الأقل فلا بُدَّ من استيعاب البدن بالغُسْل مرَّة بعد أَنْ يزال ما عليه من النَّجَاسة إن كانت عليه نجاسة، وهل تشترط النّية على الغاسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه غسل واجب فافتقر إلى النِّية كغسل الجنابة.
والثاني: لا؛ لأن المقصود من هذا الغسل النَّظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو، وإنما تشترط النية في سائر الأغسال على المغتسل، والميت ليس من أهل النية، وهذا أصح فيما ذكره القَاضي الرُّوياني وغيره، ويترتب على الخلاف صورتان:
إحداهما: لو غسل الكافر مسلمًا هل يجزئ؟.
إنْ فرَّعنا على الوجه الأول فلا، وإلاَّ فَنَعَم.
والثانية: لو غرق إنسان ثم لفظه الماء، وظفر نابه إن قلنا بالأول لَمْ يَكْفِ ما سبق ووجب غسله، وإن قلنا بالثاني كفى ذلك، واعرف هاهنا ثلاثة أمور:
أحدها: أن المحكيَّ عن نَصِّ الشافعي -﵁- في الصُّورة الأخيرة أنه
_________________
(١) لم يبين أن كان هذا التأخير واجبًا أو مستحبًا. قال في التوسط: ظاهر كلام المصنف وغيره أنه واجب وكلام القاضىِ أبي الطيب والروياني وغيرهما مصرح بأنه مستحب، ثم نقل عن الشيخ أبي حامد أنه إذا مات بهذه الأسباب وأشار إلى موته مصعوقًا أو غريقًا أو حريقًا أو خاف من حرب أو سبع أو تردى من جبل أو بئر فمات فلا يجوز أن يبادر به ويجب تركه والتأني به كما قال الشافعي، ولا يجوز دفنه حتى يتحقق موته.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
يجب الغسل ولا يكفي إصابة الماء إياه، ونصَّ فيما إذا غسلت الذِّمية زوجها المسلم أنه يكره، ويجوز وهو أحد أمثلة الصورة الأولى، وكأنَّ الوجهين مستنبطان من هذين النَّصين، والظاهر في الصورتين هو الذي نص عليه.
أما في سورة غسل الكافر فهو مستمرٌّ على ما حكينا أن الأصح عدم اشتراط النّية. وأما في سورة الغَرِيق فسبب الأمر بالغسل أنَّا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الفرض عنَّا إلا بفعلنا.
والثاني: أن في قولنا: "الكافر ليس أهلًا للنِّية" إشكالًا أشرنا إليه في "باب صفة الوضوء".
والثالث: أن قوله: "وأعيد غسل الغَرِيق" إن كان بضمِّ الغَيْنِ يقتضي أن يكون أصابه الماء إياه بمجردها غسلًا، ليكون هذا إعادة له لكن الأليق توجُّه وجوب النِّية أن لا يوقع اسم الغسل إلا على غسل الأعضاء مع النِّيَّة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأنْ يُحْمَلَ إِلَى مَوضِعٍ خَالٍ وَيُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ وَلاَ يُتْزَعَ قَمِيصُهُ (م ح) وَيُحْتَاطَ فِي غضِّ البَصَرِ عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، وَيُحْضَرُ ماءٌ بَارِدٌ (ح) طَهُورٌ، وَيُبْعَدُ الإِنَاءُ مِنَ المُغْتَسِلِ حَذَرًا مِنَ الرَّشَاشِ ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِغَسْلِ سَوْءَتَيهِ بَعْدَ لَفِّ خِرْقَةٍ عَلَى اليَدِ، وَبَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ فَيمْسَحَ عَلَى بَطْنِهِ لِتَخْرُجَ الفَضَلاَتُ، ثُمَّ يتَعَهَّدُ مَوَاضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتعَهَّدُ أَسْنَانَهُ وَمَنْخَرتْه بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، ثُمَّ يتَوَضَّأ ثَلاَثًا مَعَ المَضْمَضَةِ (ح) وَالاسْتِنْشَاقِ.
قال الرافعي: الفصل لذكر أمور محبوبة مقدمة على نفس الغسل:
أحدها: أن يحمل الميت إلى موضع خَالٍ مستور لا يدخله أحد إلاَّ الغاسل ومن لا بد من معونته؛ لأنه في حياته كان يستتر عند الاغتسال فكذلك يستر بعد موته، ولأنه قد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره.
وذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره؛ أن للولي أن يدخل ذلك الموضع إن شاء، وإن لم يغسل؟ ولا أعان، ويروي:"أَنَّ غُسْلَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- تَوَلاَّهُ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ -﵃ (١) - يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ".
ثم يوضع على لَوْحٍ أو سرير هي لذلك، وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (١٤٦٧)، والحاكم (٣/ ٥٩)، والبيهقي (٣/ ٣٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٣)، وانظر التلخيص (٢/ ١٠٥).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
عنه، ولا يقف تحته، ويغسل في قميص خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: "الأولى أن يجرَّد" ويروى مثله عن مالك، وحكاه القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجهًا عن بعض الأصحاب، لنا: أنه أستر له، ولأن النَّبي -ﷺ-: "غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ" (١).
دل أنه أفضل، وليكن القميص باليًا أو سخيفًا ثم إن كان القميص واسعًا أدخل يديه في كُمَّيه وغسله من تحته وعلى يده خرقة، وإن كان ضيِّقًا فتق رُؤُوس الدَّخَارِيصِ (٢)، وأدخل اليد في موضع الفَتْقِ فلو لم يجد قميصًا، أو لم يتأتّ غسله فيه، ستر منه ما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وحرم النظر إليه؛ لما روى عن عَلِيٍّ -كرم الله وجهه- أنَّ النبي -ﷺ- قال: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلاَ مَيِّتٍ" (٣).
وعند أبي حنيفة يلقى خرقة على فرجه وفخذه مكشوفة ويكره للغاسل أن ينظر إلى شيء من بدنه إلا لحاجة، بأن يريد معرفة المَغْسُول من غير المغسول، والمُعين لا ينظر إلا لضرورة. وقوله في الكتاب: "ولا ينزع قميصه" غير هذه العبارة أولى منها؛ لأنها توهّم كونه في قميص قبل حالة الغسل، والمحبوب نزع الثِّياب المخيطة عنه من حين مات إلى وقت الغسل، والقميص الذي يغسله فيه يلبس عند غسله، ذكره المسعودي وغيره.
الثَّاني: يحضر ماء باردًا في إناء كبير كالجب ونحوه ليغسل به وهو أولى من المسخّن إلاَّ أن يحتاج إلى المسخّن لشدة البرد أو لوسخ وغيره (٤).
وعند أبي حنيفة المسخن أولى بكل حال. لنا أن البارد يشدّ بدنه والمسخن يرخيه، فكان البارد أولى، وينبغي أن يبعد الإناء الذي فيه الماء عن المغتسل بحيث لا يصيبه رَشَاشُ الماء عند الغسل، أمّا من صار إلى قول نجاسة الآدمي بالموت قال: لئلا ينجس بالرَّشاش الذي يصيبه، وربما احتج بهذه المسألة على النَّجاسة.
وأما من نصر القول الصحيح وهو طهارته، قال: إنما يبعد عنه لتكون النفس أطيب في أن لا يَتَقَاطَرَ الماء إليه.
وأيضًا فالماء المستعمل إذا أكثر تقاطره فقد يثبت لما يتقاطر إليه حكم الاستعمال
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (١٤٦٦)، والحاكم (١/ ٣٥٤)، والبيهقي (٣/ ٣٨٧) من رواية بريدة، وقال صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أبو داود من رواية عائشة (٣١٤١).
(٢) ودِخْرِيص: الثوب قيل معرب، وهو عند العرب البَنِيقة، وقيل عربي، المصباح المنير (١/ ٢٥٨).
(٣) تقدم.
(٤) تفرد الصيمري بأن البارد المالح أحب إلينا من الحار، فإن كان هناك برد أو وسخ فلا بأس بالفاتر. وقال في القوت: ولو كانا باردين فالعذب أولى من المالح، وقيل المسخن أولى.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فيخرج عن كونه طهورًا، وأما وصفه الماء المحضر بكونه طهورًا ففيه فائدة على طهوره، وهي أنا نحب استعمال السَّدْر في بعض الغسلات على ما سيأتي، لكن الظاهر أنَّ الفرض لا يسقط به فلا يجوز أن يكون الماء المحضر مغيرًا بالسِّدْر.
والثالث: يعدُّ الغاسل قبل الغسل خِرْقَتَيْن نظيفتين، وأول ما يبدأ به بعد وضعه على المغتسل أن يجلسه إجلاسًا رفيقًا بحيث لا يعتدل، ويكون مائلًا إلى ورائه ويضع يده اليُمْنَى على [كتفه] (١) وإبهامه في نقْرَة قَفَاه حتى لا يَتَمَايل رأسه، ويسند ظهره إلى ركبتيه اليمنى، ويمر يده اليسرى على بطنه إمرارًا بليغًا ليخرج ما فيه من الفَضَلات، وينبغي أن تكون المَجْمَرَة والحالة هذه متّقدة فائحة بالطِّيب، والمُعين يصبّ عليه ماء كثيرًا لئلا تظهر رائحة ما يخرج، ثم يرده على هيئة الاسْتِلْقَاء، ويغسل بيساره وهي ملفوفة بإحدى الخِرْقَتَيْن دُبَرَه وَمَذَاكِيره (٢) وَعَانَتَه، كما يَسْتَنْجِي الحَيُّ ثم يلقي تلك الخِرْقَةَ ويغسل يده بماء [وأَشْنَان] (٣) إن تلوثت.
وقوله في الكتاب: "ثم يبتدئ بغسل سَوْأتيه بعد لَفِّ خِرْقَةِ اليد" يشعر بأنه يغسل السَّوْأَتَيْنِ معًا بخرقة واحدة، وكذلك ذكر الجمهور، وسيحكى ما يفعله بالخرقة الثَّانية من الخِرْقَتَين المعدّتين، وفي "النِّهاية" و"الوسيط" أنه يغسل كلّ سوأة بخرقة ولا شك أنه أبلغ في التَّنظيف (٤).
وقوله: "ثم يتعهَّد مواضع النَّجَاسة من بدنه" فيه إشكال؛ لأنه إن كانت عليه نجاسة فإزالتها قبل الغسل واجبة على ما تقدم في غسل الأحياء، فلا يَنْبَغِي أن يدرج في حدِّ الأكمل، ولم يذكر صاحب "النِّهَايَةِ" لفظ النَّجَاسَة في هذا الموضع لكن قال: "إن كان ببدنه قَذَرٌ اعتنى به ولف خرقة على يده وغسله".
_________________
(١) في ز "كفيه".
(٢) قال في الخادم: هو صريح في تحريم هذا الفعل به، والفرق بينه وبين الحي حيث يكره له هذه الهبة إذا اضطجع ولا يحرم للإنسان أن يتعاطى لنفسه ما يمنع أن يفعله مع غيره احترامًا له كما سبق في غسل النجاسة لا بد من غسلتين من الميت وإن اكتفى بواحد في الحي.
(٣) في أ "وسدر".
(٤) كلام الشيخين يصرح بأن أول ما يغسل بخرقة سويته ثم بأخرى ثم أعالي بدنه وكذا قال الجمهور، وقال في الشامل: ولو غسل كل عضو بخرقة كان أولى ولو ظهر الذي نجاه بها ثم غسل بها بدنه جاز: والأولى: أولى لأنه أعجل وأشهد، وذكر الشافعي أنه يتخذ خرقتين يغسل بأحدهما أعالي بدنه وصدره ووجهه ثم يغسل مزاكيره وما بين رجليه ثم يلقيها ثم يصنع الأخرى كذلك، وقال أبو إسحاق المسألة على قولين. =
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الرابع: إذا فرغ من غسل سَوْأَتيه لفَّ الخِرْقَةَ الأخرى على اليد، وأدخل أصبعه في فيه وأمرَّها على أسنانه بشيء من المَاء ولا يقعِّر فاه، وكذا يدخل طرف أصبعه في مَنْخَرَيْه بشيء من الماء؛ ليزيل ما فيها من الأذى، ثم يوضِّئه كما يتوضأ الحي ثلاثًا ثلاثًا، ويراعي المَضْمَضَة والاسْتِنْشَاق خلافًا لأبي حنيفة. لنا أَنَّ النَّبي -ﷺ-: قال للواتي غسلن ابنته: "ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" (١).
وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء.
ثم لفظ الكتاب وكلام الأكثرين يقتضي أَنْ يكون إدخال الأصبع [في] (٢) الفم والمنخَرَيْن غير المَضْمَضة والاستِنْشَاق وأنه في الفم بمنزلة السِّواك وغرضه التَّنْظيف، وفي "الشَّامِلِ" وغيره ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق ليسا وراء ذلك، والظاهر الأول، ثم يميل رأسه في المضمضة والاستنشاق حتى لا يصل الماء إلى باطنه، وهل يكتفي بوصول الماء إلى مَقَادِيمِ الشّعْرِ والمنخَرَيْن أم يوصل الماء إلى الداخل؟ حكى إمام الحرمين فيه تردد لخوف وصول الماء إلى جوفه، وتأثيره في تسارع الفساد إليه وقطع بأنه لو كانت أسنانه متراصّة لم يكلّف فتحها.
قال الغزالي: ثُمَّ يُتَعَهَّدُ شَعْرُهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ وَيُصَبُّ المَاءُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ وَيصَبُّ المَاءُ عَلَى الشِّقِّ الأَيْسَرِ وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثًا، فَإِنْ حَصَلَ الإِنْقَاءُ وَإِلاَّ فَخَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ، ثُمَّ يُبَالَغُ فِي تَنْشِيفِهِ صِيَانَةً لِلْكَفَنِ، وَيَسْتَعْمِلُ قَدْرًا مِنَ الكَافُورِ لِدَفْعِ الهَوَامِّ، وَيسْتَعْمَلُ السِّدْرَ فِي بَعْضِ الغَسَلاَتِ، وَلاَ تَسْقُطُ (ح) الفَرْضُ بِهِ.
قال الرافعي: إذا فرغ من تَوضِيئه غسل رأسه، ثم لِحْيَتَه بالسِّدْرِ والخَطْمِيِّ، وسرَّحَهُمَا بمشط واسع الأْسنان إن تلبَّد شعرهما، ويرفق حتى لا يُنْتَف شيء، وإن أنتف ردَّه إليه، وليكن قوله: "بمشط" معلَّمًا بالحاء والألف؛ لأن عندهما لا يتعهّده بالمشط، ولكن يغسل ويزيل الوَسَخَ.
لنا ما روى أَنَّه -ﷺ- قال: "افْعَلُوا بِمَيِّتِكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" (٣).
_________________
(١) = ثانيهما: يغسل بكل خرقة أعاليه وأسافله، وقال الشيخ أبو حامد: ليس باختلاف قول.
(٢) أخرجه البخاري (١٦٧، ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣)، ومسلم (٩٣٩).
(٣) في أ (إلى).
(٤) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٠٦): هذا الحديث ذكره الغزالي في "الوسيط" بلفظ: (افعلوا بموتاكم ما تفعلون بأحيائكم، وتعقبه ابن الصلاح بقرله: بحثت عنه فلم أجده ثابتًا.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ومعلوم أن العروس يسرَّح شَعْرها، ثم يُضْجَع على جنبه الأيسر فيصبُّ الماء على شقِّه الأيمن، ثم يضجع على جنبه الأيمن فيصب الماء على شقه الأيسر، هكذا ذكره صاحب الكتاب والإمام في آخرين، والأكثرون زادوا في هذه الكيفية ونقصوا فقالوا: يغسل شقّه الأيمن المقبل من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه، ثم يغسل شقّه الأيسر كذلك، ثم يحرفه إلى جنبه الأيسر فيغسل شقّه الأيمن مما يلي القَفَا والظّهر من الكتف إلى القدم، ثم يحرفه إلى جنبه الأيمن، فيغسل شقه الأيسر كذلك، وهذا ما ذكره الشَّافعي -﵁- في "المُخْتَصر"، وحكى أصحابنا العِرَاقيون قولًا آخر: أنه يغسل جنبه الأيمن من مقدمه، ويحوله فيغسل جانب ظهره الأيمن، ثم يلقيه على ظهره فيغسل جانبه الأيسر من مقدمه ثم يحوّله ويغسل جانب ظهره الأيسر.
قالوا: وكل واحد من هذين الطَّريقين سائغ والأول أولى، وليس في هذين الطريقين إضجاع على الجانب الأيسر في أوَّل الأمر بل هو مُسْتَلْقٍ فيهما إلى أن يغسل بعضه، ثم يجري الاضجاع فلا بأس لو أعلمت قوله: "ثم يضجع على جنبه الأيسر" بالواو، وإنما أمرناه بالابتداء بالمَيَامِنِ؛ لأن النبي -ﷺ-: "أمَرَ غَاسِلاَتِ ابنَتِهِ أَنْ يَبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا" (١). ويجب الاحتراز من كبِّه على الوجه، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن جميع ما ذكرناه غسلة واحدة، وهذه الغَسْلَة تكون بالماء، والسدر، والخَطْمِيِّ تنظيفًا، وإنقاء له ثم يصب عليه الماء القرَاح من قَرْنه إلى قدمه، ويستحبّ أن يغسله ثلاثًا، فإن لم يحصل النّقاء والتَّنظيف زاد حتى يحصل، فإن حصل بشفع فالمُستَحَبُّ أن يزيد واحدة ويختم بالوتر، روي أنه -ﷺ- قال: "لغاسلات ابنته -﵂-: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا" (٢).
وهل يسقط الفرض بالغسلة التي فيها السّدر والخَطْمِي؟ ذكر في الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: نعم، ونسبه في "النِّهاية" إلى أبي إسحاق المَرْوَزِي، لأن المقصود من غسل الميت التَّنظيف، فالاستعانة بما يزيد في التَّنْظيف ممَّا لا يقدح.
وأظهرهما: لا، لأن التَّغيير به فَاحِشٌ سالب للطهورية، فأشبه ما لو استعمله الحي في وضوءه وغسله وعلى هذا فتلك الغَسْلَة غير محسوبة من الغَسَلاَت الثلاث، وهل تحسب الغسلة الواقعة بعدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنها غسلة بماء طهور لم يخالطه شيء، وهذا أصح عند القاضي الرُّويَانِي.
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وأظهرهما: عند الأكثرين، ولم يذكر في "التَّهْذِيبِ" سواه: أنها لا تحسب؛ لأن الماء إذا أْصاب المَحل اختلط بما عليه من السِّدر، وتغير به، فعلى هذا المحسوب ما يصبّ عليه من الماء القراح بعد زوال السِّدر، ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كَافُورًا، وهو في الغسلة الأخيرة آكد.
لما روي أنه -ﷺ- قال لأم عطية وهي من غاسلات ابنته -﵂-: "وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا" (١).
والسَّبب فيه أنَّ رائحته مطردة للهَوَام، وليكن قليلًا لا يتفاحش التغير به ولا يسلب الطهورية، وقد يكون صلبًا لا يقدح التَّغير به وإن كان فاحشًا على الصحيح؛ لأنه مجاور وبعد تَلْيين مفاصله بعد الغَسل؛ لأنها لانت بالماء فيتوخى بالتَّليين بقاء لينها كما ذكرنا في التَّليين عُقَيب الموت، ونقل الْمَزنِيُّ إعادة التَّليين في أول وضعه على المغتسل وأنكره أكثر الأصحاب ثم ينشفه ويبالغ فيه كيلا تبتلَّ أكفانه، فيسرع إليه الفساد، ثم هذا تمام مسائل الفصل. ثم اعرف أمورًا:
منها: أن صاحب الكتاب في "الوسيط" والإمام في "النهاية" أشارا إلى أن تعهد الشَّعر بالغسل والتَّسريح ليس من نفس الغسل، بل هو من مقدماته، كالوضوء وغيره، ولذلك قالا: "يصبُّ الماء على شِقِّه الأيمن مُبتدئًا من رأسه إلى قدمه"، والأكثرون لم يذكروا صَبَّ الماء على الرأس، ولكن قالوا: بصبه على صَفْحَةِ العنق والصدر والفخذ والساق، وهذا مصير منهم إلى أن غسل الرأس، وتعهد الشعر من جملة الغسل، وكلام الشَّافعي -﵁- في "المختصر" يوافق قول الأكثرين.
ومنها: أن قوله: "وذلك غسلة واحدة، ثم يفعل ذلك ثلاثًا" يقتضي اسْتحباب ثلاث غسلات بعد تلك الغسلة، وهو صحيح بناء على أن تلك الغسلة بالماء المتغير بالسدر والخَطْمِي، وأن المحسوب الغسل بالماء القراح، فإنه حينئذ يراعي ثلاث غسلات بعدها بالماء القراح.
وقوله: بعدها "أو يستعمل السِّدر في بعض الغسلات" ذلك البعض هو الغسلة الأولى، نصوا عليه كما قدمناه، وإنما أبهم ذكره المُصَنف وشيخه وربما أوهم إيراده عد الغسلة التي فيها السِّدر من الثَّلاث، وتخصيص الخلاف بأن الفرض هل يسقط بها فيجب الاحتراز عن الوهم؟ ومعرفة أنا إذا لم نسقط الفرض بها لا نحسبها من الثلاث أيضًا. يجوز أن يرقم لفظ "الثلاث" و"الخمس" و"السبع" [في الكتاب] (٢) بالميم؛ لأنه روى عن مالك: أنه لا اعتبار بالعدد، وإنما المعتبر الإنقاء.
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من ط.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وقوله: "يستعمل قدرًا من الكَافور" مرقوم بالحاء؛ لأن أبا حنيفة قال: لا أعرف الكَافور وذكر في السِّدْر أنه يغسل مرة بالماء القراح وأخرى بالسدر وثالثة بالمَاءِ القُرَاح.
قال الغزالي: فَإِنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الغُسْلِ أُزِيلَتِ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يُعَدِ الغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي إِعَادَةِ الوُضُوءِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتعهَّد الغاسل مسح بطن الميت في كل مره بأرفق ممَّا قبلها، فلو خرجت منه نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها -وبه قال ابن أبي هريرة-: يجب إعادة غسله ليكون خاتمة أمره على كمال الطهارة. والثاني: لا يجب ذلك، لكن تجب إعادة الوضوء كالحي يغتسل ثم بحدث فإنه يتوضأ. ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني -﵏-: أنه لا يجب شيء سوى إزالة النَّجاسة لسقوط الفرض بما وجد وحصول غرض التَّنظيف وربما بنى الخلاف في وجوب الغسل وعدمه على اختلاف قراءة لفظ الشَّافعي -﵁- فإنه قال في المَسْألة: إنقاءها بالخرقة، وأعاد غسله، فمنهم من قرأ بضم الغين، وأوجب إعادة الغسل، ومنهم من قرأ بفتحها وحمله على إزالة النجاسة، وربما سلموا أن لفظة الغسل وحملوه على الاسْتِحْبَاب، وإذا قلنا بالوجه الصحيح فلا فرق بين النَّجاسة الخارجة من السَّبيلين وغيرها، وإن قلنا بوجوب الوضوء فذلك في النجاسة الخارجة من السَّبيلين دون غيرها، وإن قلنا: بوجوب الغسل ففي إعادة الغسل لسائر النَّجَاسات احْتمال عند إمام الحَرَمين -قدَّس الله روحه (١) -.
ولو لمس رجل امرأة ميتة بعد غسلها فإن قلنا: يجب إعادة الغسل أو الوضوء بخروج الخارج، فكذلك هاهنا، هكذا أطلق صاحب "التَّهذيب"، وذكر غيره أن هذا الجواب مبني على أن المَلْموس ينتقض طهره (٢)، وإن قلنا: لا يجب إلا غسل المحلّ فلا يجب هاهنا شيء.
ولو وطئت [بعد الغسل] فعلى الوجه الأول، والثاني في خروج النجاسة يجب هاهنا إعادة الغسل، وعلى الثالث لا يجب شيء (٣).
_________________
(١) قال النووي: الصحيح، الجزم بأنه لا يجب إعادة الغسل كسائر النجاسات، -والله أعلم-.
(٢) قال في القوت: والمختار أنه لا يجب ذلك على القولين، فإن الأصح في البسيط وغيره ورؤوس المسائل للمصنف أن لمسها لا ينقض.
(٣) قال النووي: كذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يكون فيه خلاف مبني على نجاسة باطن فرجها، فإنها خرجت على الذكر، وتنجس بها ظاهر الفر - والله أعلم- روضة الطالبين (١/ ٦١٦ - ٦١٧).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
واعلم أن نفي وجوب الغسل أظهر من نفي وجوب الوضوء، ولذلك أرسل صاحب الكتاب ذكر الخلاف في الوضوء، وبين الصحيح في الغسل والنجاسة واجبة الإزالة بكل حال، فلذلك جزم به.
وقوله: "ولم يعد الغسل" معلم بالألف؛ لأن عند أحمد يعاد غسله سبع مرات، ولم يتعرض الجمهور للفرف بين أن تخرج النَّجاسة قبل الإدراج في الكفن أو بعده.
وأشار صاحب "العدّة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الوُضوء وللغسل بما إذا خرجت قبل الإدراج -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الغَاسِلُ، فَلاَ يَغْسِلُ رَجُلٌ امْرَأَةَ إِلا بَزِوجِيَّةٍ (ح) أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِيينٍ فَيُغْسِّلْ مُسْتَولِدَتَهُ وَأَمَتَهُ (ح) وَتُغَسِّلُ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا، وَلاَ تُغَسِّلُ المُسْتَوْلَدَةُ والأَمَةُ سَيدَهُمَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ المَوْتَ يَنْقُلُ مِلْكَ اليَمِينِ وَيُقَرِّرُ مِلْكَ النِّكَاحِ.
قال الرافعي: النَّظر الثاني فيمن يتولى الغسل.
والأصل أن يغسل الرجال الرجال والنساء النساء، وأولى الرجال بغسل الرجل أولاهم بالصَّلاة عليه وسيأتي ترتيبهم فيها، والنساء أولى بغسل المرأة بكل حال؛ عورتها بالإضافة إليهن أخف، وليس للرجل غسل المرأة إلا بأحد أسباب ثلاثة:
أولها: الزوجية، فللزَّوج غسل زوجته خلافًا لأبي حنيفة، وذكر صاحب "الشامل" أن عند أحمد رواية مثل قول أبي حنيفة. والأصح عنه مثل قولنا:
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال لعائشة: "لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ" (١).
"وَغَسَّلَ عَلِيّ فَاطِمَةَ -﵂-" (٢) وله ذلك وإن تزوج بأختها أو بأربع سواها في أصح الوجهين ولو كانت الزوجة ذمية فله أن يغسلها إن شاء (٣).
والثاني: المحرمية وسياق الكلام في الكتاب يقتضي تَجْوِيز الغسل للرِّجال المَحَارم مع وجود النِّساء؛ لأن قوله: "لا يغسل رجل امرأة إلا بكذا وكذا مفروض في
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (١٤٦٥)، والدارمي (٨١)، وأحمد (٦/ ٢٢٨)، والدارقطني (٢/ ٧٤)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦)، وانظر خلاصة البدر المنير (١/ ٢٥٦).
(٢) أخرجه الشافعي (٥٦٠)، والدارقطني (٢/ ٧٩)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦)، انظر التلخيص (٢/ ١٤٣).
(٣) اشترط الماوردي من غسل الزوجة الذمية أن يرضي أولياؤها من أهل ملتها. قال في الخادم: ولعل بناه على أحد الوجهين في تقديم رجال المحارم على الزوج في الغسل، فإن قلنا بالأصح وهو تقديم الزوج فلا، فكلام الرافعي جار على المذهب حينئذ انتهى ولاخفاء أن الذمية لا يجب غسلها وإنما يجوز.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
حال الاخْتِيَار، وإلاَّ فعند الضرورة قد يجوز للأجانب غسلها أيضًا كما سيأتي، لكن لم أرَ لعامة الأصحاب تصريحًا بذلك، وإما يتكلمون في التَّرتيب ويقولون: إن المحارم بعد النساء أولى (١).
والثالث: مِلْك اليمين، فيجوز للسيد غسل أَمَته ومدبرته وأمّ ولده خلافًا لأبي حنيفة فيما رواه في "الشامل".
واحتج لنا بأنه يلزمه الاتْفاق عليها بحكم المِلْك فكان له أن يغسلها كالحَيَّة ويجوز له غسل المُكَاتبة أيضًا؛ لأن الكتابة ترتفع بموتها، وهذا كله إذا لم يكن مزوجات ولا معتدات (٢)، فإن كن مزوجات أو معتّدات، لم يكن له غسلهن، وكما يغسل الزَّوج زوجته تغسل الزوجة زوجها خلافًا لأحمد في رواية.
والأصح عنه موافقة الجمهور بأن طلقها طَلْقَة رجعية، ومات أحدهما في مدة العدة، فليس للآخر غسله لحرمة النظر والمس في الحياة، وإلى متى تغسل المرأة زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما لَمْ تَنْقضِ عدتها، فإن انقضت بوضع الحمل عُقَيب الموت لم تغسله، وبه قال أبو حنيفة. والثَّاني: تغسله ما لم تنكح. والثالث: وهو الأصح: أبدًا وهو الذي ذكره في الكتاب في "باب العدّ".
وإذاغسل أحد الزوجين لفَّ خرقة على يده ولم يمسه، فإن خالف فقد قال القَاضِي: يصح الغسل، ولا يبنى على الخلاف في انتقاض طهر الملموس -والله
_________________
(١) قال في الخادم في شرح المفتاح من غسل المرأة يستحب أن يلي ذلك النساء وأن يكن من ذوي محارمها كالأم والبنت، فإن تولاه محارمها من الرجال جاز. قال: وهذا صريح من النقل. وقال في المهمات قد صرح يعني الرافعي بعد ذلك بدون ورقتين بنقل المسألة عن جماعة واقتضى كلامه الجزم بالمنع فقال قبيل الكلام على ما يصنع بالمحرم ولو أن المقدم من أمر الغسل سلمه لمن بعده جاز له تعاطيه بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال كلهم التفويض إلى النساء وبالعكس إلى آخر ما ذكره. قال في الخادم: هذه المسألة غير ما نحن فيه وهما مسألتان: إحداهما: فيمن يستحق التقديم وهو المذكور هنا. والثانية: فيمن ثبت له التقدم هل له تفويضه ونقله إلى غيره وهو المذكور فيما بعد فلم يتناقض كلام الرافعي والمغلط غالط "قاله البكري".
(٢) قال النووي: والمستبرأة كالمعتدة. لكن المستبرأة لأجل ملكه لها بالسبي يجوز غسلها، فإن الأصح أنه يجوز له الخلوة بها واللمس والنظر بغير شهوة كما ذكره في بابه وحكى الرفاعي وجهًا في باب الطهارة أنه يجوز للزوج أن يستمتع بزوجته المعتدة عن شبهة غيره، وحكى في البحر وجهين في جواز تغسيل السيد لهذه الأمة.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
أعلم- (١). وهل يجوز لأم الولد والمدبرة والأمة غسل السيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أحمد: نعم؛ لأنهن مُحللات له فأشبهن بالزوجة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن الموت ينقل ملك اليمين، أما في حق الأمة فإلي الورثة، وأما في المدبرة وأم الولد؛ فهما يعتقان بموته فكان الملك في رقبتهما ينتقل إليهما بخلاف ملك النكاح لا تنقطع حقوقه بالموت، أَلاَ ترى أنهما يتوارثان، وليس للمُكَاتبة غسل السيد فإنها محرمة عليه قبل الموت.
قال الغزالي: فَإِنْ مَاتَتِ المَرْأَةُ وَلَمْ يَحْضُرْ إلاَّ أَجْنَبِيٌّ غَسَّلَهَا (م ح) وَغضَّ البَصَرَ، وَقيلَ: تيَمَّمُ، وَكَذَا الخُنْثَى يُغسِّلُهُ رَجُلٌ أو امرَأَةٌ اسْتِصْحَابًا لِحُكمِهِ فِي الصِّغَرِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو ماتت امرأة وليس هناك إلاَّ رجل أجنبي، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تغسل، ولكن تيمم وتدفن، ويجعل فقد الغاسل كفقد الماء، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
والثاني: أنه يغسلها في ثيابها، ويلفّ خرقة على يده ويغض الطرف ما أمكنه فإن اضطر إلى النظر عذر للضرورة (٢).
وعن أحمد روايتان كالوجهين، فيجوز أن يعلم قوله: "غسلها" بالحاء والميم، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الثاني، وهكذا ذكره الإمام وحكاه عن القفال.
لكن الأظهر عند أصحابنا العراقيين والقاضي الروياني والأكثرين هو الأول، والوجهان جاريان فيما لو مات رجل، وليس هناك إلا امرأة أجنبية.
الثانية: الخُنْثى المُشْكل إذا مات، وليس هناك محرم له من الرِّجال أو النساء،
_________________
(١) قال النووي: وأما وضوء الغاسل، فينتقض، قاله القاضي حسين. حينئذ يكون اللف مستحبًا لأن قلنا بما أفهمه إطلاق غير القاضي ومن تبعه أن طهارة الميت تنتقض باللمس يجب اللف، وصرح به الروياني في الحلية فقال: ويلفان خرقة يعني الزوج في غسل الزوجة والأمة والزوجة في غسل الزوج وحتى لا تنتقض الطهارة باللمس ولينظر فيما إذا جوزنا اللمس هل يختص بما فوق الإزار أم يجوز مطلقًا. فيه نظر وذكر أبو علي أن له النظر إلى جميع بدنها كالحياة. وقال الشيخ: أبو حامد وأتباعه، مذهبنا يباح نظره إليها بلا شهوة وزال حكم النظر بالشهوة فيحتمل أن يقال المس كذلك ويحتمل الفرق أن قد يباح النظر دون المس.
(٢) قال النووي: قال صاحب "الحاوي" هذا الثاني عن نص الشافعي -﵁-، وصححه -وحكى صاحب "البيان" وغيره وجهًا ثالثًا: أنه يدفن ولا يغسل ولا ييمم وهو ضعيف جدًا. انظر الروضة (١/ ٦١٩).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
ينظر إن كان صغيرًا بعد جاز للرِّجال والنِّساء غسله، وكذا واضح الحال من الأطفال يجوز للفريقين جميعًا غسله كما يجوز مسه والنظر إليه، وإن كان كبيرًا فهل يغسل؟ فيه وجهان كالوجهين في المسألة السابقة، لأنه يجوز أن يكون رَجُلًا فيمتنع مسُّه على النساء، أو امرأة فيمتنع مسها على الرجال.
أحدهما: أنه يُيمَّم ويدفن، وبه قال أبو حنيفة -﵀-.
والثاني: أنه يجوز غسله، ومن الذي يغسله؟ فيه وجوه:
أحدها: أنه يشتري من تركته جارية لتغسله، فإن لم يكن له تركة فيشتري من بيت المال. قال الأئمة: وهذا ضعيف؛ لأن إثبات المِلْك ابتداء للشَّخص بعد موته مستبعد، وبتقدير ثبوته فقد ذكرنا أن الصحيح أن الأَمَةَ لا تغسل سَيّدها، والوجه الثَّاني أنَّه في حق الرِّجال كالمرأة، وفي حق النساء كالرجل أخذًا بالأسوأ في كل واحد من الطَّرفين.
والثالث: وبه قال أبو زيد وهو الأظهر: أنه يجوز للرِّجال والنِّساء غسله جميعًا؛ لأنه مَسَّت الحاجة إلى الغسل، وكان يجوز في الصِّغر غسله للطَّائفتين، فيستصحب ذلك الأصل. واعلم أنه ليس المراد من الكبير في هذا الفصل البلوغ ومن الصغر عدمه، لكن المعنى بالصَّغير الذي لم يبلغ حدًّا يشتهي مثله وبالكبير الذي بلغه.
قال الغزالي: فَإِنْ ازدَحَمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَصْلُحُونَ لِلْغُسْلِ عَلَى امْرَأَةً فَالبِدَايَةُ بِنِسَاءِ المَحَارِمِ ثُمَّ بِالأجْنَبِيَّاتِ ثُمَّ بِالزَّوْجِ ثُمَّ بِالرَّجَالِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ تَرْتِيبُ المَحَارِمِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الصَّلاَة، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى النِّسَاءِ؛ لأنَّهُ يَنْظُرُ مَا لاَ يَنْظُرْنَ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ رِجَالُ المَحَارِمِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ النِّكَاحَ انتَهَى بِالمَوْتِ.
قال الرافعي: الصَّالحون لغسل الميت إذا ازْدَحَمُوا لم يخل إما أن يكون الميِّت رَجُلًا أم امرأة فإن كان رجلًا فيغسله قَرَابَاته على التَّرتيب الذي نذكره في الصَّلاة عليه، وهل تقدم الزوجة عليهم؟ فيه وجهان (١) سيظهر توجيههما، وإن كان الميت امرأة فالنساء يقدمن في غسلها وأولاهن نساء القرابة منهن كل ذات رَحِمِ محرَم، فإن استوت اثنتان في المحرمِيّة، فالتي هي في محل العصُوبَة أولى، كالعمة مع الخالة واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الأقرب فالأقرب، وبعد نساء القرابة تقدم النساء الأجنبيات ثم رجال القرابة
_________________
(١) قال النووي: وفيه ثلاثة أوجه: أصحها: يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة، ثم النساء المحارم. والثاني: يقدم الرجال الأقارب، ثم الزوجة، ثم الرجال الأجانب، ثم النساء المحارم. والثالث: تقدم الزوجة على الجميع. الروضة (١/ ٦٢٠).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وترتيبهم كما سيأتي في الصلاة، وهل يتقدم الزوج على نساء القرابة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: تقديم نساء القرابة، ويحكى عن نَصِّ الشَّافعي -﵁- فإن الأنثى بالأناث أليق.
والثاني: أنهن لا يقدمن؛ بل الزوج يقدم عليهن؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظرن إليه، وفي تقديم الزَّوج على الرجال الأقارب أيضًا وجهان:
أحدهما: أنهم يقدمون عليه؛ لأن النِّكاح ينتهي بالموت، وسبب المَحْرميّة يدوم ويبقى.
وأظهرهما: وهو اختيار القَفَّال: أن الزوج يقدم؛ لأنهم جميعًا ذكور، وهو ينظر إلى ما لا ينظرون إليه فيقدم، وأحكام النِّكاح تَبْقَى بعد الموت ولولاه لما جاز له غسل الزَّوجة وجميع ما ذكرناه من التقديم فهو بشرط أن يكون المحكوم بتقديمه مسلمًا، فإن كان كافرًا فهو كالمعدوم ويقدم من بعده حتى يقدم المسلم الأجنبي على القريب المشرك.
ويشترط أيضًا أن لا يكون قاتلًا نعم لو كان قاتلًا بحق فيبنى على الخلاف في أنه هل يرث عنه؟ ولو أن المقدم في أمر الغسل سلّمه لمن بعده جاز له تعاطيه ولكن بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال كلهم التَّفويض إلى النِّساء وبالعكس، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وقد حكاه المصنف في "الوسيط" بعد إطلاق الغسل للمستأجر، وأشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشَّرط المذكور.
قال الغزالي: فَرْعٌ المُحْرِمُ لاَ يُقَرِّبُ طِيبًا وَلاَ يَسْتُرُ رَأْسَهُ بَلْ يَبْقَى (م ح) أَثَرُ الإحْرَامِ وَهَل تُصَانُ المُعتَدَّةُ عَنِ الطِّيبِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَغَيْرُ المُحْرِمِ هَلْ يُقَلَّمُ ظُفْرُهُ وَيحْلِقُ شَعْرُهُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِي الحَيَاةِ حَلْقُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنه يُطْرح قَدْرٌ من الكافور في الماء الذي يغسل به الميت، وذلك في غير المُحْرِمِ، فأما المحرم فلا يقرب منه طيبًا إبقاء لحكم الإحرام وكذلك لا يستر رأسه إن كان رجلًا، ووجهه إن كان امرأة، ولا يلبس المخيط ولا يؤخذ شعره وظفره، وبه قال أحمد خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: حكمه حكم سائر الموتى وروي مثله عن مالك.
لنا ما روي: "أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فَوَقَصَتْهُ نَاقَةٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِيًا" (١).
_________________
(١) البخاري (١٢٦٥، ١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٢٦٨، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦).
[ ٢ / ٤٠٧ ]
ولا بأس بالتَّخمير عند غسله كما لا بأس بجلوس المحرم عند العَطَّار، وإذا ماتت المعتدة التي تحدّ، هل يجوز تطيّيبها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، صِيَانة لها عمَّا كان حرامًا عليها في حياتها كالمحرم، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: نعم؛ لأن التَّحريم كان احترازًا عن الرِّجَال وتفجعًا لفراق الزوج، وقد زال المعنيان بالموت بخلاف المُحْرم، فإن التحريم في حقه لحق الله -تعالى جدّه- فلا يزول بالموت، وهل يقلّم أظفار غير المحرم من الموتى ويؤخذ شاربه وشعر إبطه وعانته؟ فيه قولان:
القديم: لا (١)، ويه قال مالك وأبو حنيفة والمزني -﵏-؛ لأن مصيره إلى البَلِى، وصار كالأَقْلَفِ لا يختن بعد موته.
والجديد: وبه قال أحمد: نعم، كما يتنظَّف الحيُّ بهذه الأشياء، وقد روي أنه قال: "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" (٢).
والقولان في الكراهية، ولا خلاف في أن هذه الأمور لا تستحب، كذلك ذكره القَاضِي الروياني، ونقل تَفْريعًا على الجديد أنه يتخيَّر الغاسل في شعر الإبطيين النَّتف والإزالة بالنُّوْرَة ويأخذ شعر العَانَة بالجلم، أو المُوسَى أو النُّورة.
وحكي عن بعض الأصحاب أنه لا يزال إلا بالنّورَة احْتِرَاز عن النَّظَرِ إلى الفَرْج.
وقوله في الكتاب: "الَّذي يستحبُّ في الحياة حلقه" فيه إشارة إلى أنه لا يحلق شعر الرأس بحال، فإنَّ إزالته غير مأمور بها إلاَّ في المناسك، ومنهم من طرد الخلاف في شعر الرأس إذا كان من عادة الميت الحلق في حالة الحياة.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه في وظيفة الغسل مفروض في حقِّ غير الشهيد وأما
_________________
(١) قال النووي: قلد الإمام الرافعي الروياني في قوله: لا تستحب بلا خلاف، وإنما الخلاف في إثبات الكراهة وعدمها. وكذا قاله أيضًا الشيخ أبو حامد، والمحاملي، ولكن صرح الأكثرون، أو الكثيرون بخلافه فقالوا: الجديد: أنه يستحب. والقديم: يكره. ممن صرح بهذا صاحب "الحاوي" والقاضي أبو الطيب، والغزالي في "الوسيط" وغيرهم وقطع أبو العباس الجرجاني بالاستحباب، وقال صاحب "الحاوي" القول الجديد: أنه مستحب، وتركه مكروه. وعجب من الرافعي كيف، يقول ما قال، وهذه الكتب شهورة، لا سيما "الوسيط" وأما الأصح من القولين، فقال جماعة: القديم هنا أصح، وهو المختار، فلم ينقل عن النبي -ﷺ-، والصحابة فيه شيء معتمد، وأجزاء الميت محترمة، فلا تنتهك بهذا، وأما قوله: كما لا يختن فهذا هو المذهب الذي قطع به الجمهور. وفي وجه أنه يختن، ووجه ثالث: يختن البالغ دون الصبي الروضة (١/ ٦٢١).
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
الشهيد فسيأتي حكمه في "فصل الصَّلاة على الميت" ولو احترق مسلم ولو غسل لتهرّي لا يغسل بل ييمَّم محافظة على جثَّته لتدفن بحالها، ولو كان عليه قُرُوحٌ وخِيفَ من غسله تسارع البِلَى إليه بعد الدَّفن غسل، ولا مبالاة بما يكون بعده، فالكُلُّ صائرون إلى البِلَى (١).
قال الغزالي: