قال الغزالي: وَهِيَ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضِ كِفَايَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطُ الجُمُعَةِ في الجَدِيدِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١).
قيل: أراد به صلاة الأضحى.
ويروى: "أنَّ أَوَّلَ عِيدِ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عِيدُ الْفِطْر، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُوَاظِبُ عَلَى صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا" (٢).
وفي الفصل صور هي مقدمات الباب:
أحدها: صلاة العيد سنة أم فرض كفاية؟ اختلفوا فيه على وجهين:
قال الأكثرون: هي سُّنة وقد نصّ عليها في "باب صلاة التطوع"، حيث عدّها من جملة التّطوعات التي شرعت الجماعة فيها.
واحتجوا عليه بأنها صلاة ذات ركوع وسجود لم يسن لها الأذان فلا تكون واجبة كصلاة الاسْتِسْقَاء، وهذا الوحه هو الذي ذكره في الكتاب. وقال الإصطخري: هى فرض كفاية. وبه قال أحمد؛ لأنها من شعار الإسلام، وفي تركها تهاون بالدين، فعلى هذا لو أتفق أهل بلدة على تركها قوتلوا وعلى الوجه الأول هل يقاتلون؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: نعم.
وأظهرهما: لا، وقد ذكرنا وجههما في الأذان.
وقوله: "هي سنة" معلم بالواو والألف، وكذا قوله: "وليست بفرض كفاية"، ولو
_________________
(١) سورة الكوثر، الآية ٣.
(٢) قال ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٢٩) قاله أهل السير كذلك، وعقب على قوله لم يزل يواظب .. الخ - هذا مستفيض بقرب من المتواتر.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
اقتصر على إحدى اللفظتين لحصل الغرض، ويجوز أن يعلّم قوله: "وهي سنة" بالحاء أيضًا؛ لأن عند أبي حنيفة -﵀- هي واجبة، وإن لم تكن مفروضة وما نقل المزني عن الشَّافعي -﵁- أن هنا وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين، فهذه اللّفظة مؤولة باتفاق الأصحاب.
أما الجمهور فقالوا: معناها من وجب عليه حضور الجمعة فرضًا وجب عليه حضور العيدين سُّنة، وقد يعبر عن الاستحباب المؤكِّد بالوجوب. وأما الإصطخري فإنه قال: معناه من وجب عليه حضور الجُمعة عينًا وجب عليه حضور العيدين كفاية.
الثانية: القول في كيفية هذه الصلاة يتعلق بالأكمل والأقل.
أما الأكمل فنبين ببيان سنتها، وهي مذكورة من بعد.
وأما الأقل فقد قال: وأقلها ركعتان كسائر الصلوات، وليس المراد منه أن الأكمل فوق الركعتين، وإنما المراد أن الركعتين بصفة كونهما كسائر الصلوات، هو الأقل، والأكمل ركعتان لا بهذه الصفة منه بل مع خواص شرعت فيهما.
ثم قوله: "كسائر الصلوات" غير مجرى على إطلاقه، فإنها تختصُّ بنية صلاة العيد وبالوقت الذي نذكره والمراد أنها كهي في الأفعال والأركان ويخرج عنه التكبيرات الزائدة، فليست هي من أركان الصلاة، ويجبر تركها بالسجود كالتعوّذ، وقراءة السورة.
الثالثة: لفظ الكتاب يقتضي دخول وقت هذه الصلاة بطلوع الشمس فإنه قال: "ووقتها ما بين طلوع الشمس إلى زوالها"، وصرّح بذلك كثير من الأصحاب منهم صاحب "الشَّامل" و"المهذب" والقاضي الروياني.
قالوا: "إن وقتها إذا طلعت الشَّمس" ويستحب تأخيرها إلى أن ترتفع قيد رمح وإيراد جماعة يقتضي دخول الوقت بالارتفاع قيد رمح (١)، منهم الصيدلاني وصاحب "التهذيب" -والله أعلم-.
ولا خلاف في أنه إذا زالت الشمس خرج وقتها [واحتجوا] (٢) عليه بأن مبنى المواقيت على أنه إذا دخل وقت صلاة خرج وقت التي قبلها، وبالزوال يدخل، وقت الظهر فيخرج وقت صلاة العيد (٣).
الرابعة: قال الشّافعي -﵁- في "المُخْتَصِر" وسائر الكتب الجديدة،
_________________
(١) للاتباع والخروج من الخلاف.
(٢) في أ "ويحتج".
(٣) قال النووي في الروضة (١/ ٥٧٧) والصحيح، أو الأصح دخول وقتها بالطلوع -والله أعلم-.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
يجوز للمنفرد في بيته وللمسافر [والمرأْة والعبد (١) صلاة العيد (٢).
وقال في "القديم" لا يصلي العيد، إلاَّ في الوضع الذي يصلي فيه الجمعة، فظاهره أن لا يصلي هؤلاء العيد كما يصلُّون الجمعة إلا تبعًا للقوم.
واتلف الأصحاب على طريقين:
أحدهما: الجمعة وهو المذكور في الكتاب أن المسألة على قولين.
الجديد: أنه لا يشترط فيها شروط لأنها نافلة فأشبهت صلاة الاسْتِسْقَاء والخسوف. والقديم: يشترط.
وبه قال أبو حنيفة وكذلك أحمد في رواية واستشهدوا بأن النَّبي "لم يصل العيد "بمنى": لأنه كان مسافرًا كما لم يصلِّ (٣) الجمعة.
فعلى هذا تشترط الجماعة والعدد بصفات الكمال وغيرهما إلاَّ أنه يستثنى إقامتها في خطة (٤) البلدة والقرية، فلا يشترط ذلك على هذا القول أيضًا لتطابق النَّاس على إقامتها بارزين، كذلك ذكره الشيخ أبو حامد وكثيرون.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا يستثنى، ولا يجوز إقامتها على هذا القول إلا حيث تجوز الجمعة وهذا هو الموافق لظاهر لفظ الكتاب، ويستثنى بعضهم عدد الأربعين أيضًا، ويفترقان أيضًا في أن خطبتي الجمعة مشروطتان قبل الصّلاة، وخطبتا العيد بعد الصلاة. قال إمام الحرمين: ولو فرض إخلال بالخطبة فيبعد جدًا في التّفريع على هذا القول انعطاف البطلان على الصَّلاة. هذا أحد الطَّريقين:
والثاني: وبه قال أبو إسحاق: القطع بما ذكر في "الجديد" وحمل كلامه في "القديم" على أن صلاة العيد لا تقام في مساجد المحال كصلاة الجمعة، فيجوز أن يعلّم لهذه الطريقة. قوله "على الجديد" بالواو؛ لأنه إثبات للخلاف.
ومن قال بالطريقة الثَّانية نفى ذلك. وقوله: "لا يشترط معلّم بالحاء والألف لما تقدم، وإذا فرّعنا على الصحيح، فإذا صلاها المنفرد لم يخطب.
_________________
(١) في ز تقديم وتأخير.
(٢) والحنثى والصغير فلا تتوقف على شروط الجمعة.
(٣) قال ابن الملقن (١/ ٢٢٩) ولا شك في ذلك ولا ريب، ومراده بالجمعة في غير حجة الوداع وأما فيها فلا يمكن، لأن الوقفة كانت بالجمعة ونفر -ﷺ- من مني النفر الثاني فأين الجمعة؟ أو يحمل علامة على أن مراره بالجمعة في السفر لا في مني. وانظر التلخيص (٢/ ٧٩).
(٤) أي خارج البلد والخطة.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وحكى القاضي ابن كج وجهًا آخر: أنه يخطب، وهو قريب من الخلاف في أن المنفرد هل يؤذن؟ وإن صلى المسافرون صلى بهم واحد وخطب.
قال الغزالي: وَإِذَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْعَيدَيْنِ اسْتُحِبَّ التَّكْبِيرَاتُ المُرْسَلَةُ ثَلاثًا نَسَقًا حَيْثُ كَانَ فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهَا إِلَى أَنْ يَتَحَرَّمَ الإِمَامُ بِالصَّلاةِ، وَفِي اسْتِحْبَابِهَا عَقِيْبَ الصَّلَوَاتِ الثَّلاَثِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: التَّكبير الذي يذكر في هذا الباب ضربان:
أحدهما: ما يشرع في الصلاة والخطبة، وسيأتي في موضعه.
الثاني: غيره. والمَسْنُون في صفته أن يكبر ثلاثًا نَسَقًا.
وبه قال مالك خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، حيث قال: يكبر مرتين وحكى صاحب التتمة قولًا عن القديم مثل مذهبهما لنا الرواية عن جابر وابن عباس -﵃- أيضًا فإنه تكبير شرع شعارًا للعيد، فكان وترًا كتكبير الصلاة.
يتم قال الشافعي -﵁-: وما زاد من ذكر الله فحسن واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته. ما نقل عن رسول الله أنه قال على الصَّفا هو: "اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأحْزَابَ وَحْدَهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ" (١).
وحكى الصَّيدلاني وغيره عن القديم أنه يقول بعد الثلاث: "اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا اللهُ أكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا والْحَمْدُ للهِ عَلَى ما أبْلانَا وَأوْلانَا" (٢).
_________________
(١) أخرجه الشافعي في الأم كذلك ورواه مسلم من رواية جابر في حديثه الطويل بلفظ بدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبر وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
(٢) قاله القاضي وغيره واختاره صاحب الكافي. ثم قال وقد يذكر الأول وزاد فقال: لو جمع بينهما إن كان الجمع كثيرًا كان أولى وفيه نظر للتطويل وأما لفظ الصلاة فنقلها ابن الصباغ عن البندنيجي بلفظ وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا وفي البيان عنهما تسليمًا كثيرًا. يذكر الشاشي من الحلية الصلاة على النبي -ﷺ-. قال ابن الصلاح وهو الجيد، نقل ذلك في القوت ثم قال ولم أرها يعني الصلاة للشافعي والأكثرين والظاهر أن هؤلاء أخذوها من الأثر السابق الذي ورد تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي لا أذكر إلا وتذكر معي.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
قال في "الشَّامل": والذي يقوله النَّاس لا بأس به أيضًا، وهو: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ اكْبَرُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ".
ثم هذا الضَّرب نوعان: رسل، ومقيد فالمرسل: هو الذي لا يتقيّد ببعض الأحوال، بل يؤتي به في المنازل والمساجد والطرق ليلًا ونهارًا.
والمقيد: هو الذي يؤتى به في أدبار الصَّلوات خاصة.
فأما التَّكبير المرسل فهو مشروع في العيدين، خلافًا لأبي حنيفة -﵀- حيث قال في رواية: لا يسن في عيد الفطر.
لنا ما روي: "أن النّبي (١) كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعًا صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلّى.
وأول وقته في العيدين جميعًا غروب الشمس ليلة العيد.
وعن مالك وأحمد: أنه لا يكبر ليلة العيد وإنما يكبّر في يومه.
لنا قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٢).
قال الشَّافعى: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: عدة صوم رمضان: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان. وفي آخر وقته طريقان:
أظهرهما: وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أن المسألة على ثلاثة أقوال:
أصحها: وهي رواية البويطي واختيار المزني: أنهم يكبرون إلى أن يتحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام يباح إلى تلك الغاية، والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال به، فإنه ذكر الله تعالى، وشعار اليوم.
والثاني: إلى أن يخرج الإمام من الصلاة؛ لأنه إذا برز احتاج الناس إلى أن يأخذوا أهبة الصلاة ويشتغلوا بالقيام إليها. ويحكى هذا عن "الأم".
والثَّالث: إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة.
لما روي: "أَنَّهُ -ﷺ- كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدِ حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى وَيَقْضِيَ الصَّلاَةَ" (٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي من رواية ابن عمر (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩) وضعفه، وقال وإنما هو محفوظ عن ابن عمر موقوف رواه نافع عنه.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٨٥.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ٧٩) وقوله في الحديث: ويقضي الصلاة لم أره في =
[ ٢ / ٣٥١ ]
وهذا القول منقول عن "القديم"، وإنما في حقِّ من لا يصلّي مع الإمام، ونقّله آخرون على وجه آخر. وقالوا: إلى أن يفرغ من الصلاة والخطبتين جميعًا، وروي مثل ذلك عن مالك وأحمد.
والطريق الثَّاني: القطع بالقول الأول، وتأويل غيره بحمل الخروج في القول الثّاني على التّحرم لما بينهما من التَّواصل والتقارب، وحمل التكبير في الثالثة على جنس التكبير الذي يؤتي به في الصلاة وقبلها، ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر، والأضحى برفع الناس أصواتهم به، في الليلتين في المنازل والمسجاد والطرق والأسواق سفرًا كانوا أو حاضرين وفي اليومين في طريق المصلّى وبالمصلي إلى الغابة المذكورة.
ويستثنى عن ذلك الحاج، فلا يكبر ليلة الأضحى وإنما ذِكْرُه التَّلْبِيَة.
وحكى القاضي الروياني وغيره قولين في أن التكبير في ليلة الفطر آكد أم ليلة الأضحى؟ وقالوا: الجديد الأول، والقديم الثاني.
وأما النوع الثاني: وهو التّكبير المقيد بأدبار الصلوات فحكمه في عيد الأضحى مذكور بعد هذا الفصل في الكتاب. وأما عيد الفطر فوجهان:
أظهرهما: عند الأكثرين ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه.
أنه لا يستحب؛ لأنه لم ينقل ذلك عن فعل رسول الله ولا أصحابه.
والثّاني: يستحب؛ لأنه عيد استحب فيه التكبير المطلق فيسن فيه التّكبير المقيد كالأضحى، فعلى هذا يكبر عُقَيْبَ ثلاث صلوات وهي المغرب، والعشاء ليلة الفطرة، والصبح يوم الفطرة، وحكم الفوائت والنوافل في هذه المدّة على هذا الوجه تُقَاس بما سنذكره في عيد الأضحى، وصاحب "التتمة" نقل هذا الخلاف قولين، وجعل الجديد الأول والقديم الثاني، هذا فقه الفصل.
ولا بأس بالتَّنصيص على المواضع المستحقّة للعلامات من لفظ الكتاب.
فقوله: "إذا غربت الشمس" معلّم بالميم والألف إشارة إلى أنه لا يكبر عندهما إذا غربت الشمس، وإنما التّكبير بالنهار وقوله: "ليلة العيد" بالحاء؛ لأنه مطلق، وقد حكينا خلفه في التَّكبير في عيد الفطر.
وقوله: "ثلاثًا نسقًا" بالحاء والألف والواو.
_________________
(١) = شيء من طرقه، لكن ذكر المجد ابن تيمة في شرح الهداية أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن الزهري قال: كان النبي -ﷺ- يخرج يوم الفطر فيكبر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، وعزاه الحافظ أيضًا لابن أبي شيبة.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وقوله: "إلى أن يتحرم الإمام بالصلاة" بالميم والألف والواو، ثم يجوز أن يكون هو جوابًا على أصح الأقوال؟ على الطريقة الأولى، ويجوز أن يكون ذهابًا إلى الطريقة الثانية وكلامه في "الوسيط" إليها أميل.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ إِحْيَاءُ لَيْلَتِي العِيدِ لِقَوْلهِ -ﷺ- مَنْ أَحْيَا لَيْلَتِي العِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ (١).
قال الرافعي: إحياء ليلتي العيد بالعبادة مَحْنُوثٌ عليه للحديث الذي رواه (٢).
قال الصيدلاني: وقد قيل لم يرد فيه شيء من الفَضَائل مثل هذا؛ لأن موت القلب إمّا للكفر في الدنيا، وأما للفزع في القيامة، وما أضيف إلى القلب فهو أعظم لقوله تعالى جده: "فَإِنَّهُ اثِمٌ قَلْبُهُ" (٣) -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ الغُسْلُ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَفِي إِجْزَائِهِ لَيْلَةَ العِيدِ لِحَاجَةِ أَهْلِ السَّوَادِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: روي عن النبي أنه: "كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ" (٤) وأيضًا فهما يومان يجتمع فيهما الكافة للصَّلاة. فسن لهما الغسل كالجمعة، ولا خلاف في إجزائه بعد الفجر، وأما قبله، فقد حكى الجمهور فيه قولين:
أحدهما: لا يجزئ كغسل الجمعة. وبه قال أحمد.
وأصحهما: وهو نصه في البويطي أنه يجزئ؛ لأن أهل السّواد يبتكرون إليها من قراهم فلو لم نجوّز الغسل قبل الفجر لَعَسر الأمر عليهم.
والفرق بينه وبين غسل الجمعة قد ذكرناه في "باب الجمعة".
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (١٧٨٢) وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٦) وانظر التلخيص (٢/ ٨٠).
(٢) قال النووي: وتحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل، وقيل: تحصل بساعة. وقد نقل الشافعي -﵀- في "الأم" عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده. ونقل القاضي حسين عن ابن عباس: أن إحياء ليلة العيد أن يصلي العشاء في جماعة، ويعزم أن يصلي الصبح في جماعة، والمختار ما قدمته. قال الشافعي -﵀-: وبلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال. ليلة الجمعة، والعيدين، وأول رجب، ونصف شعبان. قال الشافعي: وأستحب كل ما حكيته في هذه الليالي. الروضة (١/ ٥٨٢).
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٨٣.
(٤) أخرجه ابن ماجة (١٣١٥) من حديث ابن عباس (١٣١٦) من حديث الفاكه بن سعد وانظر التلخيص (٢/ ٨١).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
والصيدلاني في آخرين حكوا الخلاف في المسألة وجهين وتابعهم صاحب الكتاب، وقد أورد هذه المسألة في "كتاب الجمعة مرة" وزاد هاهنا التَّنبيه على وجه الجواز. وإذا جوّزنا فهل يختص بالنصف الثاني من الليل، كأذان الصبح، أم يجوز في جميع الليل كنية الصوم. عن القاضي أبي الطيب: أنه يختصّ بالنصف الثّاني، وهذا ما ذكره في "المُهذّب". وقال الإمام: المحفوظ، إن جميع ليلة العيد وقت له، وهذا أبداه صاحب "الشامل" على سبيل الاحتمال، وهو الموافق للفظ الكتاب.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ بِثِيَاب بيضي مُسْتَحَبٌّ لِلْقَاعِدَ وَالخَارجِ مِنَ الرِّجَالِ، وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَيَخْرُجنَ فِي بَذْلَةِ الثِّيَابِ.
قال الرافعي: يستحب التَّطيُّب يوم العيد لما روي عن الحسن بن علي -كرم الله وجهيهما- قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَن نَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدِ مَا نَجِدُهُ فِي الْعِيدِ" (١).
وكذلك يستحب التّنظيف بحلق الشّعر وقلم الأظفار وقطع الروائح الكريهة؟ وأن يلبس أحسن ما يجده من الثّياب ويتعمم، والبيض من الثياب أحب من غيرها وإن لم يجد إلا ثوبًا واحدًا فيستحب أن يغسله للجمعة والعيدين، ويستوي في استحباب جميع ذلك القاعد في بيته، والخارج إلى صلاة العيد كما ذكرناه في الغسل هذا في حق الرجال.
وأما في النّساء فيكره لذوات الهيئة والجمال الحضور لخوف الفتنة بهن، ويستحبُّ للعَجَائِزِ الحضور، ويتنظفن بالماء ولا يتطيبن، روي أنه قال: "لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ" (٢) أي غير متطيبات، وكذلك إذا خرجن فلا يلبسن من الثِّيَاب ما يشهرهن بل يخرجن في بذلتهن.
وعن أبي حنيفة -﵀- أن النّساء لا يشهدن العيد ولا المكتوبات إلا الصُّبح والعشاء فليكن قوله: "فيخرجن" معلمًا بالحاء.
وذكر الصيدلاني: أن الرخصة في خروجهن وردت في ذلك الوقت.
فأما اليوم فيكره لهن الخروج إلى مجمع المسلمين؛ لأن النّاس قد تغيروا، وروي
_________________
(١) قال النووي غريب -يعني أنه لا يعرف من رواه، وقال ابن الملقن (١/ ٢٣١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٧٥٦). والحاكم في المستدرك، وقال: لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمت له بالصحة قلت: ليس هو بمجهول فقد ضعفه الأزدي، ومشاه ابن حبان. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٨٦٥، ٨٧٣، ٨٩٩، ٩٠٠، ٥٢٣٨) ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر وأبو داود من حديث أبي هريرة (٥٦٥) وابن حبان (٢٢٠٥).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
هذا المعنى عن عائشة (١) -﵂- وهذا يقتضي إعلام قوله: "فيخرجن" بالواو أيضًا.
قال الغزالي: وَيحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ التَّزَيُّنُ بِالحَرِيرِ وَالمُرَكَّبُ مِنَ الإبْرَيْسَمِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ إِنْ كانَ الإبْرَيْسَمُ ظَاهِرًا وَغَالِباَ فِي الوَزْنِ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ دُونَ الثَّانِي فَوَجْهَانِ، وَلاَ بَأْسَ بِالمُطَرَّفِ بِالدِّيبَاجِ وَبِالمُطَرَّزِ وَبِالمَحْشُوِّ بِالإبْرَيْسَمِ، فَإِنْ كَانَتِ البطَانَةُ مِنْ حَرِيرِ لَمْ يَجُزْ، وَفِي جَوَازِ افْتِرَاشِ الحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ خِلاَفٌ، وَفِي جَوَازِ لُبْسِ الدِّيبَاجِ لِلصِّبْيَانِ خِلاَفٌ، وَيَجُوزُ لِلْغَازِي لُبْسُ الحَرِيرِ، وَكَذَا لِلْمُسَافِرِ لِخَوْفِ القَمْلِ والحَكّةِ، وَهَلْ يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الحَكَّةِ فِي الحَضَرِ؟ فِيهِ وَجْهَان.
قال الرافعي: والتَّزيُّن بالدّيباج والحرير حرام على الرجال، دون النساء؛ لما روى عن علي -﵁- أن النبي: "خَرَجَ يَوْمًا وَفِي يَمِينِهِ قِطةُ حَرِيرٍ، وَفِي شِمَالِهِ قِطْعَةُ ذَهَبٍ، هذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أمَّتِي حِلٌّ لإنَاثِهَا" (٢).
ويحرم على الخُنثى أيضًا لاحتمال كونه رجلًا حكاه في "البيان"، ويجوز أن ينازع فيه، وعد الأئمة القزّ من الحرير، وحرموه على الرّجال وإن كان كمد اللون، وادَّعى صاحب "النهاية" وفارق الأصحاب فيه، لكن في "بحر المذهب" و"التتمة" حكاية وجه: أنه لا يحرم؛ لأنه ليس من ثياب الزّينة. ثم في الفصل مسائل:
إحداها: لو لم يتمحض الثوب حريرًا؟ بل كان مركبًا من الإِبْرَيْسِمِ وغيره ففيه طريقان:
قال جمهور الأصحاب: إن كان ذلك الغير أكثر في الوزن لم يحرم لبسه، وذلك كالخزِّ سُدَاه الإِبْرَيْسِم ولُحْمته صوف فإن اللُّحمة أكثر من السدي، وإن كان الإِبْرَيْسِمُ أكثر يحرم، وإن كانا نصفين فهل يحرم؟ وجهان:
أصحهما: لا يحرم؛ لأنه لا يسمى ثوب حرير، والأصل: الحلّ.
والثاني: وبه قال صاحب "الحاوي": يحرم تغليبًا للتحريم.
والطريق الثاني وبه قال القفَّال، وطائفة من أصحابه: لا ننظر إلى الكثرة والقلّة، ولكن ننظر إلى الظّهور، فإن لم يظهر الإِبْرَيْسِمُ حل كالخزّ الذي سُداه إبريسم، وهو لا يظهر وإن ظهر الإبريسم لم يحل، وإن كان قدره في الوزن أقل فيخرج من هاتين
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٦٩) ومسلم (٤٤٥).
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
الطّريقتين القطع بالتحريم، إن كان الإبريسم ظاهرًا أو غالبًا في الوزن كما ذكر في الكتاب لاجتماع المعنيين المنظور إليهما [وإذا] (١) وإن وجد الظهور دون غلبة الوزن حرم عند القّفال، ولم يحرم عند الجمهور، وإن وجد غلبة لوزن دون الظهور انعكس المذهبان.
الثانية: يجوز لبس الثّياب المُطرَّفةِ بالدّيباج، والمُطرَّزة به لما روي أنه: "كَانَ لَهُ جُبَّةٌ مَكْفُوفَةُ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ" (٢).
قال الشيخ أبو محمد وغيره: والشرط فيه الاقتصار على عادة التّطريف، فإن جاوز العادة فيه كان سرفًا محرمًا، والترقيع بالديباج كالتَّطريز به، وشرط في "التهذيب" أن يكون الطِّراز بقدر أربع أصابع.
فما دونها فإن زاد لم يجز، ويدل عليه ما روى عن علي -﵁- قال: "نَهَى رَسولُ اللهِ عَنِ الحَرِيرِ إِلاَّ فِي مَوْضِعِ إِصْبَع أَو إِصْبَعَينِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ" (٣).
ولو خاط ثوبًا بإبريسم جاز لبسه، وبفارق الذّهب يحرم كثيره وقليلُه في الدّرع المنسوجة بالذهب، والقبَاء بأزار الذَّهب؛ لأن الخُيَلاء فيه أكثر وكل واحد يعرفه، ولا يخرج على التّفصيل في الإناء المضبّب فإن أمر الحرير أهو من أمر الأواني، ألا ترى أنه يحرم على النّساء الأواني ولا يحرم عليهن لبس الحرير والقباء، المحشوّ بالإبْرَيْسم أو القزّ لا يحرم، حكى ذلك عن نصه في "الأم"؛ لأن الحَشْوَ ليس ثوبًا منسوجًا، ولا يعد صاحبه لابس حرير، وأثبت في "التَّهْذيب" خلافًا فيه فقال: ولو لبس جبَّة محشوَّة بالقزِّ أو الإبريسم جاز على الأصحّ، فليكن قوله: "وبالمحشوّ بالإبريسم" معلّمًا بالواو، لذلك ولو كانت بطانة الجبّة من حرير لم يَجُزْ لبسها؛ لأنه لابس حرير، وقد روي أنه قال: "حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ والذهب عَلَى ذُكُورِ (٤) أُمَّتِي".
قال إمام الحرمين: وكان معنى الفخر والخيلاء وإن كان مرعيًا في الحرير، ولكن فيه شيئًا آخر، وهو أنه ثوب رفاهية وزينة، وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال،
_________________
(١) في ط (وإن).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٥٤)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٤٧) والنسائي في الكبرى وابن ماجة (٢٨١٩، ٣٥٩٤) وأصله في صحيح مسلم ببعض معناه (٢٠٦٩) وقال ابن الملقن (٢/ ٢٣٢) وإسناد النسائي صحيح.
(٣) أخرجه مسلم من رواية عمر بن الخطاب (٢٠٦٩).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٩٦، ١١٥) وأبو داود (٤٠٥٧) والنسائي (٨/ ١٦٠) وابن ماجة (٣٥٩٥) من حديث علي -﵁-.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وهذا حسن إلا أن هذا القدر لا يقتضي التّحريم عند الشافعي -﵁-، لأنه قال: في "الأم": ولا أكره لبس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه من زي النِّساء لا للتَّحريم.
الثالثة: تحريم الحرير على الرِّجال لا يختصّ باللبس بل افتراشه والتَّدثُّر به واتّخاذه سترًا، وسائر وجوه الاستعمال في معنى اللبس خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: "لا يحرم إلا للبس" ولأبي الفضل العراقي من أصحابنا حيث قال فيما حكاه أبو عاصم العبادي؛ إنه يجوز لهم الجلوس عليه.
لنا ما روي عن حذيفة -﵁- قال: "نَهَانَا رَسُولُ اللهِ عَنْ لِبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَإِنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ" (١).
ولأن السَّرف والخُيَلاء في سائر وجوه الاستعمال أظهر منه في اللبس، فيكون بالتحريم أولى. وهل يحرم افتراش الحرير على النساء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كاللبس.
وأظهرها -ولم يورد في "التَّهْذِيب" سواه- نعم كاستعمال الأواني للسّرف والخيلاء، بخلاف اللبس فإنه للزينة فصار كالتَّحلِّي.
الرابعة: هل للقوم إلباس الصّبيان الحرير أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لتغليظ ورد فيه عن ابن عمر -﵁ (٢) - بل عليهم أَنْ يمنعوهم من لبسه.
والثَّاني: نعم؛ لأن ثوب الحَرِير لائق بحال الصّبيان إذ ليس لهم شَهَامة تناقضها، وحكى في "البيان" وجهًا ثالثاَ: وهو الفرق بين أن يكون دون سبع ستين، فلا يمنع منه وبين أن يكون له سبع سنين فصاعدًا؛ فيمنع منه كَيْلا يعتاده، وهذا الوجه أظهر ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه.
الخامسة: حيث قلنا بتحريم لبس الحرير، فذلك عند عدم الضرورة والحاجة، فأما عن الضرورة فلا بأس بلبسه كما إذا فاجاءه القتال ولم يجد غيره، وهذا قد سبق ذكره في "صلاة الخوف".
وقوله: "ويجوز للغازي لبس الحرير" محصول على هذه الحالة، وليس الغزو عذرًا على الإطلاق، فهو إذن مكرر، ومن الضرورة لبسه لحر أو برد مهلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٣٠)، ومسلم (٢٠٦٧).
(٢) قال الحافظ ابن حجر (٢/ ٨٨) هذا لا يعرف، والمعروف عنه الجواز رواه الفريابي في كتاب تحريم الذهب والحرير.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وأمَّا الحاجة فهو أن يكون به جَرَبٌ، أو حكّة فله لبس الحرير لذلك لما روي أنه: "رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -﵄- فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا" (١). وفي "التنبيه" حكاية وجه: أنه لا يجوز والمشهور الأول، وكذلك يجوز لبسه لدفع القمل؛ لأن في بعض الروايات أن ابن الزبير وعبد الرحمن -﵄- شَكَيَا الْقُمَّلَ في بعض الْأَسْفَارِ فَرَخَّصَ رَسُولُ اللهِ لَهُمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ" (٢). وهل يشترط السَّفر في ذلك أم يجوز لمجرد الحَكَّة في الحضر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يشترط لإطلاق الخبر.
والثاني: نعم، لأن السَّفر شاغل عن التَّفقد والمعالجة.
وفي الرواية الثَّانية ما يقتضي اعتباره في دفع القُمَّل، -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ إذَا تَزَيَّنَ فَلْيَقصِدِ الصَّحْرَاءَ مَاشِيًا، وَالصَّحْرَاءُ أَوْلَى مِنَ المَسْجِدِ إِلاَّ بِمَكَّةَ، وَلْيَكُنِ الخُرُوجُ فِي عِيدِ الأَضْحَى أَسْرَعَ قَلِيلًا.
قال الرافعي: لما تكلم في استحباب التَّزين لصلاة العِيد اعترض النظر في التزين المباح، والممنوع منه فعاد بعد الفراغ منه إلى ترتيب السُّنن.
وقال: "ثم إذا تزين فليقصد الصحراء" والفصل يتضمن أمورًا:
أحدها: أن الخروج لصلاة العيد إلى الصَّحراء أولى، أم إقامتها في المسجد الجامع.
أما "بمكّة" فإقامتها في المسجد أولى؛ لأن الأئمة كانوا يصلّون صلاة العيد فيه والمعنى فيه فضيلة البقعة، ومشاهدة الكعبة وغيرهما، وألْحَق الصّيدلاني "بيت المقدس" به. وأما سائر البلاد فينظر إن كان هناك عذر من مطر أو ثلج، فإقامتها في المسجد أوْلى، لما روي عن أبي هريرة -﵁- قال: "أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ في الْمَسْجِدِ" (٣).
وإن لم يكن عذر نظر إن كان المسجد ضيقًا فالخروج إلى الصحراء أولى بل ويكره إقامتها في المسجد لوقوع النَّاس في الزِّحام وعسر الأمر عليهم وإن كان المسجد واسعًا. ففيه وجهان حكاهما الإمام عن صاحب "التقريب":
أحدهما -وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب-: إن أقمتها في الصّحراء أولى، لأن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩١٩، ٢٩٢٠، ٢٩٢١، ٢٩٢٢، ٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦).
(٢) انظر مسلم المصدر التقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (١١٦٠)، وابن ماجة (١٣١٣)، والحاكم (١/ ٢٩٥)، وقال صحيح الإسناد وأعله ابن القطان. انظر خلاصة البدر (٢/ ٢٣٣).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ذلك أرفق بالناس فإن صلاة العيد يحضرها الدّاني، والقاصي والفرسان والرّجالة وكذلك يحضرها النّساء الحُيّض ولا يتأتى لهنّ دخول المسجد.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره العراقيون وتابعهم صاحب "التهذيب" وغيره: أَنَّ المسجد أولى لشرف المسجد وتسهيل الأمر على الناس عند سعته، والحُيّض إن حضرن وقفن على باب المسجد.
وفي كلام الأئمة ما يفهم بناء على هذا التّردد على أن إقامتهم الصلاة: "بمكة" كان لخصوص فضيلة المسجد الحرام أو لسعة الخطة، فإن قلنا بالثاني فالمسجد أولى في سائر البلاد أيضًا، وإن قلنا بالأول فلا.
ومهما خرج الإمام إلى الصّحراء فينبغي أن يستخلف في البلد من يصلِّي بضعفة النَّاس، كالشيوخ والزَّمْنَى والمرضى، وهذا على الصحيح في أن صلاة العيد لا يشترط فيها شروط الجُمْعَة، فإن شرطناها ولم نسْتَثْنِ إقامتها خارج البلدة فلا معنى لهذا التّفصيل، والاختلاف، ولا تقام في الصَّحراء أصلًا، وإن استثنينا هذا الشرط عن الاعتبار امتنع استخلاف من يصلّي بالضَّعفة ولم تقم إلا في موضع واحد كالجُمُعة.
والثَّاني: أن المستحبَّ للسّاعي إلا صلاة العيد، المشي دون الركوب لما روي أن النبي:، "مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلاَ جَنَازَةٍ قَطُّ" (١).
فإن عجز أو ضعف لكبر، أو مرض فله أن يركب، وأما في الرّجوع فإن شاء مشى، وإن شاء رَكِبَ -وَاللهُ أعلم-.
والثالث: أنه يستحب للإمام أن يؤخِّر الخروج في عيد الفطر قليلًا، ويعجل في عيد الأضحى، لما روى أنه: "كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ وَلاَّهُ الْبَحْرَيْنَ أَنْ عَجِّلَ الْأَضْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرَ النَّاسَ" (٢).
والمَعْنَى فيه: أن شغل الناس وهو أمر الأضاحي يكون بعد الصَّلاَة، فالتَّعْجِيلُ أَوْلَى ليشتغلوا به وشغلهم يوم الفطر قبل الصلاة وهو تفريق صدقة الفطر، فالتأخير أولى ليفرغوا عنه، ويستحب للقوم أن يُبَكروا إذا صلّوا الصبح ليأخذوا مجالسهم وينتظروا الصلاة. إذا عرفت ذلك ونظرت في قوله في الكتاب: "وليكن الخروج في عيد الأضحى أسرع قليلًا"، وجدت نظم الكتاب يقتضي كون هذا الكلام في خروج القوم؛ لأنه عقبة بقوله: "ثم ليخرج الإمام".
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه الشافعي (٤٩٠)، والبيهقي (٣/ ٢٨٢) وإسناده ضعيف مرسل. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٣٤).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
لكن الذي قاله الجمهور ودل عليه سياق النص في "المختصر" أن سُّنة القوم الابتكار بلا فرق بين العيدين وتعجيل الخروج وتأخيره محبوبان في حق الإمام خاصة.
قال الغزالي: ثُمَّ لْيَخْرُج الإمَامُ وَلْيَتَحَرَّمْ بِالصَّلاَةِ فِي الحَالِ وَليُنَادِ الصَّلاةَ جَامِعَةً.
قال الرافعي: السُّنة للإمام أن لا يخرج إلا بعد خروج القوم.
لئلا يحتاج إلى انتظارهم فإن انتظارهم إياه أليق من انتظاره إياهم وكما يحضر يشتغل بالصَّلاة لما روى أنه: "كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَلاَ يَبْتَدِئُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ" (١). ويكره للإمام أن يتنفَّل قبلها أو بعدها.
روي أن النَّبي: "صَلَّى رَكْعَتَيِ الْعِيدِ وَلَمْ يَتَنَفَّلْ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا" (٢).
ولا يكره للمأموم التَّنفُّل لا قبلها ولا بعدها خلافًا لأحمد في الحالتين، ولمالك كذلك في المُصلّى. وعنه في المسجد روايتان، ولأبي حنيفة فيما بعدها. لنا قياس التَّنفل في هذا الوقت على التَّنفل في سائر الأيَّام.
ويستحب في عيد الفطر أنْ يَطْعَمْ شَيْئًا قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلاَ يُطْعَمُ فِي عِيدِ الأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ رواه أنس وبريدة (٣) وغيرهما -﵄- عن فعل رسول الله.
وأما قوله: "وَلْيُنَاد الصلاة جامعة" فقد سبق مرة في باب الأذان وقد روى عن ابن عباس -﵄- أن النّبي: "صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ خَطَبَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ" (٤).
وذكر في "العدّة": أنه لو نودي لصلاة العيد حيّ على الصلاة فلا بأس بل هو مستحبّ (٥).
قال الغزالي: فَيَقْرَأُ أَوَّلًا دُعَاءَ الاسْتِفتَاحِ، وُيكَبِّرُ سَبْعَ (ح) تَكْبِيرَاتٍ زَائِدَةٍ (م) فِي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤، ١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨)، ومسلم (٨٨٩).
(٢) أخرجه البخاري (٩٨، ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥)، ومسلم (٨٨٤).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٥٢)، والترمذي (٥٣٠) وقال: غريب، وابن ماجة (١٢٩٦)، والدارقطني (٢/ ٤٥) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (٥٩٣) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٩٤) وأخرجه البزار من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-. انظر الكشف (٦٥٢).
(٤) أخرجه أبو داود (١١٤٧) وقال ابن الملقن (١/ ٢٣٥) إسناده على شرط الصحيح.
(٥) قال النووي: ليس كما قال، فقد قال الشافعي -﵁- ينادي: الصلاة جامعة فإن قال: هلموا إلى الصلاة فلا بأس قال: وأحب أن يتوقى ألفاظ الأذان. وقال الدارمي: لو قال حي على الصلاة، كره لأنه من الأذان. الروضة (١/ ٥٨٤).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الأَولىَ وَخَمْسًا (ح) فِي الثَّانِيَةِ وَيقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعدَ التَّكْبِيرِ وَالتَّعَوُّذِ وَيَقْرَأُ سُورَةَ ق في الأُولَى وَاقْترَبَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَرْفَعُ اليَدَيْنِ (ح) فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ.
قال الرافعي: ذكر في هذا الفَصْلِ الكيفية المخصوصة بصلاة العيد، ولا فرق فيها بين الإمام وغيره وإن كان كلام الكتاب يختصُّ بالإمام فنقول: التَّحرم بصلاة العيد يستفتح عُقيبَ التَّحرم كما في سائر الصلوات ويجوز أن يعلّم قوله: "وليقرأ أولًا دعاء الاستفتاح" بالواو، لأن صاحب "البيان" روى عن بعضهم حكاية قول أنه يأتي به بعد التَّكبيرات الزَّوائد، ثم يكبر في الرَّكعة الأولى سبع تكبيرات، سوى تكبيرة الافتتاح والهَوِيِّ إلى الرّكوع، وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من السجود والهوي إلى الركوع خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: التكبيرات الزّائدة في كل ركعة ثلاث، ولمالك وأحمد -رحمهما الله- حيث قالا: التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى ست، وبه قال المزني وساعدونا في الركعة الثّانية، وعن أحمد رواية أخرى مثل مذهبنا مطلقًا. لنا ما روى أن النَّبي: "كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانيَةِ خَمْسًا" (١).
ويروى أنَّهُ: "يُكَبِّرُ اثْنَتَي عَشْرَةَ تَكْبِيرَةَ، سِوَىَ تَكْبِيرَةِ الافتِتَاحِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ" (٢).
وإذا عرفت ما نقلناه عن المذهب أعلمت قوله: "سبع تكبيرات" بالحاء.
وقوله: "زائدة" بالميم والألف والزاي؛ لأن عندهم الزائدة ست لا سبع.
وقوله: "وخمسًا" بالحاء وحده، ويقف بين كل تكبيرتين بقدر قراءة آية لا طويلة ولا قصيرة يهلّل الله ويكبِّره ويمجده هذا لفظ الشّافعي -﵁-، وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود (٣) قَوْلًا وَفِعْلًا.
وأيضًا فإن سائر التَّكبيرات المشروعة في الصلاة يتعقبَّها ذكر مسنون، فكذلك هذه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥٣٦) وقال: حسن، وقال: هو أحسن شيء في هذا الباب، ونقل البيهقي أن الترمذي قال في علله سألت البخاري عنه، فقال: ليس له في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. وأخرجه ابن ماجة (١٢٧٩)، والدارقطني (٢/ ٤٨)، والبيهقي (٣/ ٢٨٦) وأنكر جماعات على الترمذي تحسينه حتى قال ابن دحية عقيبه هو أقبح حديث في الكتاب، لأن رواية كثير بن عبد الله لا تحل الرواية عنه قال الشافعي عنه: ركن من أركان الكذب. وانظر التلخيص (٢/ ٨٤ - ٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٤٩)، وابن ماجة (١٢٨٠)، والحاكم (١/ ٢٩٨)، والدارقطني (١/ ١٨١).
(٣) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩١ - ٢٩٢)، وأخرجه الطبراني بإسناد منقطع في الكبير (٩٥١٥) رواه من فعله -﵁-.
[ ٢ / ٣٦١ ]
التكبيرات ثمِ الذي ذكره الأكثرون وأورده في الكتاب أنه يقول: "سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ"، ولو زاد جاز.
قال الصَّيدلاني: وعن بعض الأصحاب أنه يقول: "لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
قال ابن الصباغ: ولو قال ما اعتاده الناس وهو: "اللهُ أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بُكْرة وأصيلًا وصلى الله على محمد وآله وسلم تَسْلِيمًا كَثِيرًا" كان حسنًا أيضًا.
وقوله: "بين كل تكبيرتين" مرقوم بالحاء؛ لأن عنده يوالي بين التّكبيرات، ولا يقف وبالميم، لأن أصحابنا حكوا عن مالك أنه يقف بينهما، ولا يذكر شيئًا ثم ينبغي أن يعرف أن قوله: "بين كل تكبيرتين" راجع إلى التكبيرات الزوائد، فلا يأتي بهذا الذِّكر بين تكبيرة الافتتاح والأولى من الزوائد نص عليه في "الأم" بل يكفي بينهما دعاء الاستفتاح، وكذلك لا يأتي به بعد التَّكبيرة السَّابعة والخَامسة بل يتعوذ بعد السّابعة وكذا بعد الخامسة إن قلنا: يستحب التَّعوُّذ في كل ركعة وعن أبي يوسف: أنه يتعوذ قبل التّكبيرات. وذكر الروياني أنه قال: قيل أنه مذهب أبي حنيفة -﵀-. لنا: أن التَّعوُّذ لافتتاح القراءة فليكن عقبها.
وأشار الصَّيدلاني إلى تردد في المسألة فقال: الأشبه بالمذهب أن التَّعوذ بعد التَّكبيرات وقبل القراءة ثم يقرأ الفاتحة كما في سائر الصّلوات.
وعند أبي حنيفة: أن القراءة في الركعة الأولى بعد التَّكبيرات الزوائد، وفي الثانية قبل التكبيرات ويوالي بين القرائتين.
لنا؛ ما روي أن النبي: "كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ القِرَاءَةِ" (١).
فليعلم قوله: "بعد التكبير" بالحاء لما حكينا من مذهبه، وبالألف لأن عند أحمد رواية مثل مذهبه.
والصحيح: عنه مثل مذهبنا ثم يقرأ في الأُولى بعد الفاتحة سورة "ق" وفي الثَّانية: "اقتربت السَّاعة" خلافًا لأبي حنيفة -﵀- حيث قال: ليس بعض السّور
_________________
(١) أخرجه أحمد من رواية أبي هريرة قولًا وعائشة -﵂- فعلًا، وفيه ابن لهيعة قال البيهقي في خلافياته: ولا شك في صحته موقوفًا على أبي هريرة: انظر خلامة البدر (١/ ٢٣٦)، والتلخيص (٢/ ٨٤ - ٨٥).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
أولى من بعض، ولمالك وأحمد -رحمهما الله- حيث قالا يقرأ في الأُولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وفي الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
لنا: ما روي عن أبي واقد اللَّيثي -﵁- أن النَّبي: "كَانَ يَقرَأُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأضْحَى بِـ ﴿ق وَالْقُرآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (١).
يستحبّ رفع اليدين في التكبيرات، وبه قال أبو حنيفة ويروى ذلك عن فِعْلِ عُمَرَ -﵁- (٢). وقال مالك: لا يرفع. وإذا شك في عدد التَّكبيرات أخذ بالأقل.
ولو كبر ثمان تكبيرات، وشك في أنه هل نوى التّحرم بواحدة منها؟ فعليه استئناف الصلاة. ولو شكَّ في التَّكبيرة التي نوى التحرم بها أخذ بأنه تحرم بالأخيرة فيعبد التَّكبيرات. ولو صلَّى خلف من يكبر ثلاثًا، أو ستًّا تابعة في فعله ولا يزيد عليه في أصح القولين.
وعند أبي حنيفة -﵀- لو صلّى خلف من يكبر سبعًا تابعه وينبغي أن يضمّ اليمنى على اليسرى بين كل تكبيرتين وحكى عن "العمدة" ما يشعر بخلاف في المسألة.
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلاَةِ كَخُطْبَةِ الجُمُعَةِ لَكِنْ يُكَبِّرُ تِسْعًا قَبْلَ الخُطْبَةِ الأُولَى وَسَبْعًا قَبْلَ الثَّانِيَةِ عَلَى مِثَالِ الرَّكْعَتَيْنِ.
قال الرافعي: إذا فرغ الإمام من صلاة العيد صعد المنبر وأقبل بوجهه على الناس وسلم وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا، بخلاف ما في خطبة الجمعة يجلس قبلها ليؤذن المؤذن ولا أذان في هذه.
والأصح المنصوص أنه يجلس ليستريح من تعب الصُّعود ويتأهَّب ويتأهب الناس للاستماع ثم يخطب خطبتين أركانهما كأركانهما في الجمعة (٣) يقوم فيهما ويجلس بينهما كما في الجمعة، لكن لا يجب القيام هاهنا؟ بل يجوز القعود مع القدرة على القيام كما فيّ نفس الصلاة، وقد روي: "أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَومَ الْعِيدِ" (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٩١).
(٢) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩٣) وإسناده منقطع.
(٣) المراد بالركن الواجب حتى يشمل الشرط إلا في القياس وكذا الجلوس بينهما هكذا اذكره جمع من المتأخرين ولكن المنقول في التحقيق أن الوضوء لخطبة غير الجمعة مستحب كما ذكره في المهمات.
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦، ٤٢، ٥٤)، والنسائي (٣/ ١٨٧، ١٩٠)، وليس عند أحد منهم أنه -ﷺ- خطب على راحلته. وانظر التلخيص (٢/ ٨٦).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ويستحب أن يعلمهم في عيد الفطر أحكام صدقة الفطر وفي عيد الأضحى أحكام الأضحية ويستحب أن يفتتح الخُطبة الأولى بتسع تكبيرات تَتْرى والثانية بسبع تترى.
روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود -﵃-: "أَنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ" (١).
ولو أدخل بينهما الحمد والتهليل والثناء جاز، وذكر بعضهم أن كيفيتهما ما سبق في التكبيرات المرسلة والمقيّدة، ويستحب للنّاس استماع الخطبة ومن حضر والإمام يخطب فإن كان في المصلى جلس واستمع الخطبة ولم يصل التَّحية ثم إِنْ شاء صلَّى صلالة العيد في الصَّحراء، وإن شاء صلاَّها إذا انصرف إلى بيته وإن كان في المَسْجد يستحب له التحية. ثم قال أبو إسحاق: ولو صلّى صلاة العيد. والحالة هذه كان أولى، وحصلت التّحية كما لو دخل المسجد -وعليه مكتوبة يفعلها- ويحصل بها التحية.
وقال ابن أبي هريرة: يصلي التَّحية ويؤخر صلاة العيد إلى ما بعد الخطبة فإنها تطول فيفوت عليه الاستماع، والأول أصح عند الأكثرين.
وأما ما يتعلّق بلفظ الكتاب؛ فقوله: "ثم يخطب بعد الصلاة كخطبة الجمعة" لو حذف "بعد الصلاة" لكان الباقي دالًا على الغرض؛ لأن كلمة "ثم" تفيد التَّراخي، وإنما أخذ كون هذه الخطبة بعد الصَّلاة من فعل النبي -ﷺ- وخلفائه الراشدين -رضوان الله عليهم- أجمعين فلو قدَّمها خطيب أساء، وهل يعتد بخطبته؟ فيه احتمال عند إمام الحرمين (٢). وقوله: "كخطبة الجمعة لكن يكبر تسعًا" غير مجرى على إطلاقه؛ لأنه لم يستدرك إلا افتراق الخطبتين [في] (٣) التكبير، وهما يفترقان في أمور أخر.
منها: أنه لا يجب القيام في خطبة العيد. ومنها: استحباب التَّعرض لصدقة الفطر، والأضحية فيها.
وقوله: "على مثال الركعتين" أي: إذا حسبنا تكبيرة التَّحرم والهوِيّ إلى الرُّكوع مع الزْوائد في الأولى، وحسبنا تكبيرة الانْتِهَاض والهوِيّ إلى الركوع مع الزَّوَائد في الثَّانية ويجوز أن يريد بقوله: "على مثال الركعتين" أنه يجعل التَّفاوت بين عدد التَّكْبيرات في الخطبة الأولى، وعددها في الثَّانية كالتِّفاوت بينهما في الركعتين، فإن فضل التِّسعة على السَّبعة كفضل السَّبعة على الخمسة.
_________________
(١) أخرجه الشافعي (٥٠٢)، والبيهقي (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠) وفي إسناده مقال انظر خلاصة البدر (١/ ٢٣٩).
(٢) قال النووي: الصواب وظاهر نصه في "الأم" أنه لا يعتد بها كالسنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدمها.
(٣) في أ (من).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا خَطَبَ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ.
قال الرافعي: وروي أن النَّبي -ﷺ-: "كَانَ يَغْدُو يَومَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجِعِ فِي طَرِيقٍ" (١). واختلفوا في سببه قيل: ليتبرك به أهل الطَّريقين. وقيل: ليستفتى فيهما. وقيل: ليتصدق على فقرائهما. وقيل: ليزور قبور أقاربه فيهما. وقيل: ليشهد له الطريقان. وقيل: ليزداد غيظ المنافقين. وقيل: لئلا تكثر الزَّحمة.
وقيل: كان يتوخَّى أطول الطريقين في الذِّهاب وأقصرهما في الرجوع، وهو أظهر المعاني ثم من شاركه من الأَئمَّة في المعنى استحب له ذلك، وفيمن لا يشارك وجهان.
قال أبو إسحاق: لا يستحب له ذلك.
وقال ابن أبي هريرة: يستحب كالرّمل والاضْطِبَاع يؤمر بهما مع زوال المعنى، وإلى هذا ميل الأكثرين وهو الموافق لإطلاق لفظ الكتاب ويستوى في هذه السُّنة الإمام والقوم، نصّ عليه في "المختصر" ولم يتعرض في الكتاب إلا للإمام.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ فِي عِيدِ النَّحْرِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَكتُوبَةٍ، أَوَّلَهَا الظُّهْرُ مِنْ يَوْمِ العِيدِ، وَآخِرُهَا الصُّبْحُ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ قِيلَ: يُسْتَحَبُّ عَقِيبَ كُلِّ صَلاةٍ تُؤَدَّى فِي هَذِهِ الأَيَّامِ وإنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ قَضَاءَ، وَقِيلَ: لاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ عَقِيبَ الْفَرْضِ وَقِيلَ: لاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ عَقِيبِ فَرْضِ مِنْ فَرَائِضِ هَذِهِ الأَيَّامِ صُلِّيَت فِي هَذِهِ الأيَّامِ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً.
قال الرافعي: سبق الوَعْدُ بالكلام في التَّكْبير المقيّد في عيد النحر وهو غرض هذا الفصل. فنقول: أولًا لا فرق في هذا التكبير بين المنفرد ومن يصلّي جماعة، ولا بين الرجال والنساء والمقيم والمسافر. وعند أبي حنيفة: لا يكبر المنفرد ولا المرأة ولا المسافر، ثم النَّاس ينقسمون إلى الحجيج وغيرهم.
أما الحَجِيج فيبتدءون التكبير عُقَيْبَ الظّهر يوم النحر ويختمونه عُقَيْبَ الصُّبح آخر أيام التشريق قاله العرِاقيون وغيرهم، ووجهوا الابتداء بأن ذكر الحجيج التَّلبية، وإنما يبدلونها بالتَّكبير مع أوَّل حصاة يرمونها يوم النَّحر، فالظهر أول صلاة ينتهون إليها من وقت قطع التَّلبية. قالوا: والختم لأن سبح اليوم الثالث آخر صلاة يصلونها بمنى.
قال الإمام: ولا شك فيما ذكروه في الابتداء وفي الانتهاء تردد.
وأما غير الحجج فخلف كم صلاة يكبرون فيها طريقان:
_________________
(١) تقدم ضمن حديث لم يتنفل قبل العيد إلخ.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
أظهرهما: أن المسألة على أقوال.
أصحها: وهو منقول عن المُزني والبويطي والزَّعفراني -رحمهما الله- أنَّهم يكبرون عُقَيْبَ خمس عشرة مكتوبة، أوَّلها ظهر يوم النَّحر، وآخرها سبح اليوم الثَّالث من أيام التشريق كالحجيج وسائر الناس تَبَعٌ لهم في ذلك. ويروى هذا عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس وزيد بن ثابت (١) -﵃-.
والقول الثاني: أنهم يبتدئون عُقَيْبَ المغرب ليلة النحر، كما أن في عيد الفطر يبتدئ التَّكبير عقيب المغرب ولم يبين الانتهاء في هذا النص. وحمله الأصحاب على ما ذكر في القول الأول وعلى هذا يكون مكبّرًا عُقَيْبَ ثمان عشرة صلاة.
والثالث: أنهم يبتدءون عقيب الصبح يوم عرفة ويختمونه عقيب العصر آخر أيام التَّشريق خلف ثلاث وعشرين صلاة لما روى أنه: "كَبَّرَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إِلَى الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ" (٢). وبهذا قال أحمد واختاره المزنِيُّ وابن سريج. قال الصَّيدلاني وغيره: وعليه العمل في الأمصار ولم ينسب ابن الصَّبَّاغ هذا القول إلى اختيار المزنيّ، ولكن قال عنده: "يكبر من الظُّهر يوم النَّحر إلى الظّهر من اليوم الثالث".
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول وحمل ما عداه على حكاية مذهب الغير.
وقال أبو حنيفة: يكبر من الصبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر، وهي ثمان صلوات. وروى بعض أصحابنا عن مالك مثل القول الأول، وروى بعضهم عنه مثل القول الثالث. وقوله في الكتاب: "عقيب خمس عشرة" معلم بالحاء. والميم والألف والزاي والواو، لما حكيناه من الاختلافات وجميع ما ذكرناه في وظائف الوقت.
ولو فاتته فريضة من فرائض صلاة الأيام فقضاها في غير هذه الأيام لم يكبر عقيبها؛ لأن التَّكبير شعار هذه الأيام.
ولو فاتته في غير هذه الأيام أو في هذه الأيام وقضاها في هذه الأيام ففيه قولان:
أحدهما: لا يكبر خلفهما؛ لأنها غير مؤداة في وقتها.
_________________
(١) أثر عثمان وابن عمر رواهما الدارقطني (٢/ ٥٠، ٥١)، وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي والبيهقي (٣/ ٣١٣)، وقال: والرواية عند مختلفة، وأثر زيد بن ثابت عند الدارقطني (٢/ ٥٠ - ٥١) واليهقي (٣/ ٣١٣).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢٩٩) من رواية علي وعمار، وقال: صحيح الإسناد لا أعلم من رواته منسوبًا إلى الجرح. قلت: بل فيه ضعف، وقال الذهبي خبره كأنه موضوع. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٣٧).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وأصحهما: أنه يكبر؛ لأنه شعار الوقت، وعلى هذين القولين السنن الرواتب ومنها: صلاة العيد وكذلك النوافل المطلقة ومنهم من قطع بأنه لا يكبر بعدها؛ لأنها أبعد عن مُشَابهة الفرائض، ومنهم من فرَّقَ بين المشروع في هذه الأيام كالسنن الرواتب وصلاة العيدين، وبين ما لا يختصُّ بها النَّوافل المطلقة المطلقة وبنى طائفة من الأئمّة الاختلاف في هذه الصّور كلها على أَنَّ المعنى في التَّكبير عقيب وظائف الوَقْتِ ماذا؟ وذكروا فيها ثلاثة مَعَانٍ:
أحدها: أنها فرائض مؤدَّاة في وقتها من أيام التَّكبير.
والثاني: أنها صلوات مشروعة في أيام التَّكبير.
والثالث: أنها صلوات مفعولة في أيَّام التَّكبير، ولا يخفى تَخْريج الاختلافات عليها. وإذا سألت عن مطلق ما يكبر خلفه من الصَّلوات فقل: فيه وجوه:
أظهرها: أنه يكبر عُقَيْبَ كل صلاة مفعولة في هذه الأيام.
والثاني: لا يكبر إلا عُقَيْبَ الفرائض منها سواء كانت مؤدَّاة هذه الأيام أو فائتتها أو فائتة غيرها.
والثالث: لا يُكَبِّرُ إلا عُقَيْبَ فرائض هذه الأيام قضاء كانت أو أداء.
وهذه الوجوه هي المذكورة في الكتاب ويخرج ممَّا سبق وجه رأبع هو: أنه لا يكبر إلا عُقَيْبَ الفرائض أو السنن الرواتب. وقوله في العبارة عن الوجه الأوَّل: "عُقَيْبَ كل صلاة" يشمل صلاة الجَنَازة أيضًا، لكن قال في "التَّتمة": لا يكبِّر خلفها، لأنها بنيت على التخفيف. وقوله: "وإن كانت نفلًا" معلم بالميم والحاء والألف؛ لأن عندهم لا يكبِّرُ خلف النَّوافل. قال إمام الحرمين: وجميع ما ذكرناه في التَّكبير الذي يرفع به الصَّوت ويجعله شعارًا. أما لو استغرق عمره بالتَّكبير في نفسه فلا مانع منه.
ولو نسي التَّكبير خلف الصلاة ثم تذكر، والفصل قريب كبر، وإن فارق مصلاّه، وإن طال الفصل فكذلك في أصح الوجهين، والمسبوق لا يكبر مع الإمام، وإنّما يكبر إذا أتم صلاة نفسه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ نَسِيَ التَّكْبِيرَاتِ فِي رَكْعَةٍ فَلاَ يَتَدَارَكُهَا عَلَى الجَدِيدِ إِذَا تَذَكَّرَهَا بَعْدَ القِرَاءَةِ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا.
قال الرافعي: لو نسي التَّكبيرات الزَّوائد في إحدى ركعتين، ثم تذكر نظر إن تذكرها في الركوع أو بعده مضى في صلاته ولم يكبِّرْ ولم يسجد للسَّهو كما لو ترك القعود أو السورة ولو عاد إلى القيام ليكبر بطلت صلاته ولو تذكرها قبل الركوع وبعد القراءة، وهذه مسألة الكتاب ففيه قولان:
[ ٢ / ٣٦٧ ]
الجديد: أنه لا يكبِّر لفوات وقته كما لو نسي دعاء الاسْتِفْتَاح فتذكر بعد القراءة لا يعيد. والقديم: أنه يكبر.
وبه قال أبو حنيفة: فيما حكاه صاحب "البَيَان" لأن محلّه باق وهو القيام، وعلى هذا القول لو تذكَّرها في أثناء الفاتحة قطع القراءة وكبر ثُمَّ يستأنف، وإذا كبَّر بعدها يتسحب الاسْتِئنَاف ولا يجب. وحُكِيَ وَجْهٌ آخر: أنه يجب. ولو أدرك الإمام بعد ما كبَّرَ بعض التكبيرات أو في حال قراءته فعلى الجديد لا يكبِّرُ ما فاته وعلى القديم يكبر.
وبه قال أبو حنيفة -﵀-. وإذا أدركه وهو راكع يركع معه ولا يكبِّر قولًا واحدًا. وقال أبو حنيفة -﵀-: يكبر تكبيرات العيد في حال الركوع.
ولو أدركه في الرَّكعة الثَّانية كبَّر معه خمسًا على الجديد، فإذا أقام للثانية كبر خمسًا أيضًا؛ لأن سنة الرَّكعة الثَّانية خمس بلا زيادة.
قال الغزالي: وَإِذَا فَاتَتْ صَلاَةُ العِيدِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ فَقَدْ قِيلَ: لاَ تُقْضَى، وَقِيلَ: تُقْضَى (ح م) أَبَدًا، وَقِيلَ: لاَ تُقْضَى إِلاَّ فِي الحَادِي وَالثَّلاثِينَ، وَقِيلَ: تُقْضَى فِي شَهْرِ العِيدِ كُلِّهِ، وَإذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الهِلاَلِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَفْطَرْنَا وَصلَّينَا، وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الثَّلاَثينَ لَمْ نُصْغِ إِلَيْهِمْ إِذْ لاَ فَائِدَةَ إِلاَّ تَرْكُ صَلاَةِ العِيدِ، وإنْ شَهِدُوا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا وَبَانَ فَوَاتُ صلاَة العِيدِ عَلَى الأَصَحِّ، ثُمَّ قَضَاؤُهَا فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ أَوْلَى أَوْ فِي الحَادِي وَالثَّلاثِينَ فِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ شَهِدُوا نَهَارًا وَعَدَلُوا لَيْلًا فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ أَوِ الشَّهَادَةِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: ممَّا يجب معرفته في هذا الفصل أصل قدمناه، وهو أن قضاء النَّوافل المؤقتة قولان ومن جملتها صلاة العيد. وأصل آخر وهو: أن صلاة العيد هل تنزل منزلة صلاة الجمعة ويعتبر فيها شرائطها أم لا؟.
إذا تذكرت ذلك فنقول: لو شهد شاهدان يوم الثَّلاثين من رمضان إنَّا رأينا الهلال البارحة، وكان ذلك قبل الزوال وقد بقي من الوقت ما يمكن جمع النَّاس فيه وإقامة الصلاة، أفطروا وصلوا وكانت الصلاة أداء (١)، وإن شهدوا بعد غروب الشمس يوم الثَّلاثين لم تقبل شهادتهم، كما لو شهدوا في اليوم الحادي والثَّلاثين؛ لأن شوَّالًا قد دخل يقينًا، وصوم الثَّلاثين قد تمَّ فلا فائدة في قبول شهادتهم، إلاَّ المنع من صلاة العيد فلا يصغي إليها، ويصلّون من الغد وتكون صلاتهم أداء هكذا نقله الأئمّة، وأطبقوا
_________________
(١) اشتراط جمع الناس إنما يأتي على القديم وهو اعتبار شروط الجمعة والصواب اعتبار إدراك ركعة فقط بناء على الأصح أن من أدرك من الصلاة ركعة من وقتها فهي أداء.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
عليه. وفي قوله: "لا فائدة إلاَّ ترك صلاة العيد" إشكال فإنَّ لاستهلال الهلال فوائد [أخر] (١) كوقوع الطَّلاق، والعتق المعلّقين على استهلال شوَّال واحتساب العدّة من انقضاء التاسع والعشرين ونحو ذلك، فوجب أن تقبل الشهادة لمثل هذه الفوائد، ولعل مرادهم عدم الإصغاء فيما يرجع إلى صلاة العيد، وجعلها فائتة لا عدم القبول على الإطلاق وإن أطلقوا ذلك في عباراتهم -والله أعلم-.
وإن شهدوا بعد الزَّوَال وقبل الغروب أو قبل الزَّوَال بزمان يسير لا يمكن الصَّلاة فيه فالشَّهادة مقبولة لتعلّق فائدة الإفطار بها، وهل تفوت الصَّلاة؟ حكى في "النَّهَاية" قولًا: أنها لا تَفُوت، ويصلُّونها غدًا أداء؛ لأن التَّردُّد في الهلال ممَّا يكثر، وصلاة العيد من شعائر الإسلام فيقبح أن لا تقام على النَّعت المعهود في كل سنة فأشبه هذا غلط الحَجيج في الوقوف فإنه يقام وقوفهم يوم العاشر مقام الوقوف يوم التاسع، وظاهر المذهب ولم يذكر الجُمهور سواه أنَّ صلاة العيد فائتة لخروج وقتها ثم قضاؤها مبني على أن النَّوافل المؤقتة هل تقضي أم لا إن قلنا: لا تقضي فلا كلام، وإن قلنا: تقضي فيبنى على أنها هل هي بمثابة الجمعة أم لا؟ إن قلنا: هي بمثابتها في الشَّرَائِطِ والأحكام لم تُفْض وإلاَّ فلهم قضاؤها من الغَدِ وهو الصحيح، وقد روي: "أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِيَّ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلاَلَ بِالْأَمْسِ فَأمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ" (٢).
وهل لهم أن يصلوها في بقية اليوم؟ وجهان: مبنيان على أنَّ إقامتها في الحادي والثَّلاثين أداء أم قضاء إن قلنا: أداء فلا، وإن قلنا: قضاء وهو الصحيح فيجوز ثم هو أولى أو التأخير إلى ضَحْوَة الغد فيه وجهان:
أحدهما: أن التَّأْخير أَوْلَى؛ لأن اجتماع النَّاس فيها أمكن والضَّحوة بالضحوة أشبه.
وأصحهما: أن التقديم أولى مبادرة إلى القضاء وتقريبًا له من وقته وهذا إذا سهل جمع النَّاس بأن كانوا في قرية أو بلدة صغيرة. أمَّا إذا عسر ذلك فالأولى التَّأخير إلى الغد (٣)، كيلا يفوت الحضور على النَّاس وإذا قلنا: إنهم يقيمونها في الحَادِي والثَّلاثين
_________________
(١) سقط في أ.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٥٧)، وأبو داود (١١٥٧)، والنسائي (٣/ ١٨٠)، وابن ماجة (١٦٥٣)، وذكره الهيثمي في الموارد (٨٧٢) والبيهقي (٣/ ٣١٦)، وصححه الخطابي وابن المنذر وابن حزم. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٣٨).
(٣) وحكى الروياني في التجربة الثاني عن النص قاله في القوت. قال: واعلم أن الأول ظاهر النص. قال ابن الرفعة: وحكاه القاضي حسين في كتاب الصيام عن النص وكذلك نقل ابن كج الخلاف على قولين أصحهما الثاني. وقال الماوردي: هنا أنه ظاهر المذهب وفي كتاب الصيام أنه مذهب الشافعي.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
قضاء، فهل يجوز تأخيرها عنه؟ فيه قولان: ومنهم من يقول وجهان:
أصحهما: نعم كالفرائض إذا فَاتَتْ لا يتعيَّن وقت قضاؤها.
والثَّاني: لا، لأن الحادي والثَّلاثين يجوز أن يكون عيدًا بأن يخرج الشَّهر كاملًا بخلاف ما بعده من الأيام ثم حكى إمام الحَرَمَيْن عن بعض الأصْحَاب، أنا إذا قلنا: تقضى بعد الحادي والثَّلاثين فيمتدُّ إلى شهر، فإن وقع بعد شهر فعلى وجهين.
قال: ولعله في شهر شوال نقص أو كمل وفي بقيَّة ذي الحجّة ولا اعتدّ به من المذهب وجميع ما ذكرناه فيما إذا شهد عدلان مقبولان أوْ مستوران وعدلا في الأوقات المذكورة. فأمّا إذا شهد قبل الغروب وعدلا بعد الغروب فقولان، ويقال وجهان:
أحدهما: أنَّ العبرة بوقت الشَّهادة؛ لأن التَّعْديل وإن بَانَ أخيرًا فهو مستند إلى الشَّهَادة.
وأصحهما: أنَّ العبرة بوقت التَّعْديل؛ لأنه وقت جواز الحكم بالشَّهادة، فعلى هذا يصلُّون من الغد بلا خلاف وتكون أداء، وعلى الأول تعود الاختلافات المذكورة، فهذا هو الَّذي أورده معظم الأصحاب وإيضاحه. ولنعد إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "وإذا فَاتَتْ صلاة العيدين بزوال الشَّمس " إلى آخره فاعلم أن الاختلافات المذكورة، عبر عنها في "الوسيط" بالأقوال وإيراد في الكتابين يقتضي طردها في فوات صَلاَةِ العيد للنَّاس كلهم، وفواتها في حق الأفراد وفيما إذا كان الفوات لاشتباه الهلال، وغيره ولكن الفهوم من كلام الأصحاب تخصيص الاخْتِلاف المذكور بصورة اشتباه الهلال وفوات العيد على جميع الناس.
فأما إذا اختصَّ الفوات بالأفراد فلا يجري إلا قولان: منع القضاء وجوازه على التَّأييد، ولا يتَّجه التخصيص بالحادي والثَّلاثين لما ذكره إمام الحرمين.
فقال: هذا اليوم يجوز أن يفرض عيدًا، فإقامة شعار الصَّلاة فيه لا يبعد، وفيما بعده من الأيام إقامة الشّعار المعهود مما يستنكره النَّاس، إلا خواصّهم وتعطيل الشّعار أهون من ذلك، ومعلوم أن هذا لا مساغ له في قضاء الأفراد، وأما المصير إلى القضاء في شهر العيد كله، فلم أر نقله إلاَّ للإمام ولم ينقله إلاَّ في اشْتباه الهِلاَل فاعرف ذلك.
ثم قوله: "لا تقضى" معلّم بالألف؛ لأن عند أحمد هي مقضية. وقوله: "تقضى أبدًا" بالميم والحاء، فإن عندهما لا تقضى والزَّاي، لأن اختيار المزنيّ مثله.
فإن قيل حيث قلنا: بتخصيص القَضَاء بالحادي والثَّلاثين، فلا شك أن ذلك في عيد الفطر، فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الأضحى؟ قلنا: نعم؛ لأنه يجوز أن يفرض يوم عيد إلاَّ أن يقال: إن الشَّهادة بعد دخول ذي الحجة غير
[ ٢ / ٣٧٠ ]
مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادي والثَّلاثين -والله أعلم-.
وقوله: "وإذا شهد الشُّهود على الهلال قبل الزَّوَال أفطرنا وصلَّينا" المراد منه ما إذا سبقت الشَّهادة الزَّوال بقدر ما يسع الصَّلاة، فإن لم يسع فالحكم كما لو شهدوا بين الزَّوال والغروب. وقوله: "ثم قضاؤها في أول اليوم أولى، أو في الحادي والثَّلاثين" فرض الخلاف في الأولويّة جواب منه على الأصح، وهو أن قضاؤها في بقية اليوم جائز، وفيه خلاف تقدم -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِذَا كَانَ العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلأِهْلِ السَّوَادِ الرَّجُوعُ قبْلَ الجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ النِّدَاء يُبْلغُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ لِلْخَبَرِ.
قال الرافعي: إذا وافق العيد يوم الجُمُعَة، وحضر أهل القرى الَّذين يبلغهم النِّداء لصلاة العيد، وعلموا أنهم لو انصرفوا لفاتتهم الجمعة فهل عليهم أن يصيروا ليصلوا الجمعة، أم لهم أن ينصرفوا ويتركوها؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليهم الصّبر كأهل المصر وكسائر الأيام.
وأصحهما: أن لهم أن ينصرفوا ويتركوها، ويحكى هذا عن نصه قديمًا وجديدًا (١) لما روي: "أنه اجتمع عيدان على عهد رسول الله -ﷺ- في يوم واحد فصلى العيد في أول النهار، وقال: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَنَا الجُمُعَةَ فَلْيَفعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أن يَنْصَرِفَ فَلْيَفْعَلْ" (٢).
وأراد به أهل السَّواد وهذا هو الخبر الذي أبهم ذكره في الكتاب.
_________________
(١) قال في شرح المهذب، ولا خلاف أن أهل البلد يلزمهم حضور الجمعة وهو نصه عن البويطي وإنما الرخصة لأهل القرى لا غير. وقال في القوت: قال ابن كج في باب التبكير إلى الجمعة بعد إرساله القولين من غير فرق بين العذرين وغيرهم، واعلم أذا إذا جوزنا الترك فليست تعتبر قريبة ولا بعيده لأن الرخصة عامة ولا خلاف أنه لا يجوز ترك الجمعة حتى لا يصليها أحد من ذلك البلد بل تصير فرضًا على الكفاية. قال في القوت: وظاهر عدم الفرق ونص البويطي يرد عليه، ولفظه إذا اجتمع عيد وجمعة في يوم صلى العيد حتى تحل الصلاة ثم أذن لمن حضر من غير أهل المصر في الانصراف إلى أهليهم إن شاؤوا ولا يعودون إلى الجمعة. فائدة: يفهم أنه لو حضر أهل ترى لا يبلغهم النداء أن لهم الانصراف بلا خلاف وهو ظاهر إذا لم يكن يلزمهم إقامة الجمعة بها، أما لو كانوا يعطلونها ودخلوا المصر البعيد وعلموا أنهم لو رجعوا لفاتتهم الجمعة ففيه وجه لأنه نودي إلى تركهم لا في البقعتين: "قاله ابن أبي زهرة".
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٧٢)، وأبو داود (١٠٧٠)، والنسائي (٣/ ١٩٤) والطبراني في الكبير (٥١٢٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٨) وصححه له شاهد على شرط مسلم. وقال ابن المنذر: لا يثبت وفيه مجهول، وصححه ابن السكن. انظر خلاصة البدر (١/ ٢٣٨).
[ ٢ / ٣٧١ ]
قال الغزالي: