قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ ثَلاَثةٌ: (الأَوَّلُ: المُرْضِعَةُ) وَهِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ حَيَّةٍ تَحْتَمِلُ الوِلاَدَةَ*
_________________
(١) هو مصدر رضِع بكسر الضاد يرضَع بفتحها من باب تعِب، أو رضَع بفتح الضاد يرضِع بكسرها مِنْ باب ضرَب يضرِب. قال في "المِصْبَاحِ": رضع الصبي رضعًا من باب تعب لغة لأهل نجد، ورضع من باب ضرب لغة لأهل تهامة، وأهل مكة يتكلمون بها، وعلى هذا فهو مصدر سماعى لا قياسي؛ لأن المصدر القياسي مِنْ الباب الأول مرضعًا بفتح الراء والضاد مع القصر، والمصدر من الباب الثاني رضعًا بسكون الضاد. وَقَالَ جَمْعٌ: إن المصدر من هذه اللغة بكسر الضاد، وإنما السكون تخفيف مثل الحلف والحلف. وقال في "المصباح" أيضًا: رضع يرضع بفتحتين رضاعًا ورضاعة لغة ثالثة، انتهى. وعلى هذه اللغة هو مصدر قياسي. وإذا أرِيدَ وصف المرأة بلو يقال: فرضع ومرضعة بإثبات التاء، وحذفها في آخره. وقال الفراء: إنْ قصد حقيقة الوصف بالإرضاع فمرضع بغير تاء، وإن قصد مجازه، يعني: أنها محل الإرضاع باعتبار ما كان، أو سيكون فبالهاء، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ على هذا النحو. وقد خالف في ذلك الشيخ الشَّرقَاوِيُّ حيث عكس المسألة فقال: يقال للمرأة التي لم تباشر الإرضاع، وهي ذات ولد موضع بحذف التاء، وللتي باشرته مرضعة بالتاء. ففعله يجوز فيه فتح الضاد وكسرها، ومصدره يجوز فيه إثبات التاء وحذفها، مع فتح الراء وكسرها، وإبدال ضاده تاءً. عَرَّفَ الفقهاء الرضاع: بأنه هو حصُول لبن امرأة أو ما حصل منه في معدة طفل، أو دماغه بشروط تأتي؛ فقولهم حصول: جنسٌ في التحريف شامل للحصول بواسطة الثدي، أو الشرب من الإناءِ ونحوه، وبإضافته إلى اللبن قيد خرج به حصول غير اللبن من باقى الأطعمة، فلا يسمى رضاعًا، وبإضافة اللبن إلى المرأة قيد خرج به حصول لبن غير المرأة من بهيمة، أو لبن رجل، أو خنثى، فلا يسمى رضاعًا؛ لأن لبنهم غير صالح لتغذية الطفل. وقولهم: أو ما حصل منه معطوف على قولهم حصول لبن، فيكون المعنى حصول لبن أو حصول ما حصل منه كالجبن مثلًا، وقفولهم في معدة جار ومجرور متعلق بحصول قيد لإخراج حصوله في غير المعدة، كباطن الأنف، والأذن، فلا يسمى رضاعة، وبإضافة معدة إلى طفل قيد خرج به =
[ ٩ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حصول اللبن في معدة غير الطفل كالرجل مثلًا فلا يسمى رضاعًا، وقولهم بشروط تأتى قيد لإخراج حصول اللبن في معدة الطفل، ولكن مع فقد الشروط، ككون المرضع لم تبلغ تسع سنين، أو كون الطفل لم يرضع خمس رضعات، والمرأة على عمومها شاملة للآدمية والجنية، فلبن الجنية محرم كلبن الإنسية، خلافًا لما ذهب إليه شَيخُ الإسلام، والخطيب من أن المراد منها الآدمية فقط، بناءً على عدم صحة مناكحتهم، وهو المرجوح، والراجح الصحة، وجريًا على ما قاله ابن النقيب من أن اسم المرأة خاص بالآدميات، وهذا خلاف ما عليه الجمهور. ثم الأصل في التعارف أن يكون انظر: لسان العرب: ٣/ ١٦٦٠، المصباح المنير: ١/ ٣١٢، المطلع: ٣٥٠. انظر: تبيين الحقائق: ٢/ ١٨١، اللباب: ٣١، مغني المحتاج: ٣/ ٣١٤، الشرح الصغير: ٣٢٧، كشف القناع: ٥/ ٤٤٢. يؤثر الرضاع في النكاح، يعني في حرمته عند استيفاء شروطه ابتداءً ودوامًا، حتى لو طرأ على النكاح أبطله، وفي ثبوت المحرمية فيبيح النظر والخلوة وعدم نقض الوضوء باللمس، ويؤثر في إيجاب نصف مهر المثل للزوج على الكبرى فيما لو أرضعت الصغرى، كما أن للصغرى عليه نصف مهرها اعتبارًا لما يجب له بما يجب عليه، وان كان مقتضى إتلاف كل البضع وجوب كل المهر. ويؤثر أيضًا في سقوط المهر فيما لو ارتضعت الصغيرة من نائمة أو مستيقظة ساكتة، فيسقط مهرها؛ لان الانفساخ حصل بسببها قبل الدخول، ولا يؤثر في باقي الأحكام من إرث ونفقة وعتق يملك فيما لو ملك أحدهما الآخر، وسقوط القصاص ورد الشهادة فتقبل شهادة أحدهما على الآخر لضعفه عن النسب. الدليل عليه: أما الدليل على حرمة النكاح فالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ والسنة الصحيحة المشهورة مثل ما رواه إمامنا الشافعي -﵁- عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلاَدَةِ" وغير ذلك من الأحاديث. والإجماع إذ لا خلاف بين مجتهدي الأمة في ذلك، وإن اختلفوا في الشروط المعتبرة، وما ينتشر إليه التحريم. وأما الدليل على ثبوت المحرمية، فما روي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها سألت رسول الله -ﷺعن أفلح أخي أبي القعيس هل يدخل عليها؟ وكانت امرأة أبي القعيس قد أرضعتها فقال -ﷺ-: "يَلِجُ عَلَيْكِ فَإِنَّه عَمَّكِ مِنَ الرَّضَاعَةِ" وما روي عن سيدتنا عائشة -﵂- أنها قالت: يا رسول الله، إني أسمع صوتْ رجل في منزلك عند حفصة فقال -ﷺ-: "أَرَاه عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ". والإجماع أيضًا منعقد على ذلك. وأما الدليل على وجوب الغرم، فما ذكروه في باب المتلفات مثل خبر"على اليد ما أخذت حتى تؤديه" لأن الكبرى حيث فوتت البضع كانت في حكم الآخذة. وأما الدليل على عدم تأثيره في سائر الأحكام من إرث ونفقة و الخ فالإجماع، وأيضًا فإن هذه الأحكام لا تثبت إلا لمن له نسب، ولا نسب في الرضاع بل الرضيع أجنبي والأصل بقاء ما =
[ ٩ / ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كان على ما كان حتى يرد دليل على خلافه مثل الآية التي أثبتت حرمة النكاح بالرضاع، ولهذا لم يثبت بعض الأئمة الحرمة إلا للأمهات والأخوات للتنصيص عليهن دون ما عداهن على ما يأتي. ولا يقال إن الآية التي دلت على التوارث دلت بعمومها على الارث بالرضاع؛ لأن الآيات إنما دلت على التوارث بخصوص النسب كما يفهم ذلك من الإضافة في نحو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ لأن الولد حين الإطلاق إنما ينصرف إلى ولد النسب، ولا يطلق على ولد الرضاع إلا مقيدًا فيقال: ولد مِنْ الرضاعة، وابن من الرضاع، وكذا يقال في سائر الأحكام من النفقة والعتق بالملك الخ. ولقد كان لحرمة الرضاع في الجاهلية حق مرعي حكى محمد بن إسحاق أنه لما سبيت هوازن قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة الرسول -ﷺ- وغنمت أموالهم بحنين، قدمت وفودهم على رسول الله -ﷺ- فقام فيهم زهير بن صُرَد فقال يا رسول الله: "إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن أرضعنك ويكفلنك ولو أملجنا "أرضعنا" للحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وتأييده وعائدته وأنت خير المكفولين ثم أنشد: امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظرُ امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك يملؤه من مخضها الدرر أن لم تدراكنا نعماك ننشرها يا أرجح الناس حلما حين يختبر إنا لنشكر آلاءً وإن كفرت وعندنا بعد هذا اليوم مدخرُ فقال النبي -ﷺ-: "أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُم؟ " فقالوا خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد علينا أبناءنا ونساءنا فقال -ﷺ-: "مَا كَانَ لِي وَلِبَني هَاشِم فَهُوَ لَكُمْ" فحفظ -ﷺ- حرمة الرضاع، وأكرمهم لأجله، وجرى على ما عهده العرب من غير إثبات لحرمة السبب، ولا حكم بتحريم النكاح، ولا بالمحرمية (حتى أتى الكتاب بذلك) حتى أنزل الله في شأن الرضاع ما أنزل. وأيضًا فقد روى أبو الطفيل أنه قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يقسم لحمًا بالجعرانة، إذ أقبلت امرأة فدنت إليه فبسط لها صلى الله عليه رداءه فجلست عليه فقلت من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته. فدل هذا الخبر على أن المرضعة تكون أمًّا. وروى محمد بن إسحاق أن الشما بنت الحرث بن عبد العزى كانت في سبي هوازن -وهي أخت رسول الله -ﷺ- من الرضاعة- فجيء بها حتى أنتهت إلى رسول الله -ﷺ- وهي تقول: أنا أخت رسول الله -ﷺ- من الرضاعة فعرفها رسول الله -ﷺ- وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى قومها ممتعة فاختارت أن يمتعها وترجع إلى قومها ففعل. حرم النكاح بالرضاع: لما أشبه اللبن الذي يتغذى به الرضيع، وتقوم به بنيته، وتشيد به أركانه المنى تمام الشبه في أن كلا صار جزءًا من الرضيع كانت الحكمة في تحريم نكاحه هي الحكمة في تحريم النسب، وهي المحافظة على احترامهن، وعدم إهانتهن، ولا يخفى ما يشتمل عليه النكاح من الذل والإهانة، ولهذا قال -ﷺ-: "النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيْمَته" ولولا أن الله -﷾- أودع في المرأة الشهوة وجعلها في حاجة إلى الرجل شديدة ما استفرشت أنثى لرجل قط. =
[ ٩ / ٥٥٢ ]
فَلاَ حُكْمَ لِلَبَنِ البَهِيمَةِ وَلاَ لِلَبَنِ الرَّجُل (و) وَلاَ لِلَبَنِ المَيْتَةِ (ح) * فَإِنْ حُلِبَ لَبَنُهَا فَمَاتَتْ فَشَرِبَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِهَا حُرِّمَ عَلَى أَصَحِّ المَذهَبَيْنِ (و) * وَلاَ حُكْمَ لِلَبَنِ الصَّغِيرَةِ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ* وَبَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ يُحْرَّمُ لَبَنُهَا لاحْتِمالِ البُلُوغِ وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ اللَّبَنِ دَلِيلَ البُلُوغِ* وَفِي لَبَنِ البِكْرِ وَجْهُ أَنَّهُ لاَ يُؤَثِّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكتاب ثم السنة ناطِقَانِ بتحريم الرضاع؛ قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]-﵁- أن رسُول الله -ﷺ (١) - قال: "يحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ما تحْرُمُ مِنَ النَّسَب"، ويعضدها إجماع الأمة، وإما يؤثِّر الرضاع في تحريم النكاح وثبوت المَحْرَمِيَّة المفيدة لحل الخَلْوة والنظر دون سائر أحْكَام النسب؛ كالميراث والنفقة والعِتْق [بالملك] وسقوط القصاص ورد الشهادة، وغيرها بالاتِّفَاق (٢)، ولا تخفَى الحاجة في الكتاب إلى معْرفة الرَّضَاع المُحرِّم، ومعرفة من يُحَرِّمُه، ثم الرضاع المحرِّم قد سبق النكاح، فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليْه، فيقطعه، ومنه ما يحْصُل الاتفاق عليه، وفيه ما يقع فيه نزاع قريبٌ.
الكلام على أربعة أبواب: بابٌ في أركان الرضاع وبيان شرائطه، ليمتاز ما يَحْرُم من الرضاع عما لا يَحْرُم.
وباب: فيمن يحرمه.
_________________
(١) = وحيث ثبت أن النكاح ذل وإهانة كان الواجب صون ما حرمت عنه، وكيف لا يكون كذلك وللمرء علاقات بهن توجب احترامهن وتحريم إهانتهن؟ فللأمهات على الأبناء أعظم أنواع الإنعام التي لا يجهلها أحد، وهل يجوز لمن أنعم عليه أن يقابل هذا الإنعام بالإذلال والامتهان؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ على أن الولد جزء من أصله، ولا يليق بالجزء أن يهين كله، ومن ينتمي إلى هذا الكل من البنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فإن البنات بضعة من الآباء قال -ﷺ-: "فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي" فَلاَ تَجُوزُ إهَانَتُهُمْ؛ لأنَّ إهانة الجزء إهانة للكل، ومنزلة الأخوات كمنزلة الشخص نفسه، وكيف يهين المرء نفسه؟ وشر الناس من ظلم نفسه والعمات في منزلة الآباء، والخالات في منزلة الأمهات، وبنات الإخوة والأخوات كالبنات. وأيضًا من حكمة المشروعية لتحريم النكاح بالرضاع المحافظة على الألفة والوفاق بين الزوجين حتى لا يضيع الولد بينهما، ويتخلى عن الفضائل والكمالات، وذلك لأن الشهوة بينهن ضعيفة جدًا حتى تكاد تكون معدومة، ولا يخفى أن هذا ينشأ عنه النفور والخلاف، ويبعدهما عن الوفاق والائتلاف فيكتسب الولدُ منهما ذلك، فتفوت الحكمة من النكاح التي هي المودة والرحمة بين الزوجين المقتضيين لحياة العمران قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
(٢) متفق عليه. وقد تقدم في باب ما يحرم من النكاح.
(٣) ويؤثر أيضًا في عدم نقض الطهارة على الأظهر.
[ ٩ / ٥٥٣ ]
وباب: في الرَّضاع الذي يطرأ على النكاح وأحكامه.
وباب: في النزاع.
الباب الأول: في أركانه، وهي ثلاثة: الذي ينفصل منه اللبن، وهو المُرْضِع، والذي يَتَّصل به، وهو: المُرْتَضِع، واللبن المتوسط المُنْفَصِل من هذا والمتَّصِل بذاك.
الأول: المرضع، وُيعْتبر فيه ثلاثة قيود:
أحدها: كونه امرأةً، فلبن البهيمة لا يتعلَّق به تحريم، حتى إذا شرب منْه صغيرَانِ، لم يثبت بينهما أخوَّة، ولم تحرم الأنْثَى منهما على الذكر؛ لأنَّ الأخوَّة فرع الأمومة، ومنْها ينتشر تحريم الرضاع، فإذا لم تثبت الأمومة التي هي الأصل، لا تثبت الأُخُوَّة، وأيضًا فلبن البهيمة لا يصلح غذاءً للطفل صلاحِيَةَ لَبَنِ الآدميات، فلا يشاركها في التحريم، ويروى عن مالك أنَّه يتعلَّق به التحريم، ولم يصحِّحوا الرواية، ولو دُرَّ لرجل لَبَنٌ، لم يتعلَّق به التحريم (١)، واللبن من أثر الولادة، والولادةُ تختص بالنساء، وأيضًا، فإنَّه لم يُخْلَق لغذاء المولود، فلم يتعلَّق به التحريم [كسائر المائعات، عن الكرابيسي من أصحابنا: أنه يتعلَّق به التحريم،] (٢) والخنثى المُشْكِلُ إذا دُرَّ لبنه، فعن أبي إسحاق -﵀-: أنَّه يُعْرَض على القوابل (٣)، فإن قلْنَ: مثْلُ هذا اللبن لا يكون إلا للنِّسَاء؛ لغَزَارته، حُكِمَ بأنوثته، وعن ابن أبي هريرة: أنه يستدل باللَّبن علي الأنوثة عند فقْد سائر الأمارات، وظاهر المذْهَب: أن اللبن لا يقتضي الأنوثة، وقد أشَرْنا إلى الخلاف فيه وفي كتاب الظِّهار، وإذا قلنَا بالظاهر، فلو أرضع بلبنه صغيرًا، توقَّف التحريم على تبيُّن حاله، فإن بأن أنه أنثَى، تعلَّق به التحريم، وإلا، فلا.
والثاني: أن تكُونَ المرأة حيَّة، فلو حلب لبن المرأة بعد موتها، وأوجر الصبيُّ أو ارتضع من ثَدْي ميتة، لم يتعلَّق به التحريم خلافًا لأبي حنيفة، ومالك، وأحمد -﵏- واحتج الأصحابُ بأنَّه لبَنٌ حرامٌ قبل انفصاله، فلم يتعلَّق به التحريم، كاللبن المنفصل من الرجُل، وبأن اللبن ضعُفَت حرمته بمَوْت الأصْل؛ ألا ترى أنه تسقط حرمة الأعضاء بالمَوْت حتى لا يجب الضمان بقَطْعها، وبأنها بعد الموت جثَّة منفكة عن الحِلِّ والحرمة، فصارت كجثة البهيمة، وبأن الحرمة المؤبَّدة تختصُّ ببدن الحي؛ ولذلك لا تثبت حرمة المصاهرة بوطء الميتة، وبأنه لو وصل اللبن إلى جوف الصبيِّ الميِّت، لم تثبت الحرمة، فكذلك إذا انفصل منْها بعد موتها؛ قياسًا لأحد
_________________
(١) كان ينبغي أن يقول، المنصوص فقد نقل ذلك الشيخ البلقيني عن نص الأم والبويطي لكن مع الكراهة، وقد نقل الرافعي عن نص البويطي أن لا يحرم مع الكراهة.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: الوقائل.
[ ٩ / ٥٥٤ ]
الطرفين على الآخر، وإن حلب لبن المرأة في حياتها وأوجر الصبي بعد موتها، ففيه وجهان:
أصحُّهما، وهو المنصوص: تعلُّق التحريم به؛ لأنه انفصل منْها، وهو حلال محرم.
والثاني عن رواية القاضي الحُسَيْن: أنه لا يتعلَّق؛ لبُعْد إثبات الأمومة بعْد المَوْت، وذكر أنه مُخرَّج مما إذا علَّق طلاقها في الصِّحة، ووجدت الصفة المعلَّق عليها في المرض يعتبر وقْت التعليق أو وقْت وجود الصِّفة.
والثالث: كوْن المرأة محتملةً للولادة، فلو ظهر لصغيرة لبنٌ، نُظِرَ؛ إنَّ لم تبلغ تسْع سنين، لم يتعلَّق به التحريم؛ لأنها لا تحتمل الوِلادةَ، واللبن فرْعُ الولد، وهذا كما أنها إذا رأتْ دمًا، لم يحكم بكونه حيضًا، وإن بلغتْ تسع سنين، تعلَّق به التحريم، لأنه، وإن لم يُحْكم ببلوغها باللبن، فاحتمال البلوغ قائمٌ، والرّضَاع صنو النسب، فيكتفي فيه بالاحتمال (١) كالنَّسب، ولا فَرْق بيْن أن تكون المرضعة خليَّة (٢) أو ذات زوج، ولا بين أن تكون بكرًا أو ثيِّبًَا؛ لاحتمال الولادة وصلاحية اللبن للغذاء، هذا هو الظاهر، وُيحْكَى عن نصِّه -﵁- في البويطيِّ.
وفي لبن البكْر وجْه أنَّه لا يُحَرِّم؛ لأنه نادر، فأشبه لبن الرَّجُل.
وقوله في الكتاب "المرضعة: وهي كل امرأةٍ حيَّةٍ تَحْتمل الولادة" لا يخفى أنه ليس تفسيرًا لنفس المرْضعة، وإنما المراد أن التحريم إنما يثْبُت إذا كان بهذه الصفات. وقوله "فلا حكم للبن البهيمة، ولا للبن الرجل" يعني حكم التحريم، وعن نصه في البويطى: أنه إذا نزل للرَّجُل لَبَنٌ، فأرضع به صبيَّةً يُكْرَه له أن يَتزوَّج بها، وقوله "على أصح المذهبين" يعني الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي: اللَّبَنُ) وَالمُعْتَبَرُ وُصُولُ عَيْنِهِ أَوْ عَيْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ جُبْنٍ
_________________
(١) فيه أمران: أحدهما: لم يتعرض لكون التسع على سبيل التقريب أو التحديد. نعم قضية إلحاقه بالحيض اعتبار كونه تقريبًا، ولهذا قال في الشرح الصغير ويشبه أن يكون النظر هنا إلى التسع مبنيًا على الأصح في أقل سن الحيض وأن يجيء فيه الخلاف المذكور هناك. الثاني: أنه لو كان لها لبن قبل التسع بزمن يسير حرم كما ذكروه في الحيض أنه يكون حيضًا، وذكر الشافعي في الحيض اعتبار يوم أو يومين والدارمي شهر.
(٢) في ز: خالية.
[ ٩ / ٥٥٥ ]
(ح) أَوْ أَقِطٍ (ح) سَوَاءٌ كَانَ صِرْفًا أَوْ مَخْلُوطًا بِمَائِعٍ مَا لَمْ يَصِرْ مَغْلُوبًا بِحَيْثُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّغْذِيَةِ قَطْعًا* فَإِنْ صَارَ مَغْلُوبًا فَإِنِ امْتَزَجَ بِأَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ وَشَرِبَ الصَّبِيُّ كُلَّهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ وَإنْ شَرِبَ بَعْضَهُ فَقَوْلاَنِ مُرَتِّبَانِ* فَإِنِ امْتَزَجَ بقُلَّتَيْنِ وَشَرِبَ بَعْضَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإنْ شَرِبَ كُلَّهُ فَقَوْلاَنِ* فَلاَ يَحْسُنُ اعْتِبَارُ القلَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ المَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يشترط لثبوت الحُرْمة أن يكون اللَّبَن على الهيئة الَّتي كانَتْ عند الانفصال عند الثَّدْي، بل لو تغيَّر بحموضة أو انعقادٍ أو إغلاءٍ تعلَّقت الحرمة به، وكذا لو اتُّخِذ منه جبنٌ أَو أَقطٌ أو زُبُدٌ أو مخيض وأطعم الصبيُّ؛ لوصول عين اللبن إلى الجَوْف، وحصول التَّغَذِّي، وبهذا قال أحمد؛ وقال أبو حنيفة: تثبُت الحرمة بالجُبْن ونحوه، وُيرَوَى عنه في المغلي مثله، ولو ثرد فيه طعام أو عُجِنَ به دقيقٌ وخبزٌ، تعلَّقت الحرمة به أيضًا، وفي صورة العَجْن والخبز وجْه عن القاضي الحُسَيْن -﵀-، ولو شيب بمائع دواء أو غيره حلال؛ كالماء ولبن البهيمة أو حرام، كالخمر، فيُنْظَر؛ إن كان اللبن غالبًا، تعلَّقت [الحُرْمة] بالمخلوط، حتى لو شرب منه الصبي خمس رضعات، ثبتت الحرعة، وإن كان مغلوبًا فقولان:
أحدهما: أنَّه لا يتعلَّق به الحرمة؛ لأنَّ المغْلُوب المستهلك كالمعدوم؛ ألا ترى أن النجاسة إذا استهلكت في الماء الكثير، كانَتْ كالمعدومة، وأن الخمر إذا استهلك فيما خالَطَه، لم يتعلَّق بشربه الحد، وأن المُحْرِمَ، لو أكل طعامًا استهلك فيه الطيب، لم تلزمه الفدية.
وأصحُّهما: التعليق، لوصول عين اللَّبَن إلى الجوْف، وهو المعتبر في الباب؛ ولذلك يُؤَثِّر كثير اللبن وقليله الذي لا يُغذِّي بحال، وليس كالنجاسة؛ فإن اجتنابها لما فيها من الخَبَث والاستقذار، والكثرةُ دافعةٌ له، ولا كمسألة الخَمْر، فإن الحدَّ منوطٌ بالشدة المزيلة للعقل، ولا كمسألة المَحْرَم، فإنه ممنوعٌ من التطيُّب، وذاك ليس بتطيُّب، وإذا قلنا بالأصح، فلو شرب جميع المخلوط، تعلَّقت الحُرْمة به، وإن شرب بعْضه، فوجهان عن صاحب الإفْصَاح.
أحدهما: أنَّه تثبت الحرمة [أيضًا] إذا شربه في خمْس دفَعَات، أو شرب منه دفعةً بعْد أن شرب من اللبن الصّرف أربعًا؛ وذلك لأنَّ المائعِ إذا خالَطَ المائع، فما مِنْ قَدْر يوجد إلا وفيه شيْءٌ من هذا، وشيْءٌ من هذا، ويُحْكَى هذا عن اختيار الصيمري والقاضي أبي الطيب الطبريِّ.
وأظهرهما، وبه قال ابن سُرَيْج، وأبو إسحاق وأقضى القضاة الماوَرْدِيُّ: المنع؛
[ ٩ / ٥٥٦ ]
لأنا لا نتحقَّق وصول اللَّبن إليه (١)، والخلاف فيما إذا لم يُتحقَّق وصول اللبن، كما إذا وقعَتْ قطرة لبنٍ في جب ماء، وشرب بعضه، فإن تحقَّقنا انتشاره في الخليط وحصول بعضه في المشروب أو كان الباقي في المخْلُوط أقلَّ من قَدْر اللبن، فيُقْطَع بالحرمة. ذكره الإِمام وغيره، وهل يُشْترط أن يكون اللبن قَدْرًا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات، لو انفرد عن الخليط؟ حكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهَيْن، وقال: أظهرهما: الاشتراط.
_________________
(١) يشترط في اللبن وصوله، أو وصول ما حصل منه من كل ما يقصد به التغذي، كالجبن، والزبد، والأقط، والقشطة، بخلاف ما لا يتغذى به، كالمصل: وهو الماء الذي يسيل من الجبن، ويعبر عنه عند العامة بمس الحصير إلى معدة الطفل، أو دماغه، إذ المعدة محل لإحالة الغذاء، والدماغ يحيل الدواء، ولحصول التغذي في كل منهما، أما المعدة فتوزع الأغذية على الجسم بواسطة العصارة المعدية التي تفرزها، والتي لها الأثر الفعال في جعل الغذاء صالحًا، كما قال الأطباء حيث عدوها من أعمدة الجهاز الهضمي، وأما الدِّمَاغُ فقد قال صاحب "المُغْنِي": إن الأدهان، كاللبن، وما حصل منه إذا وصلت إليه انتشرت في الجسم بواسطة الْمَسَام، وتغذت يد العروق، فهو طريق للتغذية، فلذلك اكتفي في التحريم بوصول اللبن إليهما، وخرج بالمعدة، والدماغ ما عداهما، فلا يثبت التحريم بتقطير اللبن في الأذن، أو الدبر، أو الإحليل لعدم التغذي، وسواءٌ كان حصوله بالشرب، أو الإيجار؛ بأن يصب اللبن في الفم، فيصل إلى المعدة، أو بالإسباط بأن يصب اللبن بالأنف، فيصل إلى الدماغ بخلاف وصوله عن طريق الأذن والعين؛ لأن اللبن لا يصل إلى المعدة ولاَ إلى الدماغ عن طريقهما؛ لأنهما غير منفتحتين، نعم لو انفتحتا، ووصل اللبن إلى المعدة أو الدماغ حرّم، وهذا لو كان وصوله عن طريق جراحة، وسواءٌ كان اللبن علي حالته الأصلية من عدم التغير، أو كان متغيرًا بحموضة مثلًا، وسواءٌ استقر اللبن دوامًا أو تقيّأه بعد الاستقرار، أما لو وصل بحقنة فهو غير محرم باتفاق الأئمة الثلاثة؛ وهو الأظهر من قولي الشَّافعي. القول الثاني له: إنه يحرم؛ وذلك لأَنَّ النبي -ﷺ- قال: "الرَّضَاعُ مَا أَثْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ العَظْمَ"، وهذا منتفيان بالاحتقان؛ لأنه لإسهال ما انعقد في الأمعاء، والقول المخالِف للأظهر لِلْمَزَنِيِّ، ومحمد بن الحسن، ودليل هذا القول القياس على ثبوت الإفطار بالحقنة للصائم بجامع أن كُلًاّ واصل إلى الجوف، ورُدّ هذا بإبداء الفارق وهو أن المدار في الإفطار إنما هو لمجرد وصول أي شيء إلى الجوف، ولو غير مغذي، وأما المدار في الرضاع هو إثبات اللحم، وإنشاز العظم، وهما منتفيان في الاحتقان فافترقا. ويشترط في اللبن أن يكون من ثدي المرأة؛ لأنه المحل المعتاد لخروج اللبن، أو ما يقوم مقام الثدي من منفتح في محله المعتاد، ولو على غير صورته، أو في محل آخر يمكن خروج اللبن منه، ويكون على صورة الثدي، فلو خرج اللبن منه وهو في محله المعتاد حرّم قياسًا على نقض الطهارة بمس الذكر ببطن أصبع زائد مسامت للأصل، وقياسًا على الآلة المنفتحة في النقض بالخارج منها وعدمه، ولو ارتضع طفلان من ثدي في غير محله الذي لا يمكن خروج اللبن منه فلا حرمة بينهما كما لو ارتضعا من غيره، ولو قطع ثدي من امرأة حية، وبه لبن شربه طفلان على خمس مرات، أو مرة مكملة لهم قبل القطع، أو شرب منه أحدهما قبل القطع، والآخر بعده حرّم ذلك اللبن؛ لأن الثدي صار كالوعاء له، وقد انفصل منها وهي حية.
[ ٩ / ٥٥٧ ]
هذه هي الطريقةُ الظَّاهرة في اختلاط اللَّبَن بالمائعات، وليس فيها فرْق بين أن يكون الاختلاطُ بالماء أو بغيره، ومنْهم مَنْ فرَّق بين الماء وغيره فجَعَل غير الماء على ما ذَكَرْنا، وقال في الماء واللبن: مغلوب فيه، إن امتزج بما دون القُلَّتَيْن، وشَرِب الصبيُّ كلَّه، ففي ثبوت الحرمة قولان، وإن شرب بعْضه، فوجهان أو قولان مُرَتَّبان؛ إن لم تثبت الحرمة في شرب الكل، ففي شرب البعض أوْلَى، وإن ثَبَت في الكل، ففي البعض وجهان؛ للتردد في وصول اللَّبن، وإن امتزج بقلتين فصاعدًا، فإن قلْنا: لا تتعلَّق الحرمة بالمغلوب بما دون القلتين، فهاهنا أوْلَى، وإن قلْنا: تتعلَّق، فإن تناول بعْضُه، لم يُؤَثِّر، وإن تناول كلَّه، فقولان مُرَتَّبان على القولَيْن فيما دون القُلَّتَيْن، وأَوْلَى بأن لا يُؤَثِّر، وقد أورد الإِمام -﵀- هذه الطريقة، وعليها جرى صاحب الكتاب، لكن الفرق بين القلتين وغيره رعاه الشَّرْع في أحكام النجاسات؛ لأن القليل يَسْهل إحرازه وصونه عن النجاسات، والكثير يَعْسُر صونه، فجعل ذلك حدًّا فاصلًا بين القليل والكثير، وهاهنا النَّظَر إلى وصول اللبن وعدم وصوله؛ فلا معنى للفرق بين القلتين، وما دون القلتين كما في سائر المائعات؛ وقال أبو حنيفة:. إنْ كان الخَلْط بجامدٍ، كما لو ثُردَ فيه الخبز لم تَتعلَّق به الحرمة، سواءٌ كان اللبن غالبًا أو مغلوبًا، وإن كان بمائعٍ، فإن كان اللبن غالبًا، تعلَّقت الحرمة به، وإلا، فلا.
وقال مالك والمزنيُّ: لا فرق بيْن الجامد والمائع، والحكم للغالب، وفرَّق أحمد في المسألة كقولنا؛ وليُعْلَم في الكتاب لفظ "الجبن والأَقِط" بالحاء؛ لما ذكرنا.
وقوله "ما لم يصر مغلوبًا بحيث لا يُؤَثِّر في التغذية قطعًا" فيه إشارة إلى أن معنى صيرورة اللبن (١) مغلوبًا خرُوجه عن كونه مغذيًا، وهذا وجْهٌ محكيٌّ عن رواية الشيخ أبي عليٍّ -﵀-، والظاهر الذي أورده الأكْثَرُونَ أنَّ الاعتبار بصفات اللبن؛ اللون والطعم والرائحة، فإن ظهر شَيْءٌ منها في المخْلُوط، فاللبن غالبٌ، وإلاَّ، فهو مغلوبٌ، ونقل أبو الحسن العبَّادِيُّ في "الرقم" تفريعًا على هذا عن الحليميِّ ما يُفْهِم منه أنه لو زايَلَتْه الأوصاف الثلاثةُ، فيُعْتَبَر قدْر اللبن بمَا لَهُ لونٌ قويٌّ يستولي على الخليط، فإن كان ذلك القَدْر منْه يظهر في الخليط، تثبت الحرمة، وإلا فلا، قال: وهذا شيْءٌ استنبطته أنا، وكان في قلْبي منه شيء حتى عرَضَتْهُ على القفَّال الشَّاشِيِّ وابنه القاسم، فارتضياه، فسَكَنْتُ، ثم وجدتُّه لابن سُرَيْج، فسَكَن قلبي إلَيْه كل السُّكُون، وقد سبق نظير (٢) ما ذَكَره في اختلاط الماء بما يوافقه في الصِّفات، وفي الحكاية ما يبين ذَهَابَه إلى أن المَغْلُوب من (٣) اللبن لا يُؤَثِّر.
_________________
(١) في أ: معلومًا.
(٢) في ز: نظر.
(٣) في ز: في.
[ ٩ / ٥٥٨ ]
وقوله "وَشَرِبَ (١) بَعْضَهُ لَمْ يُؤَثِّرُ" يجوز أن يُعْلَم الواو.
وقوله "فَلاَ يَحْسُن اعْتِبَارُ القلتين من غير الماء" يعني أن الفرق بين القلَّتَيْن وما دون القلتين يختص بالماء، وأمَّا سائر الممائعات، فكثيرها وقليلها سواءٌ.
فَرْعٌ: لو وقَعَت من اللَّبَن في فم الصَّبيِّ، واختلط بريقه ثم وَصَل إلى جَوْفه، فطريقان.
أحدهما: أنَّه يُنْظَر إلى كونه غالبًا أو مغلوبًا، على ما ذكرنا.
والثاني: أنَّه يقطع بثبوت (٢) التحريم، ولا يُنْظَر إلى الامتزاج بالرِّيق كما لا يُنْظَر إلى الامتزاج برطوبات المَعِدة.
آخر: إذا اختلط لَبَن امرأة بلَبَن أخرى، وغلب أحدهما، فإن علَّقنا الحرمة بالمغلوب ثبتت الحرمة فيهما، إلا اختصت بالَّتي غَلَبَ لبنها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: المَحَلُّ) وَهُوَ مَعِدَةُ الصَّبِيِّ الحَيِّ فَلاَ أَثَرَ لِلإِيصَالِ إِلَى مَعِدَةِ المَيِّتِ وَلاَ إِلَى جَوْفِ الكَبِيرِ أَعْنِي بَعْدَ الحَوْلَيْنِ* وَأَمَّا الحُقْنَةُ وَالسَّعُوطُ وَالتَّقْطِيرُ فِي الإِحْلِيلِ وَالجِرَاحَةِ فَحَيْثُ لاَ تَحْرِيمَ* وَحَيْثُ يَحْصُلُ الإِفْطَارُ نَفِيهِ قَوْلاَنِ* وَأَوْلاَهُمَا بِالتَّحْرِيمِ السَّعُوطُ لاِتِّصَالِ الدِّمَاغِ بِالمَعِدَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلَّمنَا فيمن ينفصل مِنْه اللبن، وفي اللبن المتوسِّط، وأما الركن الثالث فهو المَحَلُّ الذي يتَّصل به اللبن، قال في الكتاب: "وهُوَ مَعِدةُ الصبيِّ الحَيِّ"، وهذه ثلاثة ألفاظ:
أحدهما: المعدة، والوُصُولُ إلَيْها تثبت الحرمة، سواءٌ ارتضع الصبيُّ أو اتصل اللبن بفِعْل غيره، وعن أحمدَ روايةُ أنَّه لا تَثْبُت الحرمة بالوجود، ولو صُبَّ في أنفه حتى وَصَل إلى دماغه، وهو السَّعُوط، ففيه طريقان:
أحدهما: أن في ثبوت الحرمةِ قولَيْن، كما سنذكر في الحُقْنة.
وأصحُّهما": القطع بثبوتها؛ لأن الدماغ جوفُ التغذي، كالمعدةِ، والأدهانُ الطيبَّةُ إذا حصَلَت في الدماغ، انتشرت في العروق، وتغَذَّت بها، كالأطعمة الحاصلة في
_________________
(١) في ز: فشرب.
(٢) قال في الخادم: والراجح الطريقة الثانية فقد قال الإِمام: إنه الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب إلحاقًا للريق بالرطوبات في المعدة. قال: ومن أصحابنا من جعل الريق من حيث إنه في محل ملحق بالظاهر.
[ ٩ / ٥٥٩ ]
المعدة، ويقال: إن الحاصل في الدماغ ينحدر (١) إلى المَعِدة في عروق متَّصِلة بهما، وعن أبي حنيفة: أن الحرفة لا تثبت بالسَّعُوط، وهو رواية عن أحمد -﵀-، ولو حُقِنَ باللبن، ففيه قولان منصوصان:
أحدهما، وهو اختيار المُزنيِّ: أنَّه يُثْبِتُ الحرمة كما يَحْصُل به الفِطْر.
وأصحُّهما، ويقال: إنه الجديد، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهما الله-: أنها لا تَثْبُت؛ لأن الحقنة لإسهال ما انعقد في الأمعاء، فلا يَحْصُل بها التعذِّي، وقد يُبْنَى القولان عَلَى أنَّه لم تثبت الحرمة بالسَّعُوط، فَمِن قائلِ بأنها تَثْبُت؛ للوصول إلى محَلٍّ يحْصُل الفطر بوصول الواصل إليه، ومِنْ قائِل؛ إنها تَثْبُت؛ للوصول إلى جوف التغذِّي، ولو قَطَّر اللبن في إحليله، حتى وَصَل إلى المثانة، ففيه قولان، كما في الحُقْنة، وكذا لو كان على بطْنه جراحةٌ فَصَبَّ فيها اللَّبَنَ، حتى وَصَل إلى الجَوْف، قل في "التهذيب": ولو وصل إلى المَعِدَةِ؛ لِخَرْق في الأمعاء أو وَصَل إلى الدماغ بالصَّبِّ في مأْمُومةٍ، تثْبُت الحرمة قولًا واحدًا، ولو صُبَّ في أذنه، فالذي أورده الرويانيُّ في البحر أنه تثبت الحرمة، وفي "التهذيب": أنَّها لا تَثْبُت؛ لأنَّه لا مَنْفَذ لها إلى الدِّماغ، ويشبه أن يُقَال: إنه على الخلاف في الحُقْنة، والصبُّ في العين لا يُؤَثِّر بحال، كما لا يؤثر الاكتحال في الصوم، وإذا تأمَّلْتَ هذه الصور، عَرَفْت أن المَعِدة غير معيَّنة لعينها، بل الدماغ في معناها على الأظْهَر، وعَرَفْت أن حصول الفِطْر أوْسَعُ مجالًا من حُرْمة الرضاع، وسببه أن حرمة الرِّضاع تنشأ من تأثيره في إثبَات اللحم، وإنشاز العظْم، فيراعى مظنَّته، والفِطْر مَنُوطٌ بالوصول إلى الجَوْف؛ ولذلك اختص الرضاع باعتبار العدد فيه، إلى هذا المعنى يُشِير قوله في الكتاب "فَحَيْثُ لا إفْطَارَ لاَ تَحْرِيمَ" وحيث يَحْصُل الإفطار، ففيه قولان، والذي ذكره في السُّعُوط هو طريقة القولَيْن، والظاهر: القطع بأنه تَثْبت الحرمة، والله أعلم.
فرْعٌ: لو ارتضع وتقيَّأَ في الحال، حَصَل التحريم؛ لأن الاعتبار بوصوله إلى الجوف، وقد وَصَل، ولأنه يبقي شيْءٌ، وإن قلَّ، وحكى القاضي الرويانيُّ أن جَدَّه روى فيه وجهًا آخر، وفيه وجه: أنه إن تَقَيَّأَ قبل أن يتغير اللبن، لم تَثْبُت الحرمة، وإن تغيَّر، ثبتت.
اللفظ الثاني: الصبيُّ، والمراد منها الذي لم يبلغ حولَيْن، فأما من بَلَغ حولَيْن فصاعدًا، فلا يتعلَّق التحريم برضاعه، وبه قال أحمد، واحتج له بما رُوِيَ أنه -ﷺ (٢) -
_________________
(١) في ز: يتجدد.
(٢) رواه الدارقطني [٤/ ١٧٤] من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس، وقال: تفرد برفعه الهيثم بن جميل، عن ابن عيينة، وكان ثقة حافظًا، وقال ابن عدي: يعرف بالهيثم، وغيره لا يرفعه، وكان =
[ ٩ / ٥٦٠ ]
قال: "لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ في الحَوْلَيْنِ"، ولقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] جعل تمام الرَّضَاع في الحولَيْن، فأَشْعر بأن الحكم بعْد الحولين بخلافه، وعنْد أبي حنيفة: مدَّة الرضاع ثلاثون شهرًا، وعن مالك روايات: أحداها: كمذهبنا، والثانية: حولان وشهر، والثالثة: حولان وشهران، والرابعة: تَثْبُت الحرمة، ما دام محتاجًا إلى اللَّبن غير مستغنٍ عنْه بالطعام، ويعْتبر الحولان بالأهلَّة، فإن انكسر الشهر الأول، اعتد ثلاثة وعشْرين شهرًا بالأهلَّة، ويكمل المنكسر بالعَدَد عن الشَّهْر الخامس والعشرين، وقد سَبَق نظيره في مَوَاضِع، والقياسُ: أن يُحْسَب ابتداء الحولَيْن مِنْ وقت انفصال الولد بتمامه (١)، وقال في "البحر": لو خرج نصْفُ الولد ثم بَعْدَ مدة، خرج البَاقِي، فابتداء الحولَيْن في الرضاع عنْد ابتداء خروجه، هذا لَفْظُه، وحكى القاضي ابن كج وجهَيْن فيه، وحكى وجهَيْن أيضًا فيما لو ارتضع قَبْل أن ينفصل جميعُهُ، هل تتعلَّق به الحرمة؟.
الثالث: الحيُّ؛ فلا أثر للوصول إلى معدة الميِّت؛ لخروجه عن التغذِّي ونبات اللحم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَشَرْطُ الرَّضَاعِ العَدَدُ (ح م و) وَهُوَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ* وَيَحْصُلُ التَّعْدِيدُ بِتَخَلُّلِ فَصْل بَيْنَ الرَّضَعَاتِ* وَلاَ يَحْصُلُ بَأَنْ يَلْفِظَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ أَوْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الثَّانِي أَوْ يَلْهُوَ لَحْظَةً* بَلْ مَا يُعَدُّ في العُرْفِ وَالتَّمْيِيزِ رَضْعَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حرمة الرَّضَاع لا تَثْبت بأقلَّ من خمس رضَعَات (٢)؛ لِمَا رُوِيَ عن
_________________
(١) = يغلط، ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة فوقفه، وقال البيهقي: الصحيح موقوف، وروى البيهقي [٧/ ٤٦٢] عن عمر وابن مسعود التحديد بالحولين، قال: ورويناه عن سعيد بن المسيب وعروة والشعبي، ويحتج له بحديث فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام.
(٢) قال الأذرعي: وفي البسيط قال الشَّافعي: حولًا من وقت الولادة. انتهى ولم أر هذا النص في كلام الشَّافعي والأصحاب. وقال الروياني: لو خرج نصف الولد ثم بعد مدة خرج باقيه فابتداء الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه، وحكى ابن كج فيه وجهين وحكى وجهين فيما لو ارتضع قبل انفصال جميعه هل يتعلق به التحريم. انتهى وأخذ ذلك من الروضة. قال الأذرعي: والأشبه أنه إذا ارتضع قبل تمام انفصاله أن يتعلق به التحريم لوجود الرضاعة حقيقة وأن يكون ابتداء المدة من حين ارتضع قبل تمام انفصاله إلا لزم أنه لو بقي مدة لم ينفصل وهو يرضع أو يسقى لبن أمه أن يكون مدة الرضاع عندنا أكثر من حولين، ولا قائل به منا وما ذكراه عن الروياني هو ما أورده العمراني وغيره حكاية عن الصيمري وهو الجواب في المعتمد إلى آخر ما ذكره.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٥٢) من حديثها.
[ ٩ / ٥٦١ ]
عائشة -﵂ (١) - قالت: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَات يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ)، فتوُفيَ رَسُولُ الله -ﷺ- وهيَ مِمَّا يُقرأُ في القُرآنِ وحمل ذلك على قراءة حُكْمِها، ورُوِيَ أنَّه -ﷺ- قال:
_________________
(١) من شرُوط الرضيع أن يصل اللبن إلى جوف الطفل من معدة أو دماغ خمس رضعات متفرقات يقينا، فإن ارتضع أقل من الخمس لم يثبت التحريم. نعم، لو حكم حاكم لم ينقص قوله للخلاف، وكذا لا يثبت التحريم لو شك في كونه رضع خمسًا أو أقل؛ لأن اليقين -وهو عدم التحريم- لا يرتفع بالشك خلافًا للإمام مالك -﵁- حيث قال: يثبت بالشك احتياطًا. وكون التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات، هو مذهب إمامنا الشَّافعي -رضي الله تعالى عنه- وبه قال من الصحابة سيدنا عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وأم المؤمنين عائشة -﵃-، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومن الفقهاء أحمد، وإسحاق، وحكاه ابن القيم عن الليث بن سعد، -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-. وذهب أبو حنيفة -﵁- إلى أن التحريم يثبت برضعة واحدة، وبه قال من الصحابة سيدنا علي -كرم الله وجهه- وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر .. ومن الفقهاء سيدنا مالك، والأوزاعي، والثوري -رضي الله تعالى عنهم-. وذهب داود الظاهري: إلى أنه يثبت التحريم بثلاث رضعات وبه قال من الصحابة سيدنا زيد بن ثابت، ومن الفقهاء أبو ثور -﵃-. احتج إِمَامُنا الشَّافِعِيُّ، ومن وافقه بما رواه الإِمام مسلم -رضي الله تعالى عنه- قال: "حدَّثنا يَحْيَى ابنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مالِكٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضِعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يحرمن، ثمَّ نُسِخَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ فَتُوفِّي رسول الله -ﷺ- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ" وقد روى هذا الحديث أبو داود، والنَّسَّائي، والترمذي، وابن ماجة، وذكره الشَّافعي في مسنده فقال: "أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَائِشَة -﵂- أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِعَشْرِ رَضعاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ صُيِّرْنَ إِلَى خَمْسٍ يُحَرِّمْنَ، فَكَانَ لاَ يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ إِلاَّ مَنِ اسْتَكمَلَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ". فهذه الرواية صريحة في إناطة التحريم بخمس رضعات، وأنها ناسخة لغيره، وأن الأمر قد استقر على ذلك، فلو لم تكن هي مناط الحكم؛ لما كانت ناسخة لغيرها؛ لكن التالي، وهو عدم كونها ناسخة لغيرها باطل، فَبَطَلَ ما أَدى إليه، وهو عدم كونها مناط الحكم، فثبت نقيضه، وهو أنها مناطة، وهو المطلوب الملازمة ظاهرة: إذ لو نيط الحكم بغيرها لكان هو الناسخ للعشر دونها. أما بطلان التالي الذي هو عدم كونها ناسخة، فلمخالفته لصريح النص وهو "ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ" ويؤيد هذا المذهب، أنه لا يخالف ما دل على ربطه بغير الخمس من القليل والكثير، بل يكون تقييدًا له لا ناسخًا، بخلاف القول بالتحريم بالقليل والكثير، فإنه يخالف ما دل على نفي التحريم بالرضعة والرضعيتن، وبخلاف القول بالتحريم بالثلاث، فإنه يخالف ما دل على الإناطة بالخمس، دون ما كان أقل منها. الوجه الأول: تمنع كون ما نقل عن أم المؤمنين قرآنًا لعدم تواتره، وعدم إثباته في المصاحف، =
[ ٩ / ٥٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأجيب بأن عدم كونه قرءانًا لانتقاء التواتر لا يمنع من وجوب العمل فإنه يكفي فيه الظن، وقد احتج الأئمة بخبر الواحد في مواضع كثيرة: فاحتج الإِمام الشَّافعي، وأحمد -رضي الله تعالى عنهما- به في هذا الموضع، واحتج أبو حنيفة به في وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين ولا سند له إلا قراءة ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه- ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثةِ أيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾، واحتج به سيدنا مالك، والصحابة قبله -رضوان الله تعالى عليهم- في فرض السدس للواحد من ولد الأم "وله أخ أو أخت من أم" في قراءة أُبَيٍّ، وقد أجمع على هذا، وليس له سند سوى هذه القراءة. وبالجملة فعدم القرآنية لعدم التواتر لا ينافي وجوب العمل لأنَّ القرآنية لا يلزمها إلا انعقاد الصلاة به، وتحريم مسِّه على المحدث، وقراءته على الجنب، والتعبد بتلاوته والتحدي به، وليس من لوازمها الخاصة بها عدم وجوب العمل لأن وجوب العمل قد يثبت بالآحاد الذي ليس بقرآن وقول المعترض سندًا لمنعه "لعدم إثباته في المصحف" ممنوع لأنه لا يثبت في المصاحف إلا ما بقيت تلاوته سواء نسخ حكمه أم بقي، بخلاف ما نسخت تلاوته، فلا يثبت فيها سواء نسخ حكمه أيضًا أو بقي فالمدار في الإثبات في المصاحف على بقاء التلاوة فقط. وظهر من هذا أن القرآن له جهة تلاوة وجهة حكم، وكل منهما إما منسوخ أو باق، فالأقسام أربعة: باقي التلاوة والحكم كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وهو كثير: ومنسوخ التلاوة والحكم كقول سيدتنا عائشة -﵂- "عشر رضعات معلومات يحرمن". ومنسوخ التلاوة دون الحكم كما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: "كان فيما أنزل الله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله" وكان يقول: لولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لكتبتها في حاشية المصحف، وهذا النوع -أي منسوخ التلاوة دون الحكم- يحفظه الله في صدور الأمة ويتوارثونه جيلًا بعد جيل: ومنسوخ الحكم دون التلاوة كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ﴾ الآية فإنها: نسخت بآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وكآية الوصية نسخت بآية المواريث. الوجه الثاني: من أوجه الاعتراض: قالت الحنفية: الحكم إنما يُعلم من داله وهو اللفظ فإذا نسخ اللفظ فمن أين يعلم. وأجيب بأن نسخ التلاوة لا يستلزم إلا نفي لوازمها، كصحة الصلاة بها، وإثباتها في المصاحف، ولا يستلزم نفي الحكم لجواز حفظه في صدور الأمة. الوجه الثالث: قالت الحنفية كيف ساغ الاستدلال بهذا مع أنه لم ينقل نقل الأخبار بل نقل نقل القرآن ولم يثبت به لعدم تواتره. وأجيب بمنع أنه ليس بقرآن باننا نلتزم أنه قرآن، ولا يشترط التواتر إلا فيما بقيت تلاوته بخلاف ما نسخت تلاوته كما هنا، سلمنا أنه ليس بقرآن، ولكن انتقاء قرآنيته لا يستلزم نفي حجيته لأنه يكفي فيها الظن كما تقدم. وأجاب الشوكاني بالتزام أنه سنة لكونه مروي صحابي، وهو يستلزم التوقيف عنه -ﷺ- وذلك كاف في الحجية. الوجه الرابع: قال النافي للعدد: تسليم هذا الاستدلال يؤدي إلى إثبات النسخ بعد زمن الرسول -ﷺ- لقول سيدتنا عائشة -﵂-: "فتوفي رسول الله -ﷺ- وهي فيما يقرأ من القرآن. =
[ ٩ / ٥٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأجيب بأن المراد بقولها -رضي الله تعالى عنها- فتوفي الخ أن النسخ قد تأخر إنزاله إلى قرب وفاة الرسول -ﷺ- حتى إن من لم يبلغه النسخ لقرب عهده بالإسلام أو بعد داره كان يقرؤها، فلما بلغه رجع فصار إجماعًا على أنه لا يتلى فلا نسخ بعد زمنه -ﷺ-. الوجه الخامس: من أوجه الاعتراض على الدليل: أن الاستدلال بهذا يؤدي إلى اثبات النسخ بخبر الواحد، وهو لا يثبت إلا بالتواتر؛ وأجيب بأنه ليس بنسخ يخبر الواحد إنما هو نقل نسخ به وشتان بينهما. الوجه السادس: قالت سيدتنا عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "كان تحريم الرضاع في صحيفة، فلما توفي رسول الله -ﷺ- تشاغلنا بغسله فدخل داجن الحي فأكلها" فلو كان قرآنًا لكان محفوظًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. أجاب الماوردي بما حاصله أن داجن الحي كل الصحيفة التي فيها رضاع الكبير، وهو منسوخ، ولم يأكل ما يدل على العدد، ولئن سلمنا ذلك فيكفي الحفظ في الصدور، وقد وهبهم الله تعالى حافظة قوية قال -ﷺ-: "أنا جِيلُ أُمَّتِي في صُدُوْرِهَا" على أن المعتبر حفظ الحكم وهو محفوظ منقول إلينا. الدليل الثاني: "عن أم المؤمنين -سيدتنا عائشة، -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -ﷺ- أمر امرأة أبي حذيفة، فأرضعت سالمًا خمس رضعات، وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة" رواه أحمد. وفي رواية أن أبا حذيفة تبنى سالمًا، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كلما تبنى النبي -ﷺ- زيدًا، وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث ميراثه حتى أنزل الله ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلمْ له أَبٌ فمولى، وأخ في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل فقالت: يا رسول الله كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة، ويراني فضلى، وقد أنزل الله -﷿- فيهم ما قد علمت. فقال: "أَرْضِعِيْه خمْسَ رَضْعَاتٍ" فكان بمنزلة ولده من الرضاعة. رواه في الموطأ، وأحمد. فإذا صريح في ربط التحريم بالخمس، إذ لو كان الأقل كافيًا لما كان لذكر الخمس فائدة، خصوصًا وأن إرضاع سهلة لضرورة والضرورة تقدر بقدرها. اعترض الثاني للعدد هذا الدليل بقوله: هذا لدليل لتحريم رضاعة الكبير، وهو منسوخ فلا يتمسك به في إثبات العدد لغير لكبير. وأجيب بأن الحديث قد اشتمل على حكمين: رضاعة الكبير: وإثبات العدد، ونسخ أحد الحكمين لا يستلزم نسخ الآخر لاشتماله على المصلحة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية على حكمين: العدد المثبت للزنا، وحده، وهو الإمساك في البيوت، وقد نسخ هذا الأخير مع بقاء الأول. وأجيب أيضًا: بأن رضاع الكبير لم ينسخ، بل هو غير محرم لعدم سببه ومقتضيه، وذلك لأن رضاع الكبير إنما حرم بسبب سبق التبني المباح، فلما حرم التبني، وفسخ الله حكمه بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية سقط ما تعلَّق به من تحريم رضاع الكبير. ولهذا نظائر منها فسخ =
[ ٩ / ٥٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحج إلى العمرة في أشهر الحج عند فقورهم من العمرة في أشهره فلما استقر هذا الحكم في نفوسهم سقط به فسخ الحج، ولم يفسخ وزال بزوال سببه. الدليل الثالث: هو ما استدل به الأصحاب من نفي التحريم بالرضعة والرضعين، فمنها ما روي عن سيدتنا عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: "لاَ تُحْرِمْ المَصَّةُ وَلاَ المَصَّتَانِ". ومنها ما روي عن أم الفضل أن رجلًا سأل النبي -ﷺ- أتحرم المصة؟ فقال: "لاَ تُحْرَمُ الرَّضَعَة وَالرَّضْعَتَانِ وَالمَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ". وفي رواية أخرى دخل أعرابي على نبي الله -ﷺ- وهو في بيتي فقال: يا نبي الله، إني كانت لي امرأة، فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحدثي رضعة أو رضعتين، فقال النبي -ﷺ-: "لاَ تُحْرِمْ الأَمْلاَجَة وَلاَ الأَمْلاَجَتَانِ" فهذه الأحاديث صريحة في نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، فلا يتعلق التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، كما هو مذهب الحنفية، ولا يؤخذ بمفهومها، وهو التحريم بالثلاث كما هو قول داود للأحاديث الدالة على حصر التحريم بالخمس مثل ما رواه الشَّافعي -﵁- في مسنده "فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات"، وما يثبت من رواية ابن ماجة "لا يحرم إلا عشر أو خمس"، خصوصًا لو جرينا على ما قاله الزمخشري من أن الإخبار بالجملة الفعلية يفيد الحصر. اعترض هذا بثلاث اعتراضات: الأول: هذا استدلال بمفهوم العدد، والعدد لا مفهوم له. وأجيب: بأنه لا يؤخذ بمفهوم العدد إلا إن دلت قرينة، والقرينة هاهنا قائمة من نسخ العشر بالخمس وإلا لم يكن لذكرها فائدة وأيضًا الأحاديث المفيدة لحصرة التحريم في الخمس. الثاني: هذه الأحاديث محمولة على ما إذا لم يصل اللبن إلى الجوف. أجيب بأن الرضعة لا تطلق إلا على ما وصل إلى الجوف بالمص والازدراد، وأيضًا على هذا لم يكن لذكر الرضعة فائدة لأن الرضعة والماية في نفي التحريم سواء. الثالث: قالت الحنفية والمالكية إن مفهوم هذه الأحاديث يدل على التحريم بالثلاث، فكما أن منطوقه حجة علينا فمفهومه حجة عليكم. وأجيب. بأن المفهوم مقيد بمنطوق الأحاديث الدالة على ربط التحريم بالخمس. ومن أدلة الشافعية القياس على اللعان بجامع أن كلا سبب للتحريم المؤيد وعرى عن جنس الاستباحة فلا يرد الوطء بشبهة مثلًا، فإنَّه لم يعر عن جنس الاستباحة، فلهذا لم يفتقر إلى العدد. احتج النافي للعدد -وهم الحنفية والمالكية- بالكتاب والسنة والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ومن أرضعت مرة واحدة يطلق على فعلها هذا الاسم "الرضاعة". ويقال لها: أم أرضعت فتدخل في عموم الآية، وبهذا احتج ابن عمر على ابن الزبير حين قال: لا تحريم إلا بخمس رضعات. فقال: كتاب الله، أولى من قضاء ابن الزبير. وأما السنة: فمنها؛ قوله -ﷺ-: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" فأطلق ولم يقيد بعدد. ومنها؛ قوله -ﷺ- "الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" ولا شك أن الرضعة الواحدة تسد الجوعة. ومنها ما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت =
[ ٩ / ٥٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، فقال: "وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَد أَرْضَعَتْكُمَا" فنهاه عنها، رواه أحمد، والبخاري، وفي رواية "دَعْهَا عَنْكَ"، فلو لم يكن مطلق الرضاع محرمًا لسأله عن العدد، ولكنه قد أمره بتركها بادئ الأمر. وأما القياس: فأفراده كثيرة، فمنها؛ قياسه على الوطء بشبهة وعقد النكاح بجامع أن كلًا يفيد التحريم المؤبد، فسيعطى حكمه من عدم اعتبار العدد؛ ومنها القياس على الإفطار في رمضان بجامع الوصول إلى الجوف، فيعطي حكمه؛ ومنها القياس على حد الخمر بجامع أن كلًا متعلق بالشرب، فلا يناط بالعدد. أما عن الآية فمطلقها مقيد بالأحاديث الدالة على اعتبار الخمس، ولا مانع من تقييد السنة للكتاب، وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وبهذا تعلم الجواب عن قول ابن عمر لابن الزبير؛ لأن ابن الزبير لم يقصد برأيه، بل بالتوقيف. قال المُزْنِيُّ: قلت للشافعي: اسمع ابن الزبير من النبي -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعَ، وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ، ومن له تسع سنين يصح نقله وروايته؛ لأنه يضبط ما يسمعه. وأمَّا عن الأحاديث: فعن الأول منها أن الأخبار التي وردت في شأن الرضاع على نوعين: الأول: ما كان المقصود منها الحكم وهو التحريم. الثاني: بيان العدد المحرم، ولكلٍ مقام، وهذا الحديث من النوع الأول على أن إطلاقه مقيد بما ذكر. وعن الثاني: أن الرضعة الواحدة لا تسد الجوعة، خصوصًا إذا لم يصل إلى جوفه غير قطرة. وعن الثالث: حمل مطلقة على المقيد دفعًا لإهمال أحد الدليلين، ولم يقم ما يدل على النسخ على أنه يحتمل أن يكون ترك الاستفصال اعتمادًا على بيانه من قبل ولا حجة مع الاحتمال. وأما عن القياس: فالجواب: عن الأول منها: أنه قياس مع الفارق؛ لأن الأصل لم يعر عن جنس الاستباحة بخلاف النوع. وعن الثاني: أن العلة، والحكمة التي كان لأجلها التحريم في الرضاع لم تتحقق في الإفطار، وهي التغذية فهو قياس مع الفارق أيضًا. وعن الثالث بالمنع من الإلحاق؛ لأن الشارع حرم المسكر بدون تقييد بعدد قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ولا كذلك الرضاع، فإنه نص على العدو المحرِّم، ولا قياس مع النص. استدل داود ومن وافقه بقوله -ﷺ- "لاَ تُحَرّمُ المصَّةُ وَلاَ المصَّتَانِ، وَلاَ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ" ونحوه من كل ما دل على نفي التحريم يالرضعة وبالاثنتين، فدلت هذه الأحاديث بمفهومها على تحريم الثلاث، وقالوا أيضًا إن ما يعتبر فيه العدد، والتكرار يعتبر فيه من الثلاث، وأيضًا إن هذا العدد، هو أول مراتب الجمع. الجواب: أما عن الأول فإن مفهوم هذه الأحاديث مقيد بالأحاديث الصريحة الدالة على اعتبار الخمس، وقد جرى قوله -ﷺ-: "لاَ تُحْرَمُ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ وَلاَ المَصَّةُ وَلاَ المَصَّتَانِ" مجرى قوله -ﷺ-: "إنَّما الرِّبَا فِي النَّسِيْئَةِ" فإن مفهومه هو جواز الرِّبا في المنجز، إذا كان مقايضة؛ وليس كذلك للنصوص الأخرى الدالة على جريان الرِّبا فيه؛ أو يجاب بأن هذه =
[ ٩ / ٥٦٦ ]
"لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةُ (١) [وَلاَ المَصَّتَانِ، وَلاَ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ" قبل: المصة] الجرعة يتجرَّعها، والرَّضعة المراد به الرضعة الثانية في العادة، وعند أبي حنيفة ومالك: تثبت الحرمة بالرَّضْعَةِ الواحدةِ، وعن أحمد روايتان كالمذهبَيْن، ولنا وراء ظاهر المذهب وجهان:
أحدهما: كمذهب أبي حنيفة، والثاني: أنَّه يثبت الحرمة بثَلاَث رضَعَاتٍ، وبه قال ابن المُنْذِر، واختاره مشايِخُنا، ولو حكم حاكم بالتحريم برضعةٍ، لم ينقض حكمه، وإن كنا نفرِّع على ظاهر المَذْهَب، وعن الإصْطَخْرِيِّ: ينقض، والرجوع في الرَّضْعة الواحدة والعدد من الرَّضَعات إلى العُرْف، وَمَا تُنَزَّلُ علَيْه الأيْمَانُ في مثْل ذلك، ومَهْما تَخلَّل زمانٌ طويلٌ لم يخف التعدد، ولو ارتضع، ثم قَطَعه، قطَعْ إعراض، واشتغل بشَيْءٍ، ثم عاد، وارتضع، فهما رضعتان، وقطع المرضعة كقطع الصبي في أصحِّ الوجهين.
والثاني: أنه لا اعتبار بقَطْعها، ولو قَطَعَت، ثم عادت إلى الإرضاع، لم يُحْسَب ذلك رضعتين، ولا يحْصُل التعدُّد بأن يَلْفِظ الثدْيَ، ثم يعود إلى الالتقام في الحال، ولا بأن يَلْهُوَ عن الامتصاص، والثَّدْيُ في فمه، ثم يعود إلى الامتصاص، ولا بأن يَتحوَّل من ثَدْيٍ إلى ثديٍ أو تحوله لِتَقَادِمَا فِي الثَّديِ الأول، ولا بأن يقطع للتنفس، ولا بأس بتَخلَّل النومة الخفيفة، ولا بأن تقوم هي، وتَشْتغِل بشُغْلٍ خفيفٍ، ثم تعود إلى الإرضاع (٢)، ذَكَره الشيخ إبراهيم المروزي، قال الأصحاب -﵏-: ويُعْتَبَر ما يجيْء فيه بمرات الأكل، وإذا حَلَف أن لا يَأْكُل في اليوم إلا مرةً، وأكل لقمة، ثم أعرض عنه، واشتغل بشُغْل، [طويل] ثم عاد، وأكل، حَنِثَ في يمينه، فلو أطال الأَكْلَ على المائدة، فكان ينتقل من لون إلى لون، ويُحْدِثُ في خلال الأكل، ويقوم، ويأتي
_________________
(١) = الأحاديث التي تمسكتم بها واردة على سؤال خاص، ورواية أم الفضل مصرحة بلفظ السؤال، فلا يدل على إثبات الحكم، فيما عدا هذا السؤال. والجواب عن الثاني والثالث: أن النص دافع لهذه الاحتمالات.
(٢) رواه مسلم [١٤٥١] والنسائي من حديث عائشة، وأم الفضل بنت الحارث، وفيه قصة، ورواه أحمد والنسائي وابن حبان والترمذي، من حديث عبد الله بن الزبير، وقال: الصحيح عند أهل الحديث من رواية ابن الزبير عن عائشة، يعني كما رواه مسلم، وأعله ابن جرير الطبري بالاضطراب، فإنه روي عن ابن الزبير عن أبيه، وعنه عن عائشة، وعنه عن النبي -ﷺ- بلا واسطة، وجمع ابن حبان بينها بإمكان أن يكون ابن الزبير سمعه من كل منهم، وفي ذلك الجمع بعد على طريقة أهل الحديث، ورواه النسائي من حديث أبي هريرة، وقال ابن عبد البر: لا يصح مرفوعًا.
(٣) قال النووي في زوائده: قال إبراهيم المروذي: إن نام الصبي في حجرها وهو يرتضع نومة خفيفة، ثم انتبه ورضع ثانيًا، فالجميع رضعة، وإن نام طويلًا، ثم انتبه وامتص، فإن كان الثدي في فمه رضعة، وإلا فرضعتان. والله أعلم. وتعقب بأنه لا يحسن عدة من الزوائد لذكر الرافعي له.
[ ٩ / ٥٦٧ ]
بالخبز عند نفاذه، لم يَحْنَث، فإن كل ذلك يعد في العرف أكْلةً واحدةً، ولو ارتضع من ثَدْيِ امرأة، ثم انتقل في الحال إلى ثَدْيٍ آخر، ففيه خلافٌ سنذكره من بَعْدُ.
ولا يُشْتَرط أن يكون وصول اللبن في المَرَّات الخمس على هيئة واحدةٍ، بل لو ارتضع في بعْضِها، وأوجز في بعْض، وأسْعَط في بعْضٍ، حتى تَمَّ العدد، يَثْبُت التحريم، وكذا في الصَّبُّ في الجراحة الحقنة، إذا جعلْناهما مؤثرتَيْن.
ولو حَلَب لبن امرأة [دفعة] (١) واحدة، وأوْجَرَ الصبيُّ في خمس دفعاتٍ؟ نقل المزنيُّ والربيع أنها رضْعةٌ واحدةٌ، ثم قال الربيع: وفيه قولٌ آخر: أنَّها خمس رضعات، وللأصحاب طريقان:
أظهرهما: أن في المسألة قولَيْن:
أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنها خمس رضَعَاتٍ تنزيلًا للإناء المنتقل منه منزلة الثدي، وأيضًا، فاعتبارًا بالوصول إلى جَوْف الصبيِّ، وربما شبه ذلك بما إذا وضع الطعام دفعةً واحدةً، وأكله في دفعات يكون ذلك أكلاتٍ، حتى لو حَلَف؛ لا يأكل في اليوم إلا مرةً واحدةً، وفعل هذا، يحنث.
وأصحهما عند أكثر الأصحاب: أنَّها رضعة واحدةٌ؛ لأنه انفصل دفعةً واحدةً، وربما قيل: طرف الانفصال أَوْلَى بالاعتبار؛ ألاَ ترى أنه لو ارتضع الطِّفْل مِنْ لبنها بعْد موتها، لم تَثْبت الحُرْمَة، ولو حَلَب اللبن في حياتها وأوجر الصبيّ بعْد موتها، تثبت الحرمة، قالوا: وليْسَ الإناء كالثدي؛ فإن اللبن يَحْدُث في الثدي شيئًا فشيئًا، فكلما ارتضع، حدث غيره، فَيَحْصُل التفريق (٢)، وفي الإناء لا يَحْدُث شيئًا بعد شيْءٍ.
والطريق الثاني: القَطْع بأنها رضْعة، وجعل ما نقله الربيع من كيسه، ويُحْكَى هذا عن القاضي أبي حامِدٍ -﵀-، وإن حَلَب في خمس دفعات، وأوجر الصبيّ دفعةً واحدةً، فمَنْ قطع بالاتحاد في الصورة الأُولَى، قطع هاهنا أيضًا، وهؤلاء يشترطون التعدُّد في طريق الاتصال والانفصال جميعًا، والذي أثبتوا هناك على قولَيْن؛ افترقوا هاهنا، فَمِنْ طاردين لهما بانين للقولَيْنِ على أنَّ النظر إلى حالة الانفصال والاتصال، وبهذا قال صاحب "الإفصاح" وأبو إسحاق، ومِنْ قاطِعِينَ بالاتحاد [في طرف الاتصال،] (٣) ذاهِبِين إلى أنه أوْلَى بالاعتبار؛ لأن أَثَر الإرضاع، وهو التغذي وثبات اللحم، يتعلَّق به، ولو حَلَب في خمس دفعات وأوجر الصبيّ في خمس دفعات، نُظِرَ؛ إن خلَط المَخْلُوط، ثم أوجر، فطريقان:
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الفريق.
(٣) سقط في ز.
[ ٩ / ٥٦٨ ]
أصحُّهما: أنَّها خمس دفعات في الطرفَيْن، وبهذا قال أكثر الأصحاب وابن سُرَيْج وأبو إسحاق وابن أبي هريرة.
والثاني: أن فيها قولين أيضًا؛ لأنه بالخَلْط، صار كالمَحْلُوب دفعةً واحدةً؛ وإن لم يُخْلَط، فلا خلاف أنَّها خمْسُ رضعات، ولو حلب خمس نسوة في إناء واحد وأوجر الصبي دفعةً واحدةً، حصَلَت من كل واحدةٍ رضعةً، وإن أوجر في خمس دفعاتٍ، فقد حُكِيَ فيه وجهان، والذي أورده القاضي الرُّويانيُّ -﵀- منْهما بثُبوتُ الحرمة (١)، فإذا عرفت ما ذكرنا، أعْلَمْت قوله في الكتاب "فشَرْطُ الرَّضَاعِ العَدَدُ" بالحاء، والميم، والألف والواو، وقوله "وهو خمس رضعات" بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) لَوْ شَكَكْنَا فِي العَدَدِ فَلاَ تَحْرِيمَ* وإنْ شَكَكْنَا فِي وُقُوعِهِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ فَقَدْ تَقَابَلَ أَصْلاَنِ وَهُوَ بَقَاءُ المُدَّةِ وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ* لَكِنَّ الأَصَحَّ أنَّهُ لاَ تَحْرِيمَ إِلا بِيَقِينٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وقع الشكُّ في أنها أرضعَتْه خمْسَ رضَعات أو أقلَّ، لم تثبت الحرمة بالشَّكِّ، وطريق الوَرَع لا يَخْفَى، وكذا لو وَقَع الشكُّ في أنه هلْ وصل اللَّبَن في بعْض المرَّات إلى جوْفه، ولو وقع الشك في أنَّها أرضعته الخمس في الحولَيْن أو أرضعَتْه بعْض المرات بعْد الحولَيْن، فقد ذُكِرَ فيه قولان أو وجهان؛ لأنه تَقابَلَ أصْلان، فالأصل بقاء مدة الحولَيْن، والأصْل عدَمُ التَّحريم، والأصحُّ أنه لا يثْبُت التحريم، حتى يحصل اليقين، وُيسْتصحب أصْل الحِلِّ، كما أن الشك في انقضاء مدة المَسْح يأخذ بالأصل، وهو غَسْل الرِّجْلَيْن، ويُحْكى وجْه التحريم عن الصَّيْمري.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (قَاعِدَةٌ) لَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ خَمْسُ مُسْتَوْلَدَاتٍ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٌ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِلِبَانِهِ مَرَّةً لَمْ يُحَرَّمِ المُرْتَضعُ عَلَيْهِنَّ* وَيُحَرَّمُ عَلَى الفَحْلِ (و) لأَنَّهُ اجْتَمَعَ العَدَدُ فِي حَقِّهِ وَهُوَ لَيْسَ تَابِعًا لِلأُمِّ هَذَا أَصَحُّ الوَجْهَيْنِ* وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُنَّ خَمْسُ بَنَاتٍ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلِىَ بِأنْ لاَ يَحْصُلَ* وَالأَخَوَاتُ كَالبَنَاتِ وَلَوْ كُنَّ مُخْتَلِفَاتٍ كَأُمٍّ وَبِنْتٍ وَأُخْتٍ وَزَوْجَةٍ وَجَدَّةٍ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يُحَرَّمُ إِذْ لاَ تَحْصُل مِنْ مَجْمُوعِهَا قَرَابَةٌ وَاحِدَةٌ* وَلَوْ أَرْضَعَ خَمْس مُسْتَوْلَدَاتٍ عَلَى التَّوَالِي فَهِيَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَعَدُّدِ المُرْضِعِ* وَقِيلَ: تَعَدُّدُ المُرْضِعَةِ كتَعَدُّدِ الثَّدْيِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصل الذي تتعلَّق به صورة القاعدة، وقد صرَّح به في الكتاب من
_________________
(١) عبارة الروضة: حسب من كل واحدة رضعة على الأصح وقيل: خمس رضعات.
[ ٩ / ٥٦٩ ]
بعْد: أن لبنَ الفَحْل يُحَرِّم، وتصير المرضعة، أُمًّا للمرتضع، ويصير الفَحْل الذي منْه اللبن أَبًا له، وينتشر منه الحُرْمة إلى أولاده، وبه قال عامَّة العلماء، وعن بعْض الصحابة -﵃- خلافُه، واختاره عبد الرحمن ابنُ بنتِ الشافعيِّ -﵁-.
لنا: ما روي عن عائشة -﵂- أن أفلح أخا أبي القعيس [جاء] (١) يستأذن عليها، وهو عمُّها مِنَ الرضاعة بعْد ما نزلت آية الحِجَاب، قالت: فأبيت أن آذَنَ له، فلما جاء رسول الله -ﷺ- أخْبَرْته بالذي صنَعْتُ، فقال: إنَّه عَمُّكِ، فأْذَنِي له، فقلتُ يا رسول الله -ﷺ- إنما أرضَعَتْنِي المرأةُ، ولم يرضِعْني الرَّجُل، فقال [رسول الله] (٢) -ﷺ- إنه عمُّكِ فَلْيَلجْ عليك، وأبو القعيس كان زوج المرأة التي أرضعت عائشة -﵂-، وروى الشافعيُّ أن ابن عباس (٣) سُئِلَ (٤) عن رجُلٍ له امرأتان، أرضعتْ إحداهما غلامًا، والأخرى جاريةً، أينكح الغلامُ الجاريةَ، قال لا اللِّقاح واحدٌ، يعني أنهما أخوان لأبٍ.
إذا عُرِفَ ذلك، ففي القاعدة صِوَرٌ:
إحداها: إذا كان للرجل خمسُ مستولداتٍ أو أربعُ نسْوةٍ ومستولدةٌ، فأرضعت كلُّ واحدة منْهن بِلِبَانِهِ (٥) صغيرًا مرَّةً، لم يَصِرْنَ أمهاتِ الصغير، وهل يصير الرجل أبًا له؟ فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو القاسم الأنماطي، وابن سُرَيْج وابن الحَدَّاد: لا؛ لأنَّ الأبوَّة متابعةٌ للأمومة؛ لأن انفصال اللبن عنها مشاهدٌ محسوسٌ، فإذا لم تثْبُتِ الأمومة التي هي الأصْلُ، لا تثبت الأبوة.
وأصحهما، وبه قال أبو إسحاق وابن القاصِّ: أنَّه يصير أبًا؛ لأنَّ لَبَن الكُلِّ منه، فإذا حَصَل في جوفه خمسُ مراتٍ، لم يُفرِّق الحالُ بين أن يكون الانفصال من ثَدْيٍ واحدٍ، أو مِنْ ثِدْي جماعةٍ، وكأنهن ظروف للبنه، ويجوز أن يثبت الأُبوَّة دون الأمومة، كما يجوز أن تثبت الأمومة دون الأبوة كما ذكَرْنا فيما إذا دُرَّ لَبَنُ بِكْرٍ أو ثيِّب لا زَوْجَ لها، وكذلك لو أرضَعَتْ صغيرًا بلِبَانِ زوجها ثلاثَ رضعاتٍ، فطلَّقها زوجُها، ونكحت غيره، وأرضعَتْ بلبان الثاني ذلكَ الصغيرَ رَضْعتَيْنِ، ثبتت الحرمة بينها وبين الرضيع، ولا تثبت بينه وبين الرجُلَيْن، وإذا قلْنا بأنه يصير أبًا، فالمرضعات يَحْرُمن على الرضيع،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) رواه الشافعي كما قال عن مالك عن ابن شهاب عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس، رواه الترمذي في جامعه من هذا الوجه.
(٤) في ز: سأل.
(٥) في ز: بثلاثة.
[ ٩ / ٥٧٠ ]
وإن لم يكُنَّ أُمَّهَاتٍ؛ لأنهن موطوءات أبيه، ولو كانت تحته صغيرةٌ، وله خمس مستولداتٍ، فأرضعَتْها كلُّ واحدة بِلِبَانِهِ رضْعةً، لم ينفسخ نكاح الصغيرة على الوجْه الأوَّل، وينفسخ على الوجه الثاني على الأصح، ولا غُرْمَ عليهن؛ لأن السَّيِّد لا يثبت له دَيُن على مَمْلوكه، ولو أرضعت زوجَتَه الصغيرةَ ثلاثُ نسوةٍ له ومستولداتان، فانفساخ نكاح الصغيرة على الوجهَيْن، قال الشيخ أبو عليٍّ: وأما غرامة مهرها، فإن أرضعْنَ على الترتيب، فالانفساخ يتعلَّق بإرضاع الآخرة، فإن كانت الأخيرةُ إحدى المستولدتَيْن، فلا شيء عليها، وإن كانت إحدى النسوة، فعليها الغُرْم، وإن أرضعْنَ معًا بأن أخذت كلُّ واحدة لبَنَها في مُسْعُط، وأوجرته معًا، فلا شيْء على المستولدتَيْن؛ [لأنهم لم يصرن أمهات الزوجة] [وعلى النسوة ثلاثةُ أخماسِ الغُرْم، ولا ينفسخ نكاحُ النسوة الثلاث، لاْنهن لم يصرن أمهاتٍ الزوجة،] ولو كان للرجل أربع نسوة، فأرضعت واحدةٌ منهم صغيرًا رضعتَيْنِ، والثلاث الباقيات [أرضَعْنَه] (١) رضعة رضعة أو كانت له ثلاثُ مستولدات، فأرضعَتْ كل واحدة منْهن بِلِبانه صغيرًا ثلاث رضعات (٢)، والباقيتان أرضعتاه رضعةً رضعة، جرى الخلاف في صيرورة الأب أبًا للصغر؛ ولا تفسير المرضِعَات أمَّهات، وعلى هذا قياس سائر النظائر.
الثانية: إذا كان للرَّجُل أو المرأة خمْسُ بناتٍ أو أخواتٍ مراضع، فأرضع كل واحدة منهنَّ صغيرًا رضعةً، لم تَصرْن أمَّهات الصغير، ولا أزواجُهن أبًا له، وهل تثْبُت الحرمة بيْن الرضيع وبين الرجل والمرأة؟ إن قلْنا: لا يثبت التحريم في الصورة السابقة، ولا يصير الرجل أبًا، فهاهنا أوْلَى بأن لا تثبت الحُرْمة، وإن أثبتناها هناك، فهاهنا وجْهان:
أحدهما، وبه قال ابن القاصِّ -﵀-: أنَّه يَثْبُت أيضًا؛ لأن البنت الواحدة، لو أرضعت خمسًا، لثبتت الحرمة بينه وبين الرضيع، فإذا أرضَعَت البناتُ الخمسُ كلُّ واحدةٍ واحدة وجب أن تثبت الحرمة، كما أنا أنزلْنا إرضاع المستولَدَات الخمس منزلة إرضاع الواحدة خَمْسًا.
وأصحُّهما: المنع، بخلاف الصورة السابقة، والفَرْق أنَّه، لو ثَبَت التحريم، لكَانَ؛ لصيرورة الرجل جَدًّا لأم في صورة البنات، وخالًا في إرضاع الأخوات، كصيرورة المرأة جدةً لأمٍّ أو خالةً، والجُدُودة والخئولة لا تثبتان إلا بتوسُّط الأمومة، فإن لم تكن المرضعات أمهات، استحال أن يكون أبوهن جدًّا أو أخوهن خالًا أو أمُّهنَّ جدةً أو أختُهُنَّ خالةً، وهناك اللَّبن مشترَكٌ بيْن الرجُل والمرضعات، ولا استحالة في ثُبُوت الأبوَّة دون الأمومة، وبالعكس، وإذا أثبتنا الحرمة، فقد قال صاحب "التهذيب" -رحمه
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: صغار.
[ ٩ / ٥٧١ ]
الله- يحرم المرضعات على الرضيع، لا لكونهن أمهاتٍ، ولكن لكون البنات أخواتٍ له وكون الأخوان عماتٍ، إذا كان الرجل أبًا، والحرمة هاهنا لو ثَبَتَتْ، إنَّما تثبت من جهة كونه جدًا لأم أو خالًا، وفيه وضع بعْضُهم الخلاَفَ صريحًا؛ فقال: في صيرورة الرجل جدَّ الأم أو خالًا وجْهان، وإذا كانت الحرمة بهَذِهِ الجهةِ، فينبغي أن يقال: إنَّهنَّ يَحْرُمْنَ؛ لكونهم كالخالاتِ؛ وذلك لأنَّ بنْتَ الجَدِّ للأم، إذا لم تَكُنْ أمًّا، كانت خالةً، وكذلك أخت الخال، والله أعلم.
الثالثة: لو كان للرجل أمٌّ وبنتٌ وأختٌ وبنتُ أخٍ من أب وبنت أخت من الأب مراضع، أرضعت كلُّ واحدة منْهن صغيرًا رضعةً، إن قلنا: لا يثبت التحريم في الصورة الثانية، فهاهنا (١) أَوْلَى، وإن أثبتاه، فهاهنا وجهان:
أصحُّهما: المنع، والفرق أن هناك يمكن نسبة الرضيع إلَيْه بكونه [ابن ابن] [نافلةً له] ونسبته إلى الرضيع بكونه جدًّا، وهاهنا لا يمكن لاختلاف الجِهَات، ولا يجوز أن يكون بَعْض الرضيع أخًا وبعضه ولد بنت.
والثاني: وبه قال صاحب "التلخيص"، أنه تثبت الحرمة؛ لأن الواحدة منهن، لو انفردت بخمس رضعات، لئبتت الحرمة بينه وبين الرضيع، وإرضاع الخمس كالرضعات الخمس من واحدة، وعلى هذا، فتحرم المرضعات على الرضيع، لا لأنهن أمهاتٌ، ولكن بجهات مختلفة فأما الرجل كأنها زوجة أبيه؛ لأن لبنها (٢) من أبي [الرجل و] (٣) الرضيع بمثابَةِ ولدِهِ، وبنت الرجل بنْت ابن أبيه فتكون بنت أخيه، وأخت الرجل بنْت أبيه، فتكون أخته وبنت أخي الرجل بنْت ابن أبيه [فتكون بنت أخيه] وبنت أخت الرجل بنت أخيه أيضًا، ولو كان بدل هؤلاء المرضعات زوجةٌ أو جدَّةٌ، كان الحكم كما ذكرنا، وفيه صُوَر صاحبِ الكتاب، ولو أرضعتْ كلُّ واحدةٍ من هؤلاء صغيرةً في نكاح الرجُل رضعةً واحدةً، فانفساخ النكاح على الوجهَيْن، وإذا قلْنا بالانفساخ، فإن أرضعْنَ على الترتيب، غُرِّمت الأخيرة للزوج، وإن أرضعْنَ معًا، اشتركن فيه، فإن اختلفَ عدَدُ الرضعات؛ بأن كن ثلاثًا، فأرضعتْ واحدةٌ رضعتين، والثانية كذلك، والثالثة رضعة، فيُغَرَّمن أثلاثًا على عدد الرؤوس، أو أخماسًا على عدد الرضعات، فيه وجهان، وجميع ما ذكَرْنا في هذه الصور فيما إذا أرضعَتِ النسوة الخمْس في أوقات متفرقة، أمَّا إذا أرضعْنَ على التواصل والتوالي، وحكمنا بثبوت الحُرْمة لو انفردت الأوقات فههنا وجهان:
_________________
(١) في ز: فيهما.
(٢) في ز: أبيها.
(٣) سقط في. ز.
[ ٩ / ٥٧٢ ]
أحدهما، وبه قال ابن القَاصِّ -﵀-: أنَّها لا تثبت؛ لأنَّ الحرمة لا تَثْبت في حقِّ المرضِعات، وإنَّما تثبت في حقِّ الرجْل، وهن جميعًا كالمرأة الواحدة، [بالنسبة إلى الرجل]، وإرضاع المرأة الواحدة إنَّما يحرم إذا تفرَّقت الأوقات، فكذلك إرضاعُهُن.
وأظهرهما: الثبوت؛ لأن تعدد المرضِعَات يقتضي تعدُّد الرضعات عُرْفًا، فإن قلنا بالأول، فلو أرضعْنَ على التواصل، ثم أرضعَتِ الصغيرَ واحدةٌ منْهن أربعَ رضَعاتٍ، فهل تصير أمًّا له؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأنَّه ارتضع منها خمْسَ (١) مرات متفرِّقات.
والثاني: المنع؛ لأن تِلك الرضعة، لم تكن تامة، ويطرد هذا الخلاف في انتقال الصبيِّ من ثدْي امرأة إلى ثدْيِ امرأة أخرَى على الإطلاق، فأحد الوجهَيْن أنَّه كالتَّحُّول من ثَدْيِ امرأة إلى الثدْي الآخر، ولا يحسب ذلك رضعةً في حقِّ واحدةٍ منهما.
وأصحُّهما: أنَّه يُحْسب رضْعةً في حقِّ كل واحدة منهما؛ لأن الاشتغال بالارتضاع من الأخرى قطع الارتضاع من الأُولَى كالاشتغال بشيْء آخر، ويقرُب منْ هذا الخلافِ الخلافُ فيما إذا أرضعَتْ في الحولَيْن أربعَ رضعاتٍ، ثم شرعت في إرضاعه الخامسةَ، فتم الحولان في خلالها، فالأصح: أنه يثبت (٢) التحريم؛ لأن ما يَصِلُ إلى الجَوْف في كلِّ رضعة [غيْر] مقدَّر، وفي وجْه: لا يثبت؛ لأنَّ الرضعة ما تمت في الحولَيْن.
وقوله في الكتاب: "ولو أرْضَعَ خَمْسُ مُسْتَوْلَدَاتٍ عَلَى التَّوَالِي" بيَّن بذِكْر التوالي أنَّ الصورة المذكورةَ أوَّلًا في قوله الو كان للرجل خمس مستولدات" مفروضة فيما إذا كان الإرضاع في أوقات متفرقة.
وقوله "وقيل: تعدُّد المرضِعة كتعدُّد الثَّدْي" هو الوجه الثاني.
فروع (٣) من القبيل الذي نحْن فيه:
رجل له ابْنٌ، وابنُ ابنٍ، وأبٌ، وجَدٌّ، وأخٌ أرضعت زوجةُ كلِّ واحدٍ منْهم بلبنه صغيرة رضعةً، لا تصير الصغيرة بنتًا للمرضِعَات، ولا أزواجهِنَّ، وهل تحرم على الرجل؟ فيه وجهان:
_________________
(١) في أ: رضعات.
(٢) تابع فيه البغوي فإنه جعله المذهب، وقال في الكافي: إنه الأصح، وكذا قال صاحب المعتمد في مسائل المذهب المجرد ولكن نص الشَّافعي في الأم على مقابله.
(٣) في ز: فرع.
[ ٩ / ٥٧٣ ]
أصحُّهما: أنَّه لا يحرم.
والثاني: وهو قول صاحب "التلخيص": يحرم؛ لأنها لو ارتضعت من لبن أحدهم خمْسَ مراتٍ، لحُرِّمَتْ عليه، فإنَّ زوجة الابن، لو أتمَّتِ الخمس، لَكَانَت المرضعة بنتًا، ولو أتمَّتْ زوجة ابن الابن، لكانت حافدة (١)، ولو أتمَّتْ زوجة الأب، لكانت أختًا، ولو أتمَّتْ زوجة الجَدِّ، لكانت عمة، ولو أتمَّتْ زوجة الأخ، لكانت بنت أخ، وإذا ثبتت الحُرْمة لو ارتضعت مِنْ لبنٍ أحدهم خمْسًا، فتَثْبُت، إذا ارتضعَتْ مِنْ لبن خمستهم، وكما تَحْرم المرضعة عليه، تحرم على أبيه، ولا تحرم على ابنه وابن ابنه؛ لأنها بارتضاع لَبَنِ أخيه، تكون بنت عمِّ الابن، وبنتُ العَمِّ لا تحرم، ومهما كان في الخَمْسة مَنْ لا يقتضي لبنه تحريمًا، فلا يثبت التحريم.
خمسة إخْوَةٍ، أرضعت زوجةُ كلِّ واحدٍ منْهم بِلِبانه صغيرةً رضْعةً، هل تحرم الصغيرة على الإخوة فيه (٢) الوجهان؛ لأنه لو أرضعَتْها واحدةٌ منْهن خمسًا، لَحُرِّمَت على الإخوة، فكذلك، إذا أرضعتها الخَمْس.
ثلاث بنات، ابن بعضهن أسفل من بعض، وهن بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن أرضعت العليا صغيرًا ثلاثَ رضَعاتٍ، والأخريات رضْعةً رضعةً، فهل تفسير المرأة جَدَّةً للرَّضيع؟ فيه الوجهان:
قال في "الرقم" إن قلنا: نعم، فهل تحرم المرضعات على الرضيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن العَدَد لم يتمَّ في أرضاع واحدة منْهن.
والثاني: أن الرضعات من الجهات المختَلِفة تجمع، إذا كانت كل واحدة منها (٣) بحيث لو تم العَدَد منها، تَثْبت الحرمة، فعَلَى هذا، يُنْظَر؛ إن كانت الوسْطَى بنت أخ العليا، والسفلى بنْتَ أخ الوُسْطَى، حُرِّمت العليا علَيْه؛ لأن إرْضَاعها، لو تم، لكان الرضيع ابنها، وإرضاع الوسْطَى، لو تم الرضيع ابن بنت أخي العليا [وإرضاع السفلى لو تم لكان للعليا ابن بنت ابن أخ]، وهذه الجهات كلُّها محرمة فيجمع ما فيها من عدد الرَّضَعات، وإن كانت الوُسْطَى بنت ابن عم العليا، والسفَلى بنت ابن ابن عمِّها، لم تحرم العلْيَا عليه؛ لأنَّ إرضاع الوسطَى، لم تمَّ يجعل الرضيع للعليا ابْنَ بنِت ابْنِ العم، وإرضاع السفْلَى، لو تم، لَجَعله لها ابنَ بنْتِ ابن [ابن] (٤) العم وذلك [لا] يَقْتَضي التَّحْريم، وأما الوسْطَى والسفْلَى، فلا يُحرَّمان علَيْه بحال؛ لأن إرضاع العلْيَا، لو تَمَّ، لجعل للوسطى ابن العمة، والسفلى ابن عمة الأب، وذلك عنْد الفرض فيما إذا كانت
_________________
(١) في ز: جامدة.
(٢) في ز: في.
(٣) في أ: منهن.
(٤) سقط في ز.
[ ٩ / ٥٧٤ ]
الوسطى بنت أخ العليا والسفلى بنت أخ الوسطى، وهي الحالة التي حكَمْنا فيها بتحريم العُلْيا، ومعلومٌ أن ذلك مما لا يقتضي التَّحْريم.
نَعَمْ، يحرم عليه الجَمْع بينهن في النكاح، والحالةُ هَذه؛ لأنَّ العليا عمة الوسْطَى، والوسطى عمة العليا، ولا يجُوزُ الجَمْع بين المرأة وعمتها، وإذا أرضعته إحداهن خَمْسَ رضعات، حَرْمَت هي عليه، وحَرُمت التي قولها، إذا كانت المرضعة بنْتَ أخِ التي فوقها؛ لأن التي فوقها تكون عمَّة الأم، وهي مُحرَّمة.
رجل (١) له زوجتان مرضعتان (٢) بلبنه (٣)، حلبت كلُّ واحدةٍ منهما من لبنها حلبةً في إناء ثم خُلِط اللَّبَنَان، وسقى منهما صغيرٌ دفعةً واحدةً، ثبت لكل واحدة منْهما رضعةٌ، ولو سُقِيَ مرتين ثبت لكل واحدةٍ رضْعةٌ نظرًا إلى الحَلْب أو رضعتان، نظرًا إلى وصول اللبن فيه وجْهان، وهذا، كما مر، فيما إذا حَلَب لبن خمس نسوة فأوجر الصبيّ من ألبانهن المخلطة دفْعة أو خمس دفعات، وأما بين الرضيع والزوج، فإنْ لم نجمع في حقِّه رضَعات زوجاته، فتثبت رضعة واحدة، وإن جَمَعْنا فإنْ نَظَرْنا إلى الحَلْب ثبت في حقه رضعتان، وإن نظرنا إلى وصول (٤) اللبن، ثبت أربع رضعات.
كانت له أربع نسوة وأمَةٌ قد دخل بِهِنَّ، ثم أرضعت كل واحدة منهن صغيرًا بلبن غيره رضعةً واحدةً، ذكر صاحب "التَّلخيص" تفريعًا على ثبوت الأُبُوَّة، لو أرضعته بلبنه أنَّه يحرم الصغيرة عليه؛ لأنها ربيبته، وإن كان فيهن مَنْ لم يدخل بها، لم تحرم عليه، لما سبق أنَّه، لو كان فيهن من لو انفردت بالرَّضَعات الخَمْس، لم تثبت الحرمة والله أعلم.
_________________
(١) في ز: وجد.
(٢) في ز: مرضعان.
(٣) في ز: بلبنه.
(٤) في أ: فضول.
[ ٩ / ٥٧٥ ]