وَتَجِبُ بِقَرَابَةِ البَعْضِيَّةِ دُونَ المَحْرَمِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى المُوسِرِ، وَهُوَ الَّذِي فَضُلَ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ شَيْءٌ، وَيُبَاعُ عَبْدُهُ وَعَقَارُهُ (ح) فِيهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الكَسْبُ لِأَجْلِ نَفَقَةِ القَرِيبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ لِلَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الكَسْبِ اسْتَحَقَّ عَلَى قَوْلٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى قَوْلٍ، وَيسْتَحِقُّ الأَبُ وَالأُصُولُ دُونَ الفُرُوعِ عَلَى قَوْلٍ، أمَّا الطِّفْلُ الكَسُوبُ فَيَسْتَحِقُّ لاَ مَحَالَةَ إِذَا لَمْ يَكْتَسِبْ، فَإِنْ شَرَطَ العَجْزَ عَنِ الكَسْبِ فَهَلْ تُشْتَرَطُ الزَّمَانَةُ حَتَّى لاَ يَقْدِرَ عَلَى كَسْبٍ لاَ يَلِيقُ بِهِ أَيْضًا؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سَبَقَ أنَّ أحد أَسْبَابِ وجوب النفقةِ والقِيَام بالمُؤنِ القرابةُ، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أوجب أجرة إرْضَاعِ الولد كغاية لمؤنته، ولقصَّة هنْد، حيث قال: " [خذي ما يكفيك] وولدك بالمعروف" (١) والكلام فيه بوبه صاحب الكتاب على ثلاثة أبواب:
أحدها: في مناط هذه النفقة، وشرائط وجوبها وكيفيَّتها.
والثاني: في ترتيب الأَقَارب المُنْفِقِينَ وَالمُنْفَقِ عليهم.
والثالث: في حَضَانَةِ الصَّغِيرِ.
أما الأول: ففي الفصل مسائل:
إحداها: أنَّها تجب بقرابة البعضية فتجب للولد على الوالد وبالعكس، أما للولد على الوالد فلقصَّة هنْد، وأما بالعكس، فبالقياس عليه يجامع البعضية وبل أَوْلى لأن حرمة الوالد أعْظَم، والولد بالتعهُّد والخدمة أحق وأليق، ويروى أن النَّبيَّ -ﷺ-، قال: "إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ من كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَكُلُوا من أَمْوَالِهِمْ" (٢)، وكما تجب نفقة
_________________
(١) تقدم.
(٢) رواه أحمد [٦ - ٣١ - ٤١ - ٤٢ - ١٢٦ - ١٢٧ - ١٧٣ - ١٨٢ - ١٩٣ - ٢٠١ - ٢٠٢ - ٢٠٣ - ٢١٠] وأصحاب السنن أبو داود [٣٥٢٩] الترمذي [١٣٥٨] النسائي [٧/ ٢٤٠ - ٢٤١] وابن حبان [١٠٩١ موارد] والحاكم [٢/ ٤٥ - ٤٦ - ٢٨٤] من حديث عائشة، واللفظ لابن ماجة سوى قوله: فكلوا من أموالهم، وفي رواية أبي داود وغيره: أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، وفي رواية له وللحاكم: ولد الرجل من كسبه، فكلوا من أموالهم، وفي رواية للحاكم مثل سياق المصنف، إلا قوله: فكلوا من أموالهم، وصححه أبو حاتم وأبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في العلل، وأعله ابن القطان بأنه عن عمارة عن عمته، وتارة عن أمه، =
[ ١٠ / ٦٥ ]
الولد على الوالد تجب نفقته على الوالدة في الجملة؛ لشمول معنى البعضية ورد الشهادة، والعتق بالمِلْك، وعنْد مالك: لا نفقة على الأُمِّ بحال، وأَغْرَبَ القاضي ابن كج، فنَقَلَ أن أبا الحُسَيْن حَكَى وجْهًا مثله، وكما تجب نفقة الأولاد، تجب نفقة الأحفاد، وعند مالك: لا نفقة على الجَدِّ بحال، وكما تجب نفقة الوالدين على الولد تجب عليه نفقة الأجداد والجدات خلافًا لمالك أيضًا، ولم يوجب نفقة الأم على الولد أيضًا، ويستوي في أصل الاستحقاق الذكَرُ والأنْثَى والوارثُ وغيْرُ الوارث، والقَرِيب من الأحفاد والأجداد والبعيد، ولا يُشْتَرَط اتفاق الدَّين (١)، كما لا يُشْترط اتفاق ذلك في العتق بالملك، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْه أنه لا يجب على المُسْلِم نفقة الكافر، ولا يُلْحَق بالأصول والفروع سائرُ الأقارِبِ؛ كالأخ والأخت والعم والخال والخالة وأولادهم، ويختص وجوب النفقة بقرابة البعضية، وعنْد أبي حنيفة: تجب نفقة كل ذي رَحِمٍ محرم، لكنَّه شرط اتفاق الدين، فقال الأصحاب: ولو كانت هذه القرابة موجبةً للنفقة، شرط اتفاق الدين، كما في قرابة البعضية، وعن أحمد اعتبار العصوبة، ويُرْوَى عنه اعتبار الإرْثِ، حتى تجب على ابن العَمِّ نفقة ابنِ العمِّ، ولك أن تُعْلِم بعد الوقوف على هذه المذَاهِبِ قوله: "بقرابة البعضية" بالميم والألف والواو.
وقوله: "دون المَحْرَمِيَّةِ" بالحاء.
الثانية: لا تجب النفقةُ إلا على المُوسِر، وهو الذي يَفْضُل عن قوت يومه وليلته وقُوتِ عياله ما يصْرِفه إلى القريب (٢)، فإن لم يفْضُل شيْءٌ، فلا شيء عليه؛ لأنه ليس
_________________
(١) = وكلتاهما لا يعرفان، وزعم الحاكم في موضع آخر من مستدركه بعد أن أخرجه من طريق حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ: وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها، إن الشيخين أخرجاه باللفظ الأول، ووهم في ذلك وهمًا لا ينفك عنه، لأنه قد استدركه فيما قيل، وقال أبو داود في هذه الزيادة وهي: إذا احتجتم إليها، إنها منكرة، ونقل عن ابن المبارك عن سفيان قال: حدثني به حماد ووهم فيه، وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابيًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إن لي مالًا وولدًا ووالدي يريد أن يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لأبيك إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم، أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الجارود.
(٢) قال في القوت: يشبه أن يكون محل الوجوب في المعصوم أما المرتد والحربي فلا نفقة له بحال، وأفتى ابن الصلاح بأنه لا يلزم الولد نفقة أب قصر على الجادة. قال: ولم أجدها مسطورة، ولكنها ظاهرة الحجة فإنا نوجب نفقة القريب صيانة له من العطب، وهذا يستحق الإهلاك كما لا يبذل الماء إلى المرتد العطشان. انتهى. ولا خفاء أن كلام الشيخ في الأحرار أما الأرقاء فلا نفقة عليهم ولا لهم أصل أو فرع.
(٣) قال في الخادم: اقتصاره على القوت ناقص كما قاله في المطلب فقد قال القاضي الحسين: لا بلزم نفقته أحد من الأقرباء حتى يفضل عن مؤنته عن طعامه ومسكنه وملبسه وما يقام عليه =
[ ١٠ / ٦٦ ]
من أهل المواساة، وهذه النفقة مشروعة على وجْه المواساة، وفي "التهذيب" وغيره وجْه أنَّه لا يُشْتَرَطَ يَسَارُ الوالد في نفقة الولد الصغير، لأنه من تتمة مؤنة الاستمتاع، كنفقة الزوجة، فعَلَى هذا يستقرض علَيْه، ويؤمر بقضائه إذا أيسر، والأظهر الأولُ، ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من العقار وغيره؛ لأن النفقة حقٌّ مَاليٌّ لا بَدَلَ له، فأشْبَه، الدّين، وعند أبي حنيفة -﵀-: لا يباع العقار.
وكيف يباع العَقَار؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن:
أحدهما: أنه يباع كل يوم جزءٌ بقدر الحاجة.
والثاني: أن ذلك يشق، فيستقرض عليه إلى أن يجمع ما يسهل بيع العقار له.
وإن لم يكن له مال، ولكنه كان كسوبًا يمكنه أن يَكْتَسِب ما يَفْضُل عنْه، فهل يؤمر بالاكتساب لنفقة القريب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يُكلَّف الاكتسابَ لقضاء الدَّيْن.
وأصحُّهما: وهو الذي أورده أكثرهم، نعم؛ لأنَّه يلزمه إحياء نَفْسِه بالكسب فكذلك، إحياء بعْضه، وليست النفقة كالدين، فإن قدرها يسير، والدين لا ينضبط قدْرُه، وذكر في "التتمة" الخلافَ في أنه هل يجب الاكتساب لنفقة الوالد مع القطع بوجوبه لنفقة الوَلَدِ، وفرَّق بأن نفقة الوالد سبَبُها المواساة، فلا [يكلف] (١) أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فَسَبَبُ حصولها الاستمتاعُ فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع وهي نفقة الزوجة، وهذا ذهاب إلى أنه يَجِبُ الاكتِسَاب لنفقة الزوجة، وهو الظاهر، لكن في كلام الإِمام وغيره: أن في وُجُوب الاكتساب لنفقتها وجهَيْنِ مرتَّبَيْن على وجُوب الاكتساب لنفقة القريب، وهي أوْلَى بالمَنع، لالتحاق نفقتها بالديون، وليُعْلَم قوله في الكتاب: "وإنما تجب على الموسر" بالواو؛ للوجه المذكور في أن اليسار لا يُشْترط لنفقة الولد، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ويباع عبده وعقاره" مع الحاء بالواو؛ لأنه قد سبق في الدَّيْن ذكْرُ خلاف في بيع المَسْكَن والخادم، وذلك الخلاف عائد في النفقة.
الثالثة: مَنْ لَهُ مالٌ يكفيه لنفقته، لم تجب نفقته على القريب مجنونًا كان أو
_________________
(١) = ويستعمله في وضوئه وأكله وشربه ما لا غناء لمثله عنه، فإن وقع له خلل في شيء من هذا كله فلا يكلف نفقة الابن ولا أب. انتهى. قال في القوت: وفسروا العيال بالزوجة، والظاهر أن أم الولد، وخادم الزوجة في حكمها، وجرى عليه في الخادم.
(٢) في ز: يجب.
[ ١٠ / ٦٧ ]
عاقلًا، صغيرًا أو كبيرًا، زمِنًا أو صحيحَ البَدَنِ، ومن يكتسبْ ويغنيه كسبه، فكذلك، ومَن لا مال له ولا كَسْبَ، يُنْظَرُ في حاله؛ إن كان به نقصان حُكْمًا؛ بأن كان صغيرًا أو مجنونًا أو خِلْقةً؛ بأن كان زَمِنًا، فيجب على القريب نفقته؛ لِعَجزِه عن [كفاية] (١) نفسه، وأَلْحَق صاحب "التهذيب" بالزَّمِن ما إذا عجز لمرض أو عمًى، فإذا بلغ الصغير [والمجنون] حَدًّا يمكن أن يَعْلَم حرفة أو يحمل على الاكتساب، فللوليِّ أن يَحْمِلَه عليه، وينفق عليه من كسبه، لكن لو هَرَبَ عن الحرفة، وترك الاكتساب في بعض الأيام، فعلى الأب الإنْفاقُ علَيْه وبمثله أُجِيبَ إذا كانَ لا يليق بحاله الحِرْفَة، فإن لم يكن به نقصان لا في الحْكْم، ولا في الخِلْقة، لكنه لا يكتسب، فإن كان الفرع بهذه المثابة، ففي وجوب نفقته على الأَصْل طريقان:
أظهرهما: أن فيه قولَيْنِ:
أحدهما: وبه قال أحمد: أنها تجب، لأنه يقبح أن يكلِّف قريبه الكسب مع اتساع ماله.
والثاني: المنع؛ لأنه قادر على الاكتساب، مستغْنٍ عن أن يحمل غيره كلّه، وهذا أصحُّ عند الأصحاب، [قال في "العدة"] (٢): لكن الفتْوَى اليوم على الوجوب، والثاني: القطع بالقول الثاني، ولا فرق على القولين بين الابن والبنت.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تجب للابن، وتجب للبنت إلى أن تتزوَّج؛ لعَجْزها عن الاكتساب، ثم لا يعود استحقاقُ النفقة بالطلاق عنْد أبي حنيفة، وقال مالك: إن كان الطلاق قبل الدخول، عاد، وإن كان بَعْده، فلا، ومنع الأصحاب عجْزها، وقالوا: هي تَقْدِر على الاكتساب بالغَزْل والخدمة وغيرهما.
وإن كان الأصل بالمثابة المذكورة، ففي وجوب نَفَقَتِهِ على الفرع القولان ومال ها هنا جماعة إلى ترجيح الوجوب، قالوا: إن الوَلَد مأمورٌ بأن يصاحب والديه بالمعروف على ما قال تعالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وليس من الصحبة بالمعروف تكليفُهما الكَسْبَ على كِبَرِ السن، وامتنعوا من طَرْد طريقة القطْع في هذا الطرف؛ لِعِظَم حرمة الوالدين، ولذلك اختصا بسقوط القِصَاص، ووجب إعفاف الأب، وإذاَ جَمَعْتَ بين الطَّرَفَين، حصلَتْ ثلاثة أقوال: قولان مُطْلَقان، وقول مفصِّل بين الفروع والأصول. هذه هي الطريقة المشهورة للأصحاب، ولم يفرِّقوا بين اكتساب واكتساب، ومنهم مَنْ وضع الخلاف أولًا في اشتراط العَجْز عن الكسب اللائق به، ثم قالوا: إن شَرَطَ ذلك، ففي اشتراط العجْز عن كل
_________________
(١) سقط من: ز.
(٢) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٦٨ ]
كسبٍ [يليق به] بالزَّمانة وجْهان، ورأوا الأعدل والأقرب الاكتفاء بعَجْزه عما يليق به من الأكساب، وأوجبوا النفقة مع القدرة على الكنس وحمل القاذورات وسائر ما لا يليق به وهذا حَسَنٌ، وهذه الطريقةُ هي [الطريقة] التي أوردها في الكتاب.
وقوله: "استحق على قول" يجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لفرقه بين الأصول والفروع، بين الابن والبنت على ما ذَكَرنا.
وقوله: "ولم يستحق" بالألف، وقوله: "أما الطفل الكسوب فيستحق لا محالة إذا لم يكتسب" يعني أنه، وإن كان قادرًا على الكسب، فإذا لم يكتسب، لم تَسْقط نَفَقَتُهُ؛ بخلاف البالغ المُكلَّف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ نَفَقَةُ القَرِيبِ عَلَى الكِفَايَةِ وَهُوَ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ مَا يُشْبعُ، وَلاَ يَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ بفَرْضِ القَاضِي، وَيَسْتَحِقُّ الأَبُ الإِعْفَافَ وَنَفَقَةَ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا مَنَعَ الأَبُ النَّفَقَةَ فِلْلأُمِّ الأَخْذُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي اسْتِقْرَاضِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَفِي إِنْفَاقِهَا عَلَى الطِّفْلِ مِنْ مَالِهِ دُونَ إِذْنِ الأَبِ وَجْهَانِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ، وَالقَرِيبُ إِذَا عَجَزَ عَنِ القَاضِي فَاسْتَقْرَضَ فَفِي لُزُومِ قَضَاءِ قَرْضِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي الجَدِّ الحَاضِرِ إِذَا اسْتَقْرَضَ عَلَى الأَبِ الغَائِب.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُوَرٌ:
إحداها: نفقة القريب لا تُقَدَّر بل هي على الكفَايةَ، وعن ابن خيران فيما حكى القاضي ابْنُ كج وغيره: إنها تَتقدَّر بما تَتقدَّر به نفقة الزوجة، والظاهر المشْهُور الأول؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ لتزجية الوقْت ودفع حاجته الناجزة فيعتبر أصْل الحاجة وقدرها، حتى لو استغنى في بعض الأيام بضيافة وغيرها، لم تجب، ويعتبر حالُه في سنه وزهادته ورغبته فالرضيع، تكفي حاجته بمؤْنة الإرْضاع في الحولَيْن والفطيم والشيخ على ما يليق بِهِما، ولا يُشْتَرط انتهاء حال المنفَقِ علَيْه إلى حد الضَّرورة، ولا يكفي ما يسد الرَّمَق، بل يعطيه ما يستقل به، وَيتمكَّن معه من التردُّد والتصرُّف (١)، ويجب الأُدْم
_________________
(١) وهذا كله من تصرف الإِمام. قال ابن الرفعة: وهو لا يجتمع مع قولهم في المطلقة الحامل إذا احتاجت إلى أكثر من النفقة المقدرة إن قلنا للحامل لم تجب الزيادة، وإن قلنا لحمل وجب لأنها مقدرة بالكفاية، وهذا يدل على أنهم لا يقتصرون في الكفاية على ما يجب على أقل الزوج وهو ما ثقل البطن، ولا يمنع من التردد إلا أن يقال نحن لا نتحقق عدم الفرد والحمل الذي يتغذى بغذائها إلا بإشباعها فيجب اعتباره والأقرب اعتبار المد وعدم الزيادة عليه وعليه ينزل كلام ابن خيران السابق انتهى.
[ ١٠ / ٦٩ ]
كما يجب القُوت، كي لا تختل القوى بالخبز البَحْت، وفي "التهذيب" ما ينازع في وجوب الإدام، وتجب الكسوة والسُّكْنَى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة، وجب مؤنة الخادم أيضًا.
وتسقط نفقة القريب بمُضِيِّ الزمان، ولا يصير دَيْنًا في الذمة، وإن تَعدَّى بالامتناع من الإنفاق، وفي نفقة الصغير وجْهٌ أنَّها تثبت في الذمَّة تبعًا لنفقة الزوجة، لاعتنائها به كاعتنائها بنفسها، والظاهر الأول؛ لأنها ليست عوضًا، وإنما هي معونة ومواساة، ولذلك قال الأئمة: لا يجب فيها التمليك، وإنما الواجب الإمتاع، ولو سلَّم نفقة القريب إليه، فتلفت في يده، فعليه الإبْدَال، وهذا لو أتلفه المُسَلَّم إليه بنفسه لكن يؤخذ منه الضمان، إذا أيسر، ويستثنى ما إذا فرض القاضي، وأذن في الاستقراض؛ لغيبة أو امتناع، فيصير ذلك دَيْنًا في الذمة (١).
الثانية: سَبَقَ في النكاح حكايةُ قولَيْن: في أنه هل يجب على الابن إعفافُ الأب، وإذا أوجبناه، فأحد الطُّرُق أن سبيلَهُ سبيلُ النفقة في مواضِعِ الوفاق، وهو المُعْسِر الزَّمِن، والخلاف وهو المُعْسِر الصحيح.
والثاني: أن النفقة أوْلَى بالوجوب.
والثالث: أن الإعفاف أوْلَى به، وإليه ذهب أبو إسحاق والإصطخريُّ، وأنه إذا أعفَّه بزوجة أو ملَّكَه جاريةً، لذمته نفقتها، والقيام بمؤناتها، وأعاد مسألة الإعفاف مقتصرًا على الأصح، وهو وجوبه [للأب]، فإذا كانت للأب زوجةٌ، فعلَى الابن الإنفاق عليها، حيْث ينفق على الأب، لأنه إذا وجب عليه أن يُعِفَّه ابتداءً، فعليه أن ينفق على
_________________
(١) قال في القوت: أما صيرورتها دينًا بمجرد فرض القاضي ذكره في الوسيط والوجيز فقط وتبعه الرافعي والمصنف، وهو منتقد، ووهم ابن أبي الدم فزعم أنه لا خلاف فيه، وهذه المسألة تعم بها البلوى وحكام العصر يحكمون بذلك ظانين أنه المذهب فيجب التنبيه لها وتحريرها. قال بعض أهل العلم: لم أر استقرارها بفرض القاضي إلا في الوسيط والوجيز والشرح وما أخذ منه. قال: ويرده المعقول والمنقول، وقد كشفت كتبًا كثيرة كالحاوي والشامل والنهاية والبسيط والمهذب وغيرها وليس فيها إلا القول بالسقوط دون استثناء فرض. وقاله المتولي لا يستثنى إلا مسألة الاستقراض وما عداها السقوط فيه نظر، وكذا قال في التهذيب والبحر لكنهما عزيا الاستثناء إلى صاحب التلخيص وهو لفظي، والحال في رد كلام الغزالي. ثم قال: وممن صرح بأنها لا تستقر عليه بفرض القاضي الشيخ نصر في تهذيبه والمحاملي في "عدة المناظر"، ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي في تمهيده قال: ونقله ثقة عن معتمد البندنيجي. انتهى. وروايته في معتمد أبي نصر البندنيجي في كلامه على نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، ورأيته في المعتمد في إتقان مسائل المذهب المجرد عن الشَّافعي لبعض المتقدمين، ثم الحال في ذلك، وأخذ في الخادم كلام الأذرعي كاملًا وزاد عليه بعض زيادة.
[ ١٠ / ٧٠ ]
زوجته استدامةً للنكاح، ولذلك، لو كانَت له أمُّ وَلَدٍ.
ولو كانت تحْته زوجتان أو أكثر لم تلزمه إلا نفقة زوجةٍ واحدةٍ، كما لا يعفه في الابتداء إلا بواحدةٍ، ويدفع تلْك النفقة إلى الأَبِ، وهو يوزعها عليهما، ويكون لكلِّ واحدةٍ منهما حقُّ الفَسْخِ، لعدَم وصولها إلى تَمام حقها، وإن فسخت واحدةً تحت النفقة للأخرى، وحكىَ الشيخ أبو عليٍّ وجهًا ضعيفًا. أنه إذا كانَتْ تحته زوجتان أو أكثر، لم تَلْزَمْه النفقة؛ لأنَّ المستحِقَّ لا يتعيَّن، ولو كان للأب أولادٌ، ففي "التتمة": أنه يجب على الابن الإنفاقُ عليهم من جِهَة أنَّ نفقتهم واجبةٌ على الأب، فيتحمل الابن عنه كنفقة الزوجة، والظاهر، وهو الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ: أنها لا تَجِبُ وفرق بينهما وبين نَفَقَة الزوجةِ من وجهَيْن:
أحدهما: أنه إذا لم ينفق عليها، فسخَت النكاح، فيتضرر الأب.
والثاني: أن نفقتها تجب على الأب وإن كان معسرًا، فيتحمل عنْه الابن، ونفقة الأولاد لا تجب على الأب، وهو مُعْسِرٌ، فلا معنى لتحمُّل الابن عنه وإذا كان الابن في نفقة أبيه، وله زوجة، فهل على الأب الإنْفَاق علَيْها؟ عن القاضي أبي حامِدٍ وغيره: أنه على وجْهَيْنِ، والأظهر: المَنْع؛ لأنه لا يجب على الأب إعفافُ الابْنِ، والذي أورده صاحب "المهذب": أنه يجب عليه الإنفاقُ عليها، وأنه يجب الإنفاق على زوجةِ كل قريب، وجَبَتْ نفقته؛ لأنه من تمام كفايته، وقد حكاه القاضي الرويانيُّ عنه واستغربه، وأما إذا كان لِلابْنِ أولادٌ، فعلى الأب الإنفاق عليهم بحُكْم الجدودة وإعسارِ الأبِ.
وكما يجب على الابن نفقةُ زوْجَةِ الأب (١)، يجب عليه كُسْوَتُها. قال في "التهذيب": لا يجب الإدام، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقْدَهما لا يُثْبِت الخيار، ولكن قياس ما ذكرنا أن الابْن يتحمَّل ما وجب على الأب وجوبهما؛ لأنهما واجبان على الأب مع إعساره.
الثالثة: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الوَلَدِ الصغير أو كان غائبًا، أذن القاضي لأُمِّه في الأخذ من ماله أو الاستقراض عليه، والإنفاق على الصغير بشرط أهليتهما لذلك، وهل تستقل بالأخْذِ من ماله؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند صاحب الكتاب وغيره: نعم؛ لقصة هند.
والثاني: لا؛ لأنها لا تلي التصرف في ماله، فلا تلي التصرُّف في مال أبيه، ومَنْ
_________________
(١) قال الشيخ البلقيني: النفقة التي تجب على الابن هل هي نفقة معسر نظرًا إلى حال الأب أم ينظر إلى حال الابن أم تعتبر الكفاية لأنها وجبت تبعًا لنفقة من نفقته على الكفاية الظاهر الأول.
[ ١٠ / ٧١ ]
قال به، حمل ما ذكره -ﷺ- لهنْد على أنه كان قضاء أو إذْنًا لها، لا إفتاءً وحكْمًا عامًّا (١) وفي استقلالها بالاستقراض عليه، إذا لم تجِدْ له مالًا وجهان بالترتيب، وهو أَوْلَى (٢) بالمنع؛ لخروجه عن صورة الحديث ومخالفته القياسَ، ويُحْكَى عن القفَّال تجويزه، فإن أثبتنا لها الاستقلال أو لم يكن في البلد قاضٍ، وأشهدت، فعليه قضاءُ ما استقرضته، وإن لم تُشْهِدْ، فعلى وجهَيْن، وإن أنفقت على الطِّفْل المُوسِر من ماله من غير إذن الأب ولا القاضي، فوجهان وجعلت هذه الصورة أَوْلَى بالجواز؛ لأنها لا تتعدَّى مصْلَحة الطِّفْل، ولا تتصرف في مال غيره، ولو أنفقت عليه من مال نَفْسها على قَصْد الرجوع، وأشهدَتْ، رجَعَتْ، وإلا، فوجهان:
وإذا امتنع القريبُ من نفقة القريب، فللمستحق أخذ الواجب من ماله إن وجد جنسه وفي غير جنسه خلافٌ مذكورٌ في موضعه، وإن كان غائبًا ولا مالَ له هناك، راجع القاضي، لِيَسْتَقْرض عليه فإن لم يكن هناك قاضٍ، واستقرض بنفسه، فيُنْظَر، أَشْهَد أو لم يُشْهِد على ما ذَكَرْنَاه [في اقتراض الأم للطفل].
ولو كان الأبُ الذي عليه الإنفاق غائبًا، والجد حاضرًا، فإن تَبرَّع بالإنفاق، فذاك، وإلا استقرض القاضي علَيْه، أو أذن للجَدِّ في الإنفاق؛ ليرجع على الأب، وفي "البحر" حكايته وجْهٍ أنه لا يرجع عليه، وإن استقل الجَدُّ بالاستقراض، فإن أمكنه مراجعةُ القَاضِي، فليس على الأب قضاؤه، وفيه شيْءٌ ضعيف هنا وإلا، فينظر في الإشهاد وعَدَمِهِ كما سبق، وهذه الصورة: تَقْرُب من مسألة هَرَب الجمال ونظائرها.
وإن وَجَبَتْ نفقة الأب أو الحد على الصغير أو المجنون، أخذها مِنْ ماله بحكم الولاية، ولهما أن يؤاجراه لما يطيقه من الأعمال، وَيأْخُذا من أجرته نفقةَ نَفْسِهما، والأم لا تأْخُذ إلا بإذن الحاكم، وكذا الابن إذا وجَبَتْ نفقته على الأب المجْنُون، فلو كان
_________________
(١) قال ابن الرفعة: ومن العجيب تردد الأصحاب في ذلك بناء على المأخذ المذكور، والشافعي يقول في الأم حيث ذكر قصة هند، وإن كانت هند زوجة لأبي سفيان وكانت القيمة على أولادها لصغرهم بأمر زوجها قال لها رسول الله -ﷺ- أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف، فكذا الرجل يكون له على الرجل الحق بأي وجه كان يمنعه إياه وله أن يأخذ من ماله سرًا وعلانية وكذلك حق ولده الصغار، وحق من هو قيم ما له ممن يوكله انتهى. وإذا كانت هند مأذونة في الإنفاق على ولدها من جهة أبي سفيان لم يكن في قصتها ما يدل على أن للإمام ذلك من غير إذن لها في الإنفاق فيما يعطيها والقدر الزائد لم يأذن فيه.
(٢) وجزم الهروي في الأشراف بالمنع. قال: بخلاف الاستقراض عليه في نفقتها لأنها تفسير دينًا في ذمته بخلاف نفقة الولد. وحكى الرافعي في باب زكاة الفطر عن الشيخ أبي محمد ترجيح المنع أيضًا إلا بإذن السلطان وهو يخالف ما نقله هنا عن القفال من تجويز إقراض الأم ويؤيد القول بالجواز مسألة الظفر ورجحه في المطلب.
[ ١٠ / ٧٢ ]
يصلح لصنْعَة، فللحاكم أن يُوَلِّيَ ابنه إجازته، وأخذ نفقة نفسه من أجرته.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيجِبُ عَلَى الأُمِّ أنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ اللِّبَأَ الَّذِي لاَ يَعِيشُ إلاَّ بِهِ، ثُمَّ لَهَا الأُجْرَةُ عَلَى الأَبِ، وَلاَ يَجِبُ (م) عَلَيْهَا الإِرْضَاعُ إلاَّ إِذَا فُقِدَ غَيْرُهَا، فَإِنْ رَغِبَتْ بِأُجْرَةٍ وَرَغِبَتْ أَجْنَبيَّةٌ مَجَّانًا وَجَبَ الأَجْرُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ نَظَرًا لِلطِّفْلِ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الإِرْضَاعِ لِحَقِّ الاِسْتِمْتَاعِ إِذَا وَجَدَ مُرْضِعَةً أُخْرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الأم أن ترضع ولدها اللبأ (١) لأنه لا يعيش إلا به هكذا اْطلقوه، والمراد الغالب أو أنه لا يقوى ولا تشتد بينته إلا به وإلا فنشاهد هل يعيش بلا لبأ ثم لها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، ولا يلزمها التبرع بإرضاعه كما أن مالك الطعام يلزمه بذلِ الطعام للمضطر ولكن بالبدل، وفيه وجه منقول عن الحاوي أنه لا أجرة لها لأنه حتى تعين عليها، والأب عاجز عنه فهو كما إذا أيسرت بالنفقة والأب معسر، ثم إذا لم يوجد بعد سقي اللبأ مرضعة أخرى وجب عليها الإرضاع إبقاء للولد، وكذلك لو لم يوجد إلا أجنبية فإن وجد غيرها وامتنعت من الإرضاع لم تجبر (٢) عليه سواء كانت في نكاح الأب أو بائنة، وسواء كانت ممن يرضع مثلها الولد في العادة أو ممن لا يرضع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وإذا امتنعت فقد حصل التعاسر، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد وعن مالك روايتان:
إحداهما: أنه لا يلزمها الإرضاع.
وأشهرهما: أنه يلزمها الإرضاع إن كان مثلها يرضع الولد في العادة.
وإن رغبت الأم في الإرضاع فأما أن تكون في نكاح أب الرضيع أو مفارقة.
الحالة الأولى: إذا كانت في نكاحه فهل للزوج منعها؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار القاضي الطبري لا لأنها أشفق على الولد من الأجنبية، ولبنها له اصلح وأوفق.
وأقواهما: وهو اختيار الشيخ أبي حامد له المنع لأنه يستحق الاستمتاع في
_________________
(١) قال الأذرعي: قيل لم يتعرضوا لمدة إرضاعه اللبأ الواجب عليها إرضاعها إياه منها، وظاهرها الاكتفاء بمرة واحدة. وقال الرافعي في القصاص: مدة إرضاعه اللبأ مدة يسيرة، ولم يزد على هذا، ويشبه أن يرجع في مدته التي لا يستغني الولد عنها إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: يكفيه مرة بلا ضرر يلحقه كفت ولا عمل بقوله.
(٢) ومراده أنه يجب على الأجنبية إذا لم يوجد غيرها كما يجب على الأم إذا لم يوجد غيرها، وليس المراد أنه يجب على الأم مع وجود الأجنية وإن كانت واحدة.
[ ١٠ / ٧٣ ]
الأوقات المصروفة إلى الإرضاع فإذا ما أورده صاحب الكتاب والشيخ أبو إسحاق في المهذب، وقال: يكره (١) له المنع. فإن قلنا: ليس له المنع أو توافقا عليه فإن كانت متبرعة فذاك، وهل تزاد نفقتها للإرضاع فيه وجهان.
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق والإصطخري نعم لأنها تحتاج في زمان الإرضاع إلى زيادة الغذاء ويجتهد الحاكم في تقدير الزيادة.
وأصحهما: المنع لأن قدر النفقة لا يختلف بحالة المرأة وحاجتها، ولذلك تستوي الزهيدة والرغيبة والأولى أن يقال هذه الزيادة تحتاج إليها لتربية الولد وعلى أبيه القيام بكفايته.
فإن طلبت أجرة بني على أن الزوج هل يجوز له أن يستأجر زوجته لإرضاع ولده وفيه وجهان قد ذكرناهما في الإجارة قال العراقيون: لا يجوز لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر يمنع استيفاء الحق كما إذا استأجر إنساناَ للخدمة شهرًا لا يجوز أن يستأجره تلك المدة لخياطة ثوب أو عمل آخر، وربما طردوا ذلك فيما إذا استأجر زوجته للخدمة وغيرها، وبه قال أبو حنيفة، والأصح أنه يجوز استئجارها عليه، ويكون الاستئجار رضًا بترك الاستمتاع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ولو لم يجز استئجارها لم يكن لها أجر فإن جوزنا استئجارها فليكن الحكم فيما إذا طلبت الأجرة كالحكم فيما إذا طلبت البائنة الإرضاع بالأجرة وسنذكره إن شاء الله تعالى وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة، وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها كما ذكره صاحب التهذيب وغيره ويشبه أن يجيء فيه الخلاف فيما إذا سافرت لغرض نفسها بإذنه، وإن قلنا لا يجوز الاستئجار، وأرضعت على طمع الأجرة ففي استحقاقها أجرة المثل وجهان، قال ابن خيران تستحق لأنها لم تبذل منفعتها مجانًا، وقال أكثرهم لا تستحق (٢)، ولو استحقت لجاز استئجارها.
_________________
(١) قال النووي: الأول أصح، وممن صححه البغوي والروياني في "الحلية" وقطع به الدارمي والقاضي أبو الطيب في "المجرد" والمحاملي والفوراني وصاحب "التنبيه" والجرجاني. والله أعلم. وممن أشار إلى ترجيحه الماوردي فإنه صدر به كلامه ثم حكى مقابله عن أبي حامد ثم اختار توسطًا وأشار إلى ترجيحه أيضًا أبو الفرج الزاز في تعليقه وجزم به الخوارزمي في الكافي.
(٢) قال الروياني في التجربة: ولم يتابع ابن خيران أحد يعني من الأصحاب واعلم أن الرافعي ذكر في كتاب الحج أن الأجير إذا صرت الإحرام إلى نفسه استحق الأجرة على الأصح لصحة العقد في الابتلاء وحصول عرض المستأجر.
[ ١٠ / ٧٤ ]
الحالة الثانية: إذا كانت مفارقة، وتبرعت بالإرضاع لم يكن للأب المنع وانتزاع الولد منها، فإن طلبت أجرة نظر إن كانت أكبر من أجرة المثل لم يجب عليه الإجابة، وكان له استرضاع أجنبية بأجرة المثل، وإن طلبت أجرة المثل فهي أولى من سائر المراضع بأجرة المثل، وإن وجد أجنبية تتبرع أو ترضى بما دون أجرة المثل فطريقان أشهرهما وبه قال ابن الوكيل وابن سلمة وصاحب الإيضاح (١) أن في المسألة قولين:
أحدهما: وهو اختيار المزني أنه لا ينزع الولد منها، ويجاب نظرًا لها وللطفل، فإنها أشفق عليه ولبنها له أوفق، وأيضًا فلظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
وأصحهما: أن له الانتزاع ولا يلزمه بذل الزيادة كما لو طلبت أكثر من أجرة المثل، وهناك من يرضى بها.
والثاني: القطع بالقول الثاني، وبه قال: أبو إسحاق والإصطخري، وحكاه ابن كج عن ابن سريج وابن أبي هريرة أيضًا وعلى الصحيح لو اختلفا فقال الأب أجد متبرعة وأنكرت فهو المصدق بيمينه، ووجهه بأنها تدعي استحقاق الأجرة عليه، والأصل عدمه ولأنه يعسر إقامة البينة على ما يقوله، فيصدق بيمينه كما لو ادعت المطلقة ثلاثًا أنها نكحت غيره وأنه أصابها تصدق لعسر إقامة البينة على الإصابة.
وقوله في الكتاب في أنه يجب على الأم "إرضاع اللبأ" ثم لها الأجرة يجوز إعلامه بالواو للوجه الذي حكيناه، ويخرج أيضًا إذا كانت الأم زوجته على الوجه الذي قلنا إنه لا يجوز له استئجار زوجته.
وقوله: "على الأب" مفروض فيما إذا كان المولود معسرًا وهو الغالب، فإن كان يملك مالًا فيؤدي الأجرة منه، ولا تلزم على الأب.
وقوله: "ولا يجب عليها الإرضاع" يجوز إعلامه بالميم.
وقوله: "فإن رغبت بأجرة " إلى آخره مطلق من جهة اللفظ لكنه أراد ما إذا لم تكن الأم في نكاحه على ما هو مبين في الوسيط والبسيط، ويجوز أن يعلم "القولين" بالواو للطريقة القاطعة.
وقوله: "بأجرة" يعني بأجرة المثل.
وقوله: "وللزوج منعها" معلم بالواو، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) في أ: الإفصاح.
[ ١٠ / ٧٥ ]