وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ:
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الاسْتِيفَاءِ فَإنْ كَانَ القَتِيلُ وَاحِدًا فَهوَ لِكُلِّ الوَرَثَةِ عَلَى فرَائِضِ الله تَعَالَى فَإنْ كَانَ فِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ صَغِيرٌ انْتُظِرَ (ح م) تَكْلِيفُهُ، وإنْ كَانَ فِيهِمْ غَائِبٌ انْتُظِرَ حُضُورُهُ، فَإنْ تَزَاحَمُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَلِغَيْرِهِ مَنْعُهُ مِنْ أَصْلِ الاسْتِيفَاءِ، وَيَدْخُلُ فِي القُرْعَةِ المَرْأَةُ وَالعَاجِزُ عَلَى أَحدِ الوَجْهَيْنِ لِيَسْتَنِيبَ إِنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.
_________________
(١) صورة المسألة أن يوضح الجمع عمدًا، أما لو أوضح موضحتين عمدًا ورفع الحاجز بينهما خطأ قلنا بالصحيح أنه لو رفعه عمدًا تداخل الأرشان فهل يلزمه أرش ثالث أم لا يلزمه إلا أرش واحد وجهان قال الشيخ في زيادته أرجحهما أرش فقط ذكره في الباب الثاني في دية ما دون النفس في السبب الرابع في اختلاف الحكم.
(٢) قال النووي: باب الاختلاف واسع، وإنما أشار هنا إلى مسائل منه، وباقيها مفرق في مواضعه، ومنها: لو قطع أصبعه، فداوى جرحه وسقطت الكف، فقال الجاني: تآكل بالدواء، وقال المجني عليه: بل تآكل بسبب القطع، قال المتولي: نسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: هذا الدواء يأكل اللحم الحي والميت، صدق الجاني، وإن قالوا: لا يأكل الحي، صدق المجني عليه، وإن اشتبه الحال، صدق المجني عليه؛ لأنه أعرف به، ولا يتداوى في العادة بما يأكل.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت في أول الجِرَاحِ وقُوعَ الكلام في فَنَّيْنِ:
أحدهما: في موجِبِ القِصَاصِ.
والثَّانِي: في حُكْمِهِ بعْد الوجوب، وهو الذي نَخُوضُ فيه، وإذا وجب القصاصُ، فأما أن يُسْتَوْفَى أو يُترَك ويُعْفَى عنه، ففي [الطرفين] بابان: أما الأوَّل، ففيه ثلاثة فصول:
أحدها: فيمن يَلِي الاستيفاء.
والثاني: في كيفية الاستيفاء تعجيلًا وتأخيرًا.
والثالث: في طريق الاستيفاء، وحفظِ المماثلة فيه ما أمكن.
أما الفصل الأول، فولاية الاستيفاء للمستحِقِّين، والقصاصُ يستحِقُّه جميع الورثة على فرائض الله تعالى، وحكى ابن الصبَّاغ وجهَيْن آخرَيْنِ للأصحاب:
أحدهما: أنه للعصباتِ خاصَّةً؛ لأن القصاص [لرفع] العارِ، فيختص بهم كولاية النكاح.
والثاني: أنَّه للوارثين بالنَّسَب دون الوارثين بالسَّبَب؛ لأن السبب ينقطع بالموت، والقصاص للتشفِّي فإذا انقطع السبَبُ، فلا حاجة إلى التشفِّي، والمذهبُ المشهورُ الأوَّل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، ووُجِّه بأن القصاصَ أحدُ بدلي النفْس، فيستحقه جميعُ الورثة، كالدية، وُيروى؛ أن رجلًا قَتَل آخَرَ في عهْدِ عمرَ -﵁- فطَالَب أولياؤه بالقَوَد، ثم قالت أخت القتيل، وكانت زوجة القاتِل: قد عَفَوْتُ عن حَقِّي فقال عمر -﵁: عَتَقَ (١) الرجُلُ، والأشهر عن مالك أنَّ القصاصَ لا يثبُتُ إلا لِعَصَبات النَّسَب، وعنه رواية أخرى: أنَّه يثبتُ لرجال القرابة، حتى يستحقه الأخ للأمِّ أيضًا ورواية ثالثة: أنه يثبُتُ لرجَال القرابة، والأمُّ من جملة النساء، وإذا قُتِلَ من [ليس] له وارثٌ خاصٌّ، فهل للسلطانِ أن يقْتص من قاتله أو يتعيَّن أخْذُ الدية فيه قولان مذكوران في كتاب "اللقيط" وإن خلَّف بنتًا واحدةً أو جدةً أو أخًا لأم، فإن قلْنا: للسلطان استيفاءُ القصاص، إذا لم يكُنْ وارثٌ، استوفاه مع صاحب الفرض، وإلاَّ فالرجوع إلى الدية، ثم فيه صورتان:
إحداهما: إذا كان بعْضُ الورثة غائبًا أو كانَ فيهِمْ صبيٌّ أو مجنونٌ انتظر حضورُ الغائِب أو مراجَعَتُه، وبلوغُ الصبيِّ أو إفاقَةُ المجنون، ولم يَكُنْ للحَاضِرِينَ والبالِغِينَ العُقَلاء الانفرادُ بالاستيفاءِ خلافًا لأبي حنيفة ومالك في الصبيِّ والمجنونِ؛ حيث قالاَ:
_________________
(١) رواه البيهقي من حديث زيد بن وهب وزاد: فأمر عمر لسائرهم بالدية، وساقه من وجه آخر نحوه.
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
لا يُنْتظر بلوغُ هذا، وإفاقة ذلك. وعن أحمد روايتان، [لنا] أن للصبيِّ والمجنون حقًّا في القصاص؛ ألا ترى أنهما يستحقانه بتقدير الانفراد، وإذا ثَبَت لهما حقُّ القصاص وجب أن لا يفُوتَ عليهما بالاستيفاءِ، كما في حق الغائب، وهذا لأن القصاص للتشفِّي ودرك الثأر، فحقُّه التفويض إلى خيرة المستحق.
وإذا انفرد صبيٌّ أو مجنونٌ باستحقاق القصاص، لم يستوفه الوليُّ، والقيِّم يستوي فيه قصاص النَّفْس والطَّرَف (١) وعند أبي حنيفة: للوليِّ استيفاء [القصاصين] وللوصي استيفاء قصاص الطَّرَف، وسلَّم أن القيَّم لا يستَوْفِي واحدًا منهما، وقد سبق في: "باب الحجر" أن الوليَّ لا يستوفي قصاصَ الصبيِّ، ولا يعفُو عنه، ولكن لم يذكر مذهب أبي حنيفة هُنَاك ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب هناك: "ولا يستوفي قصاصه" بالحاء.
وأما أن الوليَّ هل يأخذ المال، وهل للمستحِقِّ عند كمال الحالِ، أن يرد المال ويقتص، فقد ذكرناه في باب "الحجر"، وفي "باب اللقيط" ويحبس القاتِلُ إلى أن يبلغ الصبيُّ وبفيق المجنون، ولا يُخَلَّى بالكفيل، فقد يهرب، فيفوت الحق، وكذلك يُحْبَس إلى أن يَقْدُم الغائبُ ضبْطًا لحقِّ القتيل، كما لو وَجَد الحاكمُ مال ميِّت مغصوبًا، والوارثُ غائبٌ، فإنه يأخذه حِفْظًا لحقِّ الميت، وذكر ابن الصباغ أنَّ في قصاصِ الطرَف لا يُحْبَسُ الجاني إلى قُدُوم الغائب؛ لأن الحاكم لا ولاية له على الغَائِب المكلف، كما لا يأخذ ماله المغصوب، وفي كلام الإِمام وغيره ما يُنَازع فيه، ويُشْعِر بأنه يأخذ مال الغائِب ويحفظه له، وأن الحاكِمَ يحبس الجانِيَ [في قصاص الطرف] أيضًا، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أنَّ الشيخ أبا عليٍّ قال: لا يُحْبس القاتل، بل يطلب منه كفيلًا؛ لأن الحَبْس ضمُّ عقوبة إلى القصاص المستَحقِّ عليه، وحمل الحبس في كلام الشَّافعيِّ -﵁- على التوقُّف والانتظار، والمشهورُ الأوَّلُ، قال الأصحاب: وإحياؤه محبوسًا أهونُ عليه من استعجال القتل، ولا طريق إلى حفْظ الحقِّ سواه.
الثانية: إذا كان القصاصُ لجماعة، وهم حضور كاملو الحال، فليس لهم أن يجتمعوا على مباشرة قتْله؛ لأن فيه تعذيبًا وإهانةً، ولكن يتفقون على واحدٍ يستوفيه أو يوكلون أجنبيًا، وإن تزاحموا ورام كلُّ واحد منهم أن يستوفي بنفسه، أقرع بينهم، فمَنْ خرجت القُرعةُ له، تولاه، ولكن بأن الباقين، فلو أخَّرُوا، لم يكن له أن يستوفِيَهُ، ويخالف ما إذا تزاحَمَ الأولياء على التزويج، فأقرع بينهم، لا يحتاج من خرَجَتْ له
_________________
(١) قال في الخادم: قال في الذخائر: هذا إذا ثبت القصاص للطفل بإرث عن غيره فلو كانت الجناية على الطفل في طرفه ثبت له القصاص وكان للولي استيفاؤه وكذلك في المجنون، وقال القفال: للسلطان استيفاؤه.
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
القرعة إلى إذْن الآخرين؛ لأن القصاص مبنيٌّ على [الإبراء] (١) والإسقاط ولبعضهم تأخيره كإسقاطه، والنكاحُ لا يجوز تأخيرُهُ حتى أنهم لو امتنعوا جميعًا من التزويج، وعَضَلُوا، يزوِّج القاضي، هذا هو الأظهر، ويُحْكَى عن القفَّال بناءً عليه: أنه لا يُقْرع بينهم في الابتداء، إلا بإذنهم، بخلاف القرعة في القسمة، والقُرْعة بين الأولياء.
وروى الإِمام وغيره وجهًا: أنه لا حاجةَ بعد خروج القرعة إلى إذْنِ الباقين؛ لتظهر فائدة القرعة وإلاّ فاتفاقهم على واحِدٍ مغن عن القرعة، ولا شك في أنه لو منع أحدُهم من خرجَتْ له القرعة من الاستيفاء، لم يكن له الاستيفاء، وهل يدْخُل في القُرْعة مَن يعْجز عن الاستيفاء؛ كالشيوخ والصبيان والنسوة؟ فيه وجهان، وقال القاضي ابن كج وأبو الفرج الزاز: أيضًا قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه صاحبُ حقٍّ، فإن خرجَتْ له القرعة استناب من يقدر عليه. والثاني: لا لأنه ليس أهلًا للاستيفاء والقرعة إنما تَجْرِي بين المستوين في الأهلية، والأرجحُ الأول عند صاحب "التهذيب".
والثاني: عند القاضي ابن كج وأبي الفرج، والإمام وغيرهم وعن بعض الأصحاب: طريقةٌ قاطعةٌ به، وإذا قلْنا: لا يدخل العاجزُ في القُرْعة، فلو خرجَتْ لقادرٍ، فعجز، أُعِيدت القرعةُ بين الباقين، وإن قلْنا: يدخل، فلا يعاد ولكن يستنيب.
وقوله في الكتاب: "فإن كان القتيل واحدًا" بين به أن الذي نذكره الآن فيما إذا لم يَزْدَحِم على القاتل أولياء قتيلَيْنِ أو قَتْلَى، فأما إذا قتل اثنين فصاعدًا وأرادَ وَليُّ كلِّ قتيل قتْلَه به، فسيأتي إن شاء الله تعالى مِنْ بَعْدُ.
وقوله: "فهو لكل الورثة" معلم بالميم والواو.
وقوله: "انتظر تكليفه" بالحاء والميم والألف.
وقوله: "فإن تزاحموا أُقْرعَ بينهم" أي تزاحموا على الاستيفاء، والمقصود ما إذا استحَقُّوا القصاص في النفْس بضَرْب الرقبة، وأما في قصاص الطَّرَف، وقصاص النفْس المستحَقِّ بقَطْع الطَّرَف ونحوه، فسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: "فلغيره منعه مِنْ أصْل الاستيفاء" أشار بهذه اللفْظة إلى أنَّه ليْسَ له أن يقول لا تستوفي ولكن نقول: لا تستوفِ، وأنا لا أستوفِي أيضًا.
وقوله: "ويدخل في القرعة" إلى آخره [يصح] إعْلاَمُهُ بالواو؛ بطريقة مَنْ قال: "لا يدخل بلا خلاف".
_________________
(١) في ز: "الولاء".
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَادَرَ وَاحدٌ فَقَتَلَ فَفِي وُجُوبِ القِصَاصِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ العَفْوِ مِنَ البَعْضِ فَقَولاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ، وَوَجْهُ الإسْقَاطِ شُبْهَةُ خِلاَفِ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ فِي إثْبَاتِ الاسْتِبْدَادِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَإِنْ قُلنَا: لاَ قَصَاصَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَيُغَرَّمُ نَصِيبَ البَاقِينَ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي المُسْتَوْفَى بِخِلاَفِ الأَجْنَيِيِّ إِذَا قَتَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسألة توصف بالإشْكَال والاعتبَاضِ، حتى حكى عن الماسرجسي: أنه قال: سَمِعْت أبا بكر الصيرفيِّ يقول: كرَّرْتها علي نِفْسي ألْفَ مَرَّةٍ حتى تحقَّقتُها، وأول ما يذْكُره أنَّ مَنْ عليه القصاصُ، إذا قَتَله أجنبيٌّ عن القصاص، يلزمه القصاصُ، على ما سَبَقَ ويكون ذلك القصاصُ لورثته لا للَّذِين كانُوا يستحِقُّون القصاصَ عليه؛ لأن القصاصَ للتَّشفِّي ودرك الثأر، ووارثه هو الذي يَحْتَاج إليه. قال في "التهذيب": ولو عفا ورثته عن القِصَاص على الدِّيَة، فالدية للوارِثِ على الصحيح من المَذْهَب، وفيه وجّه أنها لِمَنْ له القصاصُ، كما إذا قُتِلَ العَبْدُ المَرهُون، تكون قيمته مرهونَةً.
وأما المستحِقُّون للقصاص، فليس لبعضهم الانفرادُ بقَتْله، كما لا ينفرد باستيفاء تمام الدية، ولو بادَرَ أحدُ ابْنَيِ المقتولِ الحائِزِينَ، وقَتَل الجانيَ بغَيْر إذْن الآخر، فَيُنْظَر؛ أوقع ذلك قبل عَفو أخيه أو بعْده؟
الحالة الأولى: إذا قتله قبل العَفْو، ففي وجوب القصاص عليه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمَدُ، واختاره المزنيُّ: أنه لا يجبُ؛ لأحد معنَيَيْنِ.
أظهرهما: أنه صاحب حقٍّ في المستوفَى، وذلك شبهة دارئة للعقوبة؛ ولذلك لا يجب الحدُّ إذا وطئ الجارية المشتركة بيْنَه وبيْن غيره.
وثانيهما: أنَّ مِنَ علماء المدينة مَنْ ذهَب إلى أنه يجُوز لكلِّ واحدٍ من الورثة الانفرادُ باستيفاء القصاص، حتى لو عفا بعْضُهم، كان لمن لم يَعْفُ أن يستوفيه، ويقال: إنه روايةٌ عن مالك، واختلافُ العلماء في إباحةِ الفِعْل شبهةٌ دارئةٌ للعقوبة، ولذلك لا نوجب الحدَّ بالوطء في الأنكحة المخْتَلَفِ فيها.
والثاني: يجب القصاص؛ لأنه استوفَى أكثر من حقِّه، فيلزمه القصاص فيه، كما لو استحق الطرَفَ، فاستوفَى للنفس، وأيضًا، فإن القصاص لهما، فهذا قتله أحدُهما، فكأنه أتلف نصف النفْس متعديًّا، وأنه سبَبٌ يوجب القصاص بدَلِيل ما إذا قتل اثنان واحدًا، والقولان فيما إذا كان القاتِلُ عالمًا بتحريم القَتْل، فإن جهلَ، فلا قصاص، بلا خلاف، كذلك ذكر في "التهذيب".
الحالة الثانية: إذا قتلَهُ بعْد عفْو الأخِ، فأما أن يكون عالمًا بالعفْو أو لا يكون، إن
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
كان عالمًا، فَيُنْظَر؛ إن لمْ يَحْكُمْ الحاكمُ بسقوط القصاصِ عن الجانِي، ترتب وجوب القصاص على ما إذا قتله قَبْل العَفْو، إن أوجبنا القصاص هناك، فهاهنا أوْلَى، وإن لم نوجِب، فوجهان، ويقال: قولان مبنيان على المعنَيَيْنِ المذكورَيْنِ هناك إنْ علَّلنا بأنه صاحب حقٍّ، فقد سقط الحق هاهنا بالعَفْو، وقتل من لا قصاص عليه [فيلزمه] القصاص، وهو الأصحُّ، وإن علَّلنا بشبهة اختلاف العلماء، فالاختلافُ قائمٌ هاهنا أيضًا، فلا يجب، وإن حكَم الحاكمُ بسقُوطِ القصاصِ عن الجانِي، فعلَيْه القصاصُ قولًا واحدًا؛ لارتفاع الشبهة، وامتناع المخالِفِ من المخالفة بعْد حُكْم الحاكم، هكذا أطلقوه، وإن كان جاهلًا بالعَفْو، ترتب على ما إذا كان عالمًا، فإن لم نوجب القصاص عند العلْم فعنْد الجهْل أوْلَى، وإن أوجبناه عند العلْم، فهاهنا وجهان أو قَولان بناءً على الخلاف فيما إذا قَتَلَ مَنْ عرفه مرتدًّا وظن أنه لم يُسْلِم، فبان خلافُه، وقد مَرَّ أن الأظْهَر الوجوبُ، ووجّهُ الشبه بين الصورتين أن المقْتُولَ معصومٌ والقاتل جاهلٌ بحاله، غير معذُور في الإقدام عليه، ولو قتله العافي أو عَفَوَا ثم قتَلَه أحدهما، وجب القصاص بلا خلاف.
التفريعُ: إن أوجبنا القصاصَ على الابنِ القاتلِ، وجبت ديةُ الأب في تركة الجاني؛ لأنه إذا وجب القصاصُ، لم يقع قَتلُ الجانِي قصاصًا، كما لو قتله أجَنبيٌّ، وإذا فات القصاص، وجبَتِ الدية، فإن اقتص وارثُ الجانِي مِنَ الابن القاتِلِ، أخذ وارثُ المقتص، والابنُ الآخرُ الديةَ مِنْ تركة الجاني، وكانت بينهما نصفَيْنِ، وإن عفا مجَّانًا أو أطلَقَ العفْو، وقفنا: العفو المُطلَق لا يوجب الدية، أخذها الأخوان، وإن عفَا على الدية أو أطلَقَ، وجعلْنا العفْو المطلَقَ موجبًا للدية، فللأخ الذي لم يَقْتُل نصف الدية في تركة الجاني، وللأخِ القاتِل النصْفُ وعليه ديةُ الجانِي بتمامها، ويقع الكلام في التقاصِّ، وقد يصير النصْف بالنصْفِ قصاصًا، ويأخُذ وارثُ الجانِي النصْفَ الأخير، وقد يختلف القدر بأن يكون المقْتُول أولًا رجُلًا والجانِي امرأةً أو مُسْلِمًا، والجاني ذميًّا، فتَحْكُم في كل صورة بما يقتضيه الحَال، وإذا قلْنا بالأصحِّ، ولم نوجب القصاصَ على الابن القاتل، فلأخيه نصْفُ الدية؛ لفوات القصاص بغَيْر اختياره، وممن يأْخُذ أخُ القاتِل النصْفَ الذي وجب له؟ فيه قولان:
أحدهما: من أخيه القاتِل؛ لأنه صاحبُ حقٍّ في القصاص، فإذا بادر إلى القتْل، فكأنه استوفَى حقَّ أخيه مع حقِّ نفسه، فصار كما إذا أوْدَعَ إنسانٌ وديعةً، ومات عن اثنيْن، فأخذها أحدهما، وأتلفها، يرجع الآخرُ بضمان نصيبه علَيْه، لا على المُودع.
وأصحُّهما؛ وهو اختيار المزنيِّ: أنه يأخذ مِنْ تركة الجانِي؛ لأن القاتل فيما وراء حقِّه كالأجنبي، ولو قتله أجنبيٌّ، يأخذ الورثة الدية من تركة الجانِي، لا من الأجنبي، فكذلك هاهنا، ويخالف "مسألة الوديعة"؛ لأن الوديعة غير مضمونة على المُودع بحال
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
حتى لو تَلِفَتْ بآفة، فلا ضمان عليه، ولو أتلفَهَا أجنبيٌّ غرمها للمالك، ونفسُ الجاني مضمونةٌ، حتى لو مات أو قتله أجنبيٌّ، تؤخذ الدية مِنْ تركته، واحتج أبو نصر بن الصَّبَّاغ، لهذا القول؛ بأنه لو كان المقتول أولًا أقلَّ دية من الجانِي؛ بأن كل مسلمًا، والجانِي ذميٌّ، فقتله أحدُ ابْنَي المسلم، فالواجب على الابن القاتِل نصْفُ ديةِ الذميِّ، وهو سدُسُ ديةِ المُسْلِم، والثابت لأخي القاتل نصْفُ دية المُسْلِم، فلو قلنا: إنه يأخُذُ حقَّه من أخيه القاتل، لم يمكن أن يأخذ هاهنا نصْفَ دية المُسْلِم، ولا يمكن أن يأخُذَ منْه ومِنْ ورثة الجَانِي؛ لأن أخاه هو الَّذي أتلف جميع حقِّه، وعَلَى هذا القَوْل، فلا رجُوع له على غيره، وعن ابن سُرَيْج فيما حكاه القاضي ابن كج سَماعًا عن أبي الحسين ابن القطَّان عنه قولٌ ثالثٌ مخرَّج: إن الذي لم يَقْتُلُ من الابنين يتخيَّر بَيْنَ أن يأخذ حقَّه من أخيه، وبين أن يأخُذَه من تركة الجاني، وينزلان منزلة الغاصِب والمُتْلِف مِنْ يد الغاصب، وإذا قلنا: إن حقَّ الذي لم يَقْتُل على أخيه، فلو أبرأ أخاه، برئ، ولو أبرأ وارثَ الجانِي، لم يصحَّ؛ لأنه لا حقَّ له عليه، ولو أبرأ وارثَ الجاني القاتل عن الدية، لم يسقط النصْف الذِي يَثْبُت عليه لأخيه، وأما النصْف الثابت للوارث، فيُبْنَى على أن التقاصَّ في الديتَيْن (١) هل يحْصُل بنفس الوجوب، إنْ قلْنا: نعم، فالعفو لغْوٌ، وكما وَجَبَا سَقَطَا، وإن قلْنا: لا يحصُل حتى يتراضيا، فيصح الإبراء، ويسقط ما ثبَتَ للوارِثِ على الابْنِ القاتل، ويبقى للابْنِ القاتِل النصْفُ في تَرِكَةَ الجانِي، فإنْ قلْنا: إنَّ حقَّ الذي لم يَقْتُل في تركة الجانِي لا على أخيه، وهو الأصحُّ، فلوارث الجانِي على الابْن القاتِلِ ديةٌ تامةٌ، وله في تركة الجانِي نصْف الدية، فيقع النصْف في التقاصِّ، ويأخذ وارثُ الجانِي منْه النصْفَ.
وإبراءُ الذي لم يقتل أخاه لاغٍ؛ لأنَّه لا شيْء له عليه، ولو أبرأ وارثَ الجانِي، صَحَّ، ولو أسقط وارثُ الجاني الديةَ عن الابن القاتِلِ، فإن قلْنا: يقع التقاصُّ بنفس الوجوب، فقد سقط النصْفُ بالنصف، كما وَجَبَا، ويؤثِّر الإسقاط في النصْف الآخَرِ، فلا يبقى لأحدهما على الآخر شيْءٌ، وإن قلْنا: لا يقع التقاصُّ إلا بالتراضي، سقَط حقُّ الوارث بإسقاطه، وبقَي للابْنِ القاتِل نصْفُ الديةِ في تركة الجاني، وإذا كان الابن القاتلُ جاهلًا بالتحريم، وجبتِ الديةُ بقَتْله، ويكون في ماله لقَصْده القَتْل أو على عاقلته؛ لأنَّ الجهل بالحال كالخطأ؟ فيه قولان؛ فإن قلنا: في ماله، فالابن الذي لم يَقْتُل يأخذ نصْف الدية من أخيه أو من تركة الجاني فيه القولان وتفريعهما.
وإن قلنا على العاقلة يأخذ الابنان الدية من تركة الجاني في الحال ووارث الجاني
_________________
(١) في الروضة الدينين.
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
أخذ ديته من عاقلة الابْنِ القاتِل، كما تُؤْخَذ الدية من العواقل، هَذَا تفريع القولَيْن في الحالة الأولى، وهو أن يبادر أحد الابنين إلى قَتْل الجانِي قبل عفْو الآخر، فأما إذا قَتَلَه بعْد عَفْوِهِ، فإن أوجبْنا القصاصَ واقتص وارثُ الجانِي، فلورثة المقتص منه نصْف الدية في تركة الجانِي، والعافي لا شيْء له إن عفا مجانًا، وإن عفا على نصْف الدية، فيعود الخلافُ في أنه ممَّنْ يأخذه، وإن لم يقتص منه الوارِثُ، بل عفا، فيُنْظر في حال العفْوَين وما يَقْتَضِيَانِهِ من وُجُوب المال وَعَدَمِهِ، وإن لم نُوجب القصاص، فإن كان الآخر قد عفا عن الدية أو عفا مطلقًا، وقلْنا بوجوب الدية في العفْو المطلق، فللآخرين دية أبيهما وعلى الأخ القاتل دية الجاني، فيقع ماله، وما عليه في التقاص، والآخَرُ يأخذُ النصْف منْه أو من تركة الجانِي؟ فيه الخلاف، وإن عَفَا مجَّانًا أو أطْلَق، وقلْنا إنه لا يوجَب المَالُ، فلا شيء له، وللأخ القاتل نصْفُ دية أبيه من تركة الجانِي، وعليه تمامُ دية الجاني، على ما تبيَّن.
واعلم أن ما ذكرنا في المسألة من صور الوقُوع في خلاف التقاصِّ كذلك أطلقه الأئمة، لكنه لا يصفُو عن التوقُّف والتردُّد من جهة أن مَوْضِع الخلاف في التقاصِّ ما إذا تساوَى الديتان. في الجنس والصفة، حتى لا يَجْرِيَ فيما إذا كان أحدُهُما حالًا، والآخر مؤجَّلًا أو كانا مختلفَيْنِ في قَدْر الأجل، وهاهنا أحد الديتين تثبت في ذمة الابن القاتل لوارث الجاني، والآخر يتعلَّق بتركة الجاني، ولا يثبت في ذمَّة الوارث، وهذا الاختلاف أشدُّ من الاختلاف في قدْر الأجَلِ (١).
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا إذا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً قُتِلَ بِأوَّلهِمْ (ح م) وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، وَإِنْ قَتَلَهُم مَعًَا خُصِّصَ بِالقِصَاصِ مَنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ لَهُ، وَهَلْ يُكْتَفَى بِالعَبْدِ فِي مُقَابَلَةِ الجَمَاعَةِ فِيهِ خِلاَفٌ لأَنَّ حَقَّ الآخَرِينَ يَضِيعُ فِي التَّخْصِيصِ، فَإِنْ تَمَالأَ أَوْلِيَاءُ القَتْلَى وُزِّعَ عَلَيْهِم عَلَى الأَصَحِّ، وَرَجَعَ كُلَّ وَاحدٍ مِنْهُمْ حِصَّةٌ مِنَ الدِّيَةَ، وَقِيلَ: يَكْفِي عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَقِيلَ: يُخَصَّصُ بِالقُرْعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ غَائِبٌ فَفِي تَسْلِيطِ الحَاضِرِ وَالعَاقِلِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ خِلاَفٌ، وَلَوْ اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ قُدِّمَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ مُستَحِقُّ اليَمِينِ وَمُسْتَحِقُّ أصْبُعٍ مِنَ اليَمِينِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الواحدُ، إذا قتل جماعةً، قُتِلَ بواحد، وللباقين الدياتُ، وكذلك لو
_________________
(١) صحح المصنف في باب الكتابة أن التقاص يجري في غير الذهب والفضة، وعلى هذا فلا فرق بين تساوي محل الدية وغيره، ولا يجيء أيضًا ما ذكره الأئمة هنا على ما نقل عن النص من جواز التقاص من المثلات لأن الإبل منقوصة.
[ ١٠ / ٢٦١ ]
قطَع الواحدُ أَطرَافَ جماعةٍ؛ لأنها جناياتٌ، ولو كانت خطأً، لم تتداخل، فعند التعمُّد أولَى وهذا القدْر من المسألة مذكورٌ في الصفات التي يُفْضُل بها القاتلُ القتيل، وحكَيْنا هناك خلافَ مَنْ خالف فيه، ولو رضَي الأولياءُ بأن يُقْتَل بهم جميعًا، وَيرْجِعُوا إلى ما يبْقى لكلِّ واحدٍ من الدية عند [فض] القصاص عليهم، قال الإِمام: لا يُجَابون إلَيْه، لا يختلف المذهب فيه، ثم يُنْظَر؛ إن قتلهم على الترتيب، فيُقْتَل بالأول، وللباقين الدياتُ، فإن عفا وليُّ الأول، قُتِلَ بالثَّاني، وهكذا يُرَاعى الترتيب، وإن لم يَعْفُ وليُّ الأول، ولا اقتص، فلا اعتراض عليه، وليس لوليِّ الثاني أن يَبْتَدِرَ إلى قتله، ولو فعل، عُزِّر، ولا غُرْم عليه، بل يقع قتله قصاصًا عن القصاص المستَحَقِّ له، وينتقل حقُّ الأول إلى الدية، وعنه رواية القاضي الحُسَيْن وجه ضعيفٌ: أنه يُغرَّم للأول ديةَ قتيله، ويأخذ من تركة الجانِي ديةَ قتيل نفسه، وإن كان وليُّ القتيل الأولِ غائبًا أو صبيًّا أو مجنونًا، حُبِس القاتلُ إلى أن يَحْضُر وليُّ الأول، أو يكمل حاله، وفي "أبانة الفوراني" قولٌ عن رواية حرملة: أن للثاني أن يقتص، ويصير الحضورُ والكمال مرجِّحًا.
وإن كان قد قتلهم معًا؛ بأن هدَمَ عليهم جدارًا أو جرحهم وماتوا معًا، فيُقْرَع بينهم فمَنْ خرجَتْ له القرعة، قُتِل به، ولو خرجَتْ لواحد، فعفا وليُّه أعيدت القُرْعَة بين الباقين، وكذا لو عفا ثان، خرجت القرعةُ له، والمفْهوم من إطلاق أكثرهم؛ أن الإقراع واجبٌ، وعن رواية أبي الفيَّاض وغيره أنَّه مُستحَبٌّ وللإمامِ أن يقتله بمَنْ شاء منهم؛ لثبوت الاستحقاقِ للكلِّ على التساوِي؛ قال القاضي الرويانيُّ: وهو الأصحُّ، وعليه جرى القاضي ابن كج وغيره، وحكَوْا عن نص الشافعيِّ -﵁- أنه قال: أحببت أن يقرْعَ بينهم، ولو رضُوا بتقديم واحدٍ بلا قرعة، جاز إِذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهم، فإن بدَا لَهُم، رُدَّوا إلى القرعة، ذكره الإِمام، ولو كان وليُّ بعض القتلَى غائبًا [أو صبيًّا أو مجنونًا]، فالقياس الظاهر الانتظارُ، إذا قلنا: لا بد من الإقراع، وفي "الوسيط" عن رواية حرملةَ: أن للحاضر والكامل أنْ يقتص ويكون الحضورُ أو الكمالُ مرجِّحًا للقرعة، فإن أشكل الحالُ، فلم نَدْرِ أَقَتَلَهُمْ دفعةً واحدةً أو عَلَى الترتيب، جُعِل كما لو قتلهم معًا، وأُقْرِع بينهم، فإن أقرّ بسَبْق قتلهم بعْضِهم، اقتص منه [وليه]؛ لأنه أقر على نفْسه بحَقٍّ له.
قال أبو الفرجِ السرخسيُّ: ولوليِّ غيره تحليفُه، إن كذَّبه (١).
_________________
(١) ما جزم به من الأقراع في هذه الحالة جزم به الأصحاب وهو مشكل من جهة أنه قد يكون قتلهم على الترتيب فتخرج القرعة لغير الأول فيؤدي إلى قتل غير المستحق فإن قتل هو مستحق للقصاص أيضًا دون التقديم قلنا: فالقرعة لا تقتضي استحقاقه للتقديم والأقرب في هذه الحالة أحد أمرين إما أن يقال يتعذر القصاص وللكل الديات. وإما أن يقال يقتل بالمجموع وليهم ما بقي من الديات.
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
وإذا وقع القتْل على الترتيب، وجاء وليُّ الثاني يطْلُب القصاص، ولم يجئْ وليُّ الأول، فعن نص الشافعيِّ -﵁- أنه قال: أحْبَبْتُ أن يبْعَثَ الإمامُ إلى وليِّ الأول؛ ليعرف أهو طالِبٌ أم عافٍ، فإن لم يبعثْ، وقتله الثاني، كرهتُه، ولا شيْءَ عليه؛ لأن لكلِّهم عليه حقَّ القَوَد، ويشبه أن تكون الكراهةُ كراهةَ التحريمِ، وإلا فليس القتل بالأول، بمستَحقٍّ وَيدُلُّ عليه ما رُوِي عن "الأم" فقد أساء بدل لفظه في "الكراهة".
ولو قتل جماعةٌ جماعةً، فالقاتلون كالشخْص الواحدِ، إن قتلوهم على الترتيب، قُتِلوا بالأول، وإن قَتَلوهم معًا، أُقرع بينهم، فمَنْ خرجَتِ القرعةُ له قُتِلُوا به، وللباقين الدياتُ في تركاتِ القاتلين، ثم الكلام في فروع.
أحدها: العبْد إذا قتل جماعة أحرارًا أو عبيدًا، هل يُقْتَل بجميعهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن في تخصيصه يبعضهم تضييع حقِّ الآخرين، ولأن العبْدَ، لو قَتَل جماعةً خطأً، يتضارَبُون في رقبته، فكذلك في القصاص بخلاف الحرِّ، فإنَّ جناياته لا تتداخل، إذا كانت خطأً، فكلذلك في القصاص وهذا ما أورده القاضي ابن كج.
وأصحُّهما: عند الإِمام والقاضي الرويانيِّ وغيرهما: أنه لا يُقْتَل بهم (١) جميعًا، ويكلون بمنزلة الحُرِّ المُعْسِر يُقْتَلُ بواحدٍ، وللباقين الدياتُ في ذمته تلقى الله تعالى بها، فعلى هذا لو قَتَلَهم على الترتيب، يُقْتَل بالأول، وإن قَتَلهم معًا، يقرع بينهم، ويُقْتل بمن خرجَتِ القرعة له، ولو عفا وليُّ القتيل الأول، أو وليُّ من خرجت القرعةُ له على مال، تعلَّق المال برقبته، وللثاني قَتْله، وإن بَطل حقُّ الأول؛ لأن تعلُّق المال لا يَمْنَع القصاص، كما لو جنَى العبدُ المرهونُ، فإن عفا الثاني أيضًا على المال، تعلَّق المالان بالرقبة، ولا يُنْظَر فيه إلى التقدُّم والتأخُّر كما لو أتْلَف مالًا على جماعة في أزمنة مختلفة، وإيرادُ صاحب "التهذيب" يُشْعِر بالقطْع بأنه لا يقتل بهم جميعًا، إذا قتل واحدًا بَعْدَ واحد، وتخصيص الوجهين بما إذا قتَلَهم معًا.
والثاني: إذا تَمَالَأَ عليه أولياءُ القتلَى، وقتلوه جميعًا، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحُّهما: أن القتْلَ يقَعُ عن جميعهم موزَّعًا عليهم، ويرجع كلُّ واحدٍ منهم إلى ما يقتضيه التوزيعُ من الدية، فإن كانوا ثلاثةً، فقد أخذ كلُّ واحدٍ ثُلُث حقِّه، ولو ثلثا الدية، ووجهُه أن القصاصَ ثابتٌ لكلِّ واحدٍ منهم، وأيهم انفرد به، كان مستوفيًا حقَّه كما ذكرنا، فإذا اشتركوا، وقَع عنهم جميعًا.
_________________
(١) قضية كلام النووي ترجح الوجه الثاني لأن القاتلين به أكثر، وصرح به الرافعي في الشرح الصغير ولهذا نقله المصنف عن تصحيح الأكثرين وهو قضية إيراد البغوي وصححه القاضي الحسين وقال عن مقابله إنه غلط وقال في المطلب وصححه الإِمام ووافقه جلّ الأصحاب على تصحيحه إلا ابن كج والماوردي فإنهما اقتصرا على إيراد مقابله.
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
والثاني: أنه يُقْرع بينهم، ويجعل القتْل واقعًا عمَّن خرجتْ له القرعةُ، وللآخرين الديةُ.
والثالث: حكاه الشيخ أبو محمَّد عن الحليميِّ: أنه يكتفي به عن جميعهم، ولا رجوع إلى الدية [ووُجِّه] بأنه لو قَتَل جماعةٌ واحدًا متعدِّين، جعلْنا كلَّ واحد منهم كالمنفرِدِ بالقتل، فكما جعلْنا كلِّ واحدٍ كالمنفرد في الاعتداء، كذلك نجعله كالمنفرد في الاستيفاء.
الثالث: إذا قَتَل رجلًا، وقطَع طَرَفَ آخَرَ، وحضَر المستحِقَّان، فيقطع طرفه أولًا ثم يقتلُ سواءٌ تقدَّم القتْل أو تأخر؛ لأن في القتل على إثْرِ القطع جمعًا بين الحقَّيْنِ، ولو قدَّمْنا قصاص النفْس عنْد تقدُّم القتل، لفَاتَ قصاص الطَّرَف، ولا معْنى لإسْقَاط قصاص مقصودٍ لمجرَّد تقديمٍ وتأخيرٍ، وعن مالك: أنه يكتفَى بالقتل عن القطْع، فإنه يُفَوِّت الطَّرَف ومنافعَهُ، أما تفوت النفْس.
وإن قطَعَ يمين إنسان، ثم قطَع أصبعًا من يمين آخَرَ، وحضَر المستحِقَّان، فيقطع يمينه للأول، وللآخر ديةُ الأصبع، فإن عفا الأولُ، قُطِعت أصبعه للآخر، وإن قُطِع الأصبع أولًا، قُطِعت أصبعه للأول، والثاني يأخذ ديةَ اليَدِ إنْ شاء، وإن شاء، قَطَع ما بقيَ من يد الجاني، وأخذ دية الأصبع، وإنما يراعى التقديم والتأخير هاهنا، بخلاف القطْع مع القتل؛ لأن نقصان الطَّرَف لا يوجب نقصان النفس؛ ألا تَرَى أن بدَلَها لا يختلف، ونقصان الأصبع يوجب نقصان اليد؛ ولذلك يختلف البدَل، هذا ما ذكره الأئمة، والذي أطْلَقَه صاحبُ الكتاب في هذه الصورة: أنه يُقْرَع بينهما ولتحمل على ما إذا وقع القَطْعانِ معًا لا على الترتيب وحينئذٍ، فإن خرجَتِ القرعةُ لصاحب اليمين، فهو كما لو تقدَّم قطعُ اليمين، وإن خرجَتْ لصاحب الأصبع، فهو كما لو تقدَّم قطع الأصبع.
وقوله في الكتاب: "قُتِلَ بأوَّلهم، وللباقين الديات" ليعلَم، بالحاء والميم والألف؛ لما مرَّ من مذاهبهم في نصِّ الموضِع المحالِ عليه، وبالواو؛ لوجهِ نسَبْنَاه إلى رواية الرويانيِّ؛ أنه يُقتَل بجميعهم، ولكَلِّ واحدٍ قسطٌ من الدية، وهذا الوجه قد نقله الفورانيُّ، وأيضًا، ففي البيان أن بعْضَ أصحابنا الخُراسانِيِّين، قال: يُكْتَفَى بقتل الواحد عن الجماعة، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، ويجوز إعادة العلاماتِ على قوله: "خُصِّصَ بالقصاصِ مَنْ خرجتِ القرعة له".
وقوله: "وُزِّعَ عليهم على الأصحِّ" يعني من الأوجه.
وقوله: "وقيل يَكْفِي عن جميعهم، وقِيلَ: يُخصَّص بالقرعة" هما الوجهان الآخران.
وقوله: "فإن كان فيهم مجنونٌ" إلى آخره، ظاهرٌ في التصوير فيما إذا قتلهم معًا؛
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
فإنَّ القرعة حينئذ تُسْتعمل، ولكنه لا يختص به، بل يجرِي فيما إذا جرى القَتْل على الترتيب، وفيه صُوَرُ الفورانيِّ كما سبق.
وقوله: "ولو اجتمع مستحِقُّ النَّفْس والطَّرَف" أي مستحقُّ القصاص في النفس والطرف ويجوز أن يُعْلَم قوله: "قُدِّمَ مُستحِقُّ الطَّرَفِ" بالميم؛ لِمَا ذكَرْنا من اكْتِفَائِهِ بالقتل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي لِلمُسْتَحِقِّ أَنْ يَسْتَقِلَّ دُونَ الرَّفْعِ إِلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ فَعَلَ عُزِّرَ وَوَقَعَ المُوقِعُ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يُفوِّضَ إلَيْهِ القَتْلَ دُونَ الجَلْدِ في القَذْفِ فَإنَّهُ مُتَفَاوِتٌ وَيُتَّهَمُ فِيهِ، وَفِي القَطْعِ تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَدِّد الحَدِيدَةَ، وَمَهْمَا أُذِنَ لِلوَليِّ فِي ضَرْبِ الرَّقَبَةِ فَأصَابَ غَيْرَهُ عَمْدًا عُزِّرَ وَلَمْ يُعْزَلْ، وَإِنْ أَخْطَأ أُمِرَ بِالاسْتِنَابَةِ لِعَجْزِهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ مَسْمُومٍ يُفَتِّتُهُ قَبْلَ الدَّفْنِ لَمْ يُمَكَّنْ، وَإِنْ كَانَ يُفَتِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَوَجْهَانِ، وَأُجْرَةُ الجَلاَّدِ عَلَى المَقْطُوعِ، وَفِي الحَدِّ عَلَى بَيْتِ المَالِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِبلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ مَنْشَؤُهُمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ بِالتَّمْكِينِ أَوِ التَّمْيِيزِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليْسَ لِمستحِقِّ القصاص استيفاؤُه دون إذْن الإِمام؛ لأنه يحتاج في إثْباتِ القصاص، واستيفائِهِ إلى النَّظَر والاجتهادِ؛ لاختلاف الناس في شرائط الوجُوب، وفي كيفية الاستيفاء، وأيضًا، فإن أمر الدمِ خطيرٌ، فلا وجه لتسليط الآحاد عليه، وأيضًا فإنه عقوبة تَتَعلَّق ببَدَنِ الآدميِّ، فلا بد من مراجعةِ الحاكِم، كحدِّ القذف، وعن أبي إسحاق ومنصورٍ التميميِّ: أن المستحِقَّ يستقل بالاستيفاء، كالأخذ بالشُّفعة وسائر الحقوق، وظاهرُ المذْهَب الأوَّلُ يستوي فيه قصاصُ النفْس والطَّرَف، وإذا استقل به عُزِّرَ، لكن لا غرم عليه، ويعتد به عن القصاص، ولو استقل المقذُوف باستيفاء صور الحدِّ، إما بإذن القادف أو دونه، ففي الاحتساب به وجهان (١)، يقاس في أحدهما على القصاص ويفرق في الآخر بأنه لا يتعلَّق بموضع معيَّن، ولا يَهْتَدِي إليه كلُّ أحد، وإذا لم يحتسب به ترك حتى يبرأ ثم يُحَدُّ، ولو مات منه، وجَبَ القصاصُ، إن جلَدَه دون إذنه، وإن كان بإذنه، فلا قصاص، وفي الدية خلافٌ، كما لو قتله بإذنه.
فإذا طلب المستحِقُّ أن يستوفِيَ القصاصَ بنفسه، فإن لم يَرَه أهلًا له؛ كالشيخ والزمن والمرأة، لم يجب أنه يستنيب وإن رآه أهلًا له، فإن كان المطلوبُ قصاصَ النفْسِ، والطَّالبُ الوليُّ، فيفوضه إليه، بخلاف الجَلْد في القذْف، لا يُفَوَّض إلى المقذُوف؛ لأن تفويت النفْس مضبوطٌ والجَلْدَات تَخْتلفُ موْاقعُها، ويتفاوت تأثيرُها في
_________________
(١) قال في الخادم: الأصح عدم الاعتداد.
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
النفْس، وقد يريد المقذوف في الإيلام للتشفِّي والانتقامِ، والتعزيرُ كحد القذف، وإن كان المطلوبُ قصاصَ الطَّرَف، والطالبُ المجنيُّ عليه، فوجهان:
أحدهما: يفوضه إليه، كقصاص النفْس؛ لأن إبانة الطَّرَف مضبوطةٌ أيضًا.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يردِّد الحديدة، ويزيد في الإيلام، فيَسْرِي.
ويُستحب للإمام أن يُحْضِرَ عدلَيْن (١) متيقظيْنِ، ليشهدا، إن أنكر المقتص الاستيفاءَ، ولا يحتاج إلى القضاء بعلمه بتقدير أن يكون [الترافع] إليه، ويتفحَّص عن حال السيْف، ليكونَ الاقتصاصُ بالصارم لا بالكَالِّ المعذِّب، وقد رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "إذًا قَتَلْتُم فَأَحْسِنوا القتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذبحة" (٢) وإذا قتل الجانِي بسيفٍ كالٍّ، فيقتل بالكالِّ أو بالصارِمِ؟ فيه وجهان، أشبههما على ما ذكر القاضي الرويانيُّ وغيره: الأولُ (٣)، ويُحْكَى الثاني عن "المنهاج" للشيخ أبي محمد، وإذا لم تجوز بالكل فإذا بأن بعْد الاستيفاء بأن السَّيْف كان كالًاّ، عُزِّر المستوفِي.
ويُضبَط الجانِي في قصاص الطرف؛ لئلا يضطربَ، فيؤدِيَ إلى استيفاءِ زيادةٍ، ثم في يقية الفصل صور.
إحداها: إذا أُذِنَ للوَلِيِّ في ضرب الرقبة، فأصاب غيرها، واعترف المُسْتَوْفِي بأنه تَعمَّد، عُزِّر، وكذا لو ادَّعى الخطَأ فيما لا يَقَع الخَطَأُ بمثله، كما إذا ضَرَب على رِجْله أو وسَطِه لظهور كذبه، ولكن لا يمنع من الاستيفاء، ولا يعزل لأنه أهْلٌ له، وإن تَعدَّى بما فَعَل وهذا كما أنه لو جرحه قبل الارتفاع إلى مجْلس الحُكْم، لا يُمْنَع من الاستيفاء، ومنهم مَنْ يحكي وجهًا أو قولًا آخر: أنه ينعزل، ويُؤْمَر بالإنابة؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يتعدَّى
_________________
(١) وما ذكره من الاستحباب هو المشهور، وقال في الحاوى: إذا تعين لواحد استيفاء القصاص اعتبر في استيفائه عشرة أشياء حضور الحاكم الذي حكم له بالقود أو ناشب عنه، وأن يحضره شاهدان وأن يحضر معه من الأعوان من إذا احتاج إليهم أعانوه فربما احتاج إلى كف وردع وأن يؤمر المقتص منه بما يعين عليه من صلاة يومه وبالوصية فيما له وعليه، وبالتوية، وأن يساق إلى موضع القصاص سوقًا رفيقًا بلا شتم وشنر عورته وتشد عيناه، ويكون ضاربًا بغير مسموم قال: وإنما اعتبرنا هذه الشرائط والأوصاف إحسانًا في الاستيفاء ومنعًا من التعذيب. انتهى. وما ذكره من اشتراط حضور الإِمام جزم به صاحب المقنع والشيخ في التنبيه وصاحب البيان والذخائر. قال ابن الرفعة: ويدل عليه كلام الشَّافعي في الأم، وجزم به الشيخ عز الدين في أواخر القواعد.
(٢) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث شداد بن أوس، وسيأتي في الضحايا.
(٣) وقال في الشرح الصغير أنه الأشبه وبه جزم الماوردي في الحاوي والمتولي في التتمة.
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
ثانيًا، ويريد تعذيبه، فلا يسلَّط عليه، ويُنْسَب هذا إلى أبي الحُسَيْن بن القطَّان، وإن ادَّعَى الخطأ فيما يُمْكِن أن يقرع في مثله الخَطَأ، كما لو ضَرَب على الكتف أو الرأْس ممَّا يلي الرقبة، فيحلف ولا يُعزَّر إذا حلف، لكن يعزل؛ لأن الحال يُشْعر بعجزه وخرقه، ويُرْوَى وجْهٌ أو قولٌ: أنه يُعذَّر بالخطأ، ولا يعزل، وذكر الإمامُ مستدرِكًا أن هذا الوجه ينبغي أن يكون مخصوصًا بما إذا لم يتكرَّر منه الخطأ، ولم يظْهر خرقه، وإنْ ظَهَرَ، فليمنع بلا خلاف، [ينبغي] أن يكون الوجه الأظهر، وهو أن يعزل مخصوصًا بمَنْ لم تُعْرَف مهارته في ضَرْب الرقاب، أمَّا الماهِرُ فيه، فينبغي أَلاَّ يعزل بخطأ اتَّفَقَ له، بلا خلاف.
الثانية: أطلق مطْلِقون وجهَيْن في المنْع من استيفاء القصاص بالسيف المسموم، وقالوا، في وجه: لا يُمْنَع؛ لأنه ليس فيه زيادة عقوبة وتفويت.
والأصحُّ أنه يُمْنَع؛ لأنه يُفْسِد البدن، وقد يفضي إلى التقطُّع وعسر الغسل والدفن، والوجهان عنْد الإِمام فيما إذا كان تأثيرُ السُّمِّ في التقطع والتفتت يتأخر عن الدَّفْن، فإن كان يُؤثِّر قبل الدَّفْن، فيمنع منه بلا خلاف لما فيه من هتْك الحرمة، وعلَى هذا جرى صاحب الكتاب، وحيث يمنع، فلو بان بعْد القتل أنَّ الآلة كانتْ مسمومةً، عُزِّر، وفي قصاص الطَّرَف؛ يمنع من المسموم لا محالة، فلو استوفاه بالمسموم، فمات المقتص منه، فلا قصاص؛ لأنه ماتَ مِنْ مستحِقٍّ وغير مستحِقٍّ، ويجب نصْف الدية، ويكون على المستوفِي أو عَلَى عاقلته فيه وجهان:
أشبههما الأوَّل: وفي كتاب القاضي ابن كج ذكر وجْهٍ أنه يجب القصاص.
قال: ولو كان السمُّ مُوحِيًا (١) وجَب وجهًا واحدًا.
الثالثة: لينصب الإِمام من يقيم الحدَّ ويستوفي القصاص (٢) بإذْن المستحقين ويرزقه من خمس خمس الفَيْء والغنيمة المُرْصَد للمصالح، فإن لم يكنْ عنْده مِنْ سهم المصالح شيءٌ أو احتاج إلَيْه لما هو أهم منه، فظاهر المَذْهب أن الأجْرَةَ في الاقتصاص على المقتصِّ منه؛ لأنه مؤنة حقٍّ، يلزمه توفيته فتلزمه تلْك المؤنة، كما تلزم أجرة الكيَّال على البائع، وأجرة وزان الثمن على المشتَرِي، وعن صاحب "التقريب" روايةُ وجهٍ أنها على المقتص، كما أن أجرة نقْلِ الطعام المشتَرَى على المشتَرِي المستَوْفِي، وبهذا قال أبو حنيفة، وروي عن مالك أيضًا، وذكَر أن مأخذ الخلافِ، وهو أن التسليمَ يَحْصُل بالإبانة وتميز العضو عن الجملة أو يكفي فيه التخلية وقرَّب صاحبُ التقريبِ
_________________
(١) الموحي بضم الميم وفتح الواو وتشديد الحاء المهملة الذي يقتل في الحال. قاله في الخادم.
(٢) من المهم ذكر شرطه وشرطه الإِسلام فلا يجوز للإمام أن يتخذ جلادًا كافرًا لإقامة الحد على المسلمين.
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
الخلافَ في المسألة من الخلافِ في أن تسليم الثمار المبيعة على رُؤُوس الأشجار، هل تحصل بالتخلية، وفرق الإِمام بين البابَيْن فقال: اليد جُزْءٌ من الإنسان، والتسليمُ فيها لا يَحْصُل إلا بالفَصْل، وليست الثمار كذلك؛ ألا ترى أن الجانِيَ لو فاتَتْ يدُهُ بعْد التمكين يستقر عليه ضمانُ الجناية بلا خلاف، وإذا اجتاحت الثمار بعد التخلية، فمن ضمان من يكون فيه الخلافُ المشهورُ، والخلافُ الذي يشبهه هذا الخلافُ وجهان ذُكِرَا في أن مؤنة الجَذَّاذ على البائع أو المشتري تفريعًا على أن الجوائح من ضمان البائع، وأما أجرة الجَلاَّد في الحدود، والقاطع في السرقة، فيحصل من المنقول فيها وجهان أيضًا أرجحهما فيما يقتضيه إيرادُ الأكثرين تصريحًا وتعريضًا؛ أنها تَجِبُ على المجلُودِ والسارقِ المقطوعِ أيضًا؛ لأنها من تتمة الحدِّ الواجبِ عليه، وبهذا قال الماسرجسي.
والثاني: أنها في بيت المال؛ لأن الحد ليس حقًّا يستقر في الذمَّة استقرار القصاص، وإنما الحدود سياساتٌ يقوم بها السائسُ؛ للمصلحة العامة، فعليه القيامُ بتوابعها ومؤناتها، ومنهم من خصَّص الإيجاب على بيْت المال، بما إذا لم يكُنْ للجاني مالٌ، وفي كلام الأئمة ما يُفْهِم وُيرْشِد إلى ترتيب الخلافِ في أجرة الجَلاَّد في الحدِّ على الخلاف في القصاص، فإن قلنا: يجب على بيت المال، فأجرة الجلادين في الحدِّ على بيت المال، بطريق الأَوْلَى، فإن قلنا: إنها على المقتص منْه، ففي الحدود تجب على المحدود أو في بيت المال؟ فيه وجهان، والفرْق أن المقتص منه مأمورٌ بالإقرار بالجناية؛ ليستوفى منه موجبها فمؤنة الإيفاء عليه، وفي الجرائم المُوجِبَة للحُدُود، هو مأمورٌ بالستر على نفسه، ونقل جماعة من الأئمة منهم المسعوديُّ والفورانيُّ تولُّدَ الخلاف في الصورتين من ذمَّتيْن نقلوهما عن الشافعيِّ -﵁- قالوا: نصَّ في القصاص على أن الأجرةَ على المقْطُوع والمقتول، وفي الحدود على أن الأُجْرة على بيت المال، فقررهما مقرِّرون وتَصرَّف فيهما آخَرُون بالنقل والتخريج، وأثبتوا فيهما قولَيْن.
أحدُهما: الوجوب على الجاني.
والثاني: أنه تجب في القصاص على المستحِقِّ، وفي الحدُود في بيْت المال، وهذه الطريقةُ هي التي أوردَهَا صاحبُ الكتاب، وأجرةُ الجلاَّد في حدِّ القذف كأجرة الاقتصاص، وإذا قلْنا بالوجوب في بيت المال، والتصويرُ فيها إذا لم يكُنْ في بيت المال ما يُمْكِن صرفُه إليه، فيستقرض الإِمام على بيْت المال إلى أن يَجِدَ سَعَة.
قال القاضي الرويانيُّ: أو يستأجر بأُجْرَة مؤجَّلَة أو يستسخِرَ مَنْ يقوم به على ما يَرَاه، والاستئجار قريبٌ، والتسخير بعيد، وبتقدير أن يَجُوز ذلك فيَجُوز أن يأخذ الأجرة ممَّن يراه من الأغنياء، ويستأجر بهالأولو قال الجاني: اقْتَصَّ من نفْسِي، ولا أُؤَدَّي الأجرةَ، فهَلْ يُمكن؟ فيه وجهان:
[ ١٠ / ٢٦٨ ]