وَدِيَةُ النَّفْسِ الكَامِلَةُ عِنْدَ الخَطأَ مَائَةٌ مِنَ الإبلِ مُخَمَّسَةَ، عِشْرُونَ بنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنُ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، ثُمَ تَعْتَرِيهِ أَرْبَعُ مُغَلَّظَاتٍ، وَهِيَ الوُقوعُ فِي حَرَم مَكَّةَ أمَّا حَرَمُ المَدِينَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، أَوِ الوُقوُعُ فِي الأَشْهُرِ الحُرُم وَهِيَ ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، وَمُصَادَفَتُهُ ذَا رِحَم مُحْرمٍ، أَوْ كَوْنُهُ عَمْدًا أَو شِبْهَ عَمْدٍ، وَلَوْ رَمَى مِنَ الحَرَمِ إِلَى الحِلِّ أَوْ مِنَ الحِلِّ إلى الحَرَمِ تُغَلَّظُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدية بَدَلٌ نفس الحر أو أطرافه، والجمع: دِيَات، ويقال: وَدَيْتُ القَتِيلَ، أَدِيهِ دية [إذا أَدَّيْتَ] (٢) ديته، فالدية اسْمٌ للمال، ومَصْدَرٌ.
والإجماع منعقدٌ على تعلّق الدِّيَة بالقَتْلِ؛ قال الله تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً
_________________
(١) مفردها دية: وهي المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيما دونها وأصلها ودية بوزن فعله والهاء بدل من فاء الكلمة التي هي واو إذ أصلها ودية مثشقة من الودي وهو دفع الدية كالعدة من الوعد، تقول أوديت القتيل أدية وديًا ودية: أي أديت ديته. والأصل فيها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله -ﷺ-. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فدلت هذه الآية على إيجاب الدية في موضعين، وعلى إيجاب الكفَّارة في ثلاثة مواضع. ومن السنة ما رواه الشَّافعي ﵀ عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أنَّه قال: كان في الكتاب الذي كتبه النبي -ﷺ- لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن. وفي النفس مائة من الإبل. فقد دل الكتاب والسنة على ذلك، والقتل على ثلاثة أضرب: عمد محض وخطأ محض وشبه عمد. قال البندنيجي: وربما قيل عمد الخطأ وكلاهما واحد.
(٢) في أ: أديته.
[ ١٠ / ٣١٣ ]
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وعن رسول الله -ﷺ- أنَّه كتب لعمرو [بن حزم] (١) كتابًا إلى أهل اليمن فيه ذكر الفَرَائض والدِّيَات (٢)، والكتاب يشتمل على ذكْر دِيَةِ الشخْص المستقل (٣)، ودية [الجنين] (٤) ويحتاج في كلِّ واحدٍ من النوعَيْن إِلى معرفة الواجب، والمُوجب، والواجب عليه؛ إِلا أَن النَّظَر فيها لا يطول في النَّوْع الثَّاني، فجَعَلَ النوع الثاني بأطرافه قِسمًا عديلًا للأطراف الثَّلاثة من النوع الأول، وجَعَل نَظْم الكتاب في أربعة أقسام:
الأول: في الواجب، يَعْني من النوع الأوَّل، وفيه بابان:
الباب الأول: في بَدَلِ النَّفْسِ، ويتعلَّقُ بقتل الحُرِّ المُسْلم (٥) مائة من الإِبل، فعن أبِي بَكْرِ بن محمد بن عَمْرو بن حَزْمٍ عن أبيه عن جَدّه -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: "كَتَبَ إلى أهلِ "اليمن" أَنَّ في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مَائَةً مِنَ الإِبِلِ"، وهذه المائة تجب إِذا كان القتل خطأً مُخَمَسَّةً؛ عشْرُونَ منها بِنتُ مَخَاضٍ، وعشرون بنت لَبُون، وعشرونَ ابنُ لَبُونٍ، وعشرون حِقَّةٌ، وعشرون جَذَعة، وبه قال مالك، وأبدل (٦) أبو حنيفة ابني اللَّبُون بابني المَخَاض، وبه قال أحمد.
وعَنِ ابن المُنْذِرِ مثله، واحتج الأصحابُ بما روي عن ابن مسعود -﵁- أن النبيَّ -ﷺ- قَضَى في دية الخَطَأ بمائَةٍ من الإبل، وفصَّلَهَا على ما ذكرنا، ويُرْوَى ذلك موقوفًا عن ابن مسعود، وعن سليمان بن يسار: أنهم كانُوا يَقُولُونَ: دِيَةٌ الخَطَأ مَائَةٌ مِنَ
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) تقدم.
(٣) في ز: المستعمل.
(٤) سقط في ز.
(٥) قال الأذرعي: كان ينبغي للشيخ المصنف أن يقول المضمون ليخرج ما سبق في قتل الزاني المحض وتارك الصلاة والصائل وقال الشيخ البلقيني في تصحيح المنهاج: محل إيجاب المائة في قتل الحر المسلم المضمون إذا لم يكن في تاتله رق، فإن كان رقيقًا أو مبعضًا لم يكن في قتل الحر المسلم حينئذ مائة من الإبل بل الواجب إذا قتله رقيق لغيره أقل الأمرين من قيمة الرقيق والدية على أظهر القولين، وكذا مكاتب غيره ومكاتب نفسه فهذا كانت القيمة أقل من الدية لم تجب الدية. وأما المبعض المملوك باقيه لغير القتيل فإنه يجب على المبعض لجهة الحرية القدر الذي يناسب الحرية من نصف أو ثلث. وأما القدر الرقيق فيتعلق بقدره أقل الأمرين من الحصة من الدية والحصة من القيمة، فإذا كانت الحصة من القيمة أقل فهو الواجب، وأما إذا كان القاتل عبد القتيل فلا يجب عليه شيء من المال ولا يتعلق به، ولو كان مرهونًا على المهر ولا ترد هذه على المصنف لأن الكلام حيث كان القتل مضمونًا على القاتل بالمال وههنا لا ضمان لأن السيد لا يثبت له على سيده شيء.
(٦) في ز: وبَدَّل.
[ ١٠ / ٣١٤ ]
الإِبِلِ (١)، وفَصَّل ذلك، وقد يطرأ ما تُغَلَّظُ به المائة الواجبة، وهي أربعة أسباب:
أحدها: أن يقع الْقَتْلُ في حرم "مكة"، فيتغلَّظ به الديةُ، وإن كان القتْلُ خطأً، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- كيفية التغليظ، ولا فَرْقَ بين أن يكون القاتلُ والمقتولُ معًا في الحَرَمِ، وبين أن يكون أحدُهما فيه، كما في جزاء الصَّيْدِ (٢). وفي حرم "المدينة" وجهان:
أظهرهما: أن وُقُوع القَتلِ فيه لا يقتضي التغليظ، وهما مبنيان على الخِلاَفِ في صَيْدها. ومنهم من لا يُطلِقُ الخِلاَفَ، وخَصَّص التردد بما إِذا قلنا: إن قاتلَ الصَّيْد فيها تُسْلَبُ ثيابه، وهل تتغلَّظ الدية بوقوع القَتْلِ في الإحرام فيه قولان:
أحدهما، وبه قال أحمد: نعم؛ لأنه سَبَبٌ يجب به جزاء الصَّيْد، فيتغلَّظُ به كالحَرَم، وحُكِيَ هذا عن ابن القَاصِّ.
وأصحُّهما: لا؛ لأن حرمة الإحْرام عارضةٌ غَيْرُ دائمةٍ، ولم يَرِدْ فيه من التغليظ ما وَرَدَ في القَتْل في الحَرَم، ورُوِيَ أنَّه -عليه السَّلاَمُ- قال: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- ثلاثة (٣) رَجُلٌ قَتَلَ في الَحَرَمِ، وَرَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَرَجُلْ قَتَلَ بذحل الجَاهليَّة.
_________________
(١) أخرجه أحمد وأصحاب السنن والبزار والدارقطني والبيهقي، من حديث ابن مسعود مرفوعًا، لكن فيه: بني مخاض، بدل: ابن لبون، وبسط الدارقطني القول في السنن في هذا الحديث، ورواه من طريق أبي عبيدة عن أبيه موقوفًا، وفيه: عشرون بني لبون، وقال: هذا إسناد حسن، وضعف الأول من أوجه عديدة، وقوى رواية أبي عبيدة بما رواه عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود على وفقه، وتعقبه البيهقي بأن الدارقطني وهم فيه، والجواد قد يعثر، قال، وقد رأيته في جامع سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن عبد الله، وعن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله، وعن عبد الرحمن بن مهدي عن يزيد بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله، وعند الجميع: بني مخاض، قلت: وقد رد على نفسه بنفسه، فقال: وقد رأيته في كتاب ابن خزيمة وهو إمام من رواية وكيع عن سفيان، فقال: بني لبون كما قال الدارقطني، قلت: فانتفى أن يكون الدارقطني غيره فلعل الخلاف فيه من فوق. قاله الحافظ في التلخيص.
(٢) قال الشيخ البقيني في التصحيح: يلتحق بذلك ما إذا جرحه وهما في الحرم فخرج المجروح إلى الحل ومات. ذكره في المطلب. ولا يلتحق به ما إذا جرحه وهما في الحل ثم مات المجروح في الحرم قال الشيخ أيضًا: الإلحاق بالصيد أنَّه لو رمى من الحل فأصاب إنسانًا في الحل وقطع السهم في مروره هواء الحرم أنَّه يغلظ على الأصح كما صححوا في نظيره في صيد الحرم، ولو قتل إنسانًا خطأ بعضه في الحرم أنَّه يغلظ الدية. ثم قال الشيخ بعد ذلك: وعندي أن إلحاق التغليظ في قتل الخطأ بالصيد بعيد، وأن الاعتبار بأن يكون القتل أو الجرح في الحرم سواء كان القاتل أو الجارح في الحرم أو لم يكن في الحرم ولا أثبت التغليظ في ذلك إلى أن قال: وهكذا إلى أن رمى وهو في الحل بسهم إلى شاخص في الحل فمر السهم في هواء الحرم وأصاب في الحل إنسانًا، فإن الواجب دية مخففة بالتخميس قطعًا.
(٣) أخرجه أحمد وابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه الدارقطني والطبراني والحاكم من =
[ ١٠ / ٣١٥ ]
والثاني: أن يقع في الأَشْهرِ الحُرُم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم، ورَجَب، ثلاثة سردًا وواحدٌ فردًا؛ وذلك لِعَظَم حُرْمتها؛ ولا يُلْحَقُ بها شَهْرُ رمَضَانَ.
والثالث: أن يصادف القَتْل قريبًا مُحْرِمًا، وهل تَتَغلَّظ الدية بالقَرَابَةِ دون المحرمِيَّة؟ فيه وجهان عن القَفَّال، واختاره الشَّيخ أبُو محَمَّدٍ، والقاضي الرُّويانيُّ: أنها تتغلَّظُ؛ لما فيه من قَطِيعَةِ الرحم، وتأكيد الحُرْمة. وقال الأكثرون: لا تتغلَّظ؛ لِمجرَّدِ القَرَابة، ويعتبر معها المحرمية، وقد رُوِيَ عن عُمَر -﵁- ما يدلُّ عليه، ويُشعِرُ به، ولا تُلْحَقُ حرمة الرَّضَاع، والمُصَاهرة بُحْرمَةِ النَّسَبِ في هذا الباب.
وعند أبي حنيفة ومالك: هذه الأسباب الثلاثة لا تقتضي التَّغليظَ، ويميلُ الأصحاب للمذهب بالآثار عن عمر، وعثمان، وابن عباس -﵃- وادَّعوا فيها الاشتهار، وحصول الاتفاق.
والرابع: إذا كان القتل عمدًا أوْ شبه عمد، تغلَّظَتِ الدية، ويُسَمَّى شبهُ العَمْدِ عمدًا خَطَأً أيضًا، وقد رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -﵁- أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قال: "أَلاَ إِنَّ في قَتْلِ العَمْدِ الخَطَأ بِالسَّوْطِ، والعَصَا مَائَةً مِنَ الإِبِلِ مُغَلَّظَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا" (١). ويجوز أن يُعلَّم قوله في الكتاب: "أو شِبْه عَمْدٍ" بـ"الميم"؛ لأن المشهور عن مالك: أن القَتْل إما عمدٌ مَحْضٌ، أو خطأٌ مَحْضٌ، ونفي شبه العمد.
وقوله: "وعِشْرُونَ ابن لَبُونٌ معلم بـ"الحاء" والألف والواو"، وقوله: "الوقوع في حرم مكة معلم بالحاء والميم". وقوله: "والوقوع في الأشهر الحرم".
وقوله: "أو مُصَادفته ذا رحم محرم" بالواو وقد بَيَّنا وجوهها.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي دَارِ الحَرْبِ عَلَى زِيِّ الكُفَّارِ وَلَم يَعْلَمْ إِسْلاَمَهُ فَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى قَوْلٍ وَلَكِنْ دِيَةُ العَمْدِ أَوْ دِيَةُ شِبْهِ العَمْدِ أَوْ دِيَةُ الخَطأ المَحْضِ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَكَذَا إِذَا رَمَى إِلَى مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الإصَابَةِ، وَيَجْرِي هَذَا الخِلاَفُ فِي كُلِّ قَتْلٍ عَمْدٍ مَحْضٍ صَدَرَ عَنْ ظَنٍّ فِي حَالِ القَتِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيظهر في الفصل التالي (٢) لهذا الفَصْل أن شبه العَمْد في التغليظ
_________________
(١) = حديث أبي شريح، ورواه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة بمعناه، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس مرفوعًا: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ فى الإِسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه. قاله الحافظ في التلخيص.
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي، وقد تقدم في باب ما يجب فيه القصاص. قاله الحافظ في التلخيص.
(٣) في ز: الثاني.
[ ١٠ / ٣١٦ ]
والتخفيف على مرتبة (١) متوسِّطة بين العَمْد والخطأ.
وفي الفصل صورتان، [و] قد سبق أصلهما، والغَرَضُ الآن الكلام في أنَّ الدية إن وجبت فيهما (٢)، فمن أي قبيل هي؟
إحداها: إذا قَتَل في دار الحرب مسلمًا وجدُوه على زَيِّ الكُفَّار، وظنَّه كافرًا، فقد سبق أن في وجوب الدِّيَةِ فيه قولين:
أصحُّهما: المنع، وإذا قيل: بوجوبها، فمحصول المَنْقُول في كيفيتها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الدية الواجبة دِيَةُ العَمْد؛ لأنه قتله متعمدًا
والثاني: دية شبه العَمْدِ؛ لأنه، وإن تعمد القَتْل، لم يقصد قتل المسلم، فأشبه ما إذا ضربه بما لا يَقْتُلُ غالبًا.
والثالث: دية الخَطَأ المَحْضِ؛ لأنه معذور في القَتْل، جاهلٌ بالحال.
والثانية: إذا رمى إلى مرتد أو حربي، فأسلم، ثم أصابه السَّهم ومات، ففي وجوب الدية خلاف قَدَّمناه، والأصح وجوبها، وفي كيفيتها الوجوه الثلاثة، وهذه الصُّورة أولى بأن تلحق بالخطأ؛ لأنه لم يكن معصومًا عند الرمي، ويشبه أن يكون هو الأظهر لما ذكرنا أن الإِمام رأى القطع به فيما إذا جرح مرتدًا أو حربيًا فأسلم ثم مات، لكن في كتاب القاضي ابن كج أنَّه إذا أصاب سهمه من أسلم وكان مرتدًا عند الرمي، لم يكن قصد إلى رميه تكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأنهم يقولون: إنك لما أرسلت السَّهْم كان المرميُّ مُهْدرًا، لا يلزمنا في قَتْلِهِ شيْء، ومن نُوجَب الدِّية في ماله، إذا لم يقْصِد الرمي إليه، فأولى أن نوجبها في ماله إذا قصد، ولو رمى إلى شخص (٣) ظنه شَجَرًا أو ظَبْية، وكان إنسانًا، فالظاهر، وبه قطع الشيخ أبو محمد: أنَّه خطأ مَحْض، كما لو رمى إلى سعيد، فعرض في الطريق إنسان، أو مرق (٤) منه فأصاب إنسانًا، وقربه الإِمام من مسألة الرُّمْي إلى من ظنه كافرًا في دار الحرب [فكان] (٥) مسلمًا، تنزيلًا لظنْ كونه شجرًا منزلة ظن كَون الرجل حَرْبيًا، ويوافق هذا لفظ الكتاب حيث قال: "ويجري هذا الخلاف في كل قَتلٍ عمد مَحْض صدر عن ظن في حال القَتْل".
قال الغَزَالِيُّ: وَالدِّيَةُ يَتَغَلَّظُ فِي العَمْدِ مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: التَّخْصِيصُ بِالجَانِي وَالتَّعْجِيلُ والتَّثْلِيثُ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا
_________________
(١) في ز: مؤنة.
(٢) في ز: فيها.
(٣) في أ: شاخص.
(٤) في ز: فوق.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣١٧ ]
أَوْلادُها، وَفِي الخَطَأِ يَتَخَفَفَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ إِذْ تَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ مُؤَجَّلةَ إِلَى ثَلاَثِ سِنِينَ مُخَمَّسَةٍ، وَفِي شِبْهِ العَمْدِ تَجِبُ علَى العَاقِلَةَ مُؤَجَّلَةً مُثَلَّثَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدية في القَتْلِ العمد تتغلّظ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تجب على الجاني، ولا تتحمَّلُها العاقلة.
والثاني: أنها تجب حالة مُعَجَّلة، والوَجْهَان قياس إبدال المتلفات (١).
والثالث: أنها تجب مثلّثة ثلاثون منها حِقّة، وثلاثون جَذَعَة، وأربعون خلفة، والخَلِفَةُ: الحامل (٢)، ويسمى هذا الوجه الثالث تغليظًا بالسن.
واحتج بأن النبي -ﷺ- أوجب في الخبر الذي مر (٣) من الخلفات في شبه العمد، فإذا وجبت في شبه العَمْدِ تغليظًا، فلأن تجب في العمد كان أولى.
وأيضًا ففي بعض الشروح أنَّه روي عن عبد الله بن عُمَرَ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا سُلِّمَ إِلَى أوْليَاءِ القَتِيلَ فَإنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أَحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ، [وَالعَقْلُ]: ثلاثون حِقَّة وثلاثون جَذَعة وأربعون خَلِفَةِ فِي بُطُونِهَا أوْلاَدُهَا" (٤).
ولا فرق في ذلك بين أن يكون العَمْد موجبًا للقصاص، فيعفى عنه، ويعدل إلى الدية، وبين ألاّ يكون موجبًا للقصاص كقتل الوالد ولده، وفي الخطأ تتحقق الدية من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تكون عن العاقلة.
والثاني: أنها تكون مؤجّلة في ثلاث سنين، وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله -تعالى- في القِسْمِ الثالث من الكتاب.
والثالث: أنها تجب مخمّسة على التفصيل الذي سبق، وفي شبه العمد بتخفيف من وجهين الوجوب على العاقلة، وكونها مؤجلة، ولكن تتغلّظ من حيث إِنها تجب
_________________
(١) في ز: التلفات.
(٢) ولم يجزم الرافعي بذلك بل جاء في الحديث أربعون خلفة في بطونها أولادها فقتل هو باليد محض وليست الخلفة إلا التي في بطونها أولادها وقيل اسم الخلفة يقع على الحامل التي ولدت معها ولدها. انتهى.
(٣) في ز: الحد الذي.
(٤) أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في حديث. (تنبيه) وقع في الأصل ابن عمر، والصواب عبد الله بن عمرو، وهو ابن العاص. قاله الحافظ في التلخيص.
[ ١٠ / ٣١٨ ]
مُثَلَّثة لما قدمنا من الخبر. هذا ظاهر المذهب.
وحكى القاضي ابن كَجّ، وأبو الفرج السَّرَخسي وجهًا أن بدل شبه العَمْدِ لا تحمله العاقلة؛ لأنها دية مغلّظة بإِيجاب الخلفات، فأشبهت دية العَمْدِ المَحْض.
وروى بعضهم هذا قولًا مخرجًا عن ابن القَاصّ، ووجه المذهب بما روي أن امْرَأَتَيْنِ (١) اقتتلتا، فضربت إحداهما الأُخرى بعَمُودٍ فُسْطَاط، فماتت، فقضى رسول الله -ﷺ- بِالدِّيَةِ على عَاقِلَتِها (٢). وعند أبي حنيفة: أنها إِذا أوجبت الدية في العمد كقتل الوالد ولده تكون مؤجّلة على القَاتِلِ في ثلاث سنين. وعند مالك: الدِّية في العمد، وشبه العمد تجب أرباعًا بخمسة وعُشرون بنت مخاض، وخمسة وعشرون بنت لبون، وخمسة وعشرون حقّة، وخمسة وعشرون جذعة، ولا يجب الخلفات بحال.
لنا: حديث العمد والخطأ على ما تقدم، وأيضًا فعن عُبَادة بن الصَّامت -﵁ - أن النبي -ﷺ- قال: "أَلاَ إِنَّ فِي الدِّيَةِ العُظْمَى مَائَةً مِنَ الإبِلِ أَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا". وعن أحمد رواية كقوله (٣)، ورواية كقولنا.
والقتل الخطأ في الحرم، وفي الأشْهر الحرم والمصادف للمحرمِ دِيَتُهُ كَدِيَةِ شبه العَمْدِ تكون على العَاقِلَةِ مؤجلة (٤)، لكن مثلّثة، وإنما تجتمع التخفيفات (٥) من الوجوه الثلاثة في الخطأ إذا وقع في غير (٦) هذه الأحوال.
واعلم أن الدية المخمّسة يرجع تفاوت أقسامها إلى السن إلا في بَنَات اللَّبُون فإن تفاوتها يرجع إلى الذكورة والأنوثة، والتخميس في هذه الدية حاصل بأقسام مُتَعَادلة، والتثليث في الدية المثلثة غير حاصل على التعديل.
وأما النسبة المخفّفة فيها بالاعتبار بثلاثة أعشارها حِقَاق، وثلاثة أعشارها جِذَاع، وأربعة أعشارها خَلَفات، وهذا ظاهر عند التأمل، وقد قال الإِمام: ويراعي القسمة المذكورة في الدية المغلّظة والمخفّفة في دية المرأة [ودية الأطراف والجراحات فتجب في دية المرأة] (٧) إذا كان القتل خطأ عشر بنات مخاض، وعشر بنات لبون، وهكذا إلى آخر الأقسام وإذا كان عمدًا، أو شبه عمد وجبت خَمْسَةَ عَشَرَ حقةً، وخمسة عشر جَذَعَة، وعشرون خلفة، وكذا حكم دية اليد.
_________________
(١) في أ: ضرتين.
(٢) متفق عليه مطولًا من حديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة.
(٣) في ز: كقولهما.
(٤) في ز: منوطة.
(٥) في ز: التحقيقات.
(٦) في ز: عند.
(٧) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣١٩ ]
وفي المُوَضّحة إذا كانت خطأ بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقّة، وجذعة. وإذا كانت عمدًا، أو شبه عَمْد حقّة ونصف، وجذعة ونصف، وخَلَفتان.
وفي قطع الأُصبع إذا كان خطأ ابنتا مَخَاض، وابنتا لبون، وابنا لَبُون، وحِقّتان، وجذعتان. وإذا كان عمدًا، أو شبه عَمْد ثلاث حِقَاق، وثلاث جِذَاع، وأربع خَلَفات، وعلى هذا القياس. بدل العبد (١) الدراهم والدنانير فلا مَدْخل فيها للتغليظ، كما في سائر الأموال.
وليعلم لما بينا قوله في الكتاب في دية العَمْد والتعجيل بـ"الحاء" والتثليث بـ"الحاء" و"الميم" و"الألف". وقوله في شبه العمد "على العاقلة" بـ"الواو". وقوله: "لكن مثلثة" (٢) بـ"الحاء" و"الميم" و"الألف".
وقوله: "أربعون خلفة في بطونها أولادها" مجرى على مُوَافقة الخبر المشهور في الباب، واختلفوا في قوله: "في بطونها أولادها".
فقيل: هو تأكيد مَحْض، وليست الخَلِفَة إلا التي في بطونها أولادها.
وقيل: اسم الخَلِفَة يقع على الحامل، وعلى التي ولدت، وولدها يتبعها، وأراد تبيين أن الواجب (٣) الحامل، ويجوز أن يقال: هو تفسير الخلفة.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُؤْخَذُ مَعِيبُ، وَالخِلْفَةُ تُعْرَفُ بِقَوْلِ أَهْلِ البَصِيرَةِ، فَإِنْ أَخْطَؤُوا اسْتَدْرَكُوا، وَأَمَّا الصِّنْفُ فَيُرَاعِي إِبِلُ البَلَدِ أَوْ أَقْرَبِ البُلْدَانِ إلَيهِ، فَإِنْ كَانَ إبْلُ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ يُخَالِفُ إبِلَ أَهْلِ البَلَدِ فَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ فَإنْ كَانَتْ مَعِيبَةَ فَهِيَ كالمَعْدُومَةِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ في القُطْرِ رَجَعَ إِلَى قِيمَةِ الإِبِلِ، وَفِي القَدِيمُ يُرْجَعُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإذَا تكرَّرَ أَسْبَابُ التَّغلِيظُ لَمْ يتَكَرَّرِ التَّغْلِيظُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: لا يؤخذ في الدية معيب، ولا مريض إِلاّ أن يرضى المستحقّ، ولا فرق بين أن يكون إبل من عليه معيبة أو مريضة، أو لا تكون كذلك، بخلاف الزَّكاة حيث يؤخذ من المِرَاض المريضة؛ لأن الزكاة تتعلّق بعين المال، والدية في الذِّمة، فيعتبر المؤدّي السلامة كالمسلم فيه، والرّقبة في الكَفَّارة، لكن الدية عِوَض، فيعتبر فيها السلامة عن العيوب التي تؤثر في المالية، ويثبت الرد في المبيع (٤)، والمقصود في
_________________
(١) في ز: العقد.
(٢) سقط من ز.
(٣) في ز: الواجد.
(٤) في ز: البيع.
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
الكَفَّارة التخليص عن الرق ليستقل (١) المعتق، فيعتبر السلامة عن العيوب التي تؤثّر في العمل، والاستقلال.
الثانية: في الغالب أن النَّاقة لا تحمل حتى يكون لها خمس سنين، وهي الثنية ولو حملت قبل ذلك، فهل تؤخذ، فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الأربعين أحد أقسام الدية، فيختص بالسِّنّ كالقسمين الآخرين، ولأن الحمل قبل (٢) ذلك مما يندر، ولا يوثق (٣) به.
وأصحُّهما: القبول؛ لأنه ليس في الخبر إِلا اعتبار (٤) الخلفة، وإذا جاء من عليه الدية بناقة ليسلمها، أو قال: هي خَلِفة، وأنكر المستحق، فيرجع فيه إلى عَدْلَين من أهل الخبرة، ويعمل بقولهما، وإذا أخذت بقول [أهل] (٥) الخبرة، أو بتصديق الجاني، فماتت عند الولي، وتَنَازعا في العمل شق بطنها ليعرف (٦) الحال، فإن تبين أنها لم تكن حاملًا غرمها الولي، وأخذ مكانها خَلِفة. وعن القاضي ابن كَجّ وجه آخر أنَّه يأخذ أرش النقصان، ويكتفي به.
والظاهر: الأول كما لو خرج المسلم فيه على غير الصفة المشروطة، ولو صادفتا النَّاقة المأخوذة حائلًا، وقال الولي: لم يكن بها حمل، وقال المؤدي: أسقطت عندك (٧)، فإن لم يحتمل الزمان الإسقاط ردّت وَطُولب بخلفة بَدَلها، وإن احتمل فينظر إن أخذ (٨) بقول الجاني، ولم يراجع أهل الخبرة، فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنّ الأصل عدم الحمل، وإن أخذ بقول أهل الخِبْرَة بعد مراجعتهم ففيه وجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأصحُّهما: وبه قال الربيع أن القول قول المؤدّي لتأيد قوله بقول أهل الخبرة، واجتهادهم، فكأنهم (٩) شهدوا، وحكمنا بشهادتهم.
وعن أبي الحسين بن القَطَّان القَطْع بهذا الوَجْه الثاني.
الثالثة: من لزمه الدِّيَة من الجاني والعاقلة فإما ألا يملك إبلًا أو يملك.
الحالة الأولى: إذا لم يكن له إبل، فعليه تحصيل الواجب من غالب إبل البلدة،
_________________
(١) في ز: استقل.
(٢) في ز: فصل.
(٣) في ز: يؤثر.
(٤) في ز: اختيار.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: سبق بظنها ليعلم.
(٧) في ز: عنك.
(٨) في ز: أخذت.
(٩) في ز: وكانوا.
[ ١٠ / ٣٢١ ]
أو القبيلة إن كان من أهل البادية الدين ينتقلون بإبلهم ولا يقيمون في بَلْدة، ولا ناحية، ودفعه إلى المستحق، فإن تفرقت العاقلة في البُلْدَان، أو القبائل أخذت حصة (١) كل واحد منهم من غالب إِبِلِ بلدته، أو قبيلته.
قال أبو الفرج الزاز: وهذا لا يتحقق تصويره في تفرق الآحاد، فإن الواجب على واحد منهم لا يبلغ ما يؤخذ به الإبل، وإنما يظهر التصوير إِذا كان بطنٌ (٢) في بلدة أو قبيلة، وبطنٌ في أخرى وإن لم يكن في البلدة أو القبيلة إبل، أو كانت بعيدةً اعتبر إبل (٣) أقرب البلاد، وعليه النقل إن قربت المسافة، وإن بعدت وعظمت المُؤْنة والمَشَقّة لم يلزم، وسقطت المُطَالبة بالإبل، وبم يضبط القرب والبعد؟
أشار بعضهم إلى رعاية مَسَافة القَصْر، فجعلها وما فوقها في حَدّ البعد.
وقال الإِمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع الغرّة لم يلزمه [تحصيلها] (٤) وإلا لزمه.
الحالة الثانية: إذا كانت له إبل ينظر إن كانت إبله من غالب البَلْدة أو القبيلة فذاك، وإن كانت من صنف آخر فوجهان:
الذي أورده الأكثرون من العراقيين وغيرهم أن الدية تؤخذ من لغة الصنف الذي يملكه (٥) مَهْرِيّة كانت أو أرْحبيّة عِرَابًا أوْ بَخَاتَى، ووجه ذلك في العَاقِلَةِ بأنهم [كانوا] يؤدّون ذلك على سبيل المُوَاسَاة، فيعطون ما عندهم كما في الزَّكَاة، وهذا ظاهر نصّه في "المختصر"، فإنه قال: ولا أكلف أحدًا من العاقلة غير إبله.
والثاني حكاه الإِمام عن محققي المَرَاوزة، ورجحه (٦) أن الاعتبار بغالب إبل البلد (٧)؛ لأن الدية عوضٌ متلف، واعتباره بملك المتلف بعيد، ومن قال أراد بقوله: "غير إبله إبل بلدته أو قبيلته" وقد يضاف ما يتعلّق بالبلد، أو القبيلة [إلى] (٨) الواحد من أهلها، ولذلك قال عَقِيْبَ هذه اللِّفظة: وإن لم يكن ببلده إبل كُلِّف إبل أقرب البلدان إليه، ولو أراد بإبله ما يملكه لأشبه أن يقول: ولو لم يكن له، أو في ملكه إبل، ومهما تعين نوع، فلا عدول إلى ما دونه، أو فوقه إلاَّ بالتَّرَاضِي.
_________________
(١) في ز: أحدث.
(٢) في ز: يظن.
(٣) في ز: أنك.
(٤) سقط في ز.
(٥) حاصله أنَّه إذا كانت له إبل أجزأ الأداء منها ولا يتعين غالب البلد وإلا تعين غالب البلد، فعلى هذا ملكه الإبل شرط لإجزاء نوعها لا لتعيينه. وقوله أخذت أيضًا يدل على قبول إبل البلد أيضًا.
(٦) في ز: وحققه.
(٧) في ز: الغالب إبل الدية.
(٨) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٢٢ ]
وإذا كان الاعتبار بإبل الدية، أو القبيلة، فلو كانت إبل الموضع من نوعين أو أكثر ولا غالب فيها، فالخِيَرَةُ إلى المُعْطِي. كذلك حكاه الإِمام وإن اعتبرنا (١) إبل مَنْ عليه، فلو تنوّعت إبله فوجهان:
أحدهما: يؤخذ من الأكثر، فإن استويا (٢) أعطي ما شاء.
والثاني: يؤخذ من كل (٣) يقسطه إلا أن يتبرع فيعطي الكُلّ من الأشرف (٤)، وإن أراد أن يعطي من شيء آخر سوى ما في بلدته أجبر (٥) المستحقّ على القبول إذا كان من غالب إبل البلدة، أو القبيلة. قاله في "التهذيب"، والوجهان مَبْنِيَّان على القولين في الزَّكَاة، إذا تنوع النِّصَاب نوعين فصاعدًا، وإذا كانت الإبل تُبَاع بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ لم يجب تحصيلها، وكانت كالمعدومة (٦).
الرَّابعة: إذا كانت الإبل موجودةً، وعدل من عليه ومستحقّها إلى القيمة أو غيرها بالتراضي جاز كما لو أتلف مثليًّا، وتراضيًا على أَخْذِ القيمة مع وجود المثل (٧)، وقال (٨) صاحب البيان: هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنيًا على أنَّه يجوز الصُّلح عن إبل الدية، وإن أراد أحدهما العدول عن الإبل لم يُجْبَر الآخر عليه. وعن أبي حنيفة إذا عدل الجَانِي إلى الدراهم أو الدنانير المقدرة على ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- وجب على المستحقّ القبول. والدية أحد ثلاثة أشياء: الإبل والدراهم والدنانير.
وعن أبي الطَّيب بن سلمة وغيره أن على القول القديم، وهو الرجوع إلى المقدّر عند إعواز الإبل على ما سنذكر على الأثر إن شاء الله تعالى يتخير الجَانِي بين الثلاثة، كما قال أبو حنيفة.
_________________
(١) في ز: اعتدنا.
(٢) في ز: استوت.
(٣) في ز: يوجد موكل.
(٤) سكت الشيخ عن الترجيح. قال في الخادم: قضية ما ذكره آخرًا من البناء على ترك الزكاة ترجيح الثاني وهو ما قال الروياني في البحر أنَّه الأقيس. وقال ابن أبي عصرون في الانتصار: إنه الأصح لكن جزم في التتمة بأنه لا يكلف ذلك بخلاف الزكاة لأنها واجب للمال.
(٥) في ز: أخذ.
(٦) في ز: كالمقدومة.
(٧) الأصح عدم صحة الصُّلْح عن إبل الدية، فعلى هذا فالمذكور على وجه مرجوح. قال الأذرعي في القوت: صرح إبراهيم المروذي في باب الصُّلْح بالبناء الذي أبداه العمراني تفقهًا وحمل صاحب المطلب المذكور هنا على أن يكون في حال العلم مع العلم بأسنانها ومقاديرها، فإن الغزالي في كتاب الصُّلْح قال في هذه الحالة أنَّه يصح جزمًا، وحكى الخلاف في حالة الجهل بالصفة، ولم يرتض الشيخ البلقيني ما ذكره في المطلب.
(٨) في ز: وأن.
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
وفي "الشامل" حكاية مثله عن أحمد، وزاد فقال: الدية ستة أصول الإبل والدراهم والدَّنانير، وسيأتي إن شاء الله -تعالى- تقديرهما ومائتا بقرة ومائتا حلة وألفا شاة، والمراد من الحلّة غالب لباس العرب إزار ورداء (١)، وبه قال أبو يوسف ومحمد ويروى عن أحمد طَرْح الحلل، واحتجّ الأصحاب لتعيين الإبل بظاهر قوله -ﷺ-: "في النفس (٢) مَائَةٌ مِنَ الإِبِلِ"، وقوله -﵇- في قتيل السّوط والعصا: "مائَة مِن الإِبِلِ".
أما إذا لم توجد الإبل في الموضع الذي يجب تحصيل الإبل منه، أو كانت توجد بأكثر من ثمن المِثْلِ، فالرجوع إلى ماذا؟ فيه قولان:
القديم: وبه قال مالك أنا نرجع إلى بَدَلٍ مقدر، وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم (٣) لما روي عن مكحول وعطاء قالا: أدركنا النَّاس على أن دية الحرّ المسلم على عَهْدِ رسول الله -ﷺ- مائة من الإبِلِ، فقوّمها عمر -﵁- بألف دينار أو اثني عشر ألف درهم (٤). وروي أنَّه -﵇- قضى في الدِّيَةِ بألف مِثْقَالٍ، أو اثني عشر ألف درهم (٥). وعند أبي حنيفة: الدَّراهم مقدّرة عشرة آلاف.
وذكر القاضي ابن كَجّ أن أبا الحسن حكاه وَجْهًا لبعض الأصحاب، ويدل على
_________________
(١) في ز: أن أوردوا.
(٢) في ز: البقر.
(٣) مع القدرة على الإبل وليس كذلك كما ذكره في الخادم، وذكره في الخادم وذكره أيضًا غيره بل عند التقديم لا يترتب إيجاب النقد على عدم الإبل لم يجب ابتداء مع وجودها.
(٤) أخرجه الشَّافعي عن مسلم عن عبيد الله بن عمر عن أيوب بن موسى عن ابن شهاب، وعن مكحول وعطاء به، والواقدي، ورواه البيهقي وروي أيضًا من طريق الشَّافعي عن مسلم عن ابن جريج قال قلت لعطاء: الدية الماشية أو الذهب؟ قال: كانت الإبل حتى كان عمر، فقوم الإبل عشرين ومائة، كل بعير، فإن شاء القروي أعطاه مائة مائة، ولم يعطه ذهبًا، كذلك الأمر الأول، وفي المراسيل لأبي داود من طريق ابن إسحاق عن عطاء أن رسول الله -ﷺ- قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، ثم أسنده من طريق أخرى عن ابن إسحاق عن عطاء عن جابر مرفوعًا. قاله الحافظ في التلخيص.
(٥) أما قضاؤه في الدية بألف دينار فهو في حديث عمرو بن دينار الطويل وأما قضاؤه في الدية باثني عشر ألفًا، فهو حديث ابن عباس بعينه وقد رواه أصحاب السنن من حديث عكرمة، واختلف فيه على عمرو بن دينار، فقال محمد بن مسلم الطائفي عنه عن عكرمة هكذا، وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار مرسلًا، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: المرسل أصح، وتبعه عبد الحق، وقد رواه الدارقطني من حديث محمد بن ميمون عن ابن عيينة موصولًا، قال محمد بن ميمون، وإنما قال لنافيه ابن عباس مرة واحدة، وأكثر ذلك وإن يقول عن عكرمة، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلًا، قال ابن حزم: وهكذا رواه مشاهير أصحاب ابن عيينة. قاله الحافظ في التلخيص.
[ ١٠ / ٣٢٤ ]
التقدير الأول ما روي عن ابن عباس -﵁- أن رَجُلًا قتل على عهد رسول الله -ﷺ- فَجَعَلَ ديته اثني عشر ألف درهم.
والجديد: أنّ الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت لما روي عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه -﵃- أن النبي -ﷺ- كان يُقَوِّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رَفَعَ في قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها (١)، وهذا ما اختاره المُزَنِيّ، وادعى أن القديم مرجوع عنه.