قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي وَاجِبَاتِ النفَقَةِ وَهِيَ سِتَّةٌ: الوَاجِبُ الأَوَّلُ الطَّعَامُ وَهُوَ مُدُّ (ح م و) عَلَى المُعْسِرِ، وَمُدَّان (ح م و) عَلَى المُوسِرِ، وَمُدٌّ وَنِصْفٌ (ح م و) عَلَى المُتَوَسِّطِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الكِفَايَةُ (ح م ز)، وَلاَ يُعْتَبَرُ حَالُ المَرْأَةِ (ح) في مَنْصِبِهَا، وَالمُعْسِرُ هُوَ الَّذي لاَ شَيْءَ لَهُ وَهوَ المِسْكِينُ الَّذِي يَأْخُذُ سَهْمَ المَسَاكِينِ، وَالمُتَوَسِّطُ هُوَ الَّذي لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ لَرَجَعَ إلَى المَسْكَنَةِ، وَمَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ فِهُوَ مُوسِرٌ، وَالمُكَاتَبُ والعَبْدُ مُعْسِرَانِ، وَكَذَا من نِصْفُهُ (ز) حُرٌّ وَنصْفُهُ عَبْدٌ، أمَّا جِنْسُ الطَّعَامِ فَغَالِبُ قُوتِ البَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَا يَلِيقُ بِالزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لوجوب النفقة أسباب ثلاثة: مِلْك النِّكاح، ومِلْك اليَمِين،، وَقَرابة البعضية، والأول والثاني يوجبان النفقة للمملوك على المالك دون العكس؛ لاشتغال المَمْلوك وكَوْنِهِ مَحْبوسًا برقِّه ليتفرَّغ لمالكه، فجبر ما لحقه من التَّعَب بالقيام بمؤنته.
والثالث: يوجب النفقة لكلِّ واحدٍ من الفريقَيْنِ على الآخر لشمول البعضية والشفقة، والأصل في السبب الأول للإجماع؛ فلا خلاف في وجوب نفقة الزوجَاتِ على الأزْوَاج في الجُمْلة، ثم احتج له من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] يقول:
[ ١٠ / ٣ ]
إن خفتم أن لا تعدلوا بيْن النساء، فاقتصروا على واحدةٍ وعلى ما ملكت أيمانكم، فذلك أدنى أن لا تَكْثُر عيالكم، ولا تلزمكم المؤن الكثيرة؛ فدل على وجوب مؤنة العِيَال، وهاهنا كلامان:
أحدهما: اعترضوا على تفسير الشافِعِيّ -﵁- وقالوا: قوله: "أَلَّا تَعُولُوا" معناه ألا تَجُورُوا؛ لئلا تكثر عيالكم، يقال: عال إذا جار، وأعال إذا كَثُرَ عياله، وأجيب عنه بأن ما ذكره الشافعيُّ -﵁- منقولٌ من جِهَة الأثر عن زيد بن أَسْلَمَ -﵀- ومن جهة اللُّغَة عن الكسائيِّ -﵀- وإن كان أعال في العيال أكثر.
والثاني: ذكر الشَّافعيُّ -﵁- هاهنا استحبابَ الاقْتصار على امرأة واحدة، وذلك لِعُسْر العدل والتسوية بينهن، والعَجْز عنه قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] وقال الماوردِيُّ: هذا إذا كان تكْفيه الواحدة، ومن لا يقنع بالواحدة لقوة شهوته، فالأَوْلَى به الزيادة؛ ليكون أغضَّ لطرفه.
ومِنَ السنة ما رُوِيَ أن هنْدَ امرأة أبي سفيان جاءت إلى رَسُولِ الله -ﷺ-، فقالت يا رسول الله إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لاَ يُعْطِينِي [من النفقة] مَا يكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا آخُذُ منْهُ سِرًّا، وَهُوَ لاَ يَعلَمُ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوف" (١) واستخرج الأصحاب من الخبر وراء وجوب نفقة الزوجة ووَلَدِها فوائِدَ:
منْها: أنه يجوز للمرأة الخُرُوج من بيتها لتستفتي، وأنَّ صَوْتها لَيْسَ بعورة، وأنه يَجُوزُ لِمَنْ مُنِعَ حَقَّه أن يَشْكُو وَيتظلَّم، وأنه يجوز ذِكْر الغائب بما يسوءه عند الحاجة، فإنها وصَفَتْه بالشُّحِّ، وأنه يجوز لِمَنْ له حقٌّ على غيره، وهو ممتنع، أن يأْخُذ من ماله بغَيْر إذنه، وأنه لا فَرْق بين أن يكون من جنْس حقِّه أو من غير جنسه، وأنه يَجُوز للقاضِي أن يَقْضِي بعلْمِه على الغائب وأجيب عنْهما: بأنه أفتى ولم يَقْضِ، وأن الأم تكون قيِّمة الوَلَد، فإنه جوَّز لها الأَخْذ والإنفاق في حياة الأَبِ، فكذلك بعْد موته، وهذا وجه قد مر في موضعه، وصححه الجُوَيْنِيُّ في "المنهاج" وأفتى به القاضي الرُّويانيُّ، وظاهر المَذْهَب خلافُهُ، وإذا شهد ذلك، فلا بد في نفقة الزوجات من معرفة ما يجب، وأنَّه كيف تُوَفِّي وأنه متى يجب، ومَتَى يسْقُطُ، وأنه إذا عَجَزَ الزوْجُ عن الواجب، ما الذي تعمل؟ فضمن القول في هذه الأمور في ثلاثة أبواب:
أحدها: في قَدْر الواجب وكيفيته.
_________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة، وله عندهما ألفاظ، ورواه الطبراني من حديث عروة بن الزبير عن هند.
[ ١٠ / ٤ ]
والثاني: في الأحوال التي تسقط فيها النفقة.
والثالث: فيمن أعسر، وعجز عن توفية الواجب.
أما الباب الأول: ففيه فصلان:
الفصل الأول: فيما يجب، وهو أنواع:
أحدهما: الطعام؛ أما قدره، فيختلف باختلاف حال الزوج في اليسار والإعسار، ولا يُعْتَبَر فيه الكفاية، ولا يُنْظَر إلى حال المرأة في الزهادة والرغبة، ولا في منصبها وشرفها وتستوي المُسْلمة والذمية والحرة والأمة، واحتج الأصحاب -﵏- لأصل التفاوت بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضُيِّق.
ثم قالوا: وجَدْنا الشرع قد قَدَّر في الكفارات فأكثر ما أوجب فيها للمسكين الواحد مُدَّيْنِ، وذلك في كفَّارة الأذى وأقل ما أوجب للواحد مد واحد، وذلك في كفارة اليمين والظهار والوقاع في نهار رمضان، فاعتبرنا النفقة بهما؛ لأن كل واحدٍ منْهما مالٌ يجِبُ بالشرع وَيَسْتَقِرُّ في الذمة، فأوجبنا على الموسر الأكْثَر، وعلى المُعْسِر الأقلَّ وجعَلْنا المتوسِّط بينهما، وألزمناه مدًّا ونصْفَ مُدٍّ، وقال الإِمام -﵀- ومن نحا نحوه في توجيه المَذْهَبِ: إن نفقة الزوجات ليست على الكفاية كنفقة القريب لأنها تُسْتَحَقُّ في أيَّام مَرَضِها وشبعها، وإذا بَطَلَت الكفاية، حَسُن تقريبها من الكفارات، فالمُدُّ الواحد يَكْتَفِي به الزهيد، ويتبلَّغ به الرغيب والمدان قدر للمتوسِّعين.
والمعتبر مُدُّ النبيَّ -ﷺ- وهو مائَةُ ودِرْهَم وَثَلاثةَ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًَا وثلث درهم (١) والمدان ثلاث مائة درهمٍ وستة وأربعون درهمًا والمد والنِّصفْ مائتا درهمٍ وستون درهمًا. هذا ظاهر المذهب، وما وُجِّه به، وثلثا درهم، ووراءه قولان:
أحدهما: عن رواية الشيْخ أبي مُحَمَّد: أنه يعتبر فيه الكفايَةُ كما في نفقة القَرِيب، وقد يُحْتَجُّ له بما رُوِيَ أنه -ﷺ- قَاَلَ لِهِنْدَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِاَلْمَعْرُوفِ" (٢).
والثاني: عن رواية صاحب "التقريب": أن الاعتماد في قَدْر النَّفَقة على فرض القَاضِي، وعليه أن يَجْتهد، وعند أبي حنيفة، ومالك: أن الاعتبارَ بحَال المرأة، ويختلف القَدْر برغبتها وزهادتها، ويقال: إن النَّظَر عند أبي حنيفة إلى شَرَفِها وضعتها، وعند أحمد: يُنْظَر إلى حال الزوجين جميعًا حتى يَجِبَ على المُوسِر للفقيرة نفقة متوسطة.
والأُمَ يُنْظَرُ في اليَسَار والإعسار والتوسُّط؟ فيه وجوه:
_________________
(١) قال النووي: هذا تفريع منه على أن رطل بغداد مائة وثلاثون درهمًا، والمختار أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، كما ذكرته في باب زكاة النبات.
(٢) تقدم.
[ ١٠ / ٥ ]
أحدها: أنَّ الرجوع فيها إلى العَادَة، وتختلف العَادَةُ باختلاف الأحوال والبلاد، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره.
والثاني: عن القاضي الحُسَيْن: أن الموسر مَنْ يزيد دخله على خرجه، والمُعْسِر من يزيد خرجه على دخله، والمتوسِّط من يستوي دخله وخرجه، وهذا والأول ما أورده صاحب "التهذيب" والثالث عن "الحاوي": أن النَّظَر في هذه المراتب في باب النفقة إلى الكَسْب؛ فَمَنْ يَقْدِر على نفقة المُوسِرِين في حقِّ نَفْسِه وحق من في نفقته من كسبه، لا من أصْل ماله، فهو موسر، ومَنْ لا يَقْدِر على أن يُنْفِقَ مِنْ كسبه، فهو مُعْسِر، والمتوسِّط هو الذي يَقْدِر عَلَى أن ينفق من كسبه نفقةَ المتوسِّطين.
وأحْسَنُها، وهو الذي أورده الإِمام وصاحب الكتاب: أن من لا يملك من المال شيئًا أصلًا، أو يملك من المال مالًا يُخْرِجه عن استحقاق سَهْم المساكِين، فهو مُعْسر، فإنْ مَلَك ما يُخْرِجه عن استحقاق سهم المساكِين؛ فإن كان لا يتأثَّر بتكليف المدين، فهو موسر، وإن كان يتأثر؛ بأن يرجع إلى حد المسكنة أو كُلِّف بدَيْنٍ، فهو متوسِّط، ولا بد في ذلك من النظر إلى الرُّخْص والغَلاَء.
والقُدْرة على الكَسْب الواسع لا يخرجه عن حدِّ الإعسار في النفقة، وإن كانت تخرجه عن استحقاق سهم المساكين (١). يُنْظَر في اليسار والإعسار إلى وقت طلوع الفجر، وهو الوقت الذي يجب فيه تَسْلِيم النفقة، فإن كان مُوسِرًا حينئذ، فعليه نفقة الموسرين لذلك اليوم، وإن أعسر في أثناء النهار. وإن كان معسرًا، لم يلزمْه إلاَّ نفقةُ المُعْسِرِين، وإن أيْسَرَ بعده، ذكَره في "التهذيب".
وإذا كان الزَّوْج عبدًا، فلَيْس عليه إلا نَفَقَةُ المُعْسِرين، وكذلك المكاتَبُ، وإن كثر ماله؛ [لأنه غير أمِّ المِلْك، وفيمن بعْضُه حرٌّ وبعضه رقيقٌ وجهان:
أصحُّهما: أنَّه ليْسَ عليه إلا نفقةَ المُعْسرين؛ لنقصان (٢) حاله، وإن كثر ماله] ببعض الحر.
_________________
(١) قال في الخادم: هذا ما قاله الإِمام والغزالي، وصرح به البغوي في باب نفقة الأقارب لكن في المهذب والبيان وغيرهما من كتب العراقيين أن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال. قال صاحب الذخائر: ومضمونه أنه إذا كان يقدر على الكسب كان كما لو كان يقدر بالمال وأراد بذلك كما قاله ابن الرفعة نفقة المتوسط أو الموسر إن كان كسبه يفي بها وسبق عن الماوردي فيما نقله الرافعي أن اليسار ليس للمال فيه مدخل، وإنما الاعتبار بالكسب. انتهى.
(٢) وذكر قبل الحضانة ما يخالفه فنقل عن البسيط أن الظاهر أنه يلزمه نفقة القريب وهل يلزمه نفقة تامة أو نصفها. قال النووي: أصحُّهما نفقة كاملة لأنه كالحر وتشبيهه بالحر يفهم أنه ينفق على الزوجة نفقة الموسر.
[ ١٠ / ٦ ]
والثاني: وبه قال المزنيُّ: أن عليه ببعضة الحُرِّ نَفَقَةَ المُوسِرِين، إذا كثر ماله كما أنه يخرج صدقة الفِطْر ببعضة الحر بالقِسْط، فعلَى هذا، لو كان نصفُه حرًّا، ونصفه رقيقًا، فعليه مدٌّ ونصفٌ.
وأما جنس الطعام، فغالب قوت البلد من الحنْطَة أو الأَرز أو التَّمْر أو غيرها، حتى يجب الأَقِطُ في حقِّ أهل البوادي الَّذين يقتاتونه وذلك (١) لأن الله تعالى أوجب النفقة والكسوة بالمعروف، ومِنَ المَعْروف أن يطعمها ما يَطْعَمُ أهلُ البلد، وأيضًا، فالواجب في الفطرة والكفارة الجنس الغالب فاعتبرت النفقة بهما، وعن تخريج ابن سُرَيْجٍ -﵀- وجهٌ: أنَّه لا يُنْظَر إلى الغالب، وإنَّما يُعْتَبَر بما يليق بحال الزوج إلحاقًا للجنس بالقَدْر، وإذا قلْنا بالظاهر، فلو اختلف قُوتُ البلد، ولم يَكُنْ غالبًا، وجب ما يليق بحال الزَّوْج.
وأمَّا لَفْظ الكتاب، فقوله: "وهو مد على المعسر" يجوز أن يُعْلَم بالحاء والميم والألف والواو؛ فإنه إذا اعتبرت الكفاية، أو اعتبر حال الزوجين جميعًا، لم يَتقدَّر الواجب، وأيضًا، فقد حَكَى القاضي ابن كج عن ابن خيران وغيره -﵏-: أن النفقة لا تتقدَّر بالمقادير المذْكُورة، ولكن يُتْبَع [فيه] عُرْف الناس في البلد، ويجوز أن تعاد العلاماتُ على لَفْظ المُدِّ، وعلى المد والنِّصْف وعلى قول: "ولا يُعْتَبَر الكفاية"، وكذا قوله: "من نصفه حر" مُعْلَمٌ بالواو والزَّاي.
وقوله: "فغالِبِ قوت البلد" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الثَّانِي الأُدْمُ وَهُوَ مِكْيَلَةُ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، وَرَطْلُ لَحْمٍ فِي الأُسْبُوعِ لِلْمُعْسِرِ، وَرَطْلاَنِ للِمُوسِرِ، وَقِيلَ: يُزَادُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ البِلاَدِ إِذَا كَانَتِ العَادَةُ تَقْتَضِيهِ، وَلَوْ تَبَرَّمَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأُدْمِ فَلَهَا السَّعْيُ فِي الإِبْدَالِ، وَلَهَا أنْ تَأْخُذُ الأُدْمَ وَإِنْ لَمْ تَأْكُلْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الزوج للزوجة الإدام؛ لأنه مأمور بالمعاشرة بالمعروف، وليس من المعاشرة بالمعروف وتَكْليفها الصَّبْرَ عَلَى الخُبْز البَحْث، وجنسه غالب أُدْم البلَدَ من الزيت والشيرج والسمن والتَّمْر والخَلِّ والجُبْن وغيرها (٢)، ويختلف ذلك
_________________
(١) كذا لو كانوا يقتاتون اللبن أو لحم الصيد كما صرح به أبو إسحق المروزي في شرح المختصر وهو قضية قول الشَّافعي في المختصر، وإن كان ببادية فمما يأكل أهل البادية. وقال ابن عبدان: أوجب الشَّافعي لها الحب، وعندي يجب لها الخبز. وحكى القاضي الحسين عن بعض الأصحاب أنه إذا كان الأغلب في بعض البلاد أنهم يطحنون الأطعمة بأيديهم لم يفرض لها إلا الدقيق.
(٢) فهم من ذكره التمر والخل والجبن أنه لا يختصر الأدم في أنواع الدهن، وبه صرح سليم في المجرد والماوردي والقاضي الحسين وغيرهم وكلام ابن الصباغ يقتضي حصر الأدم في الأدهان، قال الأئمة: إن كان بالعراق فالأدم فيه الشيرج والزيت، وبخراسان والحجاز فالأدم السمن أو =
[ ١٠ / ٧ ]
باختلاف الفصول، وقد تغلب الفَوَاكِهُ في أوقاتها، فتجب وقد تَعَرَّض لذلك في "التتمة" والوجه المذكور في جنس القوت أنَّه يُنْظَر إلى عادة الزَّوْج دون الغالب يعود في الإدام أيضًا.
وأما ففي لفظ الشافعيِّ -﵁- مِكْيَلَةُ زَيْتٍ أو سَمْنٍ، ويقال: إنه أراد بها الأوقية قال الأصْحَاب: وإنما أمر بذلك على التَّقْرِيب، ولا يُتَقَدَّر الأُدْم بل هو إلى فرض القاضي واجتهاده، فيَنْظُر في جِنْس الأُدْم، ويُقَدِّر باجتهاده ما يحتاج إليه المُدْمِنُ الطَّعَامِ، فَيَفْرِضهُ على المَعْسِر، ويفرض على المُوسر ضعْفَه، وَيَفْرِضُ [على] المتوسِّط بينهما، ويجب عليه أن يطعمها اللحْمَ أيضًا، وفي كلام الشَّافعيِّ -﵁-: أنه يُطْمِعَها في كل أُسْبُوع رطْلَ لَحْمٍ، وهو محمول على المُعْسِر وعلى المُوسِر رَطْلاَن، وعلى المتوسِّط رطْلٌ ونصْفٌ، واسْتُحِبَّ أن يكون الإعطاء يوم الجمعة، فإنه أَوْلَى بالتوسُّع فيه، [ثم] قال الأكثرون: إنما قال الشافعيُّ -﵁-؛ على عادة أهل مِصْر؛ لعزة اللحْم عندهم يومئذ، فأما حيث يكثر اللحم، فيزاد على عادة أهْل تلْك البلدة، وفصل صاحب "التهذيب" -﵀- فقال: يجب في وقت الرُّخَص على المُوسِر في كل يوم رَطْلٌ وعلى المتوسِّط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المُعْسِر في كل أسبوع وفي وقت الغلاء يجب في أيامٍ مرةً على ما يراه الحاكم، وقال قائلون: وحكاه الشَّيْخ أبو محمَّد عن القَفَّال: أنه لا مزيد على ما ذَكَره الشافعيُّ -﵁- في جميع البلاد، والحاجةُ تُقَدَّر به، وفيه كفاية لِمَنْ قنع، ويُشْبه أن يقال: لا يجب الأُدَمْ في اليوم الذي يعطيها اللَّحْم، ويكفي ذلك للإيدام، ولم يَتعرَّضوا له، وُيمْكِن أن يقال: إذا أوجبنا على الموسر اللحْمَ في كل يوم، يلزمه الإدامُ أيضًا، ليكون أحدهما غداء، والآخر عشاء على العَادَةِ، ولو تبرمت المرأة بالجنْس الواحِدِ من الأُدْمِ، فوجهان:
أحدهما: أن على الزوج أن يُبْدِله؛ إذ لا ضرر عليه فيه، ولا مشقَّة.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يَلْزَمُه ذلك، وعلَيْها الإبْدَال إن شاءَتْ (١)، وفي "أمالي أبي الفرج" -﵀- أيضًا: أنها لو صرفت شيئًا من القوت إلى الأُدْم أو بالعكس أو أبدلت الجِنْس الذي أخَذَتْه من الأُدْم بجِنْس آخر، فلا بأس، وَلاَ اعتراض للزوج عليها، فإنها متعرِّضة في مِلْكها، وأنَّ من الأصحاب مَن جَوَّز له
_________________
(١) = بالشام. قال القاضي الحسين: أو مصر فالزيت. وإنما خص هذه الأدهان بذلك لأنها أصلح للبدن وأخف مؤنة فإنه لا يحتاج في التأدم بها إلى طبخ وكلفة. وهذا كلام ابن الصباغ وظاهره حصر الأدم في الأدهان.
(٢) قال الشيخ جلال الدين البلقيني: محل الوجهين ما إذا كان في العبد أدم غالب فأما إذا لم يكن فالمجاب الزوجة والتعيين إليها قطعًا.
[ ١٠ / ٨ ]
المَنْع من إبدال الأشرف بالأخس، وَلاَ يَسْقط حقُّها عن الأُدْم بأن لا تَأْكُلَهُ، وتقنع بالخبز كما لا يَسْقط حقُّها عن الطعام؛ بأن لا تأكل بعضه، وعلى الوجه المذكور في أن للزَّوْجِ أن يمنعها من إبدال الأشرف بالأخس له أن يمنعها من ترك التَّأَدُّم بطريق الأَوْلَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الثَّالِثُ نَفَقَةُ الخَادِمَةِ لِمَنْ يَقْتَضِي مَنْصِبُهَا الخِدْمَةَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ شِرَاءُ خَادِمَةٍ وَتَمْلِيكُهَا، وَلَكِنْ يَجِبُ الإِخْدَامُ بِاسْتِئجَارِ حُرَّةٍ أَوِ اسْتِخدَامِ مَمْلُوكَةٍ أَو الإِنْفَاقِ عَلَى جَارِيتَهَا، وَلِلْخَادِمَةِ مُدٌّ عَلَى المُعْسِرِ، وَمَنٌّ عَلَى المُوسِرِ وَلاَ مَزِيدَ وَهُوَ قَدْرُ كِفَايَتَهَا فِي الغَالِب، وَفِي اسْتِحْقَاقِهَا الأُدْمَ وَجْهَانِ، وَلَوْ خَدَمَتْ بنَفْسِهَا فَلَيْسَ (و) لَهَا نَفَقَةَ الخَادِمَةِ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَتَوَلَّى الخِدْمَةَ فِيمَا لاَ يُسْتَحْيَى مِنْهُ لِيخَفِّفَ عَنْ نَفسِهِ بَعْضِ مُؤْنَةِ الخَادِمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ إِبْدَالُ خَادِمَتِهَا المأَلُوفَةِ إِلاَّ بِرِيبَةٍ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ سَائِرَ خَدَمَتِهَا سِوَى الوَاحِدَةِ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ سُكْنَاهُنَّ، بَلْ لَهُ مَنْعُ أَبوَيْهَا مِنَ الدُّخُولِ، وَمَنْعُهَا مِنَ الخُرُوجِ لِلزِّيَارَةِ، وَالرَّقِيقَةُ المَنْكُوحَةُ الَّتِي تَخْدُمُ لِجَمَالِهَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الخَادِمِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النساء صِنفان:
أحدهما: اللواتي لا يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُن في عادة البلد، بل يكون لهن من يَخْدُمُهُن، فإذا كانت الزوجةُ منْهُنَّ وَجَبَ على الزوج إخْدَامُها (١)؛ لأنها من المعاشرة بالمعروف، وهو مأمور بالمعاشرة، وأشار المزني -﵀- إلى اختلاف قَوْلٍ في وجوب الإخْدَام، وعلى ذلك جرى جَارُونَ، وأثبتوا الخِلاَفَ فيه على ما حكاه أبو الفَرَجِ السرخسيُّ وغيره، والجمهور قطَعُوا بالوجوب، وحملوا النُّصوص المُشْعوة بخلافه على ما إذا لم تكن الزوجةُ من هذا الصِّنْف، ولا فَرْق في وجوب الإخدام بيْن أن يكون الزوج موسرًا أو معسرًا حرًّا أو مكاتبًا أو عَبْدًا، والاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها دون أن ترتفع بالانتقال إلى بَيْت زوجها، ويليق بحالها؛ بسبب الانتقال أن يكون لها خَادِمٌ، وكذلك هو في تعليقِ الشيْخِ أبي حامد، ولا يجب أكْثَرُ مِنْ خادِمٍ واحدٍ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لحصول الكفاية به، وقال مالك -﵀-: إن كانت مِمَّنْ يخدم في بَيْت أبيها بخادِمَيْنِ أو أكثر، وجب إخدامها بذلك العدد ولا يلزمه تمليك جارية إياها،
_________________
(١) ما ذكراه في ضابط من لا تخدم نفسها بعادة البلد تبعًا فيه البغوي وغيره وقد قالا بقليل، الاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها، وهذا هو الذي ذكره صاحب الشامل وغيره فقال: إن كانت ممن لا تخدم نفسها في بيت أبيها لزمه إخدامها، وفي المعتمد يعتبر حالها بأهل قبيلتها فإن كانوا يخدمون أخدمها وإلا فلا يلزمه.
[ ١٠ / ٩ ]
بل الواجب إخدامها بحرة أو أمةٍ أو مستأجَرَةٍ أو ينْصِب مملوكة [له] تَخْدِمُهَا أو بالاتفاقِ على الَّتي حَمَلَتْها معها من حُرَّة أو أمة ولا يجوز أن يكون الخادِمُ إلا امرأة أو صبيًّا أو مَحْرَمًا لها، وفي مملوكها والشَّيخ الهم اختلافٌ، وفي جواز كون الخادِمِ من أهل الذمَّة وجهان:
عن أبي إسحاق -﵀- جوازه؛ لأنهم أَذَلُّ نُفُوسًا، وأسرع إلى الخدمة.
وعن غيره: المنع؛ لأن النفس قد تعافُهُم، وأيضًا، فلا يُؤْمَن عداوتهم الدِّينيَّة.
ثم في الفصل مسائل؛
إحداها: أن أخْدَمَها بحرة أو أمة مستأجرة، فليس عليه إلا الأُجْرة، وإن أخدمها بجاريةٍ، فنفقتها تجِبُ بحقِّ المِلْك، وإن كان يُخْدِمها بكفاية مؤنة خادمتها الحرة أو الأمةِ، فإذا موضع نفقة الخادمة، والقول في جنْس الطعام لهو في جنس طعام المخدومة.
وأما القَدْر، ففي "أمالي أبي الفرج": أن نفقة الخادم تقدَّر بِمُدٍّ، ولا تختلف باختلاف حال الزوج، والصحيح أنها تختلف، فعلى المُعْسِر مُدٌّ، وإن كان فيه تسوية بين الخادمة والمخدومة في حقِّه؛ لأن النفس لا تقوم بما دُون المُدِّ غَالِبًا، وعلى الموسر مُدٌّ وثُلُثٌ، وفي المتوسِّط ثلاثَةُ أوجُهٍ:
أصحُّهما: أن عليه مدًّا كالمعسر.
والثاني: أن عليه مدًّا وثلثًا كالموسر، حكاه في "البحر"، وغَلَّطَ قائله.
والثالث: قال أبو الفرج السرخسيُّ: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مدٌّ وسدُسٌ؛ لتفاوت المراتب في حقِّ الخادمة، كما تتفاوت في حق المخدومة ووجَّهوا التقدير في حق الموسر بالمد والثلث، بثلاثة طرق:
أشهرها: أن للخادمة والمخدومة في النفقة حالَةَ كَمَالٍ، وحالة نُقْصَانٍ. وهما في حالة النقصان يستويان، وفي حالة الكمال يُزَاد للمفضولة ثلث ما يزاد للفاضلة، كما أن للأبوين في الميراث حالتا كمالٍ ونقصانٍ، وهما في حالة النُّقْصَان، وهو أن يكون للميِّت ابْن يستويان فيكون لكل واحدٍ منهما السُّدُسُ، وفي حالة الكمال، وهو إذا انفردا، يكون المال بينهما أثلاثًا، فيزاد للأم ثلث ما يزاد للأبِ.
ويُحْكَى هذا عن القفَّال الشاشيِّ -﵀-.
والثاني: أن نفقة الخادمة على المتوسِّط ثُلُثَا نفقة المخْدُومة؛ لأنَّ نفقة المخدومة عليه مدٌّ ونصفٌ ونفقة الخادمة مدٌّ تفريعًا على الصحيح، فكذلك ينبغي أن تكون نفقة الخادمة على الموسر ثُلُثَيْ نفقة المخدومة علَيْه، وثُلُثَا المُدَّيْنِ مُدٌّ وثُلُثٌ.
[ ١٠ / ١٠ ]
والثالث: أن الموسِرَ زادت نعمةُ اللهِ عليه فيليق به الزيادةُ في الإنفاق، والنَّظَر إلى الثلث قريبٌ كما قال رسول الله -ﷺ-: "اللهُ تَعَالَى أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ" قال في "البسيط": وهذه المسالك بأصول أبي حنيفة أشبه منْها بأصولنا، لكن لمّا تطلبت الكفايةُ، اكتفوا بمثل هذه التفريعات، وفي "الوسيط" أن الشَّافعيِّ -﵁- ذكر المُدَّ والثُّلُثَ على التقريب، وأن الصحيح يُنْظَر إلى كفايتها، وهذا القَدْر قَدْرُ كفايتها في الغالب، ويليق بالعادة في حق الخادمة.
وقوله في الكتاب: "وهو قدر كفايتها في الغالب" يشير إلى نْحوِ مِنْ هذا، وهو غير ملائم لما ساقه الأصحاب.
والثانية: هل تَسْتَحِقُّ الخادمة الأُدْمَ فيه وجهان:
أحدهما: وُيحْكَى عن ابن أبي هريرة: لا، ويكتفي بما يَفْضُلُ من المخدومة.
وأصحُّهما: الاستحقاق كما في المخدومة، وذلك لأن العيش لا يتم دونه، وعلى هذا فجنسه جنس أُدْمُ المخدومة، وفي النوع وجهان:
أحدهما: أنه يُسوَّى بينهما فيه، كما في الجنس.
وأصحُّهما: وينسب إلى النصِّ: أنَّه يُجْعَلَ جنس أدم المخْدُومة أجود للعادة، وطُردَ الوجهان في نوع الطعام أيضًا، وفي استحقاق الخادمة اللحْمَ وجْهان، وربما بُنيا على الوجْهَيْن في التسوية في الإدام، إن قلنا: إن إدامها مثل إدام المخدومة، فلها اللحم، وإلا فلا يَجِب، وأما قدر إدامِها، فيُجْعَل بحسب الطعام.
الثالثة: لو قالت: أنا أخْدُمُ نَفسِي، وطلبت الأجرة أو نفقة الخادم، لم يلزمه ذلك؛ لأنها أسْقَطَتْ مربيتها، وله أن لا يَرْضَى بذلك؛ لأنَّها تصير متبذِّلةً، وأشار في "البسيط" و"الوسيط" إلى خلافٍ فيه، وإذا قلْنا بالظاهر، فلو توافقا على ذَلِكَ، ففي "التتمة": أنه على الخلاف في الاعتياض (١) عن النفقة، ولو قال الزوج: أنا أخدُمُها، وأراد إسقاط مؤنة الخادمة، فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، واختاره الشيخ أبو حامد: أن له ذلك؛ لأنَّ الخدمة حقٌّ عَليْهِ، فله أن يوفيه بنَفْسِه وبغيره، وعلى هذا، فالواجب إخدامها بأحد الطرق التي سَبَقَتْ، أو أن يَخْدُمَهَا بنفسه.
_________________
(١) ووجه الشبه أنها استحقت عليه الإخدام فأخذته عوضًا عن نفقة الخادم فصارت كما إذا استحقت الطعام والأدام فأحدث عنه العوض، وظاهر كلام الإِمام والغزالي الاعتياض. قال في المطلب: فإن صح ما ذكره من التخريح بطل ما ذكره من التعليل. انتهى وعلى الجواب فيظهر أن لا يصح إلا يومًا بيوم.
[ ١٠ / ١١ ]
وأظهرهما: المنع؛ لأنها تستحي منْه وتتعيَّر به، وعن القَفَّال وغيره: أن له ذلك فيما لا يستحي منْه، كغسل الثوب واستيقاء الماء وكنس البيت وطبخ الطعام، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها غصب الماء على يَدها، وحمله إلى المستحم ونحوهما، لأنها تحتشمه وتَسْتَحْيِي منْه، وهذا ما ذكره في الكتاب؛ حَيْث قال: "وللزوج أن يتولى الخِدْمَةَ فيما لا يُسْتَحْيَى مِنْه" وهو كوجه ثالثٍ فارقٍ، وفيه إشعار ظاهِرٌ بأن النوعين جميعًا من وظيفة الخادمة، وبُنيَ عليه أنَّه إذا تولَّى بنفسه ما لا يُسْتَحْيَى منه فقد تَحْمِل بعض أعمال الخادمة، فهل تَسْتَحِقُّ النفقة التامَّة؟ فيه وجهان؛ بناء على أن السَّيِّد إذا سلَّم الأمة المزوجة ليْلًا، واستخدمها نهارًا، هل تَسْتَحِقُّ تمام النفقة؟ وأنا إذا قلْنا: لا تَسْتحقُّ التمام، فيحتمل أن نشطر ويحتمل أن تُوزَّع على الأفعال، وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "ليخفف عن نفسه بعض مُؤْنَة الخادمة" لكن فيه كلامان:
أحدهما: ذكر أبو الفرج الزاز أن الذي يَجِبُ على الزَّوْج كفايته في حق المخدومة الشريفة؛ الطَّبْخ والغَسْل ونحوهما، دون حمل الماء إليها للشُّرْب، وحمله إلى المستحم، والترفُّعُ عن ذلك مَحْضُ رعونةٍ، لا عبرة بها.
والثاني: في "التهذيب": أنا نَعْنِي بالخدمة في الباب ما يَئُولُ إلى حاجتها؛ كحمل الماء إلى المستحمِّ، وصبه على يَدِهَا وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما الطبخ والغَسْل والكنس، فلا يجب شَيْءٌ منْها على المرأة، ولا على خادمتها، بل هو على الزوْج، إن شاء فعله بنفسه، وإن شاء، بغيره، فالكلامان متفقان على النوعَيْنِ جميعًا لا يتوظَّفان على الخادمة، حتى يُفْرَض توزيع النفقة، وتخفيف بعض المؤنة، والاعتماد من الكلامَيْن على ما في "التهذيب" (١) دون الأَوَّل ويُخَرَّج مِمَّا ذكَرْناه أن للزَّوْج أن يتولَّى ما لا يُسْتَحْيَى منه بلا خلاف، والخلافُ مخصوصٌ بما يُسْتَحْيَى منه.
الرابعة: لو تنازعا في تعيين الخادمة التي تخدمها من الخادمة التي يستأجرها الزوج لِخِدمتها أو الجارية التي يُخْدِمُها من جواريه فوجهان:
أحدهما: أن المُتَّبَع اختيارها؛ لأنَّ الخِدْمةَ لها، وقد تكون التي عينتها أوفق لها وأسرع إلى الامتثال.
وأظهرهما: أن المتبع اختياره؛ لأن الواجب عليه يَكْفِيهَا الخدمة دون أن تكفي تلك المعيَّنة، وهذا كما أنه لا يجوز تطليقه توفير النفقة من طعام معيَّن، ولأنه قد تدخله ريبة وتهمة تختارها هذا في الابتداء.
_________________
(١) قال النووي: الذي أثبته الزاز من الطبخ والغسل ونحوهما هو فيما يختص بالمخدومة والذي نفاه البغوي منهما هو فيما يختص بالزوج كغسل ثيابه، والطبخ لأكله ونحوه، والطرفان متفق عليهما، فلا خلاف بين الجميع في ذلك.
[ ١٠ / ١٢ ]
فأما إذا توافقا على خادمة، وألْفَتْها أو كانت قد حملت خادمة مع نفسها، فأراد إبدالها، لم يجز؛ لأن قطْعَ النَّفْس عن المألوف شديدٌ، إلا إذا ظهرت ريبة أو خيانة، فله الإبدال.
ولو أرادت استخدام ثانية وثالثة من مالها، فللزوج أن لا يرضى بدخولهن داره، وكذا لو حَمَلَتْ مَعَها أكثر من واحدة، فله أن يَقْتَصِر على واحد؛، ويخرج الأخريات من داره، وهذَا كما أن له أن يكلِّفها إخراج مالها من داره، وأن يمنع أبوَيْها من الدخول عليها، وأن يُخْرِجَ ولدَهَا من غيره إذا استصحبته معها.
الخامسة: إذا كانت المنكوحةُ رقيقةً، لكنها ذاتُ جمالٍ تُخْدَمُ في العادة، فهل يجب إخْدامها فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ (١)؛ للعادة.
وأظهرهما: واقتصر الأكثرون على إيراد [هـ]: المنع؛ لأنها ناقصةٌ بالرِّقِّ وحقُّها أن تَخْدُمَ دون أن تَسْتَخْدِم.
وقوله في الكتاب: "نَفَقَةُ الخَادِمَةِ" المراد منها مؤنة الإخدام، والنفقة في الحقيقة مخصوصةٌ ببعض الأحوال على ما تَبيَّن، واعلم بالواو؛ لقول من أثبت خلافًا في وجُوبِ الإخدام.
وقوله: "ومنعها من الخروج للزيارة" صحيح في نفسه، إلا أنَّه لا يلائم المقصود هاهنا، فإن المقصود أن الدار مِلْكُه، فله مَنْع الغَيْرِ مِنْ شغلها وسكانها، والمنع من الخروج ليس من هذه الجهة.
وقوله: "والرقيقة المنكوحة" هذا هو الصحيح، وقد يوجد في النسخ "والرقيقة المملوكة" وهو غَلَطٌ.
الصِّنْفُ الثاني: من النساء اللواتي يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُنَّ في العادة، فإذا كانت الزوجة منهن، نُظِرَ؛ إن احتاجت إلى الخدْمة؛ لِزَمَانَةٍ أو مرض، فعلَى الزوج إقامةُ مَنْ يَخْدِمُهَا ويُمَرِّضُها، وإذا لم تَحْصُل الكفاية بواحدة، فيزاد بحسب الحاجة، ولا فرق هاهنا بين أن تكون المنْكُوحة حُرَّةً أو أمةً، وهذا ما أطلقه الشافعيُّ -﵁- وأكثر الأصحاب في المَرَضِ.
ومنهم: من فصَّل أمر المَرَضِ، وقال: إن كان المرض دائمًا، وجب الإخدام؛ لأن العذر الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة، وإن لم يكن دائمًا، لم يجب كأسباب
_________________
(١) لم يصرح الرافعي بحكاية طريقين. بل قال فيه وجهان: أحدهما: نعم للعادة وأظهرهما لا، واقتصر الأكثرون على إيراد المنع. انتهى ولا يلزم من الإيراد القطع.
[ ١٠ / ١٣ ]
المعالَجَة، وعلى هذا جرى المتلقون عن الإِمام -﵏- وإن لم يكن بها عذر محوج إلى الخِدْمة، فليس عليه الإخدام، ولو أرادت أن تتخذ خادمةً بما لها، فله منْعُها من دخول داره، قال في "التتمة": وعلى الزوج أن يَكْفِيَهَا حمل الطعام إلَيْهَا، وحمل الماء إلى المنزل، وما أشبه ذلك.
فَرْعٌ: المبتوتة الحامل، هل تَسْتَحق نفقة الخادمة؟ فيه وجهان، بناهما ابن المرزبان على أن النفقة للحمل أو للحامل؟ إن قُلْنَا بالأول، لم تجب، وإن قلنا بالثاني، وجَبَتْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الرَّابعُ الكُسْوَةُ وَهِيَ فِي الصَّيْفِ خِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَمُكعَّبُ، وَفِي الشِّتَاءِ يَزيدُ الجُبَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَيَّنِ البَصْرَةِ لِلْمُوسِرِ أَعْنِي الكِرْبَاسَ، وَمِن غَلِيظِهِ للْمُعْسِرِ، وَمَا بَيْنَهُمَا لِلْمُتَوَسِّطِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا الحَرِيرُ وَالكتَّانُ لَمْ يَلْزَم عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَإِنَّهُ رُعُونَةٌ، وَلاَ بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مِلْحَفَةٍ وَشِعَارٍ وَمُضَرَّبَةٍ وَثِيرَةٍ وَمِخَدَّةٍ وَلَبَدٍ تَحْتَهُ أَوْ حَصِيْرٍ، وَهَلْ لَهَا طَلَبُ زِلِّيَّةٍ تُفْرَشُ، نَهَارًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ آلَةِ الطَّبْخِ وَآلَةِ الشُّرْبِ مِنْ كُوزٍ وَجَرَّةٍ وَقِدْرٍ وَمِغْرَفَةٍ، وَيَكْفِي أنْ يَكُونَ مِنَ الخَزَفِ وَالحَجَرِ وَالخَشَبِ، وَكُسْوَةُ الخَادِمَةِ أَخْشَنُ جِنْسًا، وَطَعَامُهَا مِثْلُ طَعَامِ المَخْدُومَةِ، وَفِي جِنْسِ إِدَامِهَا تَرَدُّدٌ، وَتَسْتَحِقُّ الخَادِمَةُ الخُفَّ دُونَ المَخْدُومَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الزَّوْج كسوةُ زوجته على ما قال تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وُيرْوَى أنَّه سئل رسولُ الله -ﷺ- عن حقِّ الزوجة على الزَّوْج، فقال: "أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمتَ وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيتَ" (١) ولأن الكسوة كالقوت في أن البَدَن لا يقوم إلا بهما، ولا تقاس الكسوة هاهنا بالكُسْوة في الكفارة؛ لأن هناك يَكْفِي ما يقع عليه الاسم، وهاهنا لا يكْفي بالإجماع، ويجب على قَدْر كفاية المَرْأة، فيختلف بطُولها وقِصَرها وهُزَالها وسمنها، واختلاف البلاد في الحَرّ والبَرْدِ، ولا يختلف عدد الكُسوةِ، باختلاف يسار الزوج وإعْسَاره، لكنهما يُؤَثِّران في الجودة والرداءة [و] في كلام أبي الفرج وإبراهيم المروزي: أنهُ يُنْظر في الكسوة إلى حال الزوجَيْن جميعًا، فيجب عليه ما يُلْبس مثْلُه مثلَها في العادة، ثم لا بد من بيان عدد الكُسْوة وجنسها.
أما العَدَد، فيجب في الصيف قميصٌ وسراويلُ وخمارٌ، وما تلبسه في الرِّجْل من
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة [١٨٥٠] والحاكم [٢/ ١٨٨]، من حديث معاوية بن حيدة، وزادوا في آخره: ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت، وقد علق البخاري هذه الزيادة حسب، وصححه الدارقطني في العلل.
[ ١٠ / ١٤ ]
مكعَّبٍ أو نعل وفي الشتاء يزاد جُبَّة محْشُوَّة تَدْفَع البرد، وقد يقام الإزار مقام السَّراويل، والفَرْو مقام الجُبَّة، إذا كانت العادة لُبْسَها، ذكره في "التتمة" وعن "المنهاج" للجوينيِّ: أن السراويل لا تَلْزَم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء، لدفع البرد، وفي "الحاوي" أن نساء أهل القُرَى إذا جرت عادتهن بأن لا يلبسن في أرجلهن شيئًا في البيوت لم يَلْزَم لأرجلهن شيء، ويجوز أن يُعْلَم لذلك في الكتاب لفظ "السراويل" و"المكعب" بالواو، وأما الجنس فقد ذكر الشَّافعيُّ -﵁- أن الموسر يُعْطِيَ جميع ذلك من لَيِّن البصْرة، أو الكوفة أو وَسَطَ بغْدَاد (١)، والمُعْسِر من غليظها، والمتوسِّط ما بينهما، وأراد المتَّخَذ من القطْن، فإن جَرَتْ عادة البلد بالكَتَّان، [أو الخَزِّ] أو الحَرِيرِ، فوجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن الشيخ أبي محمَّد -﵀-: أنه لا يلزم ذلك [بل له الاقتصار] على القطْن.
وأصحُّهما: اللزوم على عادة البلد.
ويفارق بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
قال الأصحاب: وإنما ذكر الشَّافعيُّ -﵁- ما ذَكَر على عادة ذَلِكَ الوَقْت (٢).
نَعَمْ، ولو كانتِ العادةُ لُبْسَ الثياب الرقيقة، كالقصب الذي لا يصلح ساترًا، ولا تصح فيه الصلاة، فلا يعطيها منه، ولكن من الصفيق الذي يَقْرُب منه في الجودة، كالدبيقي والكتَّان المرتفع.
فرع: قال أبو الفرج السرخسي: إذا لم تستغْنِ بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود، فيجب من الحَطَب أو الفَحْم بقدر الحاجة. هذا هو الكلام في ملبوس البَدَن.
وأما ما يُفرَشَ، فعلى الزوج أن يُعْطِيها ما تفرشه على الأرض للقُعُود عليه، ويختلف ذلك باختلاف حالِ الزَّوْج.
قال في "التَّتمة": فعلى الغنيِّ الطنفسة في الشتاء ونِطْع في الصيف، [وعلى المتوسِّط زِلِّيَّةٌ، وعلى الفقير وحصير في الصيف، ولبد في الشتاء، ويُشْبه أن تكون الطنفسة والنِّطْع بعد بسط زِلِّيَّة أو حصير، فإن الطنفسة والنطع لا يُبْسَطَان وحْدهما (٣)، وهل عليه فراش لتنامَ علَيْهِ؟ فيه وجهان.
_________________
(١) الظاهر أنه لم يرد توسط المكان الذي هو جوفها بل نوعًا من القطن اسمه وسط ولهذا قال الشَّافعي في المختصر: وسط البغداديين، وعلى هذا فهو معطوف على لين البصرة لا على الكوفة.
(٢) وهذا التأويل فيه نظر بل لم يقل الحرير ونحوه موجودًا ملبوسًا للنساء من أهل اليسار في كل قطر فالظاهر إجراء نص الشَّافعي على ظاهره. وإن خالفه جمهور الأصحاب.
(٣) الطنفسة بفتح الطاء والفاء وكسرهما وكسر الطاء وفتح الفاء ثلاث لغات حكاهما صاحب الانتصار في لغة الطاء وهي بساط صوف. =
[ ١٠ / ١٥ ]
أحدهما: لا، وتنام على ما يَفْرشه نهارًا.
وأصحُّهما: نعم، على العادة (١) الغالبة، وعلى هذا، فيلزمه مُضَرَّبَة وَثيرَةٌ أو قطيفةٌ، ولم يذكروا خلافًا في أنه تجب مِخَدَّة ولِحَافٌ؛ لدفع البرد في الشتاء وفي البلاد الباردة أو كساءٌ هكذا قيد الأئمة -﵏- بالشتاء، وإن أطلق ذكْر الملحفة في الكتاب، ويكون كل ذلك لامرأة الموسر من المرتفع، ولامْرأة المعسر من النازل، ولامرأة المتوسِّط مما بينهما، وحكى صاحب الكتاب عن العراقِيِّين وجهَيْن في أنه هل يَجِبُ لها زِلِّيَّةٌ تفرش نهار أو ربما أفهم إيرادُه كَوْن الزِّلِّيَّة غير اللبد أو الحصير تحْت المُضَرَّبة، والمفهوم من كلام الجُمْهور أن المَفْرُوش على الأرض من الزِّلِّيَّة، إِما اللبد أو الحصير واحدٌ ليلًا ونهارًا، والذي يوجَدُ الخلافُ فيه من كتب العراقيِّين الفراشُ دون الزِّلِّيَّة، ويجوز أن يُعْلَم؛ لِمَا حكيناه لفْظ "المضربة" بالواو، أما "الشعار" الذي ذكره في هذه الجملة فالأكثرون سكتوا عنه، ويمكن أن يُخصِّص الشِّعَار بالصيف، كما يخصَّص اللحاف بالشتاء، ويمكن أن يقال: في الشتاء يجب الشِّعَار معِ اللِّحَاف، كما يجب القَمِيص مع الجُبَّة، والحُكم في جميع ذلك مبنيٌّ على العادة نوعًا وكيفيَّةً، حتى قال القاضي الرويانيُّ في "البحر": لو كانوا لا يعتادون في الصَّيْف لنومهم غطاءً غير لباسهم، لم يلزمه شيْءٌ آخر، ثم في الفَصْل مسألتان:
إحداهما: عَلَى الزوْج للزوْجَة: آلات الطبخ والأكل والشرب كالكوز والجرة والقدر والمغرفة والقَصْعَةَ ونحوها، ويكفي أن يكون من الخشب أو الحَجَر أو الخَزْف،] (٢) وذكر الإِمام وغيره: أنَّه يُحْتَمَل ألا يُزَاد في الجنْس على ذلك، ويقال: إن الزيادات من رُعونَات الأنفس، ويحتمل أن يجب للشريفة الظروف النحاسية للعادةِ، واعلم أنه لا اختصاص لِهَذا النَّوع بفصل الكُسْوة، والأَوْلَى أن يجعل كحالة للطعام والإدام، أو يجعل جنسًا برأسه.
_________________
(١) = والزلية بكسر الزاي وتشديد اللام جمعها الزلالي. قاله في التحرير تبعًا للجوهري وفي شرح الجمل لعبد الدايم القيرواني الصواب زِلّ وهو وجه مطرح غير مبطن وأصله بالفارسية زيلوهُ فعرب فقيل زل وهو مستعمل في العراق في دخول الحمام وفي الأسفار. انتهى. واللبد بكسر اللام وإسكان الباء، والنطع بكسر النون وفتح الطاء بوزن عنبَ في أفصح لغاته السبع. والنطع بفتح الطاء وكسرها لغتان بساط من الأديم والجمع أنطاع ونطوع.
(٢) قال الشيخ البلقيني: هذا عكس ما يوجد في التصانيف، فإن الموجود في التصانيف من الطريقين الجزم بوجوب فراش النوم، ثم منهم من يذكر الخلاف في ايجاب شيء يفرشه بالنهار، ومنهم من يجزم بأن ذلك الذي للنوم يفرشه بالنهار؛ ومنهم من يجزم بوجوبها، ولم أر أحدًا أوجب ما يجلس عليه نهارًا جزمًا وذكر الخلاف في فراش النوم.
(٣) سقط من: ز.
[ ١٠ / ١٦ ]
الثانية: يجب للخادمة الكُسْوةُ كالنفقة، فلا بُدَّ من القميص، وفي السراويل وجْهَانِ:
أصحُّهما: عند صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيِّ: الوجوب.
والثاني: لا يجب؛ لأن المقصود من السراويل الزينةُ وكمال الستر، والخادمةُ لا تحتاج إلى الزينة، ولا إلى كمال السِّتْر، إذا كانت أمةً، فإنَّ ساقها ليست من العَوْرَة، وكلام أكثرهم إلى هذا أَمْيَلُ، وأطلَقَ مُطْلِقُون وجوبَ المقنعة وفي "التتمة": أنها تجب في الشتاء لدفع البَرْدِ، وفي الصيف: تجب إنْ كانت حرَّةً وإن كانَتْ أَمَةً فلا تجب، إِذا كانت عادة الإماء في البلد كَشْفَ (١) الرأس، وتجب في الشتاء جُبَّة أو فروة وَيجِب الخف للخادمة (٢)، ولا يجب للمخدومةِ؛ لأن الخادمة تحْتَاجُ إلى الخروج، والنُّقُلة في الحوائج، ويجب لها ما تَلْتَحِف به عند الخروج أيضًا، وأمَّا ما يُفْرَش وُينَام فيه، فقد قال المتولِّي: لا بد مِنْ شَيْء تَجلْسِ علَيْه كبارية في الصيف، وقطعة لبد في الشتاء، ولا بد من مِخَدَّة وشَيْءٍ تَتَغَطَّى به في الليل من كساءٍ ونحوه، قال في "البحر": ولا يجب لها الفراشُ، بلِ يَكْتَفِي بالوسادة والكساء (٣)، ما يجب يجب مما يليق بالخادمة جنْسًا ونوعًا، ويكون أخْشَنَ من كُسْوة المخدومة، وإن كان الطعام لا يختلفون وفي الإدام خلاف ذكرناه منْ قَبْل، وأورده صاحب الكتاب هاهنا، وقوله في الكتاب: "وكلُّ ذَلِكَ مِنْ لَيِّنِ البَصْرة يعني الكرباس مذكور على التمثيل، يعني من لَيِّنْ البصرة أو الكوفة، أو ما في معناهما، والبَلَدَانِ مذكوران في لفْظِ الشَّافعيِّ -﵁- واسم "الكِرْبَاسِ" قد يختص بالنوع الغليظ الذي يختص بالخَادِمَة، ويستعمل مقابلة اللَّيِّن، وكذلك وقع في لفظ الشَّافعيِّ -﵁-.
وقوله قبل ذلك "خمار وقميص وسراويل" أراد بالخمار المقنعة، وقد يختص اسم "الخمار" بما يجعل فوق المقنعة؛ ولذلك ذكر بعضُهُمْ أنَّه يجب في الشتاء الخمارُ مع المقنعة، إذا وقعتِ الحاجة إلَيْه، وقياس مسائلِ البابِ أن تَجِبَ الزيادةُ على الجُبَّة الواحدةِ، حيث يشتد البرْدُ، ولا تكفي الواحدة (٤).
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الخَامِسُ آلَةُ التَّنْظِيفِ وَهُوَ المُشْطُ وَالدُّهْنُ، وَلاَ يَجِبُ
_________________
(١) قال النووي: الصحيح القطع بالوجوب مطلقًا.
(٢) أي بخلاف الزوجة كما قاله الماوردي. قال: لأن له منعها من الخروج.
(٣) وما قاله في البحر تابعه فيه ابن الصباغ لكن الأصح ما قاله المتولي، وبه جزم الماوردي.
(٤) وهذا الذي أبداه تفقهًا صرح به صاحب الكافي فقال: وفي الشتاء جبة أو جبتان على قدر شدة البرد، وقد حكى الرافعي عن السرخسي ما هو أبلغ من ذلك، وهو أنا إذا قلنا لم يستغن في البلاد الباردة عن الوقود يجب لها من الحطب والفحم بقدر الحاجة.
[ ١٠ / ١٧ ]
الكُحْلُ وَالطِّيبُ، وَيَجِبُ المرتك لِلضُّنَان، وَلِلْزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ تَعَاطِي الثَّومِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ مُؤْذِيَةٌ وَمِنْ تَنَاوُلِ السُّمِّ، وَهَلْ لَهُ المَنْعُ مِنَ الأَطْعِمَةِ المُمَرِّضَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ الدَّوَاءَ لِلمَرَضِ، وَلاَ أُجْرَةَ الحِجَامَةِ، وَلاَ أُجْرَةَ الحَمَّامِ إِلاَّ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ، وَالخَادِمَةُ لاَ تَسْتَحِقُّ آلَةَ التَّنْظِيفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وعلى الزوْج أن يعطي الزوجة ما تتنظف به وتزيل الأوْسَاخ الَّتي تؤذيها أو تُؤْذي بها؛ كالمُشْط والدُّهْن (١) وما تغسل به الرأْسَ من السِّدْر أو الخطمي أو الطِّين، على عادة البقعة، والرجوع في قَدْرها إلى العادة، ويجب من الدُّهْن ما يعتاد استعماله غالبًا، كالزيت والشيرج وغيرهما، وإن كانوا يعتادون التطيب بالورد أو البنفسج، وجب المطيب وأبدى الإِمام وغيره احتمالًا في الدُّهْن، إذا قال الزوج: هو للتحمُّل والتزين، وأنا لا أريده، والمشهور الأوَّل، وما يُقْصَد للتلذُّذ والاستمتاع، كالكحل والخِضاب (٢) فلا يجب على الزوج بل ذلك إلى اختياره، فإنْ شاء هَيَّأه لها وإذا هيا لها أسباب الخضاب، لزمها الاخْتضَاب، ومِنْ هذا القبيل الطِّيبُ، ولا يجب إلا ما يقصد به قطع السهولة، ويجب المرتك، وما في معناه لدَفْع الصُّنَان، إذا لم ينقطع بالماء والدّراب، وحكى فيه بعْضُ أصحاب الإِمام وجهًا آخر.
وأما قوله: "وللزوج منْعُها من تعاطِي الثُّومِ [وأكل] ما له رائحةٌ مؤذيةٌ" فهذا فيه قولان، ذكرناهما في أوَّل الجنْس الرابع مِنْ موانع النِّكاح، والأصحُّ ما ذكره في الكتاب وليُعْلَم للقول الآخر، وأما قوله: "ومن تناول السُّمِّ" فإذا لا خلاف فيه؛ فإنه إهلاك للنفس، وهو مُحرَّم، ولكلِّ واحدٍ أن يَمْنَعَ منه، وهل له المَنْعُ من تناول الأطعمة التي يخاف منْها حدُوث المَرَض؟ فيه وجهان؛ لأنَّه لا يتحقَّق، والأصحُّ على ما ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره أن له المَنْعَ.
ولا تستحق الزوجة الدواء للمرض، ولا أجرة الطبيب والفِصَاد والحجام والختان، بخلاف المُشْط والدُّهْن، ووُجِّه ذلك بأن الزوج بمثابة المُكْتَري والمرأة بمثابة المُكْرِي،
_________________
(١) أطلق المصنف ذلك فشمل الدهن للرأس والبدن وهو الذي ذكره الماوردي. وقال الشيخ في التنبيه: الدهن للرأس نعم. قيد الماوردي ذلك حيث يعتاد في البلاد الحارة، وسكت المصنف ﵀ عن الصابون وعن البغوي أنَّه يجب لها الأشنان والصابون لغسل الثياب وتبعه في الكافي وزاد في كل أسبوع أو غيره. نقله في الخادم. ثم قال: والأشبه ضبطه بالعادة وهي تختلف باختلاف الأقوال.
(٢) قال ابن الرفعة: كذا قرن الكحل بالخضاب، وفي الحاوي أن ما يراد منه للزينة كالإثمد يجب على الزوج الإتيان به وعبارة الحاوي: وأما الكحل فما كان منه للزينة كالإثمد فهو على الزوج لأنه من حقوق الاستمتاع وما كان للدواء فعليها كسائر الأدوية.
[ ١٠ / ١٨ ]
والدواء وما في معناه لحفظ البدن، ومؤناتُ حفْظِ الأصْلِ على المُكْرِي كعمارة الدار، والمُشْطُ والدُّهْنُ للتنظيف، ومؤنة التنظيف على المُكْتَري كغسل الدار وكنسها.
نعم، يلزمه الطعام والأُدمْ في أيام المرض، ولها صرف ما تأخذ إلى الدواء ونحوه، إن شاءت.
وأمَّا أجْرةُ الحَمَّام، فقد أشار بعْض أصحاب الإِمام إلى خِلاَفٍ في وجوبها، والذي أورده في الكتاب أنَّه لا يجب إلا إذا اشتد البَرْدُ وعَسُر الغسل إلا في الحَمَّام، والظاهر، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما: أن أجرة الحمَّام تَجِبُ إلا إذا كانت المرأة مِمَّن لا يعتادون دخُولَ الحمَّام؛ كأهل بعض الرساتيق، وإذا وجَبَت، فعند [صاحب] "الحاوي" -﵀- أنها تَجِبُ في كلِّ شهر مَرَّةً، ولا يجب على الزوج (١) ثمن ماء الاغتسال، إذا احتيج إلى الشراء إن كانت تغتسل مِنَ الاحْتِلام، وكذا لو كانَتْ تغتسل من الحَيْض في أصح الوجهين، ويجب إن كانت تغتسل من الجماع أو من النفاس في أصحِّهما؛ لأنَّ الحاجة إليه جاءت مِنْ قَبلِهِ، ويُنْظَر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السَّبَب مِنْ جهته؛ كاللمس أو ليس من جهته.
ولا يجب عليه أن يُضَحِّيَ عن زوجته، نذَرَتِ التضحية أو لم تنذر، ولا يجب للخادمة آلات التنظيف لأنها لا تَتنظَّف له، بخلاف المخْدُومة، بل اللائق بحالِ الخادمة أن تكون شعثة؛ لئلا تمتد إليها الأعْيُنُ، لكن لو أكثر الوسخ، وتأذَّت مِنَ الهَوامِّ، فعليه أن يعطيها ما تترفَّه به، استدركه القفَّال، واستحسنُوه، وأطْلَق صاحب العِدَّة وجهَيْن؛ في أنه هل يعطي الخادمة المُشْط والدُّهْنَ ولهذا يجوز إعلام قوله في الكتاب: "والخادمة لا تستحق آله التنظيف" بالواو.
وفي وجوب تجهيز الزَّوْجة، إذا ماتَتْ وجهان مذكورانِ في الجنائز، ويَجْرِيَان في تجهيز الخادمة ورأى في "التتمة" وترتيبهما على الوجهَيْنِ في المخدومة؛ لأن عُلْقَةَ النكاح تَبْقَى بعْدَ الموت في التوارُث والغسل، فكذلك [في] التجهيز.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ السَّادِسُ: السُّكْنَى وَعَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا دَارًا تَلِيقُ بِهَا إِمَّا بِعَارِيَّةٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ مِلْكٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومما يجب على الزوج تهيئة المَسْكَن للزوجة؛ فإنه لا بد منْه، وقد سَبَق أن المُعتدَّة تستحقه؛ فالمنكوحة أَوْلَى، ويجب أن يُسْكِنَها الموْضِع الذي يليق بحالها في العادة، فالتي لا يليق بحالها [في العادة] الخَانُ، لا بد من إسكانها في دارٍ أو حُجْرةٍ، ويُنْظَر أيضًا إلى سَعَتها وضِيقِها، وذكر في الفرق بينه وبين القوت حيْثُ نَظَرْنا
_________________
(١) في ز: المرأة.
[ ١٠ / ١٩ ]